Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الأذان
٣٠- باب فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
وَجَاءَ أَنَسٌ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى
جَمَاعَةً.
٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِِّ قَالَ: ((صَلَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذُّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً)).[٦٤٩ - مسلم: ٦٥٠ - فتح: ١٣١/٢]
٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابن الهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ بَ يَقُولُ: ((صَلَاةُ الجَمَاعَةِ
تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)). [فتح: ١٣١/٢]
٦٤٧- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا
الأَغْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا
وَعِشْرِينَ ضِعْفًّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ
لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا
خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ
عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَرْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا أُنْتَظَرَ الصَّلَاةَ)). [انظر: ١٧٦ -
مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ١٣١/٢]
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَىْ مَسْجِدٍ آخَرَ.
قلت: قد روي ذلك عن حذيفة وسعيد بن جبير (١)، وذكر الطحاوي
(١) روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة ٢/ ٢١ (٥٩٨٩، ٥٩٩١).
كتاب: الصلوات، باب: الرجل تفوته الصلاة في مسجد قومه.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجده وحده، وإن شاء أتى مسجدًا
آخر يطلب فيه الجماعة، إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام
أو مسجد رسول الله وَ ل فلا يخرجوا منه ويصلوا فيه وحدانًا؛ لأن هذين
المسجدين الفذ أعظم أجرًا ممن صلى في جماعة(١). وقال الحسن
البصري: ما رأينا المهاجرين يبتغون المساجد(٢).
قال الطحاوي: والحجة لمالك أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ
بخمس وعشرين درجة، والصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة
أفضل من الصلاة في غيرها، فلذلك لا يتركهما ابتغاء الصلاة في
غيرهما(٣).
وفي ((مختصر ابن شعبان)) عن مالك: من صلى في جماعة فلا يعيد
في جماعة إلا في مسجد مكة والمدينة. ثم قال البخاري: (وجاء أنس
إلى مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة). وهذا التعليق
رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن الجعد أبي عثمان، عنه (٤). وعن
هشيم، أنا يونس بن عبيد، حدثني أبو عثمان السكري فذكره(٥).
واختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فرُوي عن
ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه(٦). وهو قول
عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب(٧)؛ عملًا
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٧/١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢١/٢ (٥٩٩٥).
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٧/١-٢٥٨.
(٤) ((المصنف)) ٢٠٠/١ (٢٢٩٨).
(٥) ((المصنف)) ١١٣/٢ (٧٠٩٣).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ١١٤/٢ (٧١٠٦).
(٧) انظر ((المغنى)) ١٠/٣، ((النوادر والزيادات)) ٣٣٠/١.

٤٢٣
=
كتاب الأذان
بظاهر الحديث: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ)) الحديث(١).
وقد وقع ذلك في مسجده بَّل وقال: ((أيكم يتصدق على هذا فيصلي
معه)) الحديث، كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وقال: إنه
قول غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين(٢).
وقالت طائفة : لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتین، رُوي ذلك عن سالم
والقاسم، وأبي قلابة، وهو قول مالك والليث، وابن المبارك، والثوري،
والأوزاعي، وأبي حنيفة(٣)، والشافعي قال بعضهم: إنما كره ذلك خشية
افتراق الكلمة فإن أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة وقال مالك
والشافعي إذا كان المسجد على طريق لا إمام له، ولا بأس أن يجمع فيه
قوم بعد قوم(٤). وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد
المطروق، وكذا غيره إن بعُد مكان الإمام ولم يخف فيه.
ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث.
أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((صَلَةُ الجَمَاعَةِ
تَفْضُلُ صَلَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٌ)).
ثانيها: حديث أبي سعيد مثله.
ثالثها: حديث أبي هريرة: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى
صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ
(١) الحديثان الآتيان في الباب (٦٤٥- ٦٤٦).
(٢) أبو داود (٥٧٤)، الترمذي (٢٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا
أحمد ٦٤/٣، ٨٥، وابن حبان (٢٣٩٧-٢٣٩٨)، والحاكم ٢٠٩/١، والبيهقي
٦٨/٣-٦٩. والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٨٩).
