Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كِتَابُ الحَيْضِ
ابن بطال عن مالك(١) وهو قول أحمد(٢) وأسنده ابن حزم، فقال: روينا
عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن عليًّا أتي برجل
طلق امرأته فحاضت ثلاث حيض في شهر أو خمس وثلاثين ليلة، فقال
عليٌّ لشريح: اقض فيها، فقال: إنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من
الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي، فقد أنقضت عدتها وإلا فهي
كاذبة. فقال عليٍّ: قالون. ومعناها: أصبت.
قال ابن حزم: وهذا نص قولنا انتهى (٣).
واختلف في سماع الشعبي من عليٍّ، وقال الدارقطني: لم يسمع منه
إلا حرفًا ما سمع غيره(٤)، وقال الحازمي: لم يثبت أئمة الحديث سماعه
منه، وقال ابن القطان: منهم من يدخل بينهما عبد الرحمن بن أبي ليلى،
وسنه محتملة لإدراك عليٍّ.
وفسر إسماعيل بن إسحاق قول عليٍّ وشريح بتفسير آخر قال: وليس
قولهما عندنا إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها هي قد حاضت هذا
الحيض، وإنما هو فيما يُرى - والله أعلم- أن يشهد نساء من نسائها أن
هذا يكون وقد كان في نسائهن، فإنه أحرى أن يوجد فيهن مثل ما فيها،
وإن تقارب حيضهن وحيضها، وإنه إن لم يوجد ما قالت من الحيض في
نسائها كانت هي منه أبعد، فعلى هذا معنى هذا الحديث وهو يقوي
مذهب أهل المدينة أن العدة إنما تحمل على المعروف من حيض النساء،
لا على المرأة والمرأتين الذي لا يكاد يوجد ولا يعرف.
= الدارمي ٦٣٠/١ (٨٨٣)، وابن حزم في ((المحلى) ٢٧٢/١٠، والبيهقي
٤١٨/٧-٤١٩.
(١) «شرح ابن بطال)) ٤٥٤/١- ٤٥٥.
(٢) انظر: ((المغني)) ٣٩٠/١-٣٩١.
(٣) ((المحلى)) ١٠/ ٢٧٢.
(٤) ((علل الدار قطني)) ٤/ ٩٧.

١٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
قال غيره: والأشبه -يعني: ما أراد عليّ وشريح والله أعلم - أن
تكون حاضت؛ لقولهما: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها أنها
حاضت، ولم يقولا أن غيرها من النساء حاض، كذلك قال إسماعيل،
وفي قول عليّ وشريح أن أقل الطهر لا يكون خمسة عشر يومًا، وأن
أقل الحيض لا يكون ثلاثة كما قال أبو حنيفة وأصحابه(١) وليس فيه
بيان لأقل الطهر وأقل الحيض كم هو؟ غير أن فيه بيانًا أنهما لم ينكرا
ما عرفه النساء من ذلك.
وقال الداودي في ((شرحه)): قول عليّ وشريح إن جاءت ببينة
-يعني - أن مثل ذلك يكون ليس عليها أن تكلف البينة في نفسها وما ذكره
عن عطاء من أن أقراءها ما كانت، وبه قال أبراهيم لعطاء، هذا هو ابن
أبي رباح، وإبراهيم هو النخعي.
وما ذكره ثانيًا عنه من أن الحيض يوم إلى خمس عشرة فأخرجه
الدار قطني بإسناده إلى ابن جريج عنه: الحيض خمس عشرة(٢)، ومن
طريق الربيع بن صبيح عنه مثله(٢).
ومن طريق أشعث عنه: أكثر الحيض خمس عشرة (٢). زاد البيهقي
من طريق الربيع: فإن زاد فهي مستحاضة(٣).
وروى الدار قطني من طريق معقل بن عبد الله (٤): أدنى وقت الحيض
يوم، قال أبو إبراهيم شيخ شيخ معقل: إلى هذين الحديثين كان يذهب
أحمد بن حنبل وكان يحتج بهما (٥).
(١) ((الهداية)) ٣٢/١، ((بدائع الصنائع)) ٣٩/١-٤٠.
(٢) (سنن الدارقطني)) ٢٠٧/١.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٢١/١.
(٤) القول الآتي من قول عطاء، ((عمدة القاري)) ٢١٤/٣.
(٥) ((السنن)) للدار قطني ٢٠٧/١-٢٠٨.

