Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الأذان ٩- باب الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا أَخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. ٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَی آپي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)) [٦٥٤، ٧٢١، ٣٦٨٩ - مسلم: ٤٣٧- فتح: ٩٦/٢]. ذکر فیه أثرا وحديثا. أما الأثر فقال: وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا أَخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. وهذا أخرجه البيهقي من حديث أبي عبيد، ثنا هشيم، أنا ابن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد، فأقرع بينهم(١)، وذكر الطبري أن ذلك كان في صلاة الظهر(٢). وأما الحديث فهو حديث أبي هريرة: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الِّدَاءِ» إلى آخره. وذكره في التهجير إلى الصلاة أيضًا كما سيأتي(٣)، وفي الشهادات (٤). وخرجه مسلم أيضًا(٥)، والمراد بالنداء: الأذان، والاستهام: الاقتراع، وفي ((مجمع الغرائب)) للفارسي معنى قوله: لاقترعتم عليه: ((سنن البيهقي الكبرى)) ٤٢٩/١. (١) (٢) ((تاريخ الطبري)) ٤٢٥/٢. (٣) سيأتي برقم (٦٥٣) كتاب: الأذان، باب: فضل التهجير إلى الظهر. (٤) يأتي برقم (٢٦٨٩) باب: القرعة في المشكلات. (٥) مسلم (٤٣٧). ٣٤٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح لتنافستم في الابتكار إليه حتى يؤدي إلى الاقتراع، فلا يمكن أحد من الوقوف فيه إلا من خرجت القرعة باسمه، وقوله: ((إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) أي: لو علموا قدر فضله وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان كما في المغرب، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، وقد نحا الداودي إلى هذا الاستهام في أذان الجمعة. وقوله: ((والصف الأول)) أي: لو يعلمون ما في الفضيلة فيه لجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه. والصف الأول ما يلي الإمام، ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك، وأبعد من قال أنه المبكر، حكاه القرطبي(١)، وفضل الصف الأول باستماع القراءة والتكبير عقب تكبيرة الإمام، والتأمين معه. ورُوي من حديث ابن عباس رفعه: ((من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلمًا أضعف الله له الأجر))(٢)، واختلف في الضمير الذي في قوله: ((إلا أن يستهموا عليه لاستهموا))، فقال ابن عبد البر: يعود على الصف الأول لقربه(٣)، وقيل: يعود على معنى الكلام المتقدم؛ لأنه مذكور، ، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: ومن يفعل المذكور، ورجح لئلا يبقى النداء لا ذكر له. (١) ((المفهم)) ٦٤/٢. (٢) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) ٤٨/٣-٤٩، والطبراني في ((الأوسط)) ١/ ١٧١ (٥٣٧)، والرافعي في ((التدوين)) ٢/ ٢٠ من طريق نوح بن أبي مريم، عن زيد العمى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا به. والحديث أورده الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) برقم (٣٢٦٨) وقال: موضوع. (٣) ((التمهيد)» ١٤/٢٢. ٣٤٣ كتاب الأذان - وقوله: ((ولو يعلمون ما في التهجير)) أي: التبكير إلى أي صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة والظهر؛ لأنها التي تقع وقت الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار. وقوله: ((ولو حبوا)): هو بإسكان الباء وفيه: الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين؛ لما فيهما من المشقة، وهما أثقل الصلاة على المنافقين (١). وسلف الكلام على العتمة في بابها(٢)، وفيه: دلالة لمشروعية (٣) القرعة(٣). ٠ (١) هُذا حديث سيأتي برقم (٦٥٧) باب: فضل العشاء في الجماعة، ورواه مسلم (٢٥٢/٦٥١) من حديث أبي هريرة. (٢) راجع حديث (٥٦٤). (٣) في هامش الأصل تعليق نصه: آخر ٧ من ٣ من تجزئة المصنف. ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح --- ١٠- باب الكَلَامِ فِي الأَذَانِ. وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهْوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ. ٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبٍ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمِ الأَخْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمِ رَدْغِ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ: حَى عَلَى الصَّلَاةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ [٦٦٨، ٩٠١- مسلم: ٦٩٩ - فتح: ٢ /٩٧]. وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَاِهِ. هُذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد، أن سليمان بن صرد - وكانت له صحبة(١) - كان يؤذن في العسكر فكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه. قال: وحدثنا ابن علية قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب (٢)، عن الحسن: لم يكن يرى بذلك بأسًا(٣). وعن عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: لا بأس به وعن غندر عن أشعث، عن الحسن: لا بأس أن يتكلم الرجل في إقامته (٤). (١) تقدمت ترجمته في حديث (٢٥٤). (٢) وقع في ((المصنف)) علان، ولعله تصحيف في الأصل، أو خطأ في المطبوع، قال ابن حبان في ((الثقات)» ٧/ ١٤٦ : عبيد الله بن غلاب، يروي عن الحسن، روى عنه يونس بن عبيد، وعبد الله التوام بن یحیی. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ١٩٢ (٢١٩٨-٢١٩٩). (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ١٩٣ (٢٢١٠-٢٢١١). ٣٤٥ كتاب الأذان وعن حجاج وقتادة، وعطاء، وعروة مثل ذلك(١)، وكرهه محمد بن سيرين والشعبي، وإبراهيم(٢)، وعن الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد، وكرهه إبراهيم أيضًا في رواية (٣). ثم قال البخاري: وقال الحسن: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم. وهذا قد علمته آنفًا عنه في الكلام لا في الضحك. ثم ساق البخاري من حديث عبد الله بن الحارث: قَالَ: خَطَبَّنَا ابن عَبَّاسٍ فِي يَوْمِ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ: حَىْ عَلَى الصَّلَاةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةُ فِيَ الرِّحَالِ. فَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هُذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث، ذكره البخاري في مواضع أخر في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر(٤)؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر في الجمعة والرخصة إذا لم يحضر الجمعة في المطر(٥)، وأخرجه مسلم أيضًا (٦) ولفظ البخاري في الباب الأخير، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلتُ: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس أستنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني. الحديث. (١) السابق ١٩٢/١-١٩٣ (٢٢٠٠-٢٢٠٣). (٢) السابق ١٩٣/١ (٢٢٠٤-٢٢٠٧). (٣) السابق ١/ ١٩٣ (٢٢٠٨ -٢٢٠٩). (٤) سيأتي برقم (٦٦٨). (٥) سيأتي برقم (٩٠١) كتاب الجمعة. (٦) مسلم (٦٩٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الصلاة في الرحال في المطر. ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وعند الطبراني - بإسناد صحيح - عن نعيم بن النحام (١) قال: أذن مؤذن رسول الله ﴿ ليلة فيها برد، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله على لسانه ولا حرج (٢)، فلما فرغ قال: ولا حرج، وعند البيهقي: فلما قال: (١) هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي. وإنما سمي النحام؛ لأن النبي ◌ّير قال: دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها. والنحمة: السعلة، وقيل: النحنحة الممدود آخرها، فبقي عليه، أسلم قديمًا، قيل أسلم بعد عشرة أنفس. انظر تمام ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ١٥٢/٣-١٥٣ (١١٢٥)، ((المستدرك)) ٢٥٩/٣، ((معرفة الصحابة)) ٢٦٦٦/٥ (٢٨٦٩)، ((الاستيعاب)» ٤/ ٦٩ (٢٦٥٧)، ((أسد الغابة)) ٣٤٦/٥ (٥٢٦٩)، ((الإصابة)) ٥٦٧/٣ (٨٧٧٦). (٢) لم أجده في المعاجم الثلاثة للطبراني، ويبدو أنه في ((الكبير)) وأحاديث نعيم بن النحام من المفقود من ((المعجم الكبير)) والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٤٧/٢ من طريقين. والحديث رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٠١/١ (١٩٢٦)، وعنه أحمد ٤/ ٢٢٠ عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن شيخ سماه، عن نعيم بن النحام به. قال الحافظ ابن رجب في ((فتح الباري)) ٣٠٥/٥: في إسناده مجهول، وقال الهيثمي ٢/ ٤٧: رواه أحمد، وفيه: رجل لم يسم، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٢/ ٣٤٢: رجاله ثقات غير الشيخ الذي لم يسمه، وقال في ((الثمر)) ١٣٥/١: سند رجاله رجال الستة غير الشیخ الذي لم يسم. ورواه عبد الرزاق (١٩٢٧) ومن طريقه الحاكم ٢٥٩/٣ من طريق ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نعيم به. ورواه ابن قانع ٣/ ١٥٣ من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمر بن نافع وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن نعيم به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٩٨/٢- ٩٩: أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح. ورواه أحمد ٢٢٠/٤، والطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) ٢/ ٤٧ من طريق إسماعيل بن عياش، عن یحیی بن سعید، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن نعيم به قال الهيثمي رواه إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، = ٣٤٧ - كتاب الأذان الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج(١). ثانيها: الردغ: براء ثم دال مهملتين، ثم غين معجمة، كذا روايتنا، وحكى أبو موسى وابن الأثير سكون الدال وفتحها طين ووحل(٢). ورُوي بالزاي بدل الدال. مفتوحة وساكنة(٣)، والصواب: الفتح؛ لأنه الاسم. قال ابن التين: وروايتنا بفتح الزاي وهو في اللغة بالسكون، والرزغ: المطر الذي يبل وجه الأرض، وفي كتاب: رزغة؛ الرزغة بالزاي: أشد من الردغة، وقيل: بالعكس، وقال أبو عبيد: الرزغ: الطين والرطوبة (٤). = وروايته عن أهل الحجاز مردودة. ورواه الطبراني من طريق آخر رجالها رجال الصحيح. وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٥٦٨/٣: رواية إسماعيل عن المدنيين ضعيفة، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٣٤٢/٢: هذا إسناد رجاله ثقات، لولا أن إسماعيل بن عياش قد ضعفه في روايته عن الحجازيين. ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٦٤/٢ (٧٥٩)، وابن قانع ١٥٢/٣ - ١٥٣، والبيهقي ٣٩٨/١ ٤٢٢/١ من طريق الأوزاعي، وابن أبي عاصم (٧٦٠)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٢٦٦٦/٥-٢٦٦٧ (٦٣٨٩) من طريق سليمان بن بلال كلاهما، عن یحیی بن سعید، عن محمد بن إبراهيم، عن نعيم به. قال الحافظ ابن رجب ٣٠٦/٥: رواية سليمان بن بلال، عن يحيى أصح من رواية إسماعيل بن عياش. (١) ((السنن الكبرى)) ٣٩٨/١. (٢) ((النهاية)) ٢١٥/٢. (٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٩٨/٢: قوله (في يوم رزغ) بفتح الراء وسكون الزاي، بعدها غين معجمة، كذا للأكثر هنا، ولابن السكن والكشميهني وأبي الوقت، بالدال المهملة بدل الزاي. اهـ وانظر: ((اليونينية)) ١٢٦/١. وقال النووي في ((شرح مسلم)) ٢٠٧/٥-٢٠٨: رواه بعض رواة مسلم رزغ بالزاي بدل الدال بفتحها وإسكانها. وهو الصحيح. (٤) ((غريب الحديث)) ٢٧٠/٢. ٣٤٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفي ((الجمهرة)): الرزغة مثل الردغة، وهو الطين القليل من مطر أو غيره(١)، وقاله ابن الأعرابي، وقال الداودي: الرزغ: الغيم البارد. وفي ((الصحاح)): الرزغة بالتحريك: الوحل، وكذلك الردغة بالتحريك(٢). وكذا ذكره في ((المنتهى))، وهو وارد على قول ابن التين السالف أنه في اللغة بالسكون. قال أبو موسى: وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول. ثالثها: وجه ذكر البخاري هذا الحديث هنا أن فيه الصلاة في الرحال، وهو كلام غير الأذان، نعم يستحب ذلك في ليلة مطر أو ريح أو ظلمة أن يقول ذلك عقب الأذان، ولو قاله بعد حيعلته جاز. ونص الشافعي عليه في ((الأم))، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى الأذان (٣) على نظمه(٣). ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ(4)، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر(٥)؛ لأن هذا جرئ في وقت وذلك في وقت، وكلاهما صحیح، بل ظاهر حديث ابن عباس أنه يقولهما بدل الحيعلتين، وبه قال بعض المتأخرين. وأغرب إمام الحرمين حيث استبعد الإتيان بهُذِه اللفظة في أثناء الأذان، وقال: تغييره من غير ثبت مستبعد، وقد علمت أنت الثبت، وأن ظاهره: حذف الحيعلتين، ويقولهما بدلهما. (١) ((الجمهرة)) لابن دريد ٢/ ٧٠٥. (٢) ((الصحاح)) ١٣١٨/٤-١٣١٩. (٣) ((الأم)) ٧٦/١. ((المجموع)) ١٢٥/٣. (٤) (٥) سيأتي برقم (٦٣٢). ٣٤٩ == كتاب الأذان وقال القرطبي: استدل بالحديث من أجاز الكلام في الأذان وهم: أحمد والحسن وعروة، وعطاء، وقتادة، وعبد العزيز ابن أبي سلمة، وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة فيه لما في حديث ابن عمر الآتي بعد من عند البخاري فقال في آخر الأذان: ألا صلوا في (١) الرحال(١). وحديث ابن عمر إن لم يكن ظاهرًا في ذكره له بعد الأذان؛ إذ يحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، فلا أقل من أن يكون محتملًا. وقد روى ابن عدي في ((كامله)) من حديث أبي هريرة ما هو صريح في ذكره له بعد فراغ الأذان (٢). ثم إن حديث ابن عباس لم يسلك فيه مسلك الأذان. ألا تراه قال: فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم؛ للعذر كما فعل في التثويب للأمراء، وقد كره الكلام في الأذان مالك وأبو حنيفة، والشافعي، وعامة الفقهاء(١)، وعن أحمد: إباحته في الأذان دون الإقامة، وأبطل الزهري الإقامة به، وعن الكوفيين أنه إذا تكلم في أذانه يجزئه ويبني، وهذا الحديث دال عليه، حجة على من خالف. رابعها: الرحال: المنازل والدور والمساكن، وهي جمع رحل، وسواء كانت من حجر ومدر وخشب، أو شعر وصوف ووبر وغيرها. (١) سيأتي برقم (٦٣٢). (٢) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٣٣٩/٧. وأورده الحافظ العراقي في ((طرح التثريب)) ٣١٩/١ ولم يتكلم على إسناده بشيء. (٣) ((المفهم)) ٣٣٨/٢-٣٣٩ بتصرف. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - خامسها: قوله: (قد فعل هذا من هو خير منه) قد جاء في بعض طرقه يعني: النبي وَل:١١)(٢)، والعزمة بإسكان الزاي أي: حق وواجب وأبعد بعض المالكية حيث قال: أن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر أو ما ينوب مقامه، والجماعة على خلافه، نبه عليه ابن التين في باب الجمعة. قال: وحكى ابن أبي صفرة عن ((موطأ ابن وهب)) عن مالك أن الجمعة سنة(٣) قال: ولعله يريد في السفر، ولا يُعتدُّ به. والضمير في قوله: وإنها عزمة: جاء في بعض طرقه مقتصرًا أن الجمعة عزمة. وقوله: (خطبنا) دال علیه. ومن فوائد الحديث: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وإنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وإنكار الجماعة يقتضي أن يكون قال ذلك في صلب الأذان، فلو قاله بعده لم يكن فيه ذلك الإنكار، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة عند العود إلى هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى. (١) يأتي برقم (٦٦٨). (٢) ((الأصل) ١٣٢/١، ((النوادر والزيادات)) ١٦٨/١، ((الأم)) ٧٤/١، ((روضة الطالبين)) ٢٠٠٣/١. (٣) أنظر ((الاستذكار)) ٥٦/١-٥٧. ٠ ٣٥١ كتاب الأذان ١١- باب أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ. ٦١٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابن أُمِّ مَكْتُوم)). ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.[٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٩٩/٢] حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ قَالَ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابن أُمِّ مَكْتُوم)). ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَضْبَحْتَ أَضْبختَ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها: الشهادات في باب: شهادة الأعمى(١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، قال ابن منده: رواه القعنبي عن مالك (٢)، والصحيح عنه إرساله يعني: بإسقاط ابن عمر، وصوب الدارقطني اتصاله(٤). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود، وعائشة، وأنيسة، وأنس، وأبي ذر، وسمرة(٥). (١) سيأتي برقم (٢٦٥٦). (٢) مسلم برقم (١٠٩٢) كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. (٣) هكذا رواه أبو مصعب عن مالك في ((الموطأ)) ٧٩/١ (٢٠٢)، و٢٩٩/١ (٧٦٩)، ويحيى بن يحيى، عن مالك في ((الموطأ)) ص٦٩. (٤) الأحاديث التي ((خولف فيها مالك)) للدارقطني (١٢)، وانظر: ((التمهيد)) ٥٥/١٠- ٥٧. (٥) (سنن الترمذي)) ٣٩٣/١ بعد حديث (٢٠٣). ! ٠ ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثانيها: قوله: قال: (وكان رجلًا أعمى ... ) إلى آخره، هذا القائل ذكر البيهقي أنه من قول ابن شهاب(١). وقال الخطيب في كتاب ((الفصل للوصل)) جعلها بعضهم من قول ابن شهاب وآخر من قول سالم(٢). وفي ((الجمع)) للحميدي: رواه عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه وكان ابن أم مكتوم إلى آخره. قال: ومن حديث مالك عن الزهري نحوه (٣)، وصرح صاحب ((المغني)) بأنه من قول ابن عمر، وقال في آخره: رواه البخاري(4). وانظر: في تخريج بعض هذه الأحاديث، ((البدر المنير)) ٢٠٠/٣-٢٠٣، ((إرواء = الغليل)) (٢١٩) وسيورد المصنف بعضها قريبًا. (١) ((السنن الكبرى)) ٣٨٠/١، ((معرفة السنن والآثار)) ٢٠٩/٢. (٢) ((الفصل للوصل)) ٣١٩/١-٣٢٠. ((الجمع بين الصحيحين)) ١٣٩/٢. (٣) (٤) ((المغني)) ٦٩/٢. (ط. هجر)، و٤١٤/١. (ط. مكتبة الرياض الحديثة). وصورة الكلام فيهما هكذا: قال ابن عمرو: کان رجلًا أعمی لا ینادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت، رواه البخاري! وهو عجيب وأعجب من ذلك تعليق محقق الطبعة الأولى في الهامش قائلًا: أبي عبد الله بن عمرو بن العاص !! فمن أين أتى بعبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث حديث ابن عمر، هذا مع العلم أن مخطوط أو أصول كتاب ((المغني)) ليس فيها خطأ، وإنما الخطأ من فهم الكلام والذي ترتب عليه الخطأ في وضع علامة الترقيم، فالكلام ينبغي أن يكون هكذا : قال ابن عمر: وكان رجلًا أعمى .. فقاموا بتقديم الواو على النقطتين، ظنًّا منهم أنه ابن عمرو، والحديث في البخاري وغيره بإضافة حرف الواو إلى كان، هكذا : وكان رجلًا أعمى ... هذا والله أعلم. هذا وقد صرح الحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦٣/١٠ بأنه من قول ابن شهاب الزهري. قال الحافظ في ((الفتح)) ٢/ ١٠٠: ظاهره أن فاعل قال، هو ابن عمر ... إلخ كلامه. وانظر: ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٠٨/٥-٣٠٩. ٣٥٣ كتاب الأذان - ثالثها: معنى أصبحت أي: دخلت في حكم الصباح، وإن كان يحتمل قاربت الصباح، وستعلم ذلك في آخر الباب. رابعها: فيه من الفقه ما ترجم له، وهو جواز أذان الأعمى، إذا كان له من يخبره، وإن كان الطحاوي روى من حديث أنس مرفوعًا: ((لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا))(١). قال: فأخبر أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر وليس في الحقيقة بفجر قال: ولما ثبت بينهما من القرب بمقدار ما يصعد هذا وينزل هذا ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما يبصره، ويصيبه ابن أم مكتوم؛ لأنه لم يكن يؤذن حتى تقول له الجماعة: أصبحت أصبحت وأذانه صحيح عندنا. وعند مالك وأحمد وأبي حنيفة (٢)، ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود عدم الصحة، وهو غريب عن أبي حنيفة، نعم في ((المحيط))(٣) يكره، قال أصحابنا: ولا كراهة في أذانه إذا كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال، فإن لم يكن معه بصير كره خوف غلطه، وممن كره أذانه ابن مسعود وابن الزبير. وابن عباس كره إقامته، ورُوي أن مؤذن النخعي كان أعمى(٤). (١) ((شرح معاني الآثار)) ١/ ١٤٠. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ١٤٠، والبزار كما في ((كشف الأستار» (٩٨٢)، وأبو يعلى ٢٩٧/٥ (٢٩١٧). قال الهيثمي ١٥٣/٣: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في ((الإرواء)) ٢٣٨/١: إسناده صحيح إن كان قتادة سمعه من أنس، فإنه موصوم بالتدليس وقد عنعنعه. (٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٦٧/١. (٣) أنظر: ((البناية)) ١٠٨/٢. (٤) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ (٢٢٥٢-٢٢٥٤، ٢٢٥٦) ورواه البيهقي أيضًا ١/ ٤٢٧ عن ابن الزبير. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وحمل البيهقي ما رُوي عن ابن مسعود على كراهة الانفراد ، واستنبط منه البخاري والمهلب جواز شهادة الأعمى على الصوت (١)؛ لأنه يميز صوت من علم الوقت ممن يثق به مقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له، ومنعه أبو حنيفة فيما حكاه ابن التين. وفيه أيضًا أحكام أخر: ٠ الأول: جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة يستدل بذلك لما يحتاج إليه. الثاني: نسبة الرجل إلى أنه إذا كان معروفًا بذلك، واسمه: عمرو أو (٣) عبد الله الثالث: تكنية المرأة؛ لقوله العنيفة: ابن أم مكتوم واسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم. الرابع: جواز تكرير اللفظ؛ للتأكيد؛ لقوله: أصبحت أصبحت. الخامس: جواز الأذان قبل الفجر، وعندنا فيه أوجه، أصحها : آخر الليل كما أوضحناه في كتب الفروع، ونقل في ((المحلى)) عن جماعة كراهة الأذان قبل الفجر، منهم: الحسن وإبراهيم، ونافع، والأسود، والشعبي، وسمع علقمة مؤذنًا بليل فقال: لقد خالف هذا سنة رسول الله ◌َو لو نام على فراشه لكان خيرًا له. (١) ((السنن الكبرى)) ٤٢٧/١. (٢) يشير المصنف -رحمه الله- إلى أن البخاري بوب في كتاب: الشهادات، قال: باب: شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف بالأصوات. (٣) انظر ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ٢٠٥/٤ (٤٠٠٥)، ((الاستيعاب)) ١٠٣/٣ (١٦٥٦) ((أسد الغابة)) ٢٦٣/٤ (٤٠٠٥) ((تهذيب الكمال)» ٢٦/٢٢ (٤٣٦٧)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٦٠/١ (٧٧)، ((الإصابة)) ٥٢٣/٢ (٥٧٦٤). ٣٥٥ كتاب الأذان = قال ابن حزم: والأذان الذي كان في زمنه الثّه كان أذان سحور لا أذان صلاة، وعنده أنه لا يجوز أن يؤذن لها، قبل المقدار الذي ورد: ينزل هذا(١) ويرقى هذا. وأغرب القرطبي فنقل عن الجمهور أن أذان بلال هو أذان الفجر، وأن أبا حنيفة والثوري قالا: إن فائدته التأهب، ولابد من أذان عند الفجر (٢). فرع: لو أراد الاقتصار على أذان واحد للصبح فالأفضل ما بعده كما هو المعهود في سائر الصلوات، ولو لم يوجد إلا واحد أذن مرتين، فإن اقتصر على واحد فقال الإمام: يقتصر على ما بعده، وقال ابن الصباغ: على ما قبله. فائدة: حديث أنيسة السالف أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة(٣) ، وابن حبان على عكس حديث ابن عمر السالف، وهو أنه العليا قال: إن ابن أم مكتوم یؤذن بلیل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال (٤). وروى ابن خزيمة في («صحيحه» من حديث عائشة مثلما قالت: كان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر (٥) . ((المحلى)) ١١٧/٣-١٢٠ بتصرف. (١) ((المفهم)) ٣/ ١٥٠. (٢) ورد في هامش الأصل : من خط الشيخ في الهامش في روايته: وإن كانت المرأة (٣) منا ليبقى عليها من سحورها لتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري. (٤) أحمد ٤٣٣/٦، ابن خزيمة ٢١٠/١-٢١١ (٤٠٥)، ابن حبان ٢٥٢/٨ (٣٤٧٤)، ورواه أيضًا النسائي ١٠/٢-١١، وابن سعد ٣٦٤/٨، والطحاوي ١٣٨/١، والطبراني ٢٤ (٤٨٠-٤٨٢)، والبيهقي ١/ ٣٨٢، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٥/ ١٣٤-١٣٥ من طرق عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسه بنت خبيب. وانظر: ((الإرواء)) ٢٣٧/١-٢٣٨، ((الثمر المستطاب) ١٣٨/١-١٣٩. (٥) ابن خزيمة ٢١١/١ (٤٠٦). من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عنها. ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ويجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون بينهما نوب، وهذا أولى من قول ابن الجوزي: كأنه مقلوب(١). خاتمة: أذان ابن أم مكتوم اختلف العلماء في تأويله كما ذكره ابن بطال، فقال ابن حبيب: ليس قوله: أصبحت أصبحت إفصاحًا بالصبح بمعنى أن الصبح انفجر وظهر، ولكن بمعنى: التحذير من طلوعه؛ خيفة انفجاره، ومثله قاله الأصيلي والداودي، وسائر المالكيين، وقالوا: معنى: أصبحت: قاربت الصباح، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن؛ لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر. وأما مذهب البخاري في هذا الحديث على ما ترجم به الباب، فأراد به: كان بعد طلوع الفجر. والحجة له قوله: ((إن بلالا يؤذن بلیل)»، فلو کان أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لم یکن لقوله: إن بلالًا ینادي بلیل (١) قاله ابن الجوزي في ((جامع المسانيد)) كذا عزاه المصنف في ((البدر المنير) ٢٠٢/٣. وقال ابن خزيمة: خبر هشام بن عروة صحيح من جهة النقل، وليس هذا الخبر يضاد خبر سالم عن ابن عمر وخبر القاسم عن عائشة إذ جائز أن يكون النبي وص * قدكان جعل الأذان بالليل نوائب بين بلال وبين ابن أم مكتوم. فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن أولًا بالليل، فإذا نزل بلال صعد ابن أم مكتوم، فأذن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم، بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل، فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار، وكانت مقالته وي أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم ... ((صحيح ابن خزيمة)) ١/ ٢١٢. قال المصنف -رحمه الله- معقبًا على هذا الكلام: وهذا جائز صحيح. وإن لم يصح، فقد صح خبر ابن عمرو وابن مسعود وسمرة وعائشة أن بلالًا كان يؤذن بليل.اهـ ((البدر المنير)) ٢٠٢/٣. وجمع ابن حبان ٨/ ٢٥٢-٢٥٣ بينهما بهذا الجمع فانظره. ٣٥٧ كتاب الأذان = معنى؛ لأن أذان ابن أم مكتوم كذلك هو في الليل، وإنما يصح الكلام أن يكون نداءه في غير الليل في وقت يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين في وقت أذان بلال. وقد روي هذا المعنى نصًا في رواية البخاري في كتاب الصيام ((إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن عمرو فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر))(١)، وأذان عمرو (٢) كان علامة لتحريم الأكل لا للتمادي فيه(٣). أخرى: شرط الأذان الوقت ولا يجوز قبله، وهو إجماع في غير الصبح(٤)، ومذهب أبي حنيفة في الصبح أيضًا(٥). وفي ((سنن أبي داود)) من حديث ابن عمر: أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ◌ّل أن يرجع فينادي: إن العبد قد نام. أعله أبو داود بتفرد حماد(٦). قال ابن المديني: أخطأ فيه وهو غير محفوظ. وقال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، ولا تقوم بمثله حجة على الانفراد(٧). (١) سيأتي برقم (١٩١٨) باب: قول النبي ◌َّير: ((لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال)). (٢) هو ابن أم مكتوم. من ((شرح ابن بطال)) ٢٤٨/٢-٢٤٩ بتصرف. (٣) (٤) أنظر ((الإجماع)) ص ٤٢، ((الأوسط)) ٢٩/٣. (٥) انظر ((البناية)) ١٢٥/٢. (٦) ((سنن أبي داود)) (٥٣٢) ورواه أيضًا عبد بن حميد في ((المنتخب)) (٧٨٠)، والطحاوي ١٣٩/١، والدارقطني ٢٤٤/١، وابن حزم في ((المحلى)) ١٢٠/٣، والبيهقي ٣٨٣/١، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٣٠٧/١ (٣٧٥)، وفي ((العلل المتناهية)) (٦٦١) من طريق حماد، عن أيوب، عن نافع عنه. (٧) الحديث فيه اختلاف، قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠٣/٢: حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا ورجاله ثقات حفاظ، لكن أتفق أئمة الحديث: على ابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني، = ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قلت: وحديث الباب هو العمدة. علي أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو = الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادًا آنفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع .. ولاستزداه