(٣) ((البناية)) ٦٩٧/٢، ((المدونة)) ٨٩/١.
(٤) ((الأم)) ١٣٦/١ -١٣٧.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
فَاحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ
خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ
المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَُّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.
وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا أَنْتَظَرَ الصَّلَاةَ)).
والكلام عليها من أوجه:
أحدها:
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وعدد الترمذي رواته
وقال: عامة من روى عن النبي ◌َلهو إنما قالوا: بخمس وعشرين إلا
ابن عمر، فإنه قال: بسبع وعشرين(٢). وأما حديث أبي سعيد فهو
ساقط في بعض النسخ، وهو ثابت في ((الأطراف)) لأبي مسعود وخلف
دون الطرقي وهو من أفراد البخاري، وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث
ابن عمر، وذکره الإسماعيلي أول الباب قبله.
وأما حديث أبي هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق(٣)،
ويأتي في البيوع أيضًا (٤).
ثانیھا :
الجماعة: اسم لعدد من الناس مجتمعون، ويقع على الذكور
والإناث.
(١) مسلم (٦٥٠) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في
التخلف عنها.
(٢) ((سنن الترمذي)) حديث (٢١٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل الصلوات
الخمس.
(٣) سبق برقم (٤٧٧).
(٤) سيأتي برقم (٢١١٩) باب: ما ذكره في الأسواق.

٤٢٥
كتاب الأذان
وقوله: تفضل صلاة الفذ: كذا هو في عدة نسخ من البخاري،
وعزاه ابن الأثير إليه في ((شرح المسند)) بلفظ: ((على صلاة الفذ))، ثم
أولها بأن تفضل لما كانت بمعنى: زاد، وهو يتعدى بعلى، أعطاها
معناها فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها.
قال: وأما الذي في مسلم: ((أفضل من صلاة الفذ)). فجاء بها
بلفظة أفعل التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك فيه، وهي
أبلغ من تفضل؛ لأنها تدل على التفضيل دلالة هي أفصح من دلالة
تفضل عليه.
والفضل: الزيادة، والفذ: المنفرد بالذال المعجمة، ومعناه:
المصلي وحده، ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون وهي غنة لا نون
حقيقية. قال: وكذلك يقول أهل الشام.
والدرجة: المرتبة والمنزلة يريد أن صلاة الجمعة تزيد على ثواب
صلاة الفذ بسبعة وعشرين ضعفًا.
والظاهر أن كل درجة بمقدار صلاة الفذ، ولفظ التضعيف يشعر
بذلك؛ لأن التضعيف إنما يكون بمثل الشيء المضاعف، وخص
الدرجة في هذِه الرواية دون الجزء والنصيب والحظ؛ لأنه أراد
الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنها فوق تلك بكذا وكذا درجة؛
لأن الدرجة إلى جهة فوق.
ثالثها :
اختلف في الجمع بين رواية ((سبع وعشرين درجة))، و((خمسة
وعشرين ضعفًّا)، وفي أخرى: في الصحيح: ((جزءً))(١) بدل ضعفًا
(١) سيأتي برقم (٦٤٨).
-

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
على أوجه وصلتها في ((شرح العمدة)) إلى ثلاثة عشر وجهًا (١)، ونذكر
هنا منها ثلاثة :
أحدها: أنه لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم
العدد مختلف فيه. قال ابن برهان(٢): والشافعي والجمهور يقولون به.
ثانيها: أن يكون أولًا أخبر بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل،
فأخبر بها، ولابد من معرفة التاريخ على هذا.
ثالثها: أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم
خمسًا وعشرين، ولبعضهم سبعًا وعشرين، بحسب كمال الصلاة من
المحافظة على هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم، وشرف
البقعة، ونحو ذلك. وغلط من قال: إن الدرجة أصغر من الجزء؛ فإن
في الصحيح خمسًا وعشرين درجة وسبعًا وعشرين درجة، وأنه إذا
جزئ درجات كان سبعًا وعشرين، وقد تكلف جماعة تعليل هذِه
الدرجات كابن بطال(٣)، وابن التين وغيرهما، وما جاءوا بطائل.
ولابن حبان فيه مصنف.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ٣٥٠-٣٥٤.
(٢) هو العلامة الفقيه، أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحماني، البغدادي
الشافعي. كان أحد الأذكياء، بارعًا في المذهب وأصوله، من أصحاب ابن عقيل
ثم تحول شافعيًا، ودرس بالنظامية، تفقه بالشاشي والغزالي مات كهلًا سنة ثماني
عشرة وخمس مائة. وانظر تمام ترجمته في: ((المنتظم)) ٩/ ٢٥٠، ((وفيات الأعيان))
٩٩/١، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٥٦/١٩ (٢٦٤)، ((الوافي بالوفيات)) ٢٠٧/٧،
((شذرات الذهب)) ٤/ ٦١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٧٦/٢ -٢٧٧.

٤٢٧
كتاب الأذان
=
رابعها :
فيه دلالة على سنية الجماعة، وهو قول الأكثرين؛ لأن تفضيل فعل
على آخر يشعر بتفضيلهما، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل
الجماعة، وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة وهي رواية
عن أحمد(١).
وبقية فوائده ومتعلقاته أوضحته في ((شرح العمدة))(٢).
وأما حديث أبي سعيد فانفرد بإخراجه البخاري، وأما حديث أبي
هريرة فسلف في باب الصلاة في مساجد السوق(٣)، وباب الحدث
في المسجد(٤)، ويأتي أيضًا في البيوع(٥).
(١) ((المحلى)) ١٨٨/٤، ((المبدع» ٤١/٢.
(٢) ((الإعلام)) ٣٥٠/٢-٣٥٤.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧).
(٤) سبق برقم (٤٤٥) كتاب: الصلاة.
(٥) سيأتي برقم (٢١١٩).

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٣١ - باب فَضْلٍ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِ سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ يَقُولُ:
(«تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ
مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ
شِئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢،
٦٤٩ - فتح: ١٣٧/٢]
٦٤٩- قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعِ
وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. [انظر: ٦٤٥ - مسلم: ٦٥٠ - فتح: ١٣٧/٢]
٦٥٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ:
سَمِعْتُ سَالمَا قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّزْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّزْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ،
فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: والله مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ بَّهِ شَيْئًا إِلَّ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ
جَمِيعًا.[فتح: ٢/ ١٣٧]
٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَنِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ
أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلَّيَهَا مَعَ الِإِمَامِ أَعْظَمُ
أَجْرًا مِنَ الذِي يُصَلِّ ثُمَّ يَنَامُ)).[ مسلم: ٦٦٢ - فتح: ١٣٧/٢]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: (تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ
أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ
النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ
قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وفي حديث ابن عمر: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.

٤٢٩
كتاب الأذان
هذا الحديث سلف، قريبًا تراه، لكن من طريق آخر إلى أبي
هريرة (١) .
ويأتي في التفسير أيضًا في سورة سبحان(٢)، وأخرجه مسلم
أيضًا(٣)، والمراد بقرآن الفجر: صلاة الفجر. كما جاء مفسرًا، ويأتي
-إن شاء الله تعالى- ذلك في التفسير.
ثم ساق البخاري عن سالم، عن أم الدرداء رضي الله عنها أنها
قالت: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟
فَقَالَ: والله مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَِّ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا.
وهذا من أفراد البخاري(٤).
وسالم هذا هو ابن أبي الجعد(٥)، واسم أم الدرداء: هجيمة،
وقيل: بتقديم الجيم الوصابية، وقيل: الأوصابية -ووصاب: بطن من
حمير مشهور باليمن إلى الآن- وأم الدرداء هذِه هي الصغرى(٦). وفي
(١) برقم (٦٤٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٧١٧).
(٣) مسلم برقم (٦٤٩) كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد
في التخلف عنها.