١٢٣
كِتَابُ الحَيْضِ
=
وما ذكره عن ابن سيرين دال على أن القرء: الحيض، وهو قول أبي
حنيفة(١)، ونقله ابن التين عن عطاء أيضا(٢).
قال: وقال به أحد عشر صحابيًّا والخلفاء الأربعة(٣) وابن عباس(٤)
وابن مسعود(٥) ومعاذ وقتادة (٦) وأبو الدرداء(٧) وأبو موسى(٨) وأنس
وابن المسيب(٩) وابن جبير(١٠) وطاوس والضحاك والحسن (١١) والشعبي
والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد، واحتجوا له بقوله {وَل
لفاطمة: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها))(١٢).
فالواو هنا مثل قوله وقالير: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) ولا يجوز أن
تؤمر بترك الصلاة أيام طهرها، وإنما أمرها أن تتركها أيام حيضها.
والجواب: أن المراد: دعي الصلاة الأيام التي كانت تحيضها من
أقرائك، وهذا شائع في كلام العرب لأن القرء عندهم اسم للطهر
والحيض.
(١) أنظر: ((المحيط الأعظم)) ٣٩٣/١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٤٩/٤ (١٨٧٣٨).
(٣) ما وقفت عليه عن ثلاثة من الخلفاء الأربعة هم: عمر وعثمان وعلي في ((تفسير
الطبري)). أما أثر عمر فرواه الطبري في ((التفسير)) ٤٥٢/٢ (٤٦٧٩). وأما أثر
عثمان فرواه الطبري فى ((التفسير)) ٤٥٤/٢ (٤٦٩٨). وأما أثر علي فرواه الطبري
في ((التفسير)) ٤٥٤/٢ (٤٦٩٧). وروى الطبري بسنده عن عمر بن دينار الأقراء:
الحيض، عن أصحاب النبي ◌َّار ١٠/ ٤٥٢ (٤٦٧٥).
(٤) رواه الطبري في ((التفسير)) ٢/ ٤٥٢ (٤٦٧٤).
(٥) المصدر السابق ٢/ ٤٥٣ (٤٦٨٠).
(٨) رواه البيهقي ٤١٨/٧.
(٦) المصدر السابق ٤٥٥/٢ (٤٦٩٩).
(٧) المصدر السابق ٢/ ٤٥٢ (٤٦٧٢).
(٩) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٥٥/٢ (٤٧٠٢) عن سعيد بن المسيب عن علي به.
(١٠) المصدر السابق ٤٥٤/٢ (٤٦٩٤).
(١١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٥٤/٢ (٤٦٩١).
(١٢) سبق برقم (٣٢٥) باب: إذا حاضت في شهر ثلاث حيض.

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فائدة :
القرء بفتح القاف وضمها، يطلق على الحيض وعلى الطهر،
وسنبسط الكلام عليه في العِدَدِ إن شاء الله وقدره.
وقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره على خمسة أقوال:
أحدها: أن أقله دفعة، وهو مذهب الأوزاعي وداود وأصحابه،
ومذهب مالك أيضًا خلا العدد فأقله ثلاثة أيام(١) وحكي أيضًا عن
الشافعي أن أقله دفعة وهو غريب حكاه المرعشي في ((أقسامه))(٢) وابن
حزم عنه وعن مالك لا حد لأقله، وقد يكون دفعة واحدة.
ثانيها: أن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وهذا مشهور مذهب
الشافعي ونقله ابن المنذر عن عطاء وأحمد وأبي ثور (٣)، وادعى (ابن
داود) (٤) في شرح البخاري الإجماع على أن الحيض لا يجاوز خمسة
عشر؛ لأن المرأة لا تترك الصلاة أكثر من نصف شهر، ولا نعلم
أمرأة جاوزت ذلك إلا نساء آل الماجشون، كن يحضن سبعة عشر
يومًا فلم يلتفت العلماء إلى ذلك؛ لأنه أمر شاذ(٥).
ثالثها: وأن أقله ثلاثة أيام، وما نقص عن ذلك استحاضة، وأكثره
عشرة، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال
محمد بن مسلمة في أقل الحيض، وقال أكثره خمس عشرة(٦)(٧).
(١) أشار المؤلف إلى سقط ولكنه مطموس بالهامش.
(٢) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٤٠/١، ((مختصر الطحاوي)) ص٢٢-٢٣، ((المعونة))
٧١/١، ((روضة الطالبين)) ١٣٤/١، ((المغني)) ٣٨٨/١ - ٣٨٩.
(٤) هو الداودي.
(٣) ((الأوسط)) ٢٢٧/٢.
(٥) المصدر السابق ٢٢٨/٢.
(٦) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢٢-٢٣، ((المغني)) ٣٨٨/١-٣٨٩.
(٧) كذا في (س) ولعلَّ الصواب: خمسة عشر.

