Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كِتَابُ الحَيْضِ
=
وهو قول النخعي(١)، والحكم(٢)، وابن سيرين(٣)، وسليمان بن
يسار(٤)، والزهري، قال الزهري: إنما سمعنا بالرخصة في الصلاة (٥).
وحجة الجماعة: أن دم الاستحاضة ليس بأذى يمنع الصلاة
والصوم؛ فوجب أن لا يمنع الوطء.
وقول ابن عباس: الصلاة أعظم، أي: من الجماع. من أبين الحجة
في ذلك. وقد نزع بمثلها سعيد بن جبير(١)، ولا يحتاج إلى غير ما في
الباب(٧). وحديثه تقدم.
(١) رواه الدارمي ٦٢١/١-٦٢٢ (٨٥٦، ٨٥٨)، وعبد الرزاق ٣١١/١ (١١٩٢-
١١٩٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٣٧ (١٦٩٥٦).
(٣) رواه الدارمي ٦٢٠/١-٦٢١ (٨٥٥)، وابن أبي شيبة ٥٣٧/٣ (١٦٩٥٥).
(٤) رواه عبد الرزاق ٣١١/١ (١١٩١)، وابن أبي شيبة ٥٣٧/٣ (١٦٩٥٨).
(٥) رواه عبد الرزاق ٣١١/١ (١١٩١) عن سليمان بن يسار، وروى ابن أبي شيبة
٥٣٧/٣ (١٦٩٦٣) عن الزهري قال: يغشاها زوجها إن شاء.
(٦) رواه الدارمي ٦١٧/١ - ٦١٨ (٨٤٥)، وعبد الرزاق ٣١٠/١ (١١٨٧)، وابن أبي
شيبة ٥٣٨/٣ (١٦٩٦٥).
(٧) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤٦١.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٩- باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا
٣٣٢- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
◌ُسَيْنِ الْعَلِّمُ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْذُبٍ، أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى
عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌ََّ فَقَامَ وَسَطَهَا. [١٣٣١، ١٣٣٢ - مسلم: ٩٦٤- فتح: ٤٢٩/١]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْج، أنَا شَبَابَةٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنِ
المُعَلِّم، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ سِمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَظْنٍ،
فَصَلَّىَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ بَِّ فَقَامَ وَسَطَهَا.
هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة(١)، وعند مسلم قال
سمرة: صليت خلف النبي 18َّ على أم كعب ماتت وهي نفساء، وهذه
الرواية فيها بيان المبهم في رواية الكتاب، وهي أنصارية كما قاله ابن
الأثير(٢).
وابن بريدة: هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب أخو سليمان(٣).
وقوله: (وسطها) - هو بالسين الساكنة- وحكى بعضهم فتحها، وقد
سلف الكلام على هذه المادة، وقصد البخاري بهذا الباب يحتمل - كما
قال ابن بطال وابن التين- أن النفساء وإن كانت لا تصلي، فهي طاهر، لها
(١) مسلم (٩٦٤) كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه،
وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي ٧٢/٤، وابن ماجه (١٤٩٣).
(٢) («أسد الغابة)) ٧/ ٣٨٣ (٧٥٧١).
(٣) عبد الله بن بريدة، روى عن أنس وسمرة ومعاوية، وروى عنه حماد بن أبي سلمة
والشعبي، وعامر الأحول. وثقه أبو حاتم والعجلي ويحيى بن معين، وابن حبان.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٥١/٥ (١١٠)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢٢/٢ (٨٥٧)،
(الجرح والتعديل)) ١٣/٥ (٦١)، ((الثقات)) لابن حبان ١٦/٥، ((تهذيب الكمال))
٣٢٨/١٤-٣٣٢ (٣١٧٩).

١٤٣
كِتَابُ الحَيْضِ
=
حكم غيرها من النساء ممن ليست نفساء](١)؛ لأنه وَّ لما صلى عليها
أوجب لها حكم الصلاة، وليس لون الدم موجودًا بها أن تكون نجسة،
وامتناعها من الصلاة ما دام بها الدم عبادة، وهذا يُرد على من زعم أن
الآدمي ينجس بموته؛ لأن هذِه النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة
بالدم اللازم لها، فلمَّا صلى عليها وأبان سنته فيها كان الميت الطاهر
الذي لا تسيل منه نجاسة أولى بإيقاع اسم الطهارة عليه (٢).
وصوب ابن القصار القول بطهارة ميتة الآدمي، ونقله عن بعض
أصحابهم، والصلاة عليه بعد موته تكرمة له وتعظيم.
وقال ابن المنير: ظنّ الشارح - يعني ابن بطال- وذكر ما أسلفناه
عنه، قال: وذلك أجنبي عن مقصوده، وإنما قصده أنها وإن ورد أنها
من الشهداء فهي ممن يصلى عليها.
ثم قال: أو أراد التنبيه على أنها ليست بنجسة العين لا لأنه صلى
عليها وأن هذا من خصائصه، بل لأن الصلاة على الميت في الجملة
تزكية له، ولو كان جسد المؤمن نجسًا لكان حكمه أن يطرح أطراح
الجيفة، ويبعّدُ ولا يوقر بالغسل والصلاة (وغيرهما)(٣) (٤).
وهذا هو عين ما أسلفناه عن ابن بطال، والذي ذكره أولًا لا مدخل
له في كتاب الطهارة، وتأول بعضهم كما قال القرطبي: صلاته وسطها
من أجل جنينها حتى يكون أمامه(٥). وسيأتي بسط الكلام فيه في
الجنائز إن شاء الله فإنه أليق.
(١) هنا أنتهى السقط من (ج).
(٢) (شرح ابن بطال)) ١/ ٤٦٢.
(٣) في (ج): وغيرها.
(٤) (المتواري)) ص ٨٢، ٨٣.
(٥) («المفهم)) ٦١٦/٢.

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٠- باب
٣٣٣- حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ مُذْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةً
- أَسْمُهُ الوَضَّاحُ - مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ
قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ بَّهِ- أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي،
وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَهُوَ يُصَلِي عَلَى حُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي
بَغْضُ ثَوْبِهِ. [٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ - مسلم: ٥١٣ - فتح: ١/ ٤٣٠]
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثنَا أَبُو عَوَانَةَ- أَسْمُهُ
الوَضَّاحُ- مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ
قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ نَِّ- أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا
لَا تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدٍ رَسُولِ اللهِنَّهِ وَهْوَ يُصَلِّ عَلَى
خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ.
وهذا الباب كالذي قبله يدل أن الحائض ليست بنجس؛ لأنها
لو كانت نجسًا لما وقع ثوبه عليها وهو يصلي، ولا قربت من موضع
مصلاه.
وفيه: أن الحائض تقرب من المصلى، ولا يضر ذلك صلاته
ولا يقطعها؛ لأنها كانت بقرب قبلته؛ لأنه لا يصيبها بثوبه
عند سجوده إلا وهي قريبة منه، وأقوى ما نستدل به على طهارة
الحائض كما قال ابن بطال: مباشرته #8# لأزواجه وهن حيض
فيما فوق المئزر، إلا أنها وإن كانت طاهرًا، فإنه لا يجوز لها
دخول المسجد بإجماع؛ لأمره و # في العيدين باعتزال الحيض
المصلى(١).
(١) (شرح ابن بطال)) ٤٦٣/١.

١٤٥
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
والخمرة : -بضم الخاء المعجمة- حصير صغير من سعف، سميت
بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، والجمع: خمر.
فإن كبرت عن ذلك فهي حصير.

.

+
+
+
+
+
٧
كتاب الثَّمَةُ
٠
+

co
هَالّـ
٧- كتاب التَّم®
قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَنَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]
١- [باب]
٣٣٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوج النَّبِيِّ ێ(- قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ێ في بَعْضٍ
أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الَجَيْشِ - أَنْقَطَعَ عِقْدٌ لِى، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ
وَمِ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ
الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَّا تَرِى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ◌َِّ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا
عَلَى مَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ وَلَّهَ وَاضِحْ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي،
قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي
(١) جاء بجانب الباب: ثم بلغ الثالث بعد الخمسين كتبه مؤلفه غفر الله له.

١٥٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّ مَكَانُّ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ
اللهِ وَلِّ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَقُّم فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ
الُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَّتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ،
فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. [٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤،
٦٨٤٥ - مسلم: ٣٦٧ - فتح: ١/ ٤٣١]
٣٣٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
النَّضْرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابنِ صُهَيْبٍ
الفَقِيرُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ
يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا
وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ
تَجِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً،
وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)). [٤٣٨، ٣١٢٢ - مسلم: ٥٢١ - فتح: ١ /٤٣٥]
هو في اللغة: القصد والتعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في
سورة المائدة. أعني: التعمد (١)، ورواه ابن أبي حاتم (٢) وابن المنذر عن
سفيان (٣).
وهو في الشرع: إيصال التراب للوجه واليدين بشرائط مخصوصة،
والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]
وهو ما أستفتح به البخاري كتابه حيث قَالَ: وقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ
تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية.
(١) سيأتي قبل الرواية (٤٦٠٧) باب: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبَا﴾.
(٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩٦٢/٣ (٥٣٧٠).
(٣) ((الوسيط في تفسير القرآن المجيد)) لابن المنذر ٥٨/٢.

١٥١
= كتاب التََّمُّمِ
ومن السنة أحاديث الباب وغيره، وقام الإجماع على جواز التيمم
للحدث الأصغر، وفي الجنابة أيضًا، وخالف فيه عمر بن الخطاب،
وابن مسعود، والنخعي، والأسود (١) كما نقله ابن حزم(٢).
وقد ذكروا رجوع عمر، وابن مسعود(٣)، وفي ((المصنف)): أفتى
أبو عطية بأنه لا يصلى بالتيمم(٤). وهو رخصة، وفضيلة خصت بها
هُذِهِ الأمة دون غيرها من الأمم(٥).
(١) روى ابن أبي شيبة عنهم آثارًا دالة على ذلك ١٤٥/١ (١٦٦٧-١٦٧١).
(٢) ((المحلى)) ١٤٤/٢.
(٣) انظر: ((مجموع الفتاوى)) ٣٥١/٢١.
(٤) ((المصنف)) ١٤٥/١ (١٦٧٠).
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين، ومما فضلهم الله به
على غيرهم من الأمم. ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي وَّ قال:
(«أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا. فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي
الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة،
وبعثت إلى الناس عامة)) وهذا لفظ البخاري.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ له قال: ((فضلت على الأنبياء
بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)).
ولمسلم أيضًا عن حذيفة بين اليمان أن النبي وسلم قال: ((فضلت على الناس بثلاث:
جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها
لنا طهورًا إذا لم نجد الماء)). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله وَله: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت
وصليت: وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم)).
((مجموع الفتاوى)) ٣٤٧/٢١ - ٣٤٨.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والصعيد هو: التراب كما قَالَ ابن عباس(١)، والطيب: الطاهر،
وقيل: الحلال.
ثم ساق البخاري رحمه الله حدیثین:
أولهما: حديث عائشة: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضٍ
أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ - أَنْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ..
الحدیث بطوله.
وفيه: فأنزل الله آية التيمم.
وهو حديثٌ عظيمٌ أخرجه البخاريّ في أربعة مواضع أخر: في
التفسير (٢)، وفضائل أبي بكر(٣)، والنكاح(٤)، والمحاربين(٥).
وأخرجه مسلمٌ في الطهارة، وعنده: فأرسل ناسًا من أصحابه في
طلبها، فأدركتهم الصلاةُ فصلَّوا بغير وضوءٍ، فلمَّا أتوا رسول الله وَله
شكوا ذَلِكَ إليه، فنزلت آيةُ التيمم(٦)
وللنسائي: سقطت لي قلادةٌ بالبيداء ونحن داخلون المدينة (٧).
وفي رواية له: عرس ◌َ﴿ بأولات الجيش. قال عمَّارُ: فانقطع عقد
عائشة(٨).
(١) روى عبد الرزاق ٢١١/١ (٨١٤)، وابن أبي شيبة ١٤٨/١ (١٧٠٢)، والبيهقي
٢١٤/١. عن ابن عباس أنه قال: أطيب الصعيد أرض الحرث.
(٢) سيأتي برقم (٤٦٠٧) باب: قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبَا﴾.
(٣) سيأتي برقم (٣٦٧٢) باب: قول النبي ◌َّ ((لو كنت متخذًّا خليلًا)).
(٤) سيأتي برقم (٥٢٥٠) باب: قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة؟
(٥) سيأتي برقم (٦٨٤٤) كتاب: الحدود، باب: من أدب أهله أو غيره دون السلطان.
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٠٩/٣٦٧) كتاب: الحيض، باب: التيمم.
(٧) ((سنن النسائي)) ١٧٢/١.
(٨) (سنن النسائي)) ٦٧/١، قال الألباني في ((صحيح النسائي)): صحيح.

