Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
- كِتَابُ الحَيْضِ
١٩- باب إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِذْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ
الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ
بِذَلِكَ الظُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ(١).
هذا الأثر ذكره مالك في ((الموطأ))، فقال: عن علقمة بن أبي
علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة
بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة،
فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القّصَّة البيضاء. تريد الطهر من
الحيضة(٢).
قال أبو محمد بن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من
روايتها(٣).
قلت: وأم علقمة أسمها مرجانة، كذا سماها ابن حبان في
(ثقاته)) (٤)، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة(٥).
والدرجة: بضم الدال المهملة وسكون الراء، وقيل: بكسر الدال
وفتح الراء، وعند الباجي بفتحهما (٦)، وهي بعيدة عن الصواب كما
قاله صاحب ((المطالع)).
وقال ابن بطال: رواية أصحاب الحديث الثاني يعنون بذلك جمع
(دِرَج)، وهو الذي يجعل فيه النساء الطيب، وأهل اللغة ينكرون ذلك
(١) سيأتي باقي التعليق بعد صفحتين، وبعده حديث الباب.
(٢) رواه مالك ص٦٠ برواية یحیی.
(٣) ((المحلى)) ١٦٦/٢.
(٥) («معرفة الثقات)) للعجلي ٤٦١/٢ (٢٣٦٤).
(٦) ((المنتقى)) ١٨٨/١.
(٤) ((الثقات)) لابن حبان ٤٦٦/٥.

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ويقولون: أما الذي كنَّ يبعثن به الخرق فيها القطن، كنَّ يمتحنَّ بها أمر
طهرهن. واحدتها دُرْجة بضم الدال وسكون الراء(١).
والكُرسُف بضم السين مع الكاف: القطن، ويقال له: الكرفس،
على القلب.
واختير القطن لبياضه، ولأنه ينشف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم
ما لا يظهر من غيره.
والقَصَّة -بفتح القاف، وحكى القزاز كسرها، والصاد المهملة -:
الجص.
ومعناه هنا أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها كأنها جصة
لا تخالطها صفرة. وقيل: هو ماء أبيض يخرج آخر الحيض مثل الخيط،
وفي ((محيط)) الحنفية: القَصَّة: الطين الذي يغسل به الرأس، وهو أبيض
يضرب إلى الصفرة.
وفسر مالك، القَصَّة بقوله: تريد بذلك الطهر(٢) كما وقع في
(٣)
البخاري(٣) .
وقال الخطابي: تريد النقاء التام(٤). وقال ابن وهب في ((تفسيره)):
رأت الأبيض -القطن-(٥) كأنه هو، وقال ابن أبي سلمة: إذا كان ذلك
نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون. وقال مالك: سألت النساء عن
القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤٤٧.
(٢) ((الموطأ)) ص٦٠ برواية يحيى.
(٣) معلقًا قبل حديث (٣٢٠) كتاب الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٣٢٥/١.
(٥) في ((عمدة القاري)) ٢٠٤/٣: القطن الأبيض؛ ليعلم.

١٠٣
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن
فاطمة بنت محمد -وكانت في حجر عمرة- قالت: أرسلت أمرأة من
قريش إلى عمرة كُرسُف قطن فيها -أظنه أراد الصفرة- تسألها: إذا لم
تر المرأة من الحيضة إلا هذا طهرت؟ قال: فقالت: لا، حتى ترى
البياض خالصًا(١).
قال البخاري: وَبَلَغَ ابنةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ
مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الظُّهْرِ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَّ
هذا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ.
هذا رواه مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن
ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها .. الحديث(٢).
عمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم. قال ابن الحذاء: وإن كانت
عمة جده فهي عمة له أيضًا ويشبه أن تكون لها صحبة؛ لأن أخاها
عمرو بن حزم له صحبة، وقد روت عن النبي ◌َّقوٍ حديثًا ذكرها ابن
عبد البر في ((استيعابه)) (٣).
وابنة زيد هذِه يشبه أن تكون أم سعد، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات
أيضًا (٤)، وذكر الحافظ أبو محمد الدمياطي شيخ شيوخنا أن له من البنات أم
إسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم حسن، وقُريبة، وأم محمد.
(١) البيهقي في ((السنن)) ٤٩٧/١ كتاب: الحيض، باب: الصفرة والكدرة في أيام
الحيض حيض.
(٢) ((الموطأ)) ص ٦١ كتاب: الطهارة، باب: طهر الحائض.
(٣) ((الاستيعاب)) ٤٤٠/٤ (٣٤٧٣)، وانظر تمام ترجمتها في: ((أسد الغابة)) ٢٠١/٧
(٧١١٦)، ((الإصابة)) ٢٦٦/٤ (٧٤٣).
(٤) ((الاستيعاب)) ٤/ ٤٩٢ (٣٥٩٠).

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى البيهقي أيضًا من حديث عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي
بكر، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن
ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة(١).
وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم یکن للناس مصابیح(٢). وروى
ابن القاسم عنه أنهن كنَّ لا يقمن بالليل(٣).
٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِ حُبَيْشٍ كَانَتْ تُشْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ وَِّّ، فَقَالَ:
((ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا
أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلَّي)). [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١ / ٤٢١]
قال البخاري:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضٌ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ
وَهِ، فَقَالَ: ((ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي
الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلَّي)).
وهذا الحديث سلف في باب: غسل الدم(٤)، وسفيان هذا هو ابن
عيينة، وإن كان الثوري رواه عن هشام أيضًا؛ لأن عبد الله بن محمد
المسندي لم يرو عن الثوري شيئًا، وهذا الحديث من طريق ابن عيينة
في البخاري خاصة.
إذا تقرر ذلك كله فإقبال المحيض هو الدفعة من الدم، وتمسك عند
(١) ((سنن البيهقي)) ٣٣٦/١.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) ١٢٠/١.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٢٨/١.
(٤) سلف برقم (٢٨٨) في كتاب: الوضوء.

١٠٥
كِتَابُ الحَيْضِ
=
رؤيتها عن الصلاة بالإجماع، إن كانت لا تحسب قرءًا، وأما إدباره فهو
إقبال الطهر، وله علامتان: القَصَّة البيضاء، والجفوف، وهو أن تدخل
الخرقة، فتخرجها جافة.
واختلف الفقهاء كما قال ابن رشد في علامة الطهر، فرأى قوم أن
علامته القّصَّة البيضاء أو الجفوف(١)، وبه قال ابن حبيب، وسواء كانت
عادتها القَصَّة أو الجفوف، أيُّ ذلك رأته طهرت، وفرق قوم فقالوا: إن
كان المرأة ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت
ممن لا تراها فطهرها الجفوف. واختلف أصحاب مالك فيه كما حكاه
ابن بطال في أيها أبلغ براءة في الرحم من الحيض، فروى ابن القاسم
عن مالك: إذا كانت ممن ترى القصَّة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها،
وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف. وبه قال عيسى بن دينار أن
القصَّة أبلغ من الجفوف، وروي ذلك عن أسماء بنت الصديق ومكحول.
وذكر ابن عبد الحكم، عن مالك أنها تطهر بالجفوف وإن كانت ممن
ترى القصَّة البيضاء؛ لأن أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم كدرة، ثم يكون
رقيقًا، فالقصَّة، ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذِه المنازل، فقد برئت
الرحم من الحيض؛ لأنه ليس بعد الجفوف انتظار شيء، وممن قال
أن الجفوف أبلغ عمر وعطاء بن أبي رباح، وهو قول عائشة السالف:
لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ .
فدل أنها آخر ما يكون من علامات الطهر وأنه لا علامة بعدها أبلغ
منها، ولو كانت علامة أبلغ منها لقالت حتى ترين القصَّة أو الجفوف.
وفي قولها: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ . دلالة أن الصفرة
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) ١١١/١.

١٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والكدرة في أيام الحيض حيض؛ لأنها في حكم الحائض حتى ترى
القصَّة البيضاء، وقد ترى قبلها صفرة وكدرة، وهو الصحيح عند
الشافعية وقول باقي الأئمة الأربعة، وعن أبي يوسف: إن رأت الصفرة
ابتداءً فليس بحيض حتى يتقدمه دم. وخالفوه وقالوا: إنه حيض (١).
وفيه من الفقه أن العبادات الرافعة للحرج هي السنة ومن خالفها فهو
مذموم كما ذمته ابنة زيد بن ثابت، وإنما أنكرت افتقاد دم الحيض في غير
أوقات الصلوات؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة وإنما على النساء
افتقاد أحوالهن للصلاة، وإن كنَّ قد طهرن تأهبن للغسل لها (٢).
واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغتسل حتى
يطلع، فقال مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: هي
بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ويجزئها صوم ذلك اليوم، وقال
الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وقال أبو حنيفة: إن كانت أيامها أقل من
عشرة صامته وقضته، وإن كانت أكثر منها صامته ولا قضاء، وعن
عبد الملك بن الماجشون يومها ذلك يوم فطر، ولا أرى إن كان يرى
صومه أم لا، فإن كان لا يراه فهو شذوذ، ولا يعرج عليه، ولا معنى
لمن أعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه، لأن
من طهرت من حيضتها ليست بحائض، والغسل إنما يجب عليها إذا
(٣)(٤)
طهرت، ولا يجب الغسل على حائض (١
.
(١) انظر: ((بدائع الصنائع) ٣٩/١، ((المنتقى)) ١١٩/١، ((المجموع)) ١٢٤/١-٤٢٢،
«المغني)) ٤١٣/١-٤١٤.
انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٢٨/١، ((بداية المجتهد)) ١١١/١.
(٢)
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤/٢، ((المغني)) ٣٩٣/١.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثاني بعد الخمسين له مؤلفه.

١٠٧
=
كِتَابُ الحَيْضِ
٢٠- باب لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلَاةَ
وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((تَدَعُ الصَّلَاةَ)).
[انظر: ٣٠٤ -١٥٥٧]
٣٢١- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمٌَّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ:
حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ أَمْرَأَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ:
أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. [مسلم:
٣٣٥- فتح: ١/ ٤٢١]
أما حديث أبي سعيد فسلف قريبًا في باب ترك الحائض الصوم،
ولفظه: ((أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟)) قلن: بلى(١)،
وسيأتي أيضًا(٢).
وأما حديث جابر، فلا يحضرني من أسنده(٣)، وأخرجه مسلم في
كتاب: الإيمان من حديث ابن عمر ونبه على حديث أبي سعيد ولم
يذكر لفظه وذكر سنده خاصة، ثم ذكر عن المقبري، عن أبي هريرة
(١) سلف برقم (٣٠٤) باب: ترك الحائض الصوم.
(٢) وسيأتي برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، وبرقم
(١٩٥١) كتاب: الصوم، باب: الحائض تترك الصوم والصلاة، وبرقم (٢٦٥٨)
كتاب: الشهادات، باب: شهادة النساء.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ١٧٧/٢: هذا التعليق عن هذين
الصحابيين ذكرهُ المؤلف هنا بالمعنى عنهما، ولم أجده عن واحد منهما بهذا
اللفظ. وقال في ((الفتح)) ٤٢١/١ هذا التعليق عن هذين الصحابيين ذكره المؤلف
بالمعنى، فأمَّا حديث جابر فأشار به إلى ما أخرجه في كتاب: الأحكام من طريق
حبيب، عن عطاء، عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج وفيه: ((غير أنَّها
لا تطوف ولا تصلي».اهـ
وسيأتي برقم (٧٢٣٠) كتاب: التمني، باب: قول النبي ◌ُّ: ((لو استقبلت من
أمري ما استدبرت».

١٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مرفوعًا بمثل حديث ابن عمر (١).
ثم قال البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي
مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟
فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ
قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ.
وهذا الحديث أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة(٢)، وعند مسلم
ما يرجح أن معاذة السائلة نفسها إذ فيه: عن معاذة قالت: سألت عائشة:
ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية
أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك
فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة(٣)، وفي لفظ آخر: قد
كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله وَله لا تؤمر بقضاء(٤). وفي
لفظ آخر: قد كن نساء رسول الله وَلم يحضن أفأمرهن أن يجزين؟ قال
محمد بن جعفر: تعني: يقضين(٥).
(١) رواه مسلم (٨٠) باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ
الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق.
(٢) مسلم (٣٣٥) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون
الصلاة، وأبو داود (٢٦٢)، والترمذي (٧٨٧)، والنسائي ١٩١/١-١٩٢، وابن
ماجه (٦٣١).
(٣) مسلم (٦٩/٣٣٥) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض
دون الصلاة.
(٤) مسلم (٦٧/٣٣٥) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض
دون الصلاة.
(٥) مسلم (٦٨/٣٣٥) كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض
دون الصلاة.

١٠٩
= ڪِتَابُ الحَيْضِ
ثانیھا :
معاذة هذِهِ بنت عبد الله عابدة تابعية ثقة وفي هذِه الرواية -أعني :
رواية البخاري-(١) تصريح سماع قتادة من معاذة، وهو رد على
ما ذكره شعبة وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم لم يسمع منها (٢).
ثالثها :
قولها (أتجزي) أي: أتقضي كما قد جاء في رواية أخرى،
(وصلاتها) بالنصب؛ لأنه مفعول يقضي (وإحدانا) فاعله.
رابعًا :
قولها (أحرورية أنت؟) هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى
نسبة إلى حروراء يمد ويقصر قرية على ميلين من الكوفة، كان اجتماع
الخوارج به وتعاهدوا هناك، ثم أستعمل حتى كثر استعماله في كل
خارج، وهُذِه الطائفة أنكروا على علي تحكيمه أبا موسى الأشعري
في أمر معاوية وقالوا: شككت في أمر الله وحكمت عدوك.
وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: فعل ذلك البخاري في مناسكه عن يحيى القطان ولم
یتعقبه.
(٢) معاذة بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية، امرأة صلة بن أشيم، وكانت من
العابدات.
روت عن: علي بن أبي طالب، وهشام بن عامر الأنصاري، وعائشة أم المؤمنين،
وأم عمرو بنت عبد الله بن الزبير. روى عنها: إسحاق بن سويد، وأوفى بن دلهم
العدويان، وأيوب السختياني، وجعفر بن كيسان العدوي، وقتادة بن دعامة
وغيرهم. قال يحيى بن معين: ثقة حجة. روى لها الجماعة.
انظر ترجمتها في: ((تهذيب الكمال)» ٣٠٨/٣٥-٣٠٩ (٧٩٣٢)، ((الكاشف)»
٥١٧/٢ (٧٠٧٩)، ((تهذيب التهذيب)) ٨٨/٤، ((تقريب التهذيب)) (٨٦٨٤).

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وليهم ابن الكواء عبد الله، فبعث إليهم عليٍّ ابن عباس، فناظرهم فرجع
منهم ألفان وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليٍّ، فقاتلهم وكانوا يشددون
في الدین.
وفيه: قضاء الصلاة على الحائض؛ إذ لم تسقط في كتاب الله عنها
على أصلهم في رد السنة على خلاف بينهم في المسألة، وقد أجمع
المسلمون على ضلالهم كما سلف، وأنه لا صلاة تلزمها ولا قضاء
عليها، وإنما قالت عائشة لها ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن
الجماعة، فخافت عليها وقالت ذلك؛ لأن السنة خلاف ما سألت.
ثم إن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل
صنيعها يشعر بإنكار أو تعجب؛ فلذلك أجابتها عائشة بذلك، فقالت:
لا، ولكني أسأل، أي: أسأل سؤالًا مجردًا عن ذلك لطلب مجرد
العلم والحكم، فأجابتها بالنص ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ
وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج وأنفع لمن يعارض بخلاف
المعاني المناسبة، فإنها عرضة للمعارضة واكتفت عائشة في ذلك
يكون (لم نؤمر) فيحتمل أن يكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط
الأداء، ويكون مجرد ذلك دليلًا على سقوطه إلا أن يوجد معارض،
وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم.
والأقرب أن يكون السبب في ذلك، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا
الحكم، فإن الحيض يتكرر، فلو وجب القضاء، لوجب بيانه وحيث لم
يتبين دل على عدم الوجوب، لاسيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى وهي
الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به. قال الأصحاب: كل صلاة
تفوت في زمن الحيض لا تقضي إلا ركعتي الطواف.

١١١
كِتَابُ الحَيْضِ
==
ثم الجمهور على أنها كانت مخاطبة بالصوم في زمن الحيض، وإنما
يجب عليها القضاء بأمر جديد، وهو قول بعض الحنفية وعامتهم أنه
يجب بالأمر الأول وهو قول أحمد ووجه لأصحابنا، وحكى القرطبي
عن سمرة أنه كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحائض(١)، فأنكرت ذلك
أم سلمة وكان قوم من فقهاء السلف يأمرونها أن تتوضأ عند أوقات
الصلاة، وتذكر الله وتستقبل القبلة جالسة (٢).
ونُقل ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول، وعن ((منية المفتي)) أنه
يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها
تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرة؛ حتى لا تبطل عادتها.
(١) انظر: ((المجموع)) ٣٨٦/١، ((المغني)) ٣٨٩/٤.
(٢) («المفهم)» ٥٩٥/١.

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢١- باب النّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهْيَ في ثِيَابِهَا
٣٢٢- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ خَفْصِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةً،
عَنْ زَيْنَبَ ابنةٍ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي
الَخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ
اللهِ وَّهَ: (أَنْفِسْتِ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانٍ فَأَذْخَلَنِي مَعَهُ فِي الَحَمِيلَةِ. قَالَتْ:
وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌ََّ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦، ٣٢٤، ١١٠٨ - فتح: ١ / ٤٢٢]
ذكر فيه حديث أم سلمة السالف في باب: من سمّى النفاس حيضًا.
وفيه زيادة القبلة للصائم، وسيأتي الكلام عليه في الصوم(١) إن
شاء الله.
وفيه: اغتسالههما من إناء واحد، وقد سلف ما فيه.
(١) سيأتي برقم (١٩٢٩) باب: القبلة للصائم.

١١٣
كِتَابُ الحَيْضِ
٢٢- باب مَنِ أَخَذَ ثِيَابَ الحَيْضِ
سِوی ثِیَابِ الطّھْرِ
٣٢٣- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ تَخْيَى، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ
زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَّا مَعَ النَّبِيِّ وََّ مُضْطَجِعَةً فِي ◌َمِيلَةٍ
حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: ((أَنُفِسْت؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانٍ،
فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الَحَمِيلَةِ. [انظر: ٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦ - فتح: ٤٢٣]
ذکر فیه الحدیث المذکور أيضًا.
قال ابن بطال: إن قيل هذا الحديث يعارض قول عائشة رضي الله
عنها : ما کان لإحدانا إلا ثوب واحد تحیض فیه.
قيل: لا تعارض بين حديث عائشة في بدء الإسلام؛ لقيام الشدة
والقلة إذن قبل فتح الفتوح والغنائم، فلما فُتح عليهم اتسعت حالهم
واتخذ النساء ثيابًا للحيض سوى ثياب لباسهن، فأخبرت أم سلمة عن
ذلك الوقت(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١/ ٤٤٩.

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٣- باب شُهُودِ الحَائِضِ
العِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَكْتَزِلْنَ المُصَلَّى
٣٢٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابن سَلَام - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
حَقْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ آمْرَأَةً فَنَزَّلَتْ قَصْرَ
بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ وَهِ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ،
وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى، وَتَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَتْ
أُخْتِي النَّبِيَّ وََّ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ:
(لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ)). فَلَمَّا قَدِمَتْ
أُ عَطِيَّةَ سَأَلَّتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيّ ◌ََّ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ - وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَّ قَالَتْ:
بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ
الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ- وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الخُيَّضُ
المُصَلَّى)). قَالَتْ حَقْصَةُ: فَقُلْتُ: الخَيَّضُ! فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟
[ ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ - مسلم: ٨٩٠ - فتح: ٤٢٣/١]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابنِ سَلَام - ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ
فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ
النَّبِيِّ وَّهِ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٌّ. قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي
الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَىْ، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيِّ وَِّ: أَعَلَىَ إِحْدَانًا
بَأُسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: ((لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ
جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ)). فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ
سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ◌ََّ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ - وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ
إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ

١١٥
كِتَابُ الحَیْضِ
العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ وَالْحُيَّضُ - وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ،
وَيَعْتَزِلُ الخُيَّضُ المُصَلَّى)). قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ! فَقَالَتْ:
أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع أُخَر أول كتاب
الصلاة(١)، وصلاة العيدين(٢)، والحج(٣) وأخرجه مسلم في الصلاة (٤).
ثانیھا :
هُذِهِ الأخت هي أم عطية الأنصارية، ورواه أبو داود والترمذي في
الصلاة(٥)، والنسائي وابن ماجه في الطهارة(٦)،
وفي الباب عن ابن عباس وجابر، وأورده الإسماعيلي من حديث
حفصة عن أم عطية، وعن أمرأة أخرى وقدومها كان بالبصرة؛ كذا
جاء مبينًا في رواية: وقصر بني خلف بالبصرة ينسب إلى خلف جد
طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي.
وقولها: (في ست) أي: ست غزوات، وروى الطبراني أنها غزت
معه سبعًا(٧).
(١) سيأتي برقم (٣٥١) باب: وجوب الصلاة في الثياب.
(٢) سيأتي برقم (٩٧١) باب: التكبير أيام منى وإذا غدا إلي عرفة.
(٣) سيأتي برقم (١٦٥٢) باب: تقضي الحائض المناسك كلها.
(٤) مسلم (٨٩٠) باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصُلَّى.
(٥) أبو داود (١١٣٦)، والترمذي (٥٣٩).
(٦) النسائي ١٩٣/١-١٩٤، وابن ماجه (١٣٠٧).
(٧) ((المعجم الكبير)) ٥٥/٢٥ (١٢١).

١١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها :
(العواتق) جمع عاتق: الجارية البالغة، وعتقت: بلغت، وقيل:
التي قاربت البلوغ. وقيل: هي التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم
تتزوج.
والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن.
سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من أبيها أمتهانها في الخدمة والخروج في
الحوائج. وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج، فتعتق من أسر أبويها
وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها.
وقيل: من العتق الكريم، فإنها أكرم ما تكون عند أهلها.
رابعها :
الكلمى: جمع كليم، وهو الجريح، فعيل بمعنى مفعول.
(والجلباب): الإزار أو الملحفة أو الخمار أو أقصوصة وأعرض،
وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها أقوال. وقيل: ثوب واسع دون الرداء
تغطي به المرأة ظهرها وصدرها. وقال في ((المحكم)): الجلباب:
(١)
القميص(١).
وقوله: (من جلبابها): قيل: أراد به الجنس. أي: تعيرها من
جلابيبها كما روي، وعلى إرادة المواساة فيه، وأنه واحد ويشهد له
رواية: ((تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها)) أو يكون على طريق المبالغة
أن يخرجن ولو اثنتان في جلباب.
خامسها :
قولها: (بأبي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم. فيكون ما بعدها
(١) ((المحكم)) ٣٠٦/٧ مادة: جلب.

١١٧
- كِتَابُ الحَيْضِ
مرفوعًا. تقديره: أنت مفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده
منصوب، أي: فديتك بأمي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة
الاستعمال، وعلم المخاطب به.
وقد روي: بأباه. وأصله بأبي. هو كما قال ابن الأثير، قال: ويقال:
بَأَبَأْتُ الصبيَّ. إذا قلت: بأبي أنت وأمي، فلما سكنت الياء قلبت ألفًا(١).
وزعم ابن التين أن (بأبأ) معناه بأبي، وهما لغتان صحيحتان،
والمعنى: فداك أبي، وجاء في رواية البخاري في الحج: بِيَبًا. وفي
الطبراني: بأبي هو وأمي(٢). وفي لفظ. بأبأ(٣).
وقال ابن بطال: قولها: (بأبأ) تريد بأبي، وهي لغة لبعض العرب.
قال (٤): ويجوز بيبا بياء مخلصة، يريد: أبا، ثم يخفف الهمزة
ويحذفها، وتلقى فتحتها على الياء(٥).
سادسها :
(الخدور) بالخاء المعجمة: جمع خدر، ستر في ناحية البيت،
وأبعد من قال: البيوت أو البيت. تجمع البكر وغيرها، ولا يعنون
بذوات الخدور إلا الأبكار، فأمر الملازمات للبيوت المحجبات
بالبروز إلى العيد بخلاف قول المرجئة، وقيل: إنه السرير الذي يكون
عليه قبة، وأصله الهودج.
(١) ((النهاية)) ١٩/١.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٢٥/ (١٢٣).
(٣) هُذِه الرواية لم أعثر عليها.
(٤) هذا القول نسبه ابن بطال لابن جني، وسبق قلم المصنف فعزاه لابن بطال كما
ترى، ويراجع.
(٥) (شرح ابن بطال))١/ ٤٥١.