١٢٥
كِتَابُ الحَیْضِ
رابعها: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهو ثلاث عشرة ساعة، حكي
عن أبي يوسف(١).
خامسها: أن أقله ثلاثة أيام وما يتخلله من الليالي وهو ليلتان.
سادسها: أكثره سبع(٢) عشرة، قال ابن المنذر: بلغني عن نساء
الماجشون أنهن كن يحضن سبع عشرة، قال أحمد: أكثر ما سمعنا
سبع عشرة، وحكي عن مالك، وعنه أيضًا أن أكثره خمس عشرة،
وعنه ثالثة أنه غير محدود إلا ما بينه النساء(٣)، وقيل: إنه المشهور.
سابعها: ليس لأقله حد ولا لأكثره بالأيام، نقله ابن المنذر عن
طائفة، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر
إدباره(٤).
ثامنها: أن أكثره سبعة أيام، قاله مكحول.
تاسعها: أقله خمسة، روي عن مالك، إلا أنه قال: لا يكون هذا في
حيض واحد(٥)، وقال الأوزاعي: عندنا أمرأة تحيض غدوة وتطهر
عشية(٦)، وقال: يرون أنه حيض تدع له الصلاة.
وعن أحمد: حيض النساء ست أو سبع، واستدل بحديث أم حبيبة
وحمنة (٧) في ذلك(٨)، فضعفهما ابن حزم، ولا نسلم له في الثاني وقال
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) ٤٠/١.
(٢) في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ وقع في ((شرح الهداية)) للسروجي: عشرون.
(٣) ((الأوسط)) ٢٢٨/٢، ((المعونة)) ٧١/١.
(٤) ((الأوسط)) ٢٢٨/٢ - ٢٢٩.
(٥)
أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٧١/١.
(٦) رواه الدارقطني ٢٠٨/١.
(٧) رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢). قال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (١١٠).
(٨) أنظر: ((المغني)) ٣٨٨/١-٣٨٩.

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ابن حزم: أقله دفعة إذا رأت الأسود (١). فإذا: رأته أحمر أو كغسالة
اللحم أو الصفرة أو الكدرة أو البياض أو الجفوف التام فقد طهرت،
وهكذا أبدًا إذا رأته أسود فهو حيض، فإن رأت غيره فهو طهر، وتعتد
بذلك من الطلاق فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر
يومًا، وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه أن أمرأة أخبرته عن أختها
أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة وهي صحيحة تحمل وتلد،
ونفاسها أربعون يومًا.
احتج من قال: أقله ثلاثة أيام، بحديث أم سلمة أن النبي ◌َّ- جاءته
فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: إني أستحاض، فقال: ((ليس ذلك
الحيض إنما هو عرق، لتقعد أيام أقرائها ثم لتغستل ولتصل)» رواه
(٢)
أحمد(٢).
قالوا: وأقل الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة، وبحديث واثلة بن الأسقع
مرفوعًا: ((أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام)) رواه الدار قطني(٣)،
وعن أبي أمامة مرفوعًا: ((لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، ولا أقل
من ثلاثة))(٤)، وعن أنس مرفوعًا قال: ((الحيض ثلاث أربع خمس ست
سبع ثمان تسع عشر))(٥).
قالوا: ولأن هذا تقدير ولا يصح إلا بتوقيف أو أتفاق، وقد حصل
الاتفاق على ثلاث، والجواب عن حديث أم سلمة على تقدير ثبوته أنه
ليس المراد بالأيام الجمع بل الوقت.
(١) ((المحلى)) ٢٦٨/١٠.
(٢) في («مسنده)) ٣٠٤/٦، ورواه الطبراني ٢٣/ (٥٥٩)، والبيهقي ٣٣٥/١.
(٣) في ((سننه)) ٢١٩/١. وقال: ابن منهال مجهول، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف.
(٥) رواه الدارقطني ٢٠٩/١.
(٤) ((سنن الدار قطني)) ٢١٨/١.

