Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كِتَابُ الغُسْلِ
=
وفي مرسلات الزهري فيما رواه أبو داود في: ((مراسيله)) عنه عن
النبي وَّ قَالَ: ((لا تغتسلوا في الصحراء إلا أن تجدوا متوارى، فإن
لم تجدوا متوارى، فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمي الله تعالى
ويغتسل فيها))(١).
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله وَليل رأى
رجلًا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: ((إن
الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)) وأخرجه
النسائي(٢)، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء
(٣)
بغير إزار (٣).
وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين رضي الله
عنهما، وقد قيل لهما وقد دخلا الماء عليهما بُردان، فقالا: إن للماء
سکانًا.
قال إسحاق: ولو تجردا رجونا ألا يكون إثمًا، واحتج بتجرد موسى
فأما حديث بهز فهو بعض حديث طويل أخرجه أصحاب السنن
الأربعة: أبو داود في الحمام، والترمذي في الاستئذان في موضعين،
والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح من حديث بهز، عن
أبيه، عن جده. وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري له
صحبة، قلتُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قَالَ:
(١) ((المراسيل)) ص٣٢٩ (٤٧٢).
(٢) أبو داود (٤٠١٢)، والنسائي ١/ ٢٠٠، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
(١٧٥٦).
(٣) أنظر: ((مجموع الفتاوى)) ٣٣٩/٢١.

٦٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك)) قَالَ: قلتُ: يا رسول
الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض قَالَ: ((إن استطعت أن لا تريها أحد
فلا تريها)) قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا، قَالَ: ((فالله
أحق أن يستحيى منه من الناس))(١).
قَالَ الترمذي: حسن.
قَالَ أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: يريد بقوله: ((فالله أحق أن
يستحيى منه من الناس)). أن لا يغتسل أحد في الفلاة، وهذا حرج.
وحديث أيوب أسمح وأثبت وأحسن، ولعله يريد بقوله: ((أحق أن
یستحیی منه)) بمعنى: أن لا یعصی حیاء منه.
وقال ابن بطال: الحديث محمول عند الفقهاء على الندب
والاستحباب للتستر في الخلوة لا على الإيجاب(٢).
فرع :
حكى الماوردي خلافًا للناس في أن ستر العورة واجب بالعقل أم
بالشرع؟ وعلى الأول: المعتزلة، وعلى الثاني: أهل السنة، ولا شك
أن جبلة الشخص كارهة لذلك، لكن الشرع هو الحاكم.
فائدة :
بهز هذا قد عرفت والده وجده مما ذكرته لك، وقد وثقه جماعة،
وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا(٣).
(١) رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، (٢٧٩٤)، والنسائي في ((الكبرى))
٣١٣/٥ (٨٩٧٢)، وابن ماجه (١٩٢٠).
(٢) (شرح ابن بطال)) ٣٩٥/١.
(٣) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٢٥٤/٢.

٦٢٣
= ڪِتَابُ الغُسْلِ
=
ووالده حكيم، قَالَ النسائي: ليس به بأس(١).
وجده معاوية له صحبة كما سلف.
وأما حديث أبي هريرة الأول فقال البخاري: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
نَصْرِهِ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَّسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ
يَغْتَسِلَ مَعَّنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ
الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى تُّظَرَتْ
بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ،
فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا)). فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبُ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ
أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.
والكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق(٢)،
(١) بهز بن حكيم بن معاوية بن حیدة، روى عن أبيه عن جده، وعن زرارة بن أوفئ،
روى عنه إسماعيل ابن علية وأصبغ وغيره. وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي،
وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي
يقول: هو شیخ یکتب حديثه ولا يحتج به.
وقال الحاكم أبو عبد الله: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من
الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذة لا متابع له فيها، ((التاريخ الكبير)) ٢/
١٤٢ (١٩٨٢)، ((الجرح والتعديل)) ٤٣٠/٢ (١٧١٤)، (تهذيب الكمال)» ٢٥٩/٤
(٧٧٥).
(٢) مسلم (٣٣٩/ ٧٥) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة،
وبرقم (١٥٥/٣٣٩) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى الثقيلة.

٦٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه البخاري بمعناه في أحاديث الأنبياء والتفