Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
=
الصلاة. وإليه ذهب أبو حنيفة (١)، وخالف فيه مالك (٢) والجمهور عملًا
بمفهوم الحديث.
وأجاب المخالف بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب، فإن غالب
ما يمكن معرفة إدراكه بركعة أو نحوها. والأظهر عند الشافعي أيضًا
الإدراك بالوقت المذكور الصلاة التي قبلها إن كانت تجمع معها؛
لاشتراكهما في الوقت.
ونقل ابن بطال (٣) عن أبي حنيفة: أنه إذا أفاق لأقل من ركعة قبل
الغروب أنه يلزمه قضاء خمس صلوات فدون ولا يلزمه أكثر من
ذَلِكَ، ثم رده. وأما حكمًا، وهو الأصح عند الشافعية من الأوجه
الخمسة أنه إن أدرك ركعة من الوقت فالكل أداء، وإلا فقضاء. وكل
ذَلِكَ بسطناه في ((الفروع)).
وقيل: عَلَى تأويل فقد أدرك حكمها: أن المراد أن يلزمه من أحكام
الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذَلِكَ، ويتأيد بالرواية
السالفة ((مع الإمام). وحكاه ابن بطال عن مالك وجماعة (٤)، وهو
مبطل قول داود وغيره: أن الحديث مردود إلى إدراك الوقت، إذ هما
حديثان مختلفان كل منهما يفيد فائدة مستقلة.
وكان أبو ثور يقول: إنما ذَلِكَ لمن نام أو سها، ولو تعمد أحد ذَلِكَ
كان مخطئًا مذمومًا بتفريطه (٥). وقد روي ذَلِكَ عن الشافعي (٦). ثم إذا
(١) انظر: ((الهداية)) ٧٧/١، ((تبين الحقائق)) ٨٤/١.
(٢) انظر: ((التمهيد)» ٢٧٦/٣.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٨٤/٢.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢/ ١٨٢.
(٥) انظر: ((الأوسط)) ٣٤٨/٢.
(٦) ((الأم)) ١/ ٧٣.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلنا: إن المراد: فقد أدرك فضلها، فهل يكون مضاعفًا كما في حق من
أدركها من أولها؟ عَلَى قولين حكاهما القرطبي(١)، وإلى التضعيف ذهب
أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما
هو ظاهر حديث أبي هريرة في ((سنن أبي داود))(٢).
واختلف العلماء في الجمعة، فذهب مالك والثوري والأوزاعي
والليث وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن من أدرك منها ركعة
أضاف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في
الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين. وهو قول النخعي والحكم
وحماد(٣)، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: إن من
فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعًا؛ لأن الجمعة إنما قصرت من
أجل الخطبة (٤).
وأما إدراك الركعة بالركوع خلف الإمام، فالأصح عند الشافعية أن
یکون مدرگا لها به بشرط أن یطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع،
وهو مذهب الجمهور، منهم مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة أنه
لا یکون مدرگًا لها به(٥) .
وروي معناه عن أشهب. ونقل ابن بزيزة عن ابن أبي ليلى والثوري
وزفر إدراكها بما إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، وليركع قبل رفع
(١) ((المفهم)) ٢٢٤/٢.
(٢) (سنن أبي داود)) (٥٦٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أعطاه الله رَق من الأجر
مثل أجر من حضرها وصلاها)). والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود))
(٥٧٣).
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ٤٦٣/١ (٥٣٥٥، ٥٣٥٧).
(٤) روى ذلك ابن أبى شيبة ٤٦٠/١ (٥٣٢٦، ٥٣٢٨).
(٥) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ١٩٧.

٢٠٣
= كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
الإمام رأسه. وعن قتادة وحميد إدراكها بوضع اليدين عَلَى الركبة قبل رفع
الإمام رأسه، فإن رفع قبل الوضع فلا(١).
وعن ابن سيرين إدراكها بإدراك تكبيرة الإحرام والركوع(٢). ونقل
القرطبي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أدركها
وإن لم يدرك الركوع وركع مع الإمام. وقيل: يجزئه وإن رفع الناس
ما لم يرفع الإمام(٣). ونقله ابن بزيزة عن الشعبي، وقال: إذا انتهى
إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رءوسهم أو بقي واحد منهم لم يرفع
رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة (٤)؛ لأن
الصف الذي هو فيه إمامه، وبعضهم أئمة بعض. وقيل: يجزئه إن
أحرم قبل سجود الإمام. حكاه القرطبي(٥). وقال أبو العالية فيما حكاه
ابن بزيزة: إذا جاء وهم سجود سجد معهم، فإذا سلم الإمام قام
فركع ركعة ولا يسجد، ويعتد له بتلك الركعة (٦).
قَالَ: وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد
معهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود:
إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رءوسهم اعتدَّ بها، وإن
رفعوا رءوسهم قبل أن يصل إلى الصف فلا(٧).
(١) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ١٩٦/٤.
(٢) انظر: ((المحلى)) ٢٤٥/٣.
(٣) ((المفهم)) ٢٢٧/٢.
(٤) انظر: ((الأوسط)) ٤/ ١٩٧.
(٥) ((المفهم)) ٢٢٧/٢.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢٢٨/١ (٢٦٠٧).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢٢٩/١ (٢٦٢٢)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٧١/٩ (٩٣٥٤،
٩٣٥٥).

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والجمهور عَلَى ما أسلفناه. وكذا قَالَ ابن بطال: أئمة الفتوى متفقون
عَلَى أن من لم يدرك الركعة لم يدرك السجدة (١).
رابعها :
جمهور العلماء عَلَى أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع
الشمس يتمها. وانفرد أبو حنيفة(٢) فقال: تبطل بطلوعها، ويستقبلها
بعد ارتفاعها، ووافقنا في العصر أنه يتمها بعد الغروب؛ لأن العصر
يقع آخرها في وقت صالح للابتداء بالصلاة بخلاف الطلوع. وهذا
فرق صوري، والشارع سوى بينهما، فلا معنى لهذا الفرق.
وقولهم: إنه أخّر القضاء في حديث الوادي لأجل هذا عجيب، بل
إنما أخّره لقوله: ((اخرجوا بنا منه فإن فيه شيطانًا))(٣).
والاستيقاظ كان بعد أن أحرقتهم الشمس. قالوا: والحديث محمول
عَلَى أرباب الأعذار، وأيضًا كان قبل النهي عن الصلاة في هذين
الوقتين؛ لأن النهي أبدًا يطرأ عَلَى الأصل الثابت. والجواب أن راوي
حديثنا هذا أبو هريرة، وهو متأخر عن أخبار النهي، فإن راويها عمر
وإسلامه قديم، نبه عليه ابن حزم. وعند أبي حنيفة أنه إذا قعد مقدار
التشهد وطلعت تبطل أيضًا، وخالفه صاحباه.
خامسها :
خصت هاتان الصلاتان بالذكر دون غيرهما لشرفهما، والحكم
لا يختص؛ بدليل الرواية السالفة: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
(١) رواه عبد الرزاق ٢٨٢/٢ (٣٣٧٤).
(٢) أنظر: ((البحر الرائق) ٣٩٨/١.
(٣) رواه مسلم (٣١٠/٦٨٠) كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة،
واستحباب تعجيل قضائها.

٢٠٥
كِتَّابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
=
أدرك الصلاة»، ويحتمل أنهما طرفا الصلاة أولًا وآخرًا، والمصلي إذا
صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت،
فلو لم يبين الشارع هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه لظن
فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات
الصلوات فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق؛ ولأن
الشارع نهى عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب، فلو لم يبين لهم
صحة صلاة من أدرك منهما لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين
الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذَلِكَ ليزول هذا الوهم.
سادسها :
قدم ذكر السجدة في رواية البخاري هنا؛ لأنها هي السبب الذي به
الإدراك، وأُخّرت في رواية أخرى فقال: ((من أدرك من الصبح سجدة))
تقديمًا للاسم الذي يدل عَلَى الصلاة دلالة تتناول كل أوصافها، بخلاف
السجدة فإنها دالة عَلَى البعض، فقدم الأعم.
الحديث الثاني :
ذكر حديث سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله وَّهِ: (إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ
فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمُم كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ،
أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بها حَتَّى إِذَا أُنْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا .. ))
الحدیث.
ثم ذكر فيه حديث بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عَنْ النبي
وَّهِ: (مَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارِى كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى
اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ». وذكر باقيه، «وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ
الفَرِيقَيْنِ».

