Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ = كِتَابُ الصَّلاةِ والكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه أيضا في هجرة الحبشة، بالسند والمتن(١)، وفي الصلاة في البيعة، كما ستعلمه قريبا، وأنه يقال للكنيسة: (مارية)(٢)(٣)، وأخرجه مسلم في الصلاة(٤). ويحيى هو ابن سعيد القطان، وتابعه وكيع وجماعات(٥)، وممن رواه عن يحيى أحمد(٦). ثانیھا : اسم أم حبيبة رملة، وأم سلمة هند على المشهور فيهما، وقيل: اسم أم سلمة: رملة أيضًا. ثالثها : (المسجد) بفتح الجيم وكسرها : الموضع الذي يسجد فيه، وقيل: بالفتح: موضع السجود، وبالكسر المكان، وقيل: بالفتح مطلقًا (٧). و(الكنيسة): متعبد النصارى، وقد سلف أن اسمها مارية. و(المارية) بتخفيف الياء: البقرة، وبتشديدها: الملساء(٨). سيأتي برقم (٣٨٧٣) كتاب: مناقب الأنصار. (١) (٢) في (س) فوقها كلمة غير واضحة لعلها: (قصر)، فيكون المعنى: (قصر مارية). (٣) سيأتي برقم (٤٣٤). (٤) مسلم (٥٢٨) كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد. (٦) أحمد ٥١/٦. (٥) مسلم (١٧/٥٢٨ - ١٨). (٧) انظر: ((تهذيب اللغة)) ١٦٣٠/٢، ((لسان العرب)) ١٩٤٠/٤، مادة: سجد. (٨) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٣٨٤/٤، ((الصحاح)) ٢٤٩٢/٦، ((لسان العرب)» ٧/ ٤١٩٠. مادة: مري. ٤٦٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح رابعها : فيه: دلالة على تحريم تصوير الحيوان خصوصا الآدمي الصالح، ومن حمل النهي على المسجد(١) القائم، أو على التنزيه فهو غالط، كما أوضحته في ((شرح العمدة))(٢)، وإنما صور أولئك ليتذكروا أفعالهم إذا رأوهم فخلف من بعدهم خلف جهلوا ذلك فعظموها، فحذر الشارع عن مثل ذلك سدًّا للذرائع في غيره. خامسها : فيه: أيضا منع بناء المساجد على القبور ومقتضاه التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه، وقوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد))(٣)، وقد استجاب الله دعاءه فله الحمد والمنة، وأما الشافعي والأصحاب (١) في (س) تعليق: لعله (المشخص). [قلت: وفي ((الإعلام)) للمصنف: المجسد]. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٨٩/٤ - ٤٩٠. (٣) رواه من حديث أبي هريرة أحمد ٢٤٦/٢، وابن سعد في ((طبقاته)) ٢٤١/٢ - ٢٤٢، والحميدي ٢٢٤/٢ (١٠٥٥)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» ٤٤/٥. ورواه من حديث زيد بن أسلم مرسلًا عبد الرزاق ٤٠٦/١ (١٥٨٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ١٥٢ (٧٥٤٣) و٣٢/٣ (١١٨١٨). ورواه من حديث عطاء بن يسار -بلفظ المصنف- مالك ١٢٤ مرسلًا. ووصله من حديث أبي سعيد الخدري البزار كما في (كشف الأستار)) ٢٢٠/١ (٤٤٠) وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٤٢/٥- ٤٣. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣/٤ من حديث أبي هريرة، وعزاه لأبي يعلى، وقال: فيه إسحاق بن أبي إسرائيل، وفيه كلام لوقفه في القرآن، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني من حديث أبي هريرة لأحمد في ((الثمر المستطاب)) ٣٦١/١، وقال معلقًا على قول الهيثمي في إسحاق بن أبي إسرائيل: هو ثقة، وقد وثّقه ابن معين وأحمد وغيرهما، والكلام المذكور لا يضره من حيث الرواية، على أن الهيثمي قد ذهل عن كون الحديث في ((المسند)) من غير هذِه الطريق كما رأيت، فسبحان من لا يسهو ولا ینسی. ٤٦٣ كِتَابُ الصَّلَاةِ == فصرحوا بالكراهة (١)، قال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدًا فیصلی فوقه. وقال: إنه يكره أن يبني عنده مسجدا فيصلى فيه إلى القبر؛ لقوله وَ له: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) أخرجه مسلم (٢). قال ابن القاسم: وكره مالك المساجد المتخذة على القبور، وأما مقبرة دائرة بني فيها مسجد يصلى فيه فلم أر به بأسا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناهما واحد(٣). سادسها : قوله: ( ((وصوروا فيه تيك الصور)) ) هو بالياء في تيك اسم يشار به إلى المؤنث مثل ذا للمذكر. وقوله: ( ((شرار الخلق)) ) هو جمع شر مثل بحر وبحار، أما أشرار فقال يونس: واحدها شر أيضا مثل: زند وأزناد، وقال الأخفش: شرير، (٤) يتيم وأيتام(٤). وأما حديث أنس فأسنده عن مُسَدَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهِ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ، فِي حَيٍّ .. الحدیث بطوله. (١) انظر: ((الأم)) ٢٤٦/١، ((المجموع)) ١٦٤/٣ - ١٦٥، ٢٨٨/٥ - ٢٨٩. (٢) مسلم (٩٧٢) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه من حديث أبي مرثد الغنوي. (٣) انظر: ((المنتقى)) ٣٠٧/١. (٤) ورد بهامش (س) تعليق نصه: بلغ في الحادي بعد الستين كتبه مؤلفه. ٤٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح والكلام عليه من وجوه: أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في باب الهجرة (١) والوصايا في موضعين منه (٢)، والحج(٣)، والبيوع في باب صاحب السلعة أحق بها(٤)، والوقف(٥). وأخرجه مسلم في الصلاة (٦)، ووقع في ((أطراف المزي)) عن خلف أن مسلما رواه أيضا في الهجرة عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، وصوابه: البخاري(٧). ثانيها : قوله: (قدم النبي وَ يهر المدينة). اختلف الناس في وقت قدومه وَلـ المدينة، فذكر ابن إسحاق وغيره أنه خرج إلى المدينة لإهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لثنتي عشرة ليلة مضت منه. وقال عبد الرحمن بن المغيرة: قدمها يوم الإثنين لثمان خلون منه. (١) سيأتي برقم (٣٩٣٢) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي وَّ وأصحابه المدينة. (٢) سيأتي برقم (٢٧٧١) باب: إذا أوقف جماعة أرضًا مشاعًا فهو جائز، وبرقم (٢٧٧٩) باب: إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز. (٣) سيأتي برقم (١٨٦٨) فضائل المدينة، باب: حرم المدينة. (٤) سيأتي برقم (٢١٠٦) كتاب: البيوع، باب: صاحب السلعة أحق بالسوم. (٥) سيأتي برقم (٢٧٧٤) كتاب: الوصايا، باب: وقف الأرض للمسجد. (٦) مسلم (٥٢٤) كتاب: المساجد، باب: ابتناء مسجد النبي ◌َّ. (٧) ((تحفة الأشراف)) (١٦٩١)، وعلل المزي ذلك بقوله: لأنه ليس عنده كتاب الهجرة. ٤٦٥ = ڪِتَابُ الصَّلَاةِ وقال ابن الكلبي: خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة مضت منه(١) وقيل: قدمها لليلتين خلتا من ربيع الأول حكاه ابن الجوزي. وقال الحاكم في ((الإكليل)): تواترت الأخبار بوروده وَط هار قباء يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول، وفي ((طبقات ابن سعد)): أنه وَّل خرج من الغار ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقال يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليليتين خلتا من ربيع الأول -ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه- فنزل على قيس كلثوم(٢) الهدم -وهو الثبت عندنا- ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب، فلذلك قيل: نزل على سعد بن خيثمة(٣). قالوا: وأقام ببني عمرو بن عوف يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمع -يعني: ببني سالم- ومعه مائة، وهو على القصواء، لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول له خيرا، ويدعو لهم، ويقول: ((إنها مأمورة فخلوا سبيلها))، فلما بركت عند مسجده جعل الناس يكلمونه في النزول عليهم(٤). وجاء أبو أيوب فحط رحله، فأدخله منزله، قال وَله: ((المرء مع (١) انظر هذِه الأقوال الماضية في ((الروض الأنف)) ٢٤٤/٢. (٢) ورد بهامش (س): من خط الشيخ: كانت عشرًا يومئذٍ، قاله النيسابوري في ((شرف المصطفى». (٣) ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٢/١ - ٢٣٣. (٤) السابق ٢٣٧/١. ٤٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح س= رحله)). وجاءه أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، وهذا الثبت(١). وأقام بمنزل أبي أيوب سبعة أشهر، وكان موضع المسجد إذ ذاك يصلي فيه رجال من المسلمين، فدعا رسول الله صل18ه باليتيمين فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى حتى أبتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك(٢). وفي ((المغازي)) لأبي معشر: وشراه أبو أيوب منهما، وأعطاه رسول الله فبناه مسجدا، وفي ((الإكليل)) للحاكم: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوارٍ من بني النجار يضربن بالدفوف، وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمدًا (٣) من جار فقال لهن: ((أتحبنَّني؟)) فقلن: نعم يا رسول الله، فقال: ((وأنا والله أحبكن)) قالها ثلاثا(٤). وأغرب البرقي فقال: قدمها ليلًا(٥). (١) السابق. (٢) السابق ٢٣٩/١. (٣) كذا في الأصل، وكتب في الهامش: (صوابه محمدٌ). (٤) خبر خروج الجواري ورد النبي ◌ّلتر: عليهن رواه من حديث أنس ابن ماجه (١٨٩٩)، والطبراني في ((الصغير)) (٧٨) وفيه: نحن قينات من بني النجار. والخطيب في ((تاريخه)) ٥٧/١٣ بلفظ ابن ماجه. قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٠٦/٢: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وروي بسند فيه رُشید الزريري ضعفه ابن عدي. رواه أبو يعلى ٦/ ١٣٤ (٣٤٠٩)، وابن عدي في ((الكامل)) ٨٧/٤- ٨٨ ترجمة (٦٧٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣/ ١٢٠ وفيه: ((اللهم بارك فيهن)). قال ابن عدي، عن رشيد هذا: حدث عن ثابت أحاديث لم يتابع عليها. (٥) في هامش (س) ما نصه: كونه قدمها ليلا، هو في أواخر ((صحيح مسلم))، والمعروف أنه قدمها نهارا. ٤٦٧ - ڪِتَابُ الصَّلَاةِ ثالثها : قوله: (فنزل أعلى المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف)، علو المدينة ما كان من جهة نجد. و(بنو عمرو بن عوف) هم بنو عَمرو بن عوف بن مالك بن أوس أخي الخزرج ابني حارثة، وهم أهل قباء، فنزل على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان شيخًا كبيرًا، أسلم قبل وصوله مقر المدينة. وقيل: بل نزل على سعد بن خيثمة، أبي خيثمة الأوسي، والصحيح أنه نزل على كلثوم، وقد أسلفنا الخلاف المذكور أيضًا. وفي ((المغازي)) لموسى بن عقبة: قدم بني عمرو بن عوف يوم الإثنين هلال شهر ربيع الأول فمكث فيهم ثلاث ليال، ويقول بعض الناس: بل مكث أكثر من ذلك، واتخذ فيهم مسجدًا، وهو الذي ذكر في القرآن أنه أسس على التقوى. رابعها : قوله: (فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) كذا ثبت في الصحيحين(١)، وقد سلف من كلام ابن سعد أنه أقام أربعا معينة (٢)، وأنه جمع ببني سالم يوم الجمعة، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام، وخطب بهم. خامسها : قوله: (ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف). النجار: اسم تيم اللات، وقيل له: النجار؛ لأنه اختتن بقدوم، أو ضرب (١) موضعه عند مسلم (٥٢٤) كتاب: الصلاة، باب: أبتناء مسجد النبي وَلاغير. (٢) سلف أنها الإثنين والثلاثاء والأربعاء. وانظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٧/١. ٤٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - رجلًا بقدوم، أو فجرحه رجل بقدوم، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن (١) الخزرج(١). و(بنو النجار) قبيلة كبيرة من الخزرج، وإنما طلبهم؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشما جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب جد رسول الله وَالـ (٢). سادسها : قوله: (وأبو بكر ردفه) هو بكسر الراء، وكان لأبي بكر ناقة فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض وغيره، ويجوز أن یکون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله، وعندي أنه يجوز أن تكون موجودة، وتركها لشرف الإرداف خلفه وَله؛ لأنه تابعه والخليفة بعده. وقوله: (بفناء أبي أيوب) الفناء: بكسر الفاء: المتسع أمام الدار، وروى ابن عساكر في («كتابه)) في ترجمة تبع: أن تبع بن حسان الحميري لما قدم مكة وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، ولما نزلها أجمع أربعمائة رجل من الحكماء العلماء، وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم؛ فقالوا: إن شرف البيت، وشرف هذِه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له: محمد *، فأراد تبع أن يقيم، وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل من الحكماء المذكورين دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها، (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٤٨٣/٣- ٤٨٤ عن محمد بن سيرين. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٧٩/١ عن عبد الله بن نوفل بن الحارث. ٤٦٩ كِتَابُ الصَّلَاةِ وزوجها منه، وأعطاهم عطاءً جزيلا، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابا، وختمه بالذهب، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمد ◌َّل* إن أدركه وإلا من أدركه من ولده وولد ولده أمدًا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب أنه آمن به وعلى دينه، وخرج تبع من يثرب فمات في بلاد الهند، ومن موته إلى مولد نبينا 1 ألف سنة سواء، والذين نصروه ◌ً * من أولاد أولئك الأربعمائة، وفي رواية: أنهم كانوا الأوس والخزرج(١). وذكر القصة أيضا ابن إسحاق في كتاب ((المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم السلام)) أنه بنى للنبي و 8* دارا ينزلها إذا قدم المدينة الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج النبي ◌َّ أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه رسول الله وسلم قال: ((أنت أبو ليلى؟)) -ومعه كتاب تبع الأول- فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف رسول الله فقال: من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال: ((أنا محمد)»، هات الكتاب، فلما قرأه قال: «مرحبا بتبع الأخ الصالح))، ثلاث مرات، وفي ((سير ابن إسحاق)) اسمه تباب أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام(٢٧). وفي ((نفائس الجوهر في أنساب حمير)): كان يدين بالزبور، وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجد فيه أمرأتان عند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر (١) ((تاريخ دمشق) ٣/١١. (٢) نقله ابن هشام، عن ابن إسحاق في ((السيرة)) ١٥/١. ٤٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == حُبَّى ولميس -وروي: حُبَّى وتماضر - ابنتي تبع، (ماتتا)(١) وهما يشهدان أن لا إله إلا الله، ولا يشركان به شيئا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وفي ((معجم الطبراني)) مرفوعا: ((لا تسبوا تبعا))(٢)، وذكر السهيلي: أن دار أبي أيوب هذِه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، واشتراه منه بعدما خرب المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، بعد حيلة احتالها عليه المغيرة فأصلحه المغيرة، وتصدق به على أهل بيت فقراء بالمدينة(٣). سابعها : قوله: (ويصلي في مرابض الغنم). فيه إباحة ذلك، وقد عقد له البخاري قريبا بابا، ويأتي إيضاحه إن شاء الله (٤). (١) في (س): ماتا، والصواب ما أثبتناه. (٢) رواه الطبراني بلفظ: ((لا تسبوا تُبَّعًا، فإنه قد أسلم)) من حديث سهل بن سعد ٦/ ٢٠٣ (٦٠١٣)، وفي ((الأوسط)) ٣٢٣/٣ (٣٢٩٠)، ورواه أحمد ٣٤٠/٥ كلهم من طريق عمرو بن جابر. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٧٦/٨، وقال: وفيه: عمرو بن جابر، وهو كذاب. ومن حديث ابن عباس رواه الطبراني ٢٩٦/١١ (١١٧٩٠)، وفي ((الأوسط)) ١١٢/٢ (١٤١٩) في كلا الموضعين من طريق أحمد بن محمد بن أبي بزة المكي. ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٧٦/٨ وعزاه للطبراني في ((الأوسط)) دون ((الكبير))، قال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه: أحمد بن أبي بزة المكي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وله شاهد صحيح من حديث عائشة موقوفًا، قالت: كان تبع رجلاً صالحًا، ألا ترى أن الله -38- ذم قومه ولم يذمه. رواه الحاكم ٢/ ٤٥٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٤٢٣). (٣) ((الروض الأنف)) ٢٤٩/٢. (٤) قبل الحديث القادم (٤٢٩). ٤٧١ كِتَابُ الصَّلَاةِ = ثامنها : قوله: ( ((ثامنوني بحائطكم)) ) أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم، وبايعوني فيه. وفيه: أن رب السلعة أولى بالسوم كما ترجم له البخاري فيما نبهنا عليه، وأن البائع أولى بتسمية الثمن الذي يطلبه. و(الحائط): البستان المحوط، ويؤيده قوله بعد ذلك: (وفيه نخل) وجاء في رواية: (أنه كان مربدًا للتمر)(١)، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، وقد جاء أن بعضه كان كذا، وبعضه كان كذا، فلا اختلاف إذن. تاسعها : قوله: (لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله)، وفي رواية الإسماعيلي: (إلا من الله). وهذا نص على أنهم لم يأخذوا له ثمنا، وإنما وهبوه له وَالله، وقد أسلفنا فيما مضى أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير، وفي ((طبقات ابن سعد)) أنه اشتراه من بني عفراء بذلك(٢)، فإن صح فلم يقبله إلا بالثمن؛ لأنه كان ليتيمين، وهما سهل وسهيل أبناء رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: معاذ بن عفراء، وقال معاذ: يا رسول الله، أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا. (١) ستأتي من حديث عروة بن الزبير برقم (٣٩٠٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ◌ّير وأصحابه إلى المدينة. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٩/١. ٤٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح العاشر : قوله: (وفيه خرب) الرواية المعروفة - كما قال ابن الجوزي- فتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة كما يقال: كلم وكلمة، قال النووي: وكذا ضبطناه(١). وقال الخطابي: حدثناه الخيام - بكسر الخاء وفتح الراء- وهو جمع الخراب وهو ما تخرب من البناء في لغة بني تميم، وهما لغتان فصيحتان رويتا، قال: ولعل صوابه ضم الخاء جمع خربة، وهي الخروق في الأرض، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة في أرض أو جدار قال: ولعل الرواية (خُرَف جمع الخِرْفة، وهي جمع الخرف)(٢). قال: وأبين من ذلك في الصواب -إن ساعدته الرواية- أن يكون جدبا جمع جدبة، وهو الذي يليق بقوله: (فسويت)، وإنما يسوى المكان المحدود منه، أو موضع من الأرض فيه خروق، فأما الخرب فإنه یعمر ولا يسوى(٣). قال عياض: وهذا التكلف لا حاجة إليه؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور (٤). (١) ((مسلم بشرح النووي)) ٥/ ٧. (٢) كذا في (س)، وفي ((أعلام الحديث)): الجُرْف والجمع الجِرْفَة، وهي جمع الجُرُف. (٣) ((أعلام الحديث)) ٣٩٠/١، ٣٩١. (٤) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٤٤١. ٤٧٣ كِتَابُ الصَّلَاةِ = قال ابن الأثير: وروي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة يريد به الموضع المحروث للزارعة(١). قلت: ويؤيده رواية ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): فأمر بالحرث فحرث(٢). الحادي عشر: قوله: (فأمر النبي وليه بقبور المشركين فنبشت) إنما نبشت؛ لأنه لا حرمة لها، لا يقال: كيف جاز ذلك؛ لأن القبر مختص بمن دفن فيه، قد حازه فلا يباع ولا ينقل عنه؛ لأنه يجوز أن تكون مغصوبة، وكذلك باعها ملاكها أو يكون من يحبسهم وليس بلازم، إنما اللازم يحتبس للمسلمين إذ هم أهل القرب أو دعت الضرورة والحالة هذه إلى نبشهم فجاز. قال ابن بطال: ونبش قبورهم ليتخذ مكانها مسجدا، لم أجد فيه نصًّا لأحد من العلماء غير أني وجدت اختلافهم في نبش قبورهم طلبا للمال، وأجاز ذلك الشافعي والكوفيون وأشهب، وأكثر الفقهاء، وقال الأوزاعي: لا يفعل؛ لأنه وَّ لما مر بالحجر قال: ((لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) (٣)(٤). فنهى أن ندخل علیھم بيوتهم، فکیف قبورهم، (وقد أباح دخولها على وجه البكاء، واحتج من أجاز ذلك بحديث أنس في الباب، (١) ((جامع الأصول)) ١١/ ١٨٤. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦٣/٣ (١٢٠٩٤). (٣) سيأتي قريبًا من حديث ابن عمر برقم (٤٣٣) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مواضع الخسف والعذاب. (٤) انظر: ((المجموع)) ١٦٥/٣ - ١٦٦. ٤٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وبحديث أبي داود في نبش قبر أبي رغال، حيث أخبر الشارع أنه دفن معه غصن من ذهب فاستخرجوه (١)، فإذا جاز أن نبشها للمال فللانتفاع بمواضعها أولى، ولا يدخل بناء المساجد عليها تحت لعنة اليهود في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد؛ لأنه ◌َّ أخبر أنهم يقصدونها بالعبادة)(٢). الثاني عشر: اتخاذه ◌َّير مسجده في تلك البقعة دليل على أن القبور إذا لم يبق فيها بقية من الميت أو من ترابه المختلط بصديده جازت الصلاة فيها، وأن الأرض التي دفن فيها الموتى إذا درست يجوز بيعها؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده، وجواز نبش القبور الدارسة. الثالث عشر: قوله: (وبالنخل فقطع). فيه: جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة إما لاستعمال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها، أو الخوف سقوطها على شيء يتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدا، وكذا قطعها في بلاد الكفار إذا لم يرج فتحها؛ لأن فيه نكايةً وغيظًا لهم وإرغاما. الرابع عشر: قوله: (فصفوا النخل قبلة المسجد). كذا في ((الصحيح))، وفي ((مغازي ابن بكير)) عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن، ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض (٣)، وسيأتي في (١) ((سنن أبي داود)) من حديث عبد الله بن عمرو (٣٠٨٨)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٧٣٦) بـ(بُجَيْر بن أبي بُجَيْر) قال الحافظ في ((التقريب)) (٦٣٦): مجهول. (٢) ما بين القوسين قول الطحاوي، عزاه ابن بطال في ((شرحه)) ٨٠/٢، ٨١. (٣) ذكره السهيلي عن ابن إسحاق أنه من رواية يونس بن بكير في ((الروض الأنف)) ٢/ ٢٤٨. ٤٧٥ كِتَابُ الصَّلاةِ ((الصحيح)) أن المسجد كان على عهده وَّهِ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده من خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا (١). ولعل المراد بالقبلة جهتها لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت، وورد أيضا أنه كان في موضع المسجد الغرقد، فأمر أن يقطع، وأن القبور السالفة كانت في المربد، وأنها كانت قبور جاهلية، وأنها لما نبشت أمر بالعظام أن تغيب وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، وجعل النبي 18 ينقل الحجارة معهم بنفسه ويقول: هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر (٢) وجعل قبلته إلى بيت القدس وجعل له ثلاثة أبواب، بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والثالث يدخل منه القذيفة، وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار قامة وبسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا تسقفه فقال: ((عريش كعريش موسى))(٣)، خشيبات وتمام الأمر أعجل من ذلك، ثم بناه غير واحد بعده، كما ستعرفه في باب بنيان المسجد. (١) سيأتي قريبًا من حديث ابن عمر برقم (٤٤٦) كتاب: الصلاة، باب: بنيان المسجد. (٢) سيأتي برقم (٣٩٠٦). (٣) رواه الدارمي ١٨١/١- ١٨٢ (٣٨)، وابن أبي شيبة ٢٧٤/١ (٣١٤٥)، وابن أبي = الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٨٦)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٥٤١/٢- ٥٤٢. ٤٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الخامس عشر: قوله: (وجعلوا عضادتيه الحجارة): العضادة بكسر العين المهملة: جانب الباب(١). وقوله: (وجعلوا ينقلون الصخر): قال السهيلي: وفي ((جامع معمر بن راشد)» أن عمار بن ياسر كان ينقل في بنيان المسجد لبنتين لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ◌َّله، والناس ينقلون لبنة لبنة، فقال وَّيّ له: ((للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية)(٢). وسيأتي أصل الحديث في البخاري في باب التعاون في بناء المسجد(٣). السادس عشر : قوله: (وهم يرتجزون)، والنبي ◌َّر معهم وهو يقول: فاغفر للأنصار والمهاجره» ((اللهم لا خير إلا خير الآخره قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ٢٢٩/٣: مرسل. وصحح إسناد ابن أبي شيبة = الألباني في ((الصحيحة)) (٦١٦)، قال: إسناده صحيح مرسل. وروي موصولًا عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت: فحديث أبي الدرداء عزاه الألباني في ((الصحيحة)) لأبي حامد الحضرمي الثقة في حديثه (ق٢/٢)، والمخلص في ((الفوائد المنتقاة)) (١/١٩٣/٩). وحديث عبادة بن الصامت رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ٣/ ٢٣٣ (٢١٥٣)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥٤٢/٢. قال الألباني عقب سرده لطرق الحديث: الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن. (١) انظر: (الصحاح)) ٥٠٩/٢، ((لسان العرب)) ٢٩٨٤/٥، مادة: (عضد). (٢) ((جامع معمر)) مع ((المصنف)) ٢٣٩/١١ - ٢٤٠ (٢٠٤٢٦) من حديث أم سلمة. وانظر: ((الروض الأنف)) ٢٤٨/٢. (٣) سيأتي قريبًا برقم (٤٤٧) من حديث ابن عباس. ٤٧٧ = كِتَابُ الصَّلَاةِ كذا في ((الصحيح))، وعند الحاكم: وكان المهاجرون والأنصار ينقلون اللبن أو التراب لبناء المسجد وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على (الجهاد) (١) ما بقينا أبدا(٢) وفي لفظ: والنبي ◌َّ ينقل التراب معنا، وقد وارى التراب بياض (إبطيه)(٣) وهو يقول: ولا (صمنا)(٤) ولا صلينا ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا إن الألى قد بغوا علينا فأنزلن سكينة علينا وإن أرادوا فتنة أبينا))(٥) وفي الصحيحين من حديث سهل مثل هذا في حفر الخندق لما رآهم يحفرون وينقلون التراب فقال: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار))(٦) ومعنى (يرتجزون): يتعاطون الرجز، واختلف أهل العروض والأدب في الرجز: هل هو شعر أم لا؟ مع اتفاقهم على أن الشعر لا يكون شعرا إلا بالقصد فإن جرى كلام موزون بغير قصد فلا يكون (١) في ((المستدرك)): الإسلام. (٢) ((الحاكم)) ٤ / ١١٧ - ١١٨. (٣) كذا في (س) وفي الصحيحين: بطنه. (٤) كذا في (س)، وفي الصحيحين: تصدقنا. (٥) سيأتي من حديث البراء برقم (٢٨٣٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: حفر الخندق، ورواه مسلم (١٨٠٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق. (٦) سيأتي برقم (٣٧٩٧) كتاب: مناقب الأنصار، باب: دعاء النبي ◌َّليّ: ((أصلح الأنصار والمهاجرة))، ورواه مسلم (١٨٠٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق. ٤٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - شعرا، وعليه يحمل ما جاء عن الشارع من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن، وصحح القرطبي أن الرجز من الشعر(١). لأن الشعر كلام موزون يلتزم فيه قوافي، والرجز كذلك، وأيضا فإن قريشا لما اجتمعوا وتراءوا فيما يقولون للناس عن رسول الله وصله فقال قائل: هو شاعر. فقالوا: والله لتكذبنكم العرب قد عرفنا الشعر كله قرضه ورجزه، ومقبوضه ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، قال: وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد الشارع إياه، وليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه أنه يعلم الشعر، ولا ينسب إليه(٢). ولو كان كذلك للزم أن يقال على الناس كلهم شعراء، ويستدل بذلك على جواز إنشاد الشعر، والارتجاز في حال العمل، والاستعانة بذلك على الأعمال لتنشيط النفوس، وتسهيل الأعمال، وجزم غيره بأنه لا يطلق عليه شعر إنما هو كالكلام المسجع، بدليل أنه يقال لصانعه: راجز لا شاعر، وأنشد رجزا لا شعرا، وقيل: إن ما قاله الشارع ليس برجز، ولا بموزون، وقد اختلف هل يحل له الشعر، وعلى القول بنفي الحكاية عنه. اختلف هل يحكي بيتا واحدا؟ فقيل: لا يتمه إلا متغيرا، وأبعد من قال: البيت الواحد ليس شعرا، ولما ذكر قول طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا (١) ((تفسير القرطبي)) ٣٥٥/١. (٢) ((تفسير القرطبي)) ٥٤/١٥ بتصرف. ٤٧٩ كِتَابُ الصَّلَاةِ قال: ((ويأتيك من لم تزود)) فقال أبو بكر: يا رسول الله، لم يقل هكذا، وإنما قال : ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال: ((كلاهما سواء)) فقال: أشهد أنك لست بشاعر، ولا تحسنه، ولما سمع آخر ينشد فيما ذكره السمعاني في ((ذيله)): يا أيها الرجل المحمول رحله هلا نزلت بآل عبد الدار هلا نزلت بهم تريد قراهم منعوك من جوع ومن إقتار قال أبو بكر: أهكذا هو؟ إنما كنا نسمع: يا أيها الرجل المحوَّل رحله انزل ببني عبد مناف فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما هو: يا أيها الرجل المحوَّل رحله هلا نزلت بآل عبد مناف منعوك من جوع ومن إقراف هلا نزلت بهم تريد قراهم فقال: ((هما واحد))، قال: وزعم الخليل أن المشطور والمنهوك ليسا من الشعر، قال الليث: وأنكر ذلك عليه، فقال: لأحتجن عليهم بحجة من أنكرها كفر، فعجبنا حين سمعنا قوله وهو قد جرى على لسانه وله ذلك، ولو كان شعرا لما جرى على لسانه. قال: وقد أنشد: ويأتيك من لم يزود قال: وقد علمنا أن هذا القسم الأول لا يكون شعرا إلا بالثاني، ولما أنشده على ما ذكرنا خرج أن يكون شعرا، قال: فهذا يدل على أن مشطور الرجز ليس بشعر؛ لأنه قد روي عنه أنه كان يقول: ٤٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت(١) فلو كان شعرا لم يجر على لسانه، وكذا المنهوك، وهو قوله: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (٢) فإن يكن هذا صُنع له فقد جرى على لسانه، وقد قيل: معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ أي: صنيعه، وهي الآية التي له، فأما أن يحفظ ما قال الناس فليس بممتنع عليه (٣). خاتمة: من جملة تراجم البخاري على هذا الحديث باب: إذا وقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز(٤)، وقد أسلفنا أنه والقر اشتراه. يقول ابن بطال: حجة من أجاز وقف المشاع بعد أن نقل أنه قول مالك، وأبي يوسف، والشافعي، خلافا لمحمد بن الحسن؛ بناء على أصلهم في الامتناع من إجازة المشاع أن بني النجار جعلوا حائطهم وقفا، وأجازه النبي بَّر، وكان ذلك وقفا لمشاع عجيب منه(٥). (١) سيأتي من حديث جندب بن سفيان برقم (٢٨٠٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: عن ينكب أو يطعن في سبيل الله، ورواه مسلم (١٧٩٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي ◌ٍّ من أذى المشركين. (٢) سيأتي من حديث البراء برقم (٢٨٦٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب، ورواه مسلم (١٧٧٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنین. (٣) ((تفسير القرطبي)) ٥٢/١٥ - ٥٣ بتصرف بالغ. (٤) سيأتي في كتاب: الوصايا، برقم (٢٧٧١). (٥) ((شرح ابن بطال)) ١٩١/٨.