١٢٧
=
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
وأيضًا فهي مستحاضة معتادة ردت إلى الأيام التي اعتادتها، ولا يلزم
من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة أيام، وعن حديث واثلة وأبي
أمامة وأنس أنها كلها ضعيفة، كما بينه الدارقطني والبيهقي وغيرهما.
وقولهم: الضعيف مقدم على القياس عندنا وعند أحمد، فكيف في
المقدرات التي لا يعقل معناها لا نسلمه، وقولهم: التقدير لا يصح
إلا بتوقيف.
جوابه: أن التوقيف ثبت في أقل من ذلك؛ لأن مداره على الوجود،
وقد ثبت، وحديث: ((دم الحيض أسود)) يعرف الباب في ((سنن أبي داود))
وغيره ذاك لمن قال بالوجود، والأحاديث وإن كانت مطلقة فتحمل على
الوجود.
وقولهم: هذِه حكايات مروية عن نساء (مجهولين)(١) لا يؤمن؛
لاحتمال أن يكون ذلك استحاضة أو دم فساد، لا نسلمه، وأما
ما حكاه إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون
حاضت عشرين يومًا، وأن ميمون بن مهران كانت تحته بنت سعيد بن
جبير، وكانت تحيض من السنة شهرين فواهيان، فيهما مجهول وقد
أنكر الأول مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة.
واختلف العلماء في العدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعتها. فروي
عن شريح وعلي ما سلف، وهو قول أحمد أيضًا ومالك.
وقالت طائفة: لا تصدق إذا ادعت أن عدتها أنقضت في أقل من
شهرين، إذا كانت من ذوات الحيض؛ لأنه ليس في العادة أن تكون
أمرأة على أقل الطهر وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر،
(١) كذا وردت بالأصل، والصواب: مجهولات.

١٢٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وإذا قل الطهر كثر الحيض، وهذا قول أبي حنيفة.
وقالت طائفة: لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يومًا، وهو قول
الثوري وأبي يوسف ومحمد، وذلك لأن أقل الحيض عندهما ثلاثة أيام
وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وحكى ابن حزم عن محمد بن الحسن:
أربعة وخمسين يومًا (١).
وفيه: قول رابع وهو قول أبي ثور: أن أقل ما يكون في ذلك إذا
طلقها في أول الطهر سبعة وأربعون يومًا، وذلك لأن أقل الطهر
خمسة عشر يومًا وأقل الحيض يوم (٢).
وفيه: قول خامس: أن أقلها أربعون ليلة، حكاه ابن أبي زيد عن
سحنون(٣).
وفيه: قول سادس: أن أقلها اثنان وثلاثون يومًا؛ بأن تطلق في آخر
الطهر، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، ثم تحيض يومًا وليلة
وتطهر خمسة عشر، ثم تطعن في الثالثة، وهو قول الشافعي (٤)، وحكى
ابن حزم عنه ثلاثة وثلاثون يومًا وتوبع، وهو غريب(٥).
وفيه: قول سابع، وهو قول لأبي إسحاق(٦) وأبي عبيد: أنها إن
كانت أقراؤها معلومة قبل أن تبتلى حتى عرفها بطانة أهلها ممن
يرضى دينهن، فإنها تصدق وإن لم تعرف ذلك، وكانت أول ما رأت
(١) «المحلى)) ٢٦٧/١٠-٢٦٨.
(٢) (شرح فتح القدير)) ٤/ ١٨٧.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١٢٦/١.
(٤) انظر: ((البيان)) ١٩/١١.
(٥) ((المحلى)) ٢٠٢/٢.
(٦) في ((شرح فتح القدير)) ٤/ ١٨٧، إسحاق بن راهويه.

١٢٩
كِتَابُ الحَيْضِ
=
الحيض أو الطهر، فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ لأن الله تعالى
جعل بدل كل حيضة شهرًا في اللائي يئسن من المحيض واللائي لم
يحضن، فإذا أشكل على مسلم أنقضاء عدة أمرأة ردها إلى الكتاب
والسنة(١).
ووجه الموافقة أنه ليس في العادة أن تكون امرأة على أقل الطهر
وأقل الحيض؛ لأنه إذا كثر الحيض قل الطهر، وإذا قل الحيض كثر
الطهر، فجعل لما تحيضه الأكثر ولما لا تحيضه الأقل وبدأ
بالحيض، والشارع في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وكل ذلك إلى
أمانتها وعادتها، وقدر الأيام قد يقل وقد يكثر على قدر أحوال النساء
في أسنانهن وبلدانهن، إلا أنها إذا أدعت ما لا يكاد يعرف لم يقبل
قولها إلا ببينة، مال إسماعيل بن إسحاق الأسدي إلى قول عليّ
وشريح في ذلك، ولو كان عندهما أن ثلاث حيض لا تكون في شهر
لما قبل قول نسائها، وهو معنى قول عطاء وإبراهيم، وقد أسلفنا
تفسير إسماعيل قولهما.
فرع: قد عرفت اختلاف العلماء في أقل الحيض وأكثره وعرفت من
هنا اختلافهم في أقل الطهر وأكثره، فأقله عند الشافعي خمسة عشر يومًا
ولا حد لأكثره.
(١) (شرح فتح القدير)) ١٨٧/٤.

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٥- باب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْ آَيَّامِ الحَيْضِ
٣٢٦- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نُحَمَّدٍ، عَنْ
أُمُ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُذْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. [فتح: ٤٢٦/١]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ
عَطِيَّةً قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا.
ما ترجم عليه البخاري ذهب إليه الجمهور وقالوا: إن الصفرة
والكدرة حيض في أيام المحيض خاصة، وبعده ليس بشيء، كذا
حكاه عنهم ابن بطال في ((شرحه)) وقال: إنه روي عن عليّ بن أبي
طالب(١) وسعيد بن المسيب(٢) وعطاء(٣) والحسن(٤) وابن سيرين(٥)
وربيعة والثوري(٦) والأوزاعي(٧) والليث وأبي حنيفة ومحمد والشافعي
وأحمد وإسحاق.
وفيه قول ثان: أنهما ليسا بحيض قبل الحيض وهما في آخره حيض،
وبه. قال أبو يوسف وأبو ثور(٨) قالوا: وهو ظاهر الحديث لقوله مليه :
((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة))(٩).
(١) رواه الدارمي ٦٣٦/١ (٨٩٨)، ٦٣٨/١-٦٣٩ (٩٠٢-٩٠٣)، وعبد الرزاق ١/ ٣٠٢
(١١٦١)، وابن أبي شيبة ٨٩/١ (٩٩٣-٩٩٤)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٣٦/٢.
(٢) ذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٣٧/٢.
(٣) رواه الدارمي (٨٩٩، ٩٠٤، ٩٠٧)، عبد الرزاق ١/ ٣٠٢ (١١٦٠)، ابن أبي شيبة
٩٠/١ (١٠٠١).
(٤) رواه الدارمي (٨٩٢-٨٩٧)، وابن أبي شيبة ٩٠/١ (١٠٠٢).
(٥) رواه الدارمي ٦٣٥/١ (٨٩٥)، وابن أبي شيبة ١/ ٩٠ (٩٩٩).
(٦) رواه الدرامي ٦٣٢/١ (٨٨٧).
(٧) ذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٣٧/٢.
(٨) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ٢٣٧/٢.
(٩) سبق برقم (٣٢٠) كتاب: الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره.

١٣١
كِتَابُ الحَيْضِ
=
والكدرة والصفرة في آخر أيام الدم من الدم، حتى ترى النقاء.
وفيها قول ثالث لمالك في ((المدونة)»(١): أنهما حيض مطلقا أيام
الحيض وغيرها، وهذا مخالف للحديث، ولا يوجد في فتوى مالك
أنهما ليسا بشيء على ما جاء في الحديث إلا التي انطبق دم حيضها مع
دم استحاضتها ولم تميزه، فقال: إذا رأت دمًا أسود فهو حيض، وإن
رأت صفرة أو كدرة أو دمًا أحمر، فهو طهر تصلي له وتصوم بعد أن
تغتسل، ولعله لم يبلغه الحديث. وحجة القول أن قول أم عطية: كنّا
لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا، لا يجوز أن يكون عامًّا في أيام الحيض
وغيرها؛ لما قالته عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء(٢).
ومعلوم أن هؤلاء النساء كن يرين عند إدبار المحيض صفرة وكدرة،
فأخبرتهن أنهما من بقايا الحيض، فإن حكمهما حكم الحيض، فلم يبق
لحديث أم عطية معنى إلا أنا لا نعدهما شيئًا في غير أيام المحيض.
وقد جاء هذا المعنى مكشوفًا عنه فروى حماد بن سلمة، عن قتادة،
عن أم الهذيل، عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد
الغسل شيئًا(٣).
قلت: وفي (سنن أبي داود)) و((صحيح الحاكم)) على شرطهما: كنا
لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا (٤). وعند الإسماعيلي: كنا لا نعد
(١) ((المدونة)) ٥٥/١.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٦٥/١ (١٦٣)، وقد سبق معلقًا قبل حديث (٣٢٠) باب:
إقبال المحيض وإدباره.
(٣) (شرح ابن بطال)) ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٣٠٧)، ((المستدرك)) ١٧٤/١، وصححه الألباني في «صحيح
أبي داود)» (١٩٩).

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الصفرة والكدرة شيئًا، تعني: في الحيض، وقال ابن عساكر: هذا
موقوف، وعند الدارقطني: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا(١).
ولما رواه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من حديث أيوب، عن حفصة،
عن أم عطية قال: أخرجه - يعني: البخاري-، عن قتيبة، عن إسماعيل بن
إبراهيم، عن أيوب؛ ولعل مراده أصله، فإنه لم يخرجه من حديث
حفصة، وإنما أخرجه من حديث أخيها محمد بن سيرين، وقد أخرجه
أبو داود عنهما(٢) وكذا ابن ماجه، لكن نقل عن محمد بن يحيى أنه
قال: خبر حفصة أولاهما عندنا(٣).
فيحتمل أن البخاري خالفه، ويحتمل أنه لم يتصل له حديثها، وفي
البيهقي بإسناد لا يسعني ذكره عن عائشة أنها قالت: ما كنا نعد الكدرة
والصفرة شيئًا ونحن مع رسول الله ولاته.
قال: وقد روي معناه من حديث عائشة بسند أمثل من هذا وهو أنها
قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عن الصلاة حتى تراه أبيض
كالقصة، فإذا رأت ذلك فلتغتسل ولتصل، فإذا رأت بعد ذلك صفرة
أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت ماءً أحمر فلتغتسل ولتصل (٤).
وحديث عائشة: ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا، أخرجه ابن
حزم بسند واه(٥)، لأجل أبي بكر (الهذلي)(٦) الكذاب(٧)، ووقع في
(١) الدارقطني ٢١٩/١.
(٣) ابن ماجه(٦٤٧).
(٢)
أبو داود (٣٠٧).
(٥) («المحلى)) ١٦٦/٢.
(٤) البيهقي ١/ ٣٣٧.
(٦) في الأصل: النهشلي، والصواب ما أثبتناه.
(٧) وقع في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: وهم بعض الشراح حيث قال: إن
ابن حزم قال فيه: إنه في غاية الجلالة فذاك إنما قاله في حديث ابن عياش،
فاعلمه.

١٣٣
كِتَابُ الحَیْضِ
=
((وسيط الغزالي))(١) ذكره له من حديث زينب ولا يعرف. وحاصل ما في
المسألة لأصحابنا سبعة أوجه ذكرتها في ((شرح المنهاج)) وأصحها، أنها
حيض(٢)، والرافعي أدعى أن محلهما في غير أيام العادة، أما إذا رأتهما
في أيام العادة فهما حيض قطعًا(٣)، وتابعه في ((الروضة)) (٤) ولم يسلم له
ذلك في ((شرح المهذب))، ثم قال الجمهور: لا فرق في جريان الخلاف
بين المبتدئة والمعتادة. وفي وجه: أن حكم مرد المبتدأة حكم أيام
العادة، والأصح أن حكمها حكم ما وراء العادة(٥).
(١) ((الوسيط)) ٤٣٨/١.
(٢) انظر: ((عجالة المحتاج)) ١٥٤/١.
(٣) ((الشرح الكبير)) ٣٢٢/١.
(٤) ((روضة الطالبين)) ١٥٢/١.
(٥) ((المجموع)) ٤١٩/٢.

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٦- باب عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ
٣٢٧- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِ ذِئْبٍ، عَنِ
ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ بََّ- أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ
أَسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ﴿ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ:
((هذا عِرْقٌ)). فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. [مسلم: ٣٣٤ - فتح: ٤٢٦/١]
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ ثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ
ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ وَلِ﴾ِ- أَنَّ أَمَّ
حَبِيبَةَ أُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِنَّ عَنَّ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ
تَغْتَسِلَ فَقَالَ: ((هذا عِرْقٌ)). فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
هذا حديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١).
والكلام علیه من وجوه:
أحدها :
أم حبيبة هُذِه إحدى المستحاضات على عهد رسول الله بَّه، ويقال
لها: أم حبيب بلا هاء، وصححه الحربي والدار قطني، وصحح إثباتها
الغساني، ونقله الحميدي عن سفيان(٢) وابن الأثير عن الأكثر(٣)، قال
أبو عمر: والصحيح أنها وأختها زينب مستحاضات(٤)، ووهاه ابن
العربي(٥).
(١) مسلم (٣٣٤) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، وأبو داود
(٢٨٥)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي ١١٧/١-١١٨، وابن ماجه (٦٢٦).
(٢) ((مسند الحميدي)) ٢٤١/١ (١٦٠).
(٣) ((أسد الغابة)) ٣١٤/٧.
(٤) ((الاستيعاب)) ٤/ ٤٨٢.
(٥) ((عارضة الأحوذي)) ١/ ٢٠٠.

١٣٥
كِتَابُ الحَيْضِ
==
وحكى القاضي عن بعضهم أن بنات جحش الثلاث كل منهن اسمها
زينب، ولقب إحداهن حمنة، وكنية الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هكذا
فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب (١)، وأم حبيبة هذِه
حضرت أحدًا تسقي العطشى وتداوي الجرحى(٢).
ثانیھا :
غسلها لكل صلاة لم يكن، بأمره وملي كما قاله الزهري وغيره (٣)،
وإنما هو شيء فعلته، والواجب عليها الغسل مرة واحدة عند انقطاع
حيضها، فقولها إذن: فكانت تغتسل لكل صلاة. ليس مرفوعًا، وروى
ابن إسحاق عن الزهري: فأمرها أن تغتسل لكل صلاة (٤).
ولم يتابعه عليه أصحاب الزهري. نعم في أبي داود والبيهقي من
طرق أنه أمرها بذلك (٥)؛ لكنها ضعيفة.
(١) ((إكمال المعلم)) ١٧٩/٢، والقائل هو أبو عمر.
(٢) هي أم حبيبة بنت جحش بن رئاب الأسدية، كانت تحت عبد الرحمن بن عوف.
انظر ترجمتها في: ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٣٤٨٤/٦ (٤٠٧٢)، ((الاستيعاب))
٤/ ٤٨٢-٤٨٣ (٣٥٦٩)، ((أسد الغابة)) ٣١٤/٧-٣١٥ (٧٤٠٠)، ((الإصابة)»
٤/ ٤٤٠-٤٤١ (١٢١٠).
(٣) رواه مسلم (٣٣٤).
(٤) رواه أبو داود (٢٩٢)، وأحمد ٢٣٧/٦، والدارمي ٦٠٣/١-٦٠٤ (٨١٠)،
والبيهقي ٣٥٠/١. وصحح إسناده الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٠١).
(٥) رواه أبو داود (٢٩٣) ومن طريقه البيهقي ٣٥١/١ من طريق أبي سلمة، عن زينب
بنت أبي سلمة. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٣٠٣): إسناده مرسل
صحيح. ورواه البيهقي ٣٤٩/١ من طريق يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد،
عن عمرة، عن عائشة.
وقال: قال بعض مشائخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ. ورد كلامه ابن التركماني
في ((الجوهر النقي))، وانظر: ((صحيح أبي داود)) ٧٩/٢.

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال المهلب: قوله: ( ((هذا عرق))) يدل على أن المستحاضة
لا تغتسل لكل صلاة كما زعم من أوجب ذلك، واحتج بهذا
الحديث؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلًا.
وقوله: (فكانت تغتسل لكل صلاة). يريد تغتسل من الدم الذي كان
يصيب الفرج؛ لأن المشهور من قول عائشة أنها لا ترى الغسل لكل
صلاة، كذا قال الليث، لم يذكر ابن شهاب أنه ◌َلهو أمر أم حبيبة به
لكل صلاة.
وقال غيره: ومن ذكر أنه أمرها فليس بحجة على من سكت عنه؛
لأن الحفاظ من أصحاب الزهري لا يذكرونه، والإيجاب لا يثبت
إلا بسنة أو إجماع، وليس ذلك هذا، وإنما الإجماع في إيجابه من
الحيض.
قال الطحاوي: وقد قيل: إنه منسوخ بحديث فاطمة(١)؛ لأن عائشة
أفتت بحديث فاطمة بعده وَ﴿ وخالفت حديث أم حبيبة، ويؤيده أن
عبد الحق قال: حديث فاطمة أصح حديث يروى في الاستحاضة.
ثالثها :
قوله: (إن أم حبيبة أستحيضت سبع سنين) به حجه لابن القاسم
في قوله: أن من أستحيضت، فتركت الصلاة جاهلة أو ظنته حيضًا
أنه لا إعادة عليها، ذلك أنه ◌َّر لم يأمرها بإعادة صلوات السبعة
الأعوام.
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١/ ١٠١، وحديث فاطمة سبق برقم (٢٢٨) كتاب: الوضوء،
باب: غسل الدم، ورواه مسلم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة
وغسلها وصلاتها.