(٤) في هامش الأصل : كتبت من خط المصنف: عزاه بن الأثير إلى الترمذي ولم
يذكره بن عساكر ولا النسائي.
(٥) تقدمت ترجمته في حديث (١٤١).
(٦) هي السيدة العالمة الفقيهة، هجيمة، وقيل جهيمة الحميرية الدمشقية، روت علمًا
جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وسلمان الفارسي وعائشة وأبي هريرة، وعرضت القرآن
وهي صغيرة على أبي الدرداء. وطال عمرها واشتهرت بالعلم والعمل والزهد.
انظر تمام ترجمتها في: ((تهذيب الكمال)) ٣٥٢/٣٥ (٧٩٧٤)، ((سير أعلام النبلاء))
٢٧٧/٤ (١٠٠)، ((تذكرة الحفاظ)) ١/ ٥٠. ووسمت أو وصفت هذِه بالصغرى،
تمييزًا لها عن الكبرى وهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، أم الدرداء الكبرى.

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الحديث: دلالة على جواز الغضب عند تغيير الدين وأحوال الناس في
معاشرتهم؛ لأن أبا الدرداء كان يعرف أحوالًا في زمن رسول الله وَّ
فوجدها قد تغيرت؛ لأنه عاش إلى أواخر ولاية عثمان، مات سنة
اثنتين وثلاثين(١)، وفيه أيضًا إنكار المنكر بالغضب إذا لم يستطع أكثر
من ذلك.
وقوله: (ما أعرف) إلى آخره فيه حذف المضاف إليه؛ لدلالة
الكلام، ومعناه: لا أعلم من شريعة أمة محمد شيئًا لم يتغير عما كان
إلا الصلاة.
ثم ذكر البخاري بعده حديث أبي موسى مرفوعًا: ((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا
فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيْهَا مَعَ
الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ)).
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(٢)، واقتصر المجد في ((أحكامه))
على عزوه إليه، وأغفله الحميدي في ((جمعه))، وعزاه البيهقي والضياء
إلى ((الصحيحين))(٣)، وذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في ((مستخرجيهما))
على البخاري، وإنما كان أعظم أجرًا أبعدهم ممشى؛ لكثرة الخطى.
= انظر ترجمتها في: ((الاستيعاب)) ٤٨٨/٤ (٣٥٨٤)، («أسد الغابة» ٣٢٧/٧
(٧٤٣٠)، ((الإصابة)» ٢٩٥/٤ (٣٨٦).
(١) هو عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس، وقيل: اسم أبي الدرداء عامر بن
مالك، وعويمر لقب، روى عن النبي ◌َّر، وعن زيد بن ثابت وعائشة، أنظر تمام
ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٢١١/٤، ((أسد الغابة)) ٩٧/٦ (٥٨٥٨)، ((تهذيب
الكمال)» ٤٦٩/٢٢ (٤٥٥٨)، ((الإصابة)) ٤٥/٣ (٦١١٧).
(٢) مسلم برقم (٦٦٢). كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٧٧/١٠-٧٨ (٢٠١٠٦) كتاب: النذور، باب: من نذر تبررًا أن
يمشى بيت الله الحرام.

٤٣١
كتاب الأذان
واعلم أنه قد بين في الحديث الأول المعنى الذي أوجب الفضل لشهود
الفجر في الجماعة هو اجتماع ملائكة الليل والنهار فيها، وكذا في صلاة
العصر أيضًا؛ ولذلك حث الشارع على المحافظة عليها؛ ليكون من
حضرهما ترفع الملائكة عمله وتشفع له.
قال ابن بطال: ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة فيهما هما
الدرجتان الزائدتان على الخمسة وعشرين جزءًا في سائر الصلوات
التي لا تجتمع الملائكة فيها (١).
وأما الحديث الأخير فوجه اختصاصه بصلاة الفجر كما بوّب عليه
البخاري أنه جعل بُعد المشي سببًا في زيادة الأجر؛ لأجل المشقة،
والأجر على قدر النصب، ولا شك أن المشي إلى صلاة الفجر أشق
منه إلى بقية الصلوات؛ لمصادفة ذلك الظلمة ووقت النومة المشتهاة
طبعًا، ذكر ذلك ابن المنير(٢)، والمعنى الذي ذكره يصلح أيضًا في
صلاة العشاء، مع أن الانتظار في الحديث عام. والحديث دال على
فضل المسجد البعيد؛ لأجل كثرة الخطى، فلو كان بجواره مسجد
ففي مجاوزته إلى الأبعد ما ستعلمه في باب أحتساب الآثار قريبًا(٣).
وقول شيخنا قطب الدين في ((شرحه)): إن كان المراد في الحديث
بهُذِه الصلاة: الفجر، فيؤخذ منه أيضًا استحباب تأخيرها؛ ولذلك
يحتمل إن كانت صلاة العشاء، لا نوافق عليه.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٧٩/٢.
(٢) ((المتواري)» ٩٦-٩٧.
(٣) أنظر شرح حديثي (٦٥٥- ٦٥٦).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
٣٢- باب فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ- مؤلَی آَبِي بكٍ- عَنْ أَبِي صَالِحِ
السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ
غُصْنَ شَوٍْ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَّهُ، فَغَفَرَ لَهُ)).[٢٤٧٢- مسلم: ١٩١٤-
فتح: ١٣٩/٢]
٦٥٣- ثُمَّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ،
وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله). وَقَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفِّ الأَوَّلَ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ)).[٧٢٠، ٢٨٢٩،
٥٧٣٣ أنظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧، ١٩١٤ - فتح: ١٣٩/٢]
٦٥٤ - ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًّا)). [انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ١٣٩/٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي
بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
ثُمَّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ
الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِهِ. وَقَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفِّ الأَوَّلِ))
كذا ذكره هنا مطولًا وهو مشتمل على عدة أحاديث جمعها أبو هريرة
في مساق واحد، ويحتمل أن كون سمعها جملة واحدة، فأخبر بها كما
سمعها، وقد سلف من قوله: وقال: ((لو يعلم الناس)) ... إلى آخره في
باب الاستهام في الأذان(١)، وذكره في باب الصف الأول كما
سيأتي (٢)، ولم يذكر فيه الخامس وهو الشهيد في سبيل الله، وكأنه من
(١) سلف برقم (٦١٥) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٠-٧٢١) كتاب: الأذان.

٤٣٣
= كتاب الأذان
المعلوم عندهم، ولم يذكر فيه غصن الشوك، وأخرجه في المظالم(١)،
وأخرج في باب الشهادة سبع في كتاب الجهاد حديث الشهداء(٢)،
وقطّعه مسلم أيضًا (٣) وأخرج قصة الغصن في الجهاد(٤).
إذا عرفت ذلك فالكلام علیه من أوجه:
أحدها :
فيه فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد جعل ◌َّلي في الحديث كما
مر إماطة الأذى عن الطريق من أدنى شعب الإيمان(٥)، وإذا كان كذلك
وقد غفر لفاعله، فكيف بمن أزال ما هو أشد من ذلك؟
ثانيها :
شكر الله تعالى أي: رضي فعله ذلك، وأثابه عليه بالأجر والثناء
الجميل، وأصل الشكر الظهور فيكسبه الله قلبًا لينًا أو تترجح إحدى
كفتيه بالإماطة، وذلك علامة على الغفران.
ثالثها :
قوله: ((الشهداء خمسة)": كذا جاء في الصحيح، وفي رواية مالك
في (الموطأ)) من حديث جابر بن عتيك ((الشهداء سبعة سوى القتل في
سبيل الله))، فذكر الخمسة المذكورة في هذا الحديث، وزاد: وصاحب
ذات الجنب والحريق، والمرأة تموت بجمع (٦)، وتركه الشيخان؛
(١) سيأتي برقم (٢٤٧٢) باب: من أخذ الغصن.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٢٩).
(٣) مسلم برقم (١٩١٤) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٤) سيأتي برقم (٢٤٧٢) كتاب: المظالم، باب: من أخذ الغصن.
(٥) راجع شرح حديث (٩).