١٥٣
=
- كتاب النَّيَهُمِ
وعند أبي داود: بعث أسيد بن حضير وأناسًا معه، فحضرت
الصلاة، فصلَّوا بغيرٍ وضوءٍ. قَالَ أبو داود في كتاب التفرد الذي
تفرَّد به من هذا الحديث: أنهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا
الماءَ، فصلَّوا بغير وضوءٍ؛ لأنَّ بعض الناس يقول: إذا لم يجد الماء
لا يصلِّي(١).
وعند الترمذي من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنَّ قلادَتها
سقطت ليلةَ الأبواءِ(٢). يعني في صفر سنة اثنتين من الهجرةِ. ولابن
ماجه من حديث عمَّار قَالَ: فانطلق أبو بكر إلى عائشة لما نزلت
الرخصةُ، فقال: ما علمتُ أنك المباركة(٣).
ولأبي محمد إسحاق بن إبراهيم البُستي في ((تفسيره)) من حديث ابن
أبي ملكية عنها أن القائل له: ما كان أعظم بركة قلادتِك رسول الله وَله.
وللطبراني من حديث الزُّبير، عن عائشةً: قالت: لما كان من أمرٍ
عقدي ما كان، وقال أهلُ الإفك ما قالوا خرجتُ مع رسول الله وَال
في غزوةٍ أخرى، فسقط أيضًا عقدي حَتَّى حبس الناس عَلَى التماسه
وطلع الفجرُ، فلقيتُ من أبي بكرٍ ما شاءَ اللهُ وقال: يا بنية، في كل
سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً، ليس مع الناسِ ماءٌ. فأنزل اللهُ تعالى الرخصةَ
في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما علمتُ المباركة(٤).
وفي بعض ألفاظِ ((الصحيح)): أنه ضاع عقدها في غزوةِ المريسيع
(١) ((سنن أبي داود)) (٣١٧).
(٢) لم أقف عليها عن الترمذي في ((سننه))، ورواه الحميدي في ((مسنده)) ٢٤٣/١
(١٦٥) وقد عزاه ابن حجر في ((فتح الباري)) ١/ ٤٣٢، للحميدي في ((مسنده)).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٥٦٥)، قال الألباني في: ((صحيح ابن ماجه)): صحيح.
(٤) ((المعجم الكبير)) ١٢١/٢٣-١٢٢ (١٥٩).

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
التي كان فيها قصة الإفكِ(١). وقال أبو عبيد البكري: وفي حديث
الإفك: فانقطع عقدٌ لها من جزع ظفار، فحبسَ الناسَ ابتغاؤه(٢).
قال ابن سعدٍ: خرج رسولُ الله ◌َّهِ إلى المريسيع يومَ الأثنين لليلتين
خلتا من شعبان سنة خمس(٣). ورجحه الحاكمُ في ((إكليله)). وقال
البخاري، عن ابن إسحاق: سنة ستِّ(٤). وروى يونسُ عنه في
((مغازيه)) أن ذَلِكَ في شعبانَ. قَالَ البخاريُّ: وقال موسى بن عقبةً:
سنة أربع(٥).
إذا عرفتَ ذَلِكَ فلنتكلم علیه من وجوهٍ :
أحدها :
أجمعَ أهلُ السِّيرِ أن قصةَ الإفكِ كانت في غزوة المريسيعِ، وهي
غزوةُ بني المصطلق. وفي ((الصحيح)) أنه ضاع عقدُها في هذِه الغزوةِ
كما سلف. وقد اختُلف في تاريخ خروجِه وََّ إلى هذِه الغزوةِ عَلَى
أقوال ثلاث: سنة أربع، خمسٍ، ستٍّ، وقد حكيناها لك آنفًا.
ثم اختلفوا متى فرض التيمم؟ عَلَى قولين:
أحدهما: في المريسيع سنة ستٍّ، قاله ابن التين وابنُ بزيزة في
((شرح الأحكام الصغرى)).
(١) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، أنه
ضاع عقدها في قصة الإفك. ورواه مسلم أيضًا (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في
حديث الإفك.
(٢) ((معجم ما استعجم)) ٩٠٥/٣.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ٦٣/٢.
(٤) سيأتي قبل الرواية (٤١٣٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق من
خزاعة.
(٥) أنظر الموضع السابق.

١٥٥
ــ كتاب التَّيَهُمِ
ثانيهما: سنة أربع. قَالَ ابن الجوزي: زعمَ ابن حبيب أنَّ عقدَها
سقط في الرابعة في غزوة ذاتِ الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق سنة
ستِّ قصة الإفك. قلتُ: يرد هذا روايةُ الطبراني السالفة: أن الإفك
قبل التيمم.
ثانیھا :
البيداء: الشرف الذي قُدَّام ذي الحليفة في طريق مكةً كما قاله
البكري(١)، وزعم أنَّ سقوطَه كان بمكان يقال له: الضُّلضُل،
بمعجمتين. قَالَ: وهو الصحيح. وأما الجوهري(٢) فذكرهُ بمهملتين.
وذات الجيش من المدينةِ عَلَى بريد، ذكره أبو عبيد عن القتبي (٢).
ثالثها :
قولها: (انقطعَ عِقد لي). هو بكسر العين، ثم قاف: كل ما يُعقد
ويعلق في العنق، ويقال له: قِلادة كما سلفَ، وسلف أيضًا أنه من
جزع ظفار. وفي رواية أنها استعارت قِلادةً من أسماءً فهلكت (٤).
فإنْ قلتَ: ظاهرُ الحديث أنهما قصتان في حالين. قلتُ: بل كانت
واحدة، وإنما الرواية تختصر وتخالف بين العباراتِ، فإنَّ
القلادة كانت لأسماء واستعارتها منها عائشةُ فأضافتها إليها بقولها :
ضاعَ عقدي.
قلت: رواية الطبراني السالفة تخالف هذا، ويقويه رواية الترمذي
(١) ((معجم ما استعجم)) ٤٠٩/٢.
(٢) ورد في هامش (س) ما نصه: ولم أره في الكتاب المذكور.
(٣) ((معجم ما استعجم)) ٤٠٩/٢.
(٤) سيأتي برقم (٣٣٦) كتاب: التيم، باب: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا، ومسلم (٣٦٧]
١٠٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
السالفة أنه كان سنة آثنين(١)، فيجوز أن يقال بالتعددٍ، وأنَّ في واحدة
سقط عِقدُها، وفي أخرى: سقط عقد أختِها.
فائدةٌ :
هذا العِقد وردَ في خبرٍ أنَّ ثمنه اثنا عشر درهمًا، ذكره ابن بطال(٢).
وقيل: کان ثمنُه یسیرًا، حكاه ابن التين.
رابعها :
قولها: (فجعل يَطْعُنني). هو بضم العين، وحكى صاحب ((المطالع))
فتحها(٣). وفي ((المجمل)): الفتح بالقولِ، والضم بالرمح(٤). وقيل:
كلاهما بالضمِّ، حكاه في ((الجامع)).
والخاصرة معروفةٌ، وهي: منقطعُ الأضلاع إلى الحجَبَةِ، كما قَالَه
صاحبُ ((المحكم)) (٥).
خامسها :
قولها: (فأنزل الله آية التيمم). أي: التي في المائدةِ التي تلاها
البخاريُّ. وكذا رواه الحميديُّ في الجمع من حديث عمرو بن
الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكر
الحديثَ، وفيه: فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
(١) تقدم أنها عند الحميدي في ((مسنده)).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٦٨/١.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: ولم أره في نسخة بـ((المطالع)) لكن في ((الصحاح)) هو
( ... ) الضم والفتح.
(٤) ((المجمل)) ٥٨٣/٢ مادة: طعن.
(٥) قال ابن سيده في ((المحكم)) ١٦٩/٩ مادة: أطل: الإطل: منقطع الأضلاع من
الحجبة، وقيل: هو الخاصرة كلها.

كتاب الثَّيَمُّمِ
=
١٥٧
فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦](١).
وأما الواحديُّ فذكرها في سورةِ النساءِ، فقال: قوله تعالى من سورة
النساء: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيًِّا﴾ [النساء: ٤٣] ثم ساق حديثَ البخاريِّ، ثم
ساقه من حديثٍ عمَّار، وفيه: فأنزل اللهُ رخصةَ التطهير بالصعيدِ الطيبِ،
فقامَ المسلمون فضرَبوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم، ولم يقبضوا
من التراب شيئًا، ثم ذكر كيفية التيمم(٢).
وقال أبو بكرِ بن العربي: هذِه معضلةٌ ما وجدتُ لدائها من دواءٍ،
آيتانِ فيهما ذكر التيمم، في النساء والمائدة، ولا نعلم أيتهما عنت
عائشةُ بقولها: فأنزلت آية التيمم(٣).
وقال ابن بطّال: هي آية المائدةِ وآية النساءِ؛ لأن الوضوءَ كان لازمًا
لهم قبل ذَلِكَ، والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاةٌ قبل إلا بوضوءٍ، فلما
نزلت آية التيمم لم يُذكر الوضوءُ؛ لأنه (٤) متقدمًا (قالوا)(٥)؛ لأن حكم
التيمم هو الطارئُ عَلَى الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون أولًا نزل أول
الآية، وهو فرضُ الوضوءِ، ثم نزل عند هذِه الواقعةِ آيةُ التيمم، وهو تمام
الآية، وهو: ﴿وَ إِن كُنتُم ◌َّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] أو يحتمل أن
الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن ثم أنزلا معًا، فعبّرت عائشةُ بالتيمم إذ كان
هو (الأصل)(٦) المقصود(٧).
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ٤/ ١٧.
(٢) ((أسباب النزول)) ص١٥٨ (٣١٧).
(٣) ((أحكام القرآن)) لابن العربي ٤٤١/٢.
(٤) ورد بهامش (س): لعله سقط: كان.
(٥) في (ج): متلوًا.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) (شرح ابن بطال)) ٤٦٨/١.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وجزم القرطبيُّ وغيرُه بأنها عنت بذلك آيةَ النساءِ؛ لأنَّ آيَةَ المائدةِ
ذُكر فيها الوضوءُ بالماءِ والتيممُ، وغُسل الجنابةِ، وفي النساءِ لم يذكر
الوضوء، وإنما ذكر التيمم عند عدم الماءِ بغير ذكر الأسباب التي
كانت معروفة عندهم، فكانت النساءُ أخصُّ بها من المائدة(١).
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٣٣/٥.
وقال ابن رجب رحمه الله:
والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آية المائدة، فإن البخاري خرَّج هذا
الحديث في ((التفسير)) من كتابه هذا من حديث ابن وهب، عن عبد الرحمن بن
القاسم وقال في حديثه: فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] هذِه الآية.
وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني
المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره ابن سعد عن
جماعة من العلماء قالوا: وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك. وقد ذكر الشافعي أن
قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق، وقال: أخبرني بذلك عددٌ من قريشٍ من
أهل العلم بالمغازي وغيرهم.
فإن قيل: فقد ذكر غير واحدٍ منهم ابن عبد البرأنَّه يحتملُ أن يكونَ الذي نزلَ بسببٍ
عائشة الآية في سورة النِّساء، فإنَّها نزلتْ قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة
من أواخر ما نزل من القرآن حتَّى قيل: إنها نزلت كلُّها أو غالبها في حجّة الوداع،
وآية النساء نزولها متقدمٌ.
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّها نزلت فيه لمَّا ضربه رجلٌ
قد سکر بلحي بعير ففزر أنفه.
وفي ((سنن أبي داود))، والنسائي، وابن ماجه، عن عليٍّ أنَّ رجلًا صلَّى وقد شرب
الخمر فخلطَ في قراءته فنزلتْ آيةُ النساء.
فقد تبيَّنَ بهذا أنَّ الآية التي في سورة النساء نزلتْ قبل تحريم الخمر، والخمر
حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنَّها حُرِّمتْ في محاصرةٍ بني النضير بعد أحدٍ
بيسيرٍ، وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة فدل على
أن قصة عائشة، لما توقفوا حينئذٍ في التيمم، ولا أنتظروا نزول آية أخرى فيه . =

١٥٩
=
= كتاب النّيَمُمِ
سادسها :
قولها: (فقال أُسيد بن حُضير). هو -بضم الهمزة والحاء المهملة
وبالضاد المعجمة المفتوحة وآخره راء مهملة- ابن سماك بن عتيك بن
رافع بن امرئ القيس، كذا ذكره ابن عبد البر(١)، وصوابه حذف رافع
بينهما، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وهو صاحبُ الظّلةِ
التي رآها وهو يقرأ سورةَ الكهفِ، وفسَّرها وَّ * بالملائكةِ دنت
لصوتِه، ولو قرأ حَتَّى أصبحَ لرآهم الناسُ، وهو صاحبُ العصا التي
أوقدت مع عباد بن بشر، مات بالمدينةِ سنة عشرين(٢).
سابعها :
قولها: (فبعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فأصبنا العِقدَ تحته). وفي
الرواية التي تأتي في البابِ بعده: فبعث رسولُ اللهِ وَلّ رجلًا فوجدها.
وفي روايةٍ أخرى: بعث أسيد بن حُضير وأناسًا معه في طلبها (٣). زعم
الداودي أنَّ هذا مما لا يُشك في تضاده.
= قيل: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما
ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي
اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة نزل بسببها آيةٌ غير آية النساء، وليس سوى آية
المائدة.
والثاني: أنَّ آية النِّساء لم تحرم الخمر مطلقًا، بل عند حضور الصَّلاةِ، وهذا كان
قبل أُحُدٍ وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغيرِ خلاف، وليسَ في قصتها ما
يناسب الَّهي عن قربانِ الصَّلاةِ مع السكر حتى تُصدَّر به الآية. ((فتح الباري)) لابن
رجب ١٩٨/٢ - ٢٠٠.
(١) ((الاستيعاب)) ١٨٥/١ (٥٤).
(٢) أنظر: ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٢٥٨/١ (١١٦)، و((الاستيعاب)) ١٨٥/١
(٥٤)، و((أسد الغابة)) ١١١/١ (١٧٠)، و((الإصابة)) ٤٩/١ (١٨٥).
(٣) رواها أبو داود (٣١٧).

١٦٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ: ولا أرى الوهمَ إلا في رواية ابن نمير. يعني الثانيةَ. قَالَ:
وحملَ إسماعيلُ بن إسحاقَ عَلَى رواية ابن نمير، وجعله مناقضًا
الحديثٍ مالكِ.
ورد ذَلِكَ ابن أبي صفرةً بأنه يحتمل أن يكونَ المبعوث أُسيدًا
فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون الشارع وجدها عند
إثارة البعير بعد انصرافِ المبعوثين إليها، فلا تعارضَ إذن.
وهذا كله إنما يأتي إذا قلنا باتحاد الواقعة، فإن قلنا بتعددها كما
سلف فلا. ويحتمل أنْ يعني بالرجل الأمير عَلَى جماعةٍ، وعينه
بعضهم بأسيدٍ وأصحابِهِ، واقتصر عليه بعضهم.
ثامنها: في فوائده :
الأولى: ابتداء مشروعية التيمم، وذكر البرقي في ((معرفة الصحابة))
أن الأسلعَ قَالَ لرسولِ الله وَّهِ يومًا: إني جُنبٌ وليس عندي ماءٌ. فأنزل
اللهُ آيَةَ التيمم (١)، وحكاه الجاحظ في «برهانِه)) قولًا، وهو غريب.
وفي ((المصنف)) عن عباد بن العوَّام، عن برد، عن سليمانَ بن
موسى، عن أبي هريرةً: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع،
فأتيتُ النَّبيَ وََّ، فضرب بيده ضربةً إلى الأرض فمسح وجهَهُ
وكفيه(٢)، وهو مشكل إذ التيمم كان قبل إسلامِه.
ثانيها: حرمة الأموالِ الحلال، ولا تضيع وإن قلَّتْ.
ثالثها: جواز حفظ الأموال، وإن أدى إلى عدم الماء (في الوقت،
(١) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٣٥٦/١ (١٠٩٢-١٠٩٤) ترجمة (٢٤٦).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ١٤٧ (١٦٨٩) كتاب: الطهارات، باب: في التيمم
کیف هو؟