١٣٧
كِتَابُ الحَیْضِ
=
ووجه ذلك أنها لما سألته فأمرها بالغسل علم أنها لم تغتسل قبل،
ولو اغتسلت لقالت: إني قد اغتسلت. فعلم أن في تلك المدة كانت عند
نفسها حائضًا، فأمرها بالغسل من ذلك الحيض، ولم يأمرها بإعادة
صلوات من تلك المدة.
ء

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٧ - باب المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
٣٢٨ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ آَبِي بَكْرِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجٍ
النَّبِيِّ بَِّّهِ- أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ بَهَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ
حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟)). فَقَالُوا:
بَلَى. قَالَ: ((فَاخْرُجِي)). [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١ / ٤٢٨]
٣٢٩- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْخَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. [١٧٥٥، ١٧٦٠-
مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ٤٢٨/١]
٣٣٠- وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَخَّصَ لَهُنَّ. [١٧٦١ - فتح: ٤٢٨/١]
ذكر فيه حديث عائشة أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبَيٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ
طَافَتْ مَعَكُنَّ؟)). فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((فَاخْرُچِي)).
ثم ذكر حديث ابن عباس: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ.
وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ رَخَّصَ لَهُنَّ.
معنى قوله: (ألم تكن طافت معكن) -يعنى: يوم النحر - وهو طواف
الإفاضة، الركن في الحج، فيؤخذ منه أن طواف الإفاضة يغني عن
طواف الوداع؛ لأنه غير واجب، ألا ترى أن النبي وقل* لم يسأل:
أطافت القدوم؟ وإنما سأل عن طواف يوم النحر هكذا، يغني طواف
الإفاضة عن كل طواف قبله، كذلك يغني عن كل طواف بعده، فدل

١٣٩
كِتَابُ الحَيْضِ
=
هُذا على الإنسان في حجه كله طوافًا واحدًا فقط وهو طواف الإفاضة.
وقول ابن عباس: رخص للحائض أن تنفر، يعني: إذا طافت طواف
الإفاضة، فإن لم تطفه فلا تنفر ولا حج لها، وسيأتي بيان هذا كله - إن
شاء الله تعالى- واضحًا في الحج.

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٨- باب إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةٌ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا
إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ.
٣٣١- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ زُهَبْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةً قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ
فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلَّي)). [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١ /٤٢٨]
هذا التعليق رواه أبو بكر، عن ابن علية، عن خالد، عن أنس بن
سیرین عنه(١).
قال الداودي: معناه إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم، فإنها
تغتسل وتصلي حتى ترى الطهر ما كانت في وقته من الصلوات. ونقله
عن مالك.
وقال ابن بطال: قوله: إذا رأت المستحاضة الطهر. يريد إذا أقبل دم
الاستحاضة الذي هو دم عرق الذي يوجب الغسل والصلاة وميزته من دم
حيضها فهو طهر من الحيض، فاستدل من هذا أن لزوجها وطأها،
وجمهور الفقهاء وعامة العلماء (بالحجاز)(٢) والعراق على جواز وطء
المستحاضة.
ومنع من ذلك قوم، رُوي ذلك عن عائشة قالت: المستحاضة
لا يأتيها زوجها(٣).
(١) ابن أبي شيبة ١٢٠/١ (١٣٦٧).
(٢) انظر لقول مالك ((المدونة)) ٥٥/١.
(٣) في الأصل (الحجاز)، والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٤) رواه الدارمي ٦٢١/١ (٨٥٧)، وابن أبي شيبة ٥٣٧/٣ (١٦٩٥٤)، والدارقطني
٢١٩/١، والبيهقي ٣٢٩/١.