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الكلام عَلَى ذَلِكَ من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث -أعني حديث ابن عمر - أخرجه البخاري أيضًا في
فضائل القرآن(١)، والإجارة(٢)، وذكر بني إسرائيل(٣)، والتوحيد،
وفيه: سمعت النبي ◌َّه وهو قائم عَلَى المنبر (٤).
ثانیھا :
إنما أدخل البخاري هذين الحديثين في هذا الباب لقوله فيه: ((ثم
أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين))؛ ليدل عَلَى
أنه قد أستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى
الليل أجر النهار كله المستأجر أولًا، فمثل هذا كالذي أعطي عَلَى
ركعة أدرك فيها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال ابن المنير: إن قلت: ما وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة؟
وإنما هو مثال لمنازل الأمم عند الله، وأن هذه الأمة أقصرها عمرًا،
وأقلها عملًا، وأعظمها ثوابًا، ويستنبط منه البخاري بتكلف من قوله:
((فعملنا إلى غروب الشمس)) فدل عَلَى أن وقت العمل ممتد إلى
الغروب وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت:
صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة،
(١) سيأتي برقم (٥٠٢١)، باب: فضل القرآن على سائر الكلام.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٦٨)، باب: الإجارة إلى نصف النهار، (٢٢٦٩)، باب: الإجارة
إلى صلاة العصر.
(٣) سيأتي برقم (٣٤٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٦٧)، باب: في المشيئة والإرادة.

٢٠٧
- كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصًّا بهذا الوقت هو صلاة، بل
المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيره من العبادات في سائر
مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة، وتحتمل المطابقة ما سلف عن المهلب
من أنه نبه عَلَى أن إعطاء البعض حكم الكل في الإدراك غير بعيد، كما
أعطيت هذه الأمة ببعض العمل في بعض النهار حكم جملة العمل في
جملة النهار، فاستحقت جميع الأجر، وفيه بعد، فإنه لو قَالَ: إن
هُذِهِ الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت
إلا بعض أجرة جميع النهار؛ لأن الأمتين قبلها ما أستوعبا النهار
فأخذتا قيراطين، وهُذِه الأمة إنما أخذت أيضًا قيراطين، نعم عملت
هذِهِ قليلًا فأخذت كثيرًا، ثم هو أيضًا منفك عن محل الاستدلال؛
لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها،
ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ومراده
عند الجمهور كما علمته في موضعه، ثم هذا من الخصائص المستثناة
عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم
مقام جملته، وكذلك سائر العبادات فالأول أولى(١).
ثالثها :
قوله: ( ((إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم)) ) في رواية الترمذي:
((إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم))(٢) وهذا مثل ضربه التقشير:
لعمل هذِه الفرق الثلاثة، وهو إشارة إلى قرب الساعة وقلة ما بقي
من الدنيا. وفي حديث أبي موسى أن اليهود طال زمن عملهم
وزاد عَلَى مدة النصارى؛ لأنه كان بين موسى وعيسى في رواية
(١) انظر: ((المتواري)) ص ٩٢ - ٩٤.
(٢) الترمذي (٢٨٧١) كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
أبي صالح عن ابن عباس: ألف سنة وستمائة واثنان وثلاثون سنة(١)،
وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة، ولا يختلف
الناس- كما ذكره ابن الجوزي- أنه كان بين عيسى ونبينا وَال
ستمائة سنة؛ فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر،
وعمل النصارى من الظهر إلى العصر، ثم قد أتفق أيضًا تقديم
اليهود عَلَى النصارى في الزمان، مع طول عمل أولئك وقصر عمل
هؤلاء، فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب،
وذلك أقل الكل في مدة الزمان، فربما قَالَ قائل: إن هذِه قد
كانت ستمائة سنة من المبعث، فكيف يكون زمانها أقل؟ ثم
أجاب في نفي الخلاف في زمن الفترة عن ستمائة: عجيب، فقد
ذكر الحاكم في ((إكليله)) أنها مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر غيره
أنها أربعمائة.
رابعها :
تعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث، وهو أن مدة المسلمين من
حين مولد سيدنا رسول الله في إلى قيام الساعة ألف سنة وزيادة؛
وذلك لأنه * جعل النهار نصفين، الأول لليهود، فكانت مدتهم
ما سلف، فتكون لهذه الأمة والنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى
كما سلف ستمائة سنة، الباقي وهو ألف سنة وزيادة للمسلمين،
ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره السهيلي أن جعفر بن عبد الواحد (٢) العباسي
(١) (تاريخ الطبري)) ٤٩٥/١.
(٢) ورد في هامش الأصل (س): جعفر بن عبد الواحد قال الذهبي في ((المغني)) في
ترجمته: متروك هالك.

٢٠٩
ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
القاضي حدث بحديث رفعه إلى النبي ◌َّ﴿ أنه قَالَ: ((إن أحسنت أمتي
فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف
يوم))(١) وقد أنقضت الخمسمائة والأمة باقية. وذكر حديث زمل
الخزاعي (٢)، وأنه قصَّ عَلَى رسول الله وَّه رؤياه، وقال: رأيتك
يا رسول الله عَلَى منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك
تبعثها. ففسَّر له ◌َ﴿ الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، ودرجات
المنبر: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، بعثت في آخرها ألفًا(٣).
(١) ((الروض الأنف)) ٢٩٥/٢.
قال ابن حجر في ((الفتح)) ٣٥٢/١١:
وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف إلا من جهته، وهو مشهور بوضع
الحدیث، وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك، فالعجب من السهيلي كيف
سكت عنه مع معرفته بحاله؟ .اهـ
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: قال الذهبي في ((التجريد)) في ترجمة زمل الخزاعي:
قص على النبي صل# رؤيا، ولا يصح ذلك، وذكره السهيلي. انتهى
وقد ذكر المؤلف في باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وقال ابن زمل صوابه
ما هنا والله أعلم.
(٣) هُذا جزء من حديث طويل رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ٢٠٠/١ (١٤٢)
مختصرًا، والطبراني في ((الكبير)) ٣٠٢/٨ -٣٠٤ (٨١٤٦)، والبيهقي في ((دلائل
النبوة)» ٣٦/٧-٣٨، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ٢٣٢/٢ من طريق سليمان بن
عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن ابن زمل
﴾ .. الحدیث.
وفيه: سليمان بن عطاء، قال عنه أبو حاتم في ((المجروحين)): شيخ يروي عن
مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي بأشياء موضوعة لا تشبه
حديث الثقات، فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة بن عبد الله. اهـ
٣٢٥/١، وقال الحافظ في ((النتائج)): هذا حديث غريب، قال ابن السكن: هو
حديث طويل في تعبير الرؤيا، وهو منكر. قال البخاري: سليمان بن عطاء منكر
الحديث. اهـ وقال الحافظ أيضًا: وأبو مشجعة لا يعرف اسمه ولا حاله، أنظر : =

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ السهيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد روي موقوفًا
عَلَى ابن عباس من طرق صحاح أنه قَالَ: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف
سنة وبعث رسول الله وَ﴿ في آخر يوم منها (١)، وصحح الطبري هذا
الأصل وعضده بآثار، وذكر قوله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين، وإنما
سبقتها بما سبقت هذِه هذِه))(٢) وأورده من طرقٍ كثيرةٍ صححها، فشبه
وَّيه ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما أنقضى بقدر ما بين السبابة
والوسطى من التفاوت حيث قَالَ: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))(٣)
= ١٣٢/٣، وقال في ((الفتح)): سنده ضعيف جدًّا. انظر: ٣٥١/١١، وابن زمل:
اختلف في اسمه فقيل: الضحاك، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن. واختلف
في صحبته أيضًا فقيل: إنه صحابي، وقيل: إنه تابعي ولعل هذا هو الأقرب إلى
الصواب، أنظر: ((أسد الغابة)) ٤٧/٣ (٢٥٥٢)، ٢٤٦/٣ (٢٩٥٠)، ((الإصابة))
٣١١/٢.
(١) انظر: ((الروض الأنف)) ٢٩٥/٢. وفي تصحيح حديث ابن عباس الموقوف نظر.
ورواه الطبري موقوفًا في مقدمة ((تاريخه)) ١٥/١ عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة
من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة، وليأتين
عليها مئون من سنين [ما] عليها موحد.