(٦) ((الموطأ)) ٣٦٦/١-٣٦٧ (٩٣٥) كتاب: الجهاد، باب: ما يكون فيها الشهادة.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
لاختلاف في إسناده، ذكره الدارقطني وابن الحذاء، ولابن عساكر من
حديث ابن عباس: تعداد الشهداء، وذكر فيهم الشريق وأكيلة السبع،
ولا تناقض بين ذلك ففي وقت أوحى أنهم خمسة، وفي آخر: سبعة،
وفي آخر: غير ذلك.
رابعها :
المطعون: من مات به، وهو شهادة لكل مسلم كما صح(١)، ولم يرد
المطعون بالسنان؛ لأنه الشهيد في سبيل الله والطاعون: مرض عام يفسد
له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان.
والمبطون: من مات بعلة البطن كالاستسقاء وانطلاق البطن
وانتفاخه، وقيل: الذي يشتكي بطنه، وقيل: هو من مات بداء بطنه
مطلقًا.
والغريق: من مات غريقًا بالماء.
وصاحب الهدم: قال ابن الجوزي: بفتح الدال -يعني: المهملة-
وهو اسم ما يقع، قاله ابن الخشاب(٢)، وإما بتسكينها فهو الفعل،
والذي يقع هو الذي يقتل، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل(٣).
(١) سيأتي برقم (٢٨٣٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الشهادة سبع سوى القتل.
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة المحدث. إمام النحو، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن
أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، البغدادي، ممن يضرب به المثل في العربية،
حتى قيل: إنه بلغ رتبة أبي علي الفارسي توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. أنظر
تمام ترجمته في: ((المنتظم)) ٢٣٨/١٠، (وفيات الأعيان)) ١٠٢/٣، ((سير أعلام
النبلاء)» ٥٢٣/٢٠ (٣٣٧)، ((شذارت الذهب)) ٢٢٠/٤.
(٣) وقع في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في الثاني بعد السبعين. كتبه مؤلفه.

٤٣٥
كتاب الأذان
٣٣- باب احْتِسَابٍ الآثَارِ
٦٥٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ:
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَّسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((يَا بَنِي سَلِمَةَ، أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!)).
وَقَالَ بُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قَالَ: خُطَاهُمْ.
[٦٥٦، ١٨٨٧- فتح: ١٣٩/٢]
٦٥٦ - وَقَالَ ابْن أَبِي مَزْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَخْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي ◌ُمَيْدٌ، حَذَّثَنِي أَنَسّ،
أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ ◌ََّ، قَالَ: فَكَرِهَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يُغْرُوا [المدِينَةَ] فَقَالَ: ((أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!)). قَالَ مُجَاهِدٌ:
خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ أَنْ يُمْشَى فِي الأَرَضِ بِأَرْجُلِهِمْ. [انظر: ٦٥٥ - فتح: ١٣٩/٢]
ذكر فيه حديث أنس قال قال رسول الله وَله: (يَا بَنِي سَلِمَةَ،
أَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!)).
قال وَقَالَ ابْن أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي
أَنَسٌ، أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ
النَّبِيِّ وَِّهِ، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يُعْرُوا فَقَالَ: ((أَلَا تَحْتَسِبُونَ
آثَارَكُمْ؟!».
زاد في أواخر الحج: ((فأقاموا))(١)، وهذا الحديث المعلق، في
بعض نسخ البخاري مسندًا، وقال فيه حدثنا ابن أبي مريم (٢)، وعبارة
المزي: زاد ابن أبي مريم فذكره. وأخرجه مسلم من حديث جابر.
وفي آخره ((يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم)) مرتين(٣)، وفي رواية له
(١) سيأتي برقم (١٨٨٧) باب: كراهية النبي ◌َّر أن تعرى المدينة.
(٢) منها نسخة أبي ذر الهروي، انظر: ((اليونينية)) ١٣٢/١، وجزم الحافظ في ((الفتح))
٢/ ١٤٠ أنها لأبي ذر وحده.