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
سابعها :
الحديث دال على خروج النساء إلى صلاة العيد، واستثنى أصحابنا
من ذلك ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث بأن
المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، فقد صح عن عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: لو رأى رسول الله و لو ما أحدث النساء
لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل(١).
قال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن للعیدین،
فرأى جماعة ذلك حقا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر (٢)
(في آخرين)(٣).
ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم(٤)، ويحيى بن
سعيد، ومالك، وأبو يوسف(٥)، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى(٦).
وفي الترمذي عن ابن المبارك: أكره الآن خروجهن في العیدین،
فإن أبت ذلك فللزوج أن يمنعها(٧). ويروى عن الثوري أنه كره اليوم
خروجهن(٨).
(١) سيأتي برقم (٨٦٩) كتاب: الأذان، باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل
والغلس، ورواه مسلم (٤٤٥) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد
إذا لم يترتب عليه فتنة.
(٢) أنظر: ((المصنف)) ٣/٢ (٥٧٨٤ - ٥٧٨٦).
(٣) كذا في (س) ولعله: وآخرون.
(٤) انظر: ((المصنف)) ٤/٢ (٥٧٩٥، ٥٧٩٦).
(٥) أنظر: ((المحيط البرهاني)) ٤٨٥/٢-٤٨٦، ((التمهيد)» ٤٠١/٢٣-٤٠٢، ((المغني)»
٢٦٤/٣-٢٦٥.
(٦) انظر: ((المحيط البرهاني)) ٤٨٥/٢ -٤٨٦.
(٧) ((سنن الترمذي)) ٤٢٠/٢.
(٨) انظر: ((التمهيد)» ٤٠٢/٢٣.

١١٩
ـ كِتَابُ الحَيْضِ
وحكى القرطبي عن قوم منع الشابة دون غيرها، منهم: عروة،
والقاسم في رواية أخرى لهما (١).
ثامنها :
منع الحائض من المصلى للتنزيه والصيانة والخلطة بالرجال من غير
حاجة، وفيه وجه بعيد أنه للتحريم، والصواب الأول.
تاسعها :
لا يصح الاستدلال بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج
إليها؛ لأنه إنما يوجه إلى من ليس بمكلف بالصلاة باتفاق، وإنما قصد به
التدرب على الصلاة والمشاركة في الخير وإظهار جمال الإسلام لقلته إذ
ذاك.
عاشرها :
فيه جواز استعارة الثياب للخروج إلى الطاعات، وغزو النساء
المتجالات ومداوتهن لغير ذوي المحارم، وقبول خبر المرأة، وجواز
النقل عما لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة إذا بين مسكنه ودل
عليه، وغير ذلك من الفوائد التي بسطتها في شرح ((العمدة))(٢).
(١) ((المفهم)) ٥٢٥/٢.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ٢٤٧-٢٦٣.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٤- باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ
وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ
الحَيْضِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ
فِى أَرْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْح: إِنِ آَمْرَأَةٌ
جَاءَتْ بِيِّئَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَىْ دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا
فِي شَهْرٍ، صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ. وَبِهِ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ
مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْتُ ابن سِيرِينَ عَنِ المَرْأَةِ تَرى الدَّمَ بَعْدَ
قَرْئِهَا بِخَمْسَةٍ أَيَّامِ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. [فتح: ٤٢٤/١]
٣٢٥- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بَّنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ
عُزِوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َهُ
قَالَتْ: إِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، ولكن
دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ التِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلَّي)). [انظر:
٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ٤٢٥/١]
ثم ساق حديث فاطمة بنت أبي حبيش السالف.
وحاصل ما ذكر خلافًا في أقل مدة الحيض وأكثره ووجه إيراد
حديث فاطمة هنا أن قوله في الحديث: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي
كنتِ تحيضين فيها)) فوكل ذلك إلى أمانتها وعادتها وقدر الأيام قد
يقل وقد يكثر، على قدر أحوال النساء في أسنانهن وبلدانهن.
وما ذكره عن علي وشريح(١) هو طبق ما ذكره في الترجمة، وحكاه
(١) والقصة التي وردت في طلاق الرجل لزوجته التي حاضت في شهرها ثلاث مرات،
وقضى بينهما القاضي شريح بحضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. رواها =