ذكر الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) ١٠١/٨-١٠٢ (٣٦١١): قال ابن كثير كما
نقل السخاوي في ((الفتاوى الحديثية)) (ق١/١٩٣): كل حديث ورد فيه تحديد
وقت يوم القيامة على التعيين؛ لا يثبت إسناده.
(٢) رواه من حديث المستورد بن شداد الفهري الترمذي (٢٢١٣) بلفظ: عن النبي ◌َّ-
قال: ((بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذِه هذِه)) الإصبعيه السبابة
والوسطى. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد،
لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٣٣٩): ضعيف.
(٣) بهذا اللفظ سيأتي برقم (٦٥٠٤، ٦٥٠٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي ◌َّ:
((بعثت أنا والساعة كهاتين)) من حديث أنس وأبي هريرة.

٢١١
كِتَابُ مَوَافِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
وأشار بالسبابة والوسطى (١) وبينهما نصف سبع كما قَالَ السهيلي؛ لأن
الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها عَلَى السبابة (٢)
نصف سبع. والدنيا عَلَى ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة،
فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى عَلَى السبابة بنصف الأنملة،
وهو ألف سنة. فيما ذكره الطبري وغيره(٣).
وزعم السهيلي أن بحساب الحروف المقطعة في أوائل السور تكون
تسعمائة سنة وثلاث سنين. وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟(٤) فالله
أعلم. قلت: وهذا من الغيب الذي استأثر الله به. وقد قَالَ وَلِّ ((ما
المسئول عنها بأعلم من السائل))(٥).
خامسها :
قوله: ( ((كما بين صلاة العصر إلى الغروب))) يحتمل كما قَالَ ابن
العربي أن يريد: من أول وقتها ومن آخره، وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من
الأول لكان زمن المسلمين أكثر في العمل من زمان النصارى.
وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم فيه: ((نحن
أكثر عملًا)). وكثرته غالبًا تستدعي كثرة الزمان (٦).
(١) قال ابن حجر: وأخرجه الطبري عن هناد بلفظ: (وأشار بالسبابة والوسطى) بدل
قوله: (يعني إصبعيه) ثم قال: وهذا يدل على أن في رواية الطبري إدراجًا. انظر:
«فتح الباري)) ٣٤٩/١١.
(٢) ورد بهامش (س) ما نصه: سبابته وي أطول من الوسطى جاء ذلك في حديث رواه.
(٣) انظر: الطبري في ((تاريخه)) ١٨/١ وما بعدها.
(٤) ذكر ذلك كله السهيلي في ((الروض الأنف)) ٢٩٤/٢-٢٩٥.
(٥) سبق برقم (٥٠) من حديث أبي هريرة، كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي
* عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.
(٦) ((عارضة الأحوذي)) ٣٢١/١٠.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
سادسها :
قوله: ( (أوتي أهل التوارة التوارة فعملوا حَتَّى إذا انتصف النهار
عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا)) ) هذا مخالف لرواية أبي موسى
السالفة: (لا حاجة لنا إلى أجرك)) وفيه: «فعملوا حَتَّى إذا كان العصر
قالوا: لك ما عملنا)) ورواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر(١). ففيه:
قطع الأجرة لكل فريق، واستوفى العمل، وأبقى الأجرة.
وفيه: قطع الخصومة، وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب.
واكتفى الراوي منه بذكر مآل الأمر إليه من الأجرة ومبلغها دون غيرها
من ذكر عجزهم عن العمل، ذكره الخطابي (٢).
وقولهم: (لا حاجة لنا إلى أجرك)). إشارة إلى تحريفهم الكتب،
وتبديلهم الحال، وانقطاعهم عن بلوغ الغاية، فحرموا إتمام الأجرة؛
لامتناعهم من تمام العمل الذي ضمنوه. قَالَ: وكأن الصحيح رواية
سالم وأبي بردة(٣).
فائدة :
القيراط من الوزن معروف، قَالَ في ((الصحاح)): وهو نصف
دانق (٤). قَالَ القزاز: وأصله من قولهم: قرط فلان عَلَى العطاء إذا
أعطاه قليلًا قليلًا.
سابعها :
قوله: ( (عجزوا)) ) قَالَ الداودي: قوله: ((عجزوا)) قاله أيضًا في
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٨) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار.
(٢)
((أعلام الحديث)) ١/ ٤٤٣.