ينظر: ((علل ابن أبي حاتم)) ١١٤/١ (٣٠٨)، ((سنن الترمذي)) ٣٩٤/١-٣٩٥، ((سنن البيهقي)) ٣٨٣/١، ((التحقيق)) ٣٠٨/١، ((العلل)) ٣٩٦/١، (نصب الراية)) ٢٨٥/١-٢٨٧، ((الدراية)) ١١٩/١-١٢٠، ((تلخيص الحبير)) ١٧٩/١، والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٤٢). ٣٥٩ كتاب الأذان ١٢- باب الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ. ٦١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَقْصَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّرَ كَانَ إِذَا أَعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّنْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. [١١٧٣، ١١٨١ - مسلم: ٧٢٣ - فتح: ١٠١/٢] ٦١٩ - حدَّثْنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاةِ الضُّنْحِ [٦٢٦، ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٥٩، ١١٦٠، ١١٦١، ١١٦٨، ١١٦٩، ١١٧٠، ١١٧١، ٦٣١٠ - مسلم: ٧٢٤ - فتح: ١٠١/٢]. ٦٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرَ قَالَ: ((إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابن أَمِّ مَكْتُومٍ. [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ١٠١/٢] ذکر فيه أحاديث: أحدها: حديث حفصة أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ كَانَ إِذَا أَعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ. كذا في النسخ الصحيحة اعتكف أي: أنتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمة مراقبة الفجر(١). وفي رواية: أذن بدل اعتكف (٢). وهي ظاهرة، وفي أخرى: (كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح)(٣). وهي إخبار عن (١) قال الحافظ ابن رجب في ((الفتح)) ٣١٢/٥: كذا في هذِه الرواية، ولعل المراد باعتكافه للصبح جلوسه للصبح ينظر طلوع الفجر وحبه نفسه لذلك. وقال العيني في ((عمدة القاري)) ٤/ ٢٩٧: قال القابسي: معنى أعتكف هنا أنتصب قائمًا للأذان، كأنه من ملازمة مراقبة الفجر. (٢) ستأتي برقم (١١٨١) كتاب: التهجد، باب: الركعتين قبل الظهر. أنظر: ((اليونينية)) ١٢٧/١. (٣) ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- حاله في اعتكافه فيه، فتؤول على تقدير صحتها بالانتظار، وليؤذن في أوله، والعكوف: الإقامة، فإذا طلع الفجر أذن، فحينئذٍ كان ◌َ ﴿ يركع الفجر، ويشهد لهذا رواية الجماعة عن مالك الآتية قريبًا، كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين(١)؛ فدل أن ركوعه كان متصلًا بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر؛ فلذلك كان الأذان بعد الفجر. وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم علیه، وأردفه بحديث عائشة،. كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح؛ ليدل أن هذا النداء كان بعد الفجر، فمن أنكر هذا لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم يكن يؤذن لها بعد الفجر، وهذا غير سائغ من القول(٢). (١) هذا الحديث لم يخرجه البخاري هكذا، وأما ما سيأتي بهذا اللفظ فهو من حديث عائشة (٦٢٦) وليس في إسناده مالك، وحديث مالك سيأتي (١١٧٠) من حديث عائشة أيضًا، بلفظ: كان رسول الله يقر يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي، إذا سمع النداء بالصبح، ركعتين خفيفتين. أما حديث الباب الذي رواه مالك بهذا اللفظ، فرواه عنه يحيى بن يحيى في «الموطأ)» ص٩٨، وعن یحیی عنه، رواه مسلم (٧٢٣/ ٨٧)، والنسائي ٢٥٥/٣ عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك به، وأحمد ٢٨٤/٦ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك به. (٢) قال الحافظ: قال الزين بن المنير: قَدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي؛ لأن الأصل في الشرع أن لا یۇذن إلا بعد دخول الوقت، فَقَدَّم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، وأشار ابن بطال ٢٤٨/٢ إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفي به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر. والله أعلم.اهـ ((الفتح)) ١٠١/٢.