(٣) مسلم برقم (٦٦٥) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فنهانا، وقال: ((إن لكم بكل خطوة درجة))(١). وفي ابن ماجه من حديث
ابن عباس: فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يَس: ١٢] فثبتوا(٢)،
وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد كذلك(٣)، ونقل البخاري عن
مجاهد: خطاهم: آثارهم، أن يمشوا في الأرض بأرجلهم.
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
معنى يعروا: أي: المدينة يتركوها عراء أي: فضاء خالية، قال
تعالى: ﴿فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي: موضع خال. قال ابن
سيده: هو المكان الذي لا يستتر فيه بشيء، وقيل: الأرض الواسعة،
وجمعه: أعراء(٤)، وفي ((الغريبين)): الممدود والمتسع من الأرض،
قيل له ذلك؛ لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصورًا:
الناحية، فكره الشّ أن تعرى وأحب أن تعمر؛ ليعظم المسلمون في
أعين الكفار والمنافقين إرهابًا وغلظًا عليهم(٥).
وبنو سلمة بكسر اللام: بطن من الأنصار. قال القزاز والجوهري:
(١) مسلم برقم (٦٦٤) كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد.
(٢)
ابن ماجه (٧٨٥) قال البوصيري: هذا إسناد موقوف ضعيف، فيه سماك وهو ابن
حرب وإن وثقه ابن معين وأبو حاتم فقد قال أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث
وقال فيه: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وروايته عن غيره صالحة. اهـ ((زوائد
ابن ماجه)) (٢٦٧) باب: الأبعد فالأ بعد عن المسجد أعظم أجرًا. وقال الألباني في
((صحيح ابن ماجه)) (٦٣٧): صحيح.
(٣) (سنن الترمذي)) (٣٢٢٦) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يس. قال أبو
عیسى: حسن غريب من حديث الثوري.
(٤)
((المحكم)) ١٦٧/٢.
(٥) (غريب الحديث)) ٥٥٤/٢، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٢٤/٣.

٤٣٧
كتاب الأذان
=
ليس في العرب سلمة غيرهم(١) . وليس كما ذكرا ففيهم جماعات غيرهم،
ذكر بعضهم ابن ماكول(٢) والرُشاطي وابن حبيب و((النوادر)) لأبي على
الهجري، وقال: لا يزيدون على أربعة وعشرين رجلًا.
ثانیھا :
معنى (ألا يحتسبون)): يطلبون وجه الله وثوابه، والآثار: الخطوات،
وقد فسره في الحديث كما سلف، وذُكِر أيضًا عن الحسن(٣)، كما ذكره
البخاري عن مجاهد، ومعناه: الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت
آثاركم وخطاكم إلى المسجد. فحثهم على لزوم الديار واحتساب
الآثار، واستشعار النية، وخلوص الأمنية في سعيهم، ودخل في معنى
ذلك كل ما يصنع الله تعالى من قليل وكثير أن يراد به وجهه ويخلص
له فيه، فهو الذي یزکو وینتفع به.
ثالثها :
يستنبط منه فضل المقاربة بين الخطى في المشي إلى الصلاة على
الإسراع، وفضل البعد من المسجد، فلو كان بجواره مسجد ففي
المجاوزة إلى الأبعد قولان، وكرهه الحسن وهو مذهب مالك.
وفي تخطي مسجده إلى مسجده الأعظم قولان عندهم، وسئل أبو
عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده
ويصلي في المسجد الجامع للفضل وكثرة الناس، فقال: لا يدع
مسجده، وإنما فضل الجامع؛ في صلاة الجمعة فقط(٤).
((الصحاح)) ١٩٥٠/٥.
(١)
«الإكمال» ٣٣٤/٤-٣٣٦.
(٢)
رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤٠٣/١٠ (٢٩٠٧٨).
(٣)
((شرح ابن بطال)) ٢/ ٢٨٢.
(٤)

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذُكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن تعطل موضعه. ورُوي
عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وفعله
مجاهد وأبو وائل(١).
ورُوي عن بعضهم خلاف ذلك، سئل الحسن: أيدع الرجل مسجد
قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه(٢).
(١) روى الآثار الثلاثة ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٢/٢ (٦٢٤٣-٦٢٤٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢/ ٤٢ (٦٢٤٧).

٤٣٩
- كتاب الأذان
=
٣٤- باب فَضْلِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ حَقْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لَيْسَ صَلَاَةٌ أَنْقَلَ عَلَى
المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًّا، لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ
فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ)). [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح: ٢ /
١٤١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ رسول الله وَّهِ: (لَيْسَ صَلَاةٌ أَنْقَلَ عَلَى
المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالْعِشَاءِ .. )).
هذا الحديث قد سلف مفرقًا (١)، وبه أحتج من قال: إن الوعيد
بالإحراق لمن تخلف عن صلاة الجماعة، أريد به المنافقون؛ لذكرهم
في أول الحديث، وإن كان يحتمل أنه اللّه أخبر المؤمنين أن من
شأن المنافقين ثقل هاتين الصلاتين عليهم (٢) في الجماعة، فحذر
المؤمنين من التشبه بهم في ذلك وامتثال طريقتهم؛ ووجه ثقل هاتين
الصلاتين عليهم فعلهما في وقت الراحة.
وقوله: ((شعلا)): هو بضم الشين المعجمة وبفتح العين المهملة جمع
شعلة، مثل: قربة وقرب.
(١) سلف برقم (٦٤٤).
(٢) في الأصل : عليهما.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٥- باب اثْنَانٍ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا
حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)). [انظر: ٦٢٨ - مسلم:
٦٧٤ - فتح: ١٤٢/٢]
ذکر فيه حديث مالك بن الحويرث.
وقد سلف في باب الأذان للمسافر(١)، ولفظ التبويب رواه أنس(٢)،
وأبو موسى الأشعري مرفوعًا، وإسنادهما ضعيف.
وهو في ابن ماجه من حديث أبي موسى(٣). وفي الدارقطني من
(١) سلف برقم (٦٣٠) كتاب: الأذان.
(٢) رواه عنه ابن عدي ٤٠٨/٤، وكذا البيهقي ٦٩/٣ وضعفه، والحديث في إسناده
سعيد بن زربي، قال عبد الحق في ((أحكامه)) ١/ ٣٤٢: سعيد بن زربي عنده غرائب
لا يتابع عليها، وهو ضعيف الحديث. وقال الحافظ ابن رجب في («الفتح» ٣٩/٦:
إسناده ضعيف، وكذا ضعفه الحافظ في ((الفتح)) ١٤٢/٢. وأعله الألباني في
«الإرواء)) ٢٤٩/٢ بسعید بن زربي.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٩٧٢)، ورواه أيضًا عبد بن حميد في ((المنتخب)) ٤٩٦/١
(٥٦٥)، وأبو يعلى ١٨٩/١٣ - ١٩٠ (٧٢٢٣)، والروياني في «مسنده» ٣٨٢/١
(٥٨٦)، والطحاوي ٣٠٨/١، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٥٣/٢، وابن عدي
٣٠/٤-٣١، والدارقطني ١/ ٢٨٠، والحاكم ٣٣٤/٤ -وسكت عليه- وابن حزم
في ((الإحكام)) ٢٤١/٤، والبيهقي ٦٩/٣، الخطيب ٤١٥/٨ و٤٥/١١-٤٦.
قال البيهقي: كذلك رواه جماعة عن عليه وهو الربيع بن بدر، وهو ضعيف، والله
أعلم. اهـ وقال الحافظ ابن رجب في ((الفتح)) ٣٨/٦: إسناده ضعيف. وقال
البوصيري في ((الزوائد)) (٣٢٣): هذا إسناد ضعيف لضعف رواته الربيع ووالده
بدر. وقال المصنف في ((البدر)) ٧/ ٢٠٤: إسناده ضعيف - وإن ذكره ابن السكن في
(صحاحه))- الربيع بن بدر واهٍ، وأبوه وجده مجهولان، قاله الذهبي، وعجيب من =