((أعلام الحديث)) ٤٤٤/١.
(٣)
(٤) ((الصحاح)) ١١٥١/٣، مادة: (قرط).

٢١٣
= ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
النصارى، وفي حديث أبي موسى: ((لاحاجة لنا إلى أجرك)). حكاه عن
اليهود: (لك ما عملنا)). قَالَ: فإن كان وصف من مات مسلمًا من قوم
موسى فلا يقال: عجزوا، وكذا من مات مسلمًا من قوم عيسى، وإن
كان قاله فيمن آمن ثم كفر، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله
فكفر؟ وقال ابن التين: يحمل حديث ابن عمر: «نحن أكثر عملًا
وأقل عطاء)). عَلَى من مات مسلمًا من أهل الكتابين. وحديث أبي
موسى: («لك ما عملنا)) باطل. عَلَى من بدَّل دينه بعد نبيه.
قلت: ورواية أبي موسى هذِه أخرجها الإسماعيلي وأبو نعيم، وفيه
قالوا: ((لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال
لهم: لا تفعلوا، أعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا
وتركوا ذَلِكَ عليه، فاستأجر قومًا آخرين، فقال لهم: أعملوا بقية
يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر. فعملوا حَتَّى كان
العصر، فقالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا،
لا حاجة لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار
شيء يسير وخذوا أجركم. فأبوا عليه، فاستأجر قومًا آخرين، فعملوا
بقية يومهم، حَتَّى إذا غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين والأجر
كله)). ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله، ومثل المسلمين
الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله وَلآه.
ثامنها :
قوله: ( الم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا
قيراطين قيراطين)) )
فيه: تفضيل هُذِه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع جريًا
بمقتضى الطباع لا قصدًا، ثم تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف،
وعموم ذَلِكَ ممن قبلهم كان في الأصول والمعاندة للشرائع كقولهم:
﴿أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حَتَّى
نتق الجبل فوقهم، و: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا ﴾ [المائدة: ٢٤]
وقد علم ما كانت الصحابة تؤثره وتزدحم عليه من الشهادة في سبيله،
وهُذا مَنٌّ منه لا وجوب عليه تعالى، ولما قالت اليهود والنصارى:
((ما لنا أكثر عملاً وأقل أجرًا؟» فقال الرب جل جلاله: ((هل ظلمتكم
من حقكم شيئًا؟- يعني: الذي شرطت لكم- قالوا: لا. قَالَ: فذلك
فضلي أوتيه من أشاء)». ولعل قولهم: ((نحن أكثر عملاً وأقل عطاءً) (١)
أي: لا نرضى بهذا، ثم تركوا ذَلِكَ وقالوا: ((لك ما عملنا باطلا) كما
سلف، واتفقا الحديثان، وجاء في بعض الروايات: ((فغضبت اليهود
والنصارى))- يعني: الكفار؛ لأن غيرهم لا يغضب من حكم الرب
تعالى. وقال الإسماعيلي: إنما قالت النصارى: نحن أكثر عملًا؛
لأنهم آمنوا بموسى وعيسى، فكان لهم عمل اليهود وزيادة ما عملوا
من الإيمان بعيسى إلى أن بُعث نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
وما ذكره من إيمان النصارى بموسى فيه نظر. ويحتمل أن يكون
قولهم: ((نحن أكثر عملًا)) يعني: اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات.
وقولهم: ((وأقل عطاء)). يعني: النصارى، وإن كانوا متقاربين مع
المسلمين في العمل، فيكون الحديث عَلَى العموم في اليهود، وعلى
الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة،
(١) سيأتي برقم (٢٢٦٩) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى صلاة العصر.

٢١٥
= ڪِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وفضلها
[الرحمن :
والمراد بعضها كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وَالْمَرْحَابُ
٢٢] وإنما يخرج من الملح لا العذب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ
بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي كان يوشع بدليل قوله:
﴿فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقيل: يحتمل أن كل طائفة منهما
أكثر عملًا وأقل أجرًا؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر لا إلى
وقت العصر، فيحمل عَلَى أنها عملت إلى آخر وقت العصر، ذكره
ابن القصار.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن تكون الزيادة التي يتبين بها وقت
العصر، وهو أن يصير ظل الشيء مثله، وزاد أدني زيادة التي كانت
عند الزوال، فزادت مدة الظهر أكثر من مدة العصر، فهي زيادة في
العمل.
تاسعها :
استنبط أصحاب أبي حنيفة، منهم الدَّبوسي في «أسراره)) وغيره من
هذا الحديث أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لأنه إذا كان
كذلك کان قريبًا من أول العاشرة، فيكون للغروب ثلاث ساعات غير
شيء يسير، ويكون النصارى أيضًا عملوا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا،
وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل
الشيء مثله، فاستوى في الزمن النصارى مع المسلمين إلا في شيء
يسير لا اعتبار به، واعترض عَلَىْ ذَلِكَ بأمور
منها: أن النصارى لم تقله، إنما قاله الفريقان، ووقتهما أكثر من
وقتنا، فيستقيم قولهم: ((أكثر عملًا)). وأجيب بأنهما لم يتفقا عَلَى قول
واحد، بل قالت النصارى: ((كنا أكثر عملاً وأقل عطاءً)). وكذا اليهود،
باعتبار كثرة العمل وطوله، كقوله تعالى حاكيًا عنهم: ﴿وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوُاْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨] وإنما قَالَ ذَلِكَ اليهود
وحدها، والنصارى وحدها؛ لأن اليهود لا يقولون أن النصارى أبناء
الله وأحباؤه، وكذا النصارى.
ومنها: ما قاله الجويني من أن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي
تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوز وتوسع. قَالَ ابن العربي:
وليس كما قَالَ؛ لأن الشارع لا يقول إلا حقًّا تمثل أو توسع، وقوله:
( ((من صلاة العصر)) ) يحتمل أول الوقت وآخره، فلا يقضى بأحد
الاحتمالين عَلَى الآخر (١).
ومنها: أن هذا الحديث قصد به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات كما
سلف في رواية أبي نعيم والإسماعيلي، فهو مثل ضرب للناس الذين
شرع لهم دين موسى عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليعملوا الدهر كله
بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه أفضل الصلاة
والسلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرءوا مما جاء به وعمل آخرون بما
جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به، فعملوا حتى
بعث سيدنا رسول الله ير فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا
وعصوا، فجاء الله بالمسلمين، فعملوا بما جاء به، ويعملون إلى قيام
الساعة، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله، كإتمام النهار الذي
استؤجر عليه كله، فقدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن
نسخ الله شريعتهم بعيسى. وقال عند مبعث عيسى: من يعمل مدة هذا
الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذَلِكَ بنبينا
محمد وَّه، ثم قَالَ متفضلًا عَلَى المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى
(١) (عارضة الأحوذي)) ٣٢٢/١٠.

٢١٧
كِتَابُ مَوَاقِيتِ الضَّلَاةِ وفضلها
الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى أنقطاع الدهر. فمن
عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين،
وكذلك النصارى إذا آمنوا بنبينا كما جاء في الحديث: ((ورجل آمن
بنبيه وآمن بي)»(١) يعني: يؤتى أجره مرتين.
وحديث الأوقات: قصد به الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم
عَلَى غيره.
(١) سلف من حديث أبي موسى برقم (٩٧) كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته
وأهله.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
١٨- باب وَقْتِ المَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
٥٥٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ - مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ
يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ نَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
[مسلم: ٦٣٧ - فتح: ٢ /٤٠]
٥٦٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سَغْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ الَحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللهِ، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُّصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْغْرِبَ إِذَا
وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَخْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ أَجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ،
وَالصُّبْحَ كَانُوا- أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ- يُصَلِيهَا بِغَلَسٍ. [٥٦٥- مسلم: ٦٤٦ - فتح: ٤١/٢]
٥٦١- حَدَّثَنَا المَكْيُّ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ:
كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَِّ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِاِحِجَابِ. [مسلم: ٦٢٦ - فتح: ٤١/٢]
٥٦٢- حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ زَيْدِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ وَّهِ سَبْعًا جَمِيعًا وَنِيًا جَمِيعًا. [انظر:
٥٤٣- مسلم: ٧٠٥ - فتح: ٤١/٢]
ذكر فيه أثرًا عن عطاء وأربعة أحاديث.
أما الأثر فقال: وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ(١).
وهذا قد سلف الكلام عليه في باب: تأخير الظهر إلى العصر (٢).
وأما الأحاديث:
(١) في شرح حديث (٥٤٣).
(٢) عزاه الحافظ في ((الفتح)) ٢/ ٤١ لعبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء.

٢١٩
كِتَابٌ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وفضلها
=
فأحدها: عن أبي النجاشي مولى رافع سمع: رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ:
كُنَّا نُصَلِّ المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ بَهِ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَيْلِهِ.
الكلام علیه من أوجه:
أحدها :
أبو النجاشي هذا اسمه: عطاء بن صهيب، تابعي ثقة (١). والحديث
أخرجه مسلم أيضًا (٢).
ثانیھا :
النبل: السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها.
وقيل: واحده: نبلة، والجمع: نبال وأنبال(٣).
ثالثها :
الحديث دال عَلَى المبادرة بالمغرب في أول وقتها بمجرد الغروب،
وهو إجماع(٤)، ولا عبرة بمن شذ فيه ممن لا يعتد به، والأحاديث التي
قد تشعر بالتأخير وردت لبيانه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت،
والتقديم هو المعهود من عادته. وحديث أبي بصرة: ((لا صلاة بعد
(١) هو عطاء بن صهيب الأنصاري، أبو النجاشي مولى رافع بن خديج، حديثه عند
أهل اليمامة، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب: ((الثقات)) وقال:
وكان قد صحب رافع بن خديج ست سنين، روى له البخاري ومسلم والنسائي
وابن ماجه، ((التاريخ الكبير)) ٤٦٦/٦ (٣٠٠٥)، ((ثقات العجلي)) ١٣٩/٢
(١٢٥٢)، و((الجرح والتعديل)) ٣٣٤/٦ (١٨٤٩)، ((الثقات)) ٢٠٣/٥، «تهذيب
الكمال)» ٩٤/٢٠ (٣٩٣٥).
(٢) مسلم (٦٣٧) كتاب: المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب
الشمس.
(٣) انظر: ((الصحاح)) ١٨٢٣/٥، ((لسان العرب)» ٤٣٣٠/٧ مادة: (نبل).
(٤) انظر: ((الإجماع)) ص٤١.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
العصر حَتَّى يطلع الشاهد)) والشاهد: النجم. أخرجه مسلم (١)، لا ينافيه.
وحديث عبد العزيز بن رفيع، قَالَ رسول الله وَله: ((عجلوا بصلاة النهار
في يوم غيم، وأخروا المغرب)) أخرجه أبو داود في ((مراسيله))(٢)،
والمراد -والله أعلم- تحقق الغروب. ووقتها عند الشافعي: بمضى
قدر وضوء، وستر عورة وأذانين، وخمس ركعات من وقت الغروب،
وبه قَالَ مالك والأوزاعي، وله أن يستديمها إلى مغيب الشفق.
والقوي من جهة الدليل بقاؤه إلى مغيب الشفق، وبه قَالَ أبو حنيفة(٣)
والثوري وأحمد وإسحاق(٤). وعن طاوس: لا يفوت المغرب والعشاء
حَتَّى الفجر (٥). وعن عطاء: لا يفوتا حَتَّى النهار (٦).
وفي ((مصنف عبد الرزاق)) عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن
سابط أن أبا أمامة سأل النبي ◌َّ: متى غروب الشمس؟ قَالَ: ((من أول
ما تصفر إلى أن تغرب)»(٧).
(١) رواه مسلم (٨٣٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة
فيها.
(٢) ص٧٨ (١٣). ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٦٦/٢ وعزاه لسعيد بن منصور في ((سننه))
وقال: إسناده قوي مع إرساله.
وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٣٦٨٨)، وفي ((الضعيفة)) (٣٨٥٦) وقال:
هذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات، وهو مرسل.
(٣) انظر: ((تبين الحقائق)) ٨٤/١، ((البناية)) ٤٨/٢.
(٤) انظر: ((الكافي)» ٢٠٧/١-٢٠٨.
(٥) رواه عبد الرزاق ٥٨٤/١ (٢٢٢٢).
(٦) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٨٢ (٢٢١٩).
(٧) عبد الرزاق ٤٢٤/٢ - ٤٢٥ (٣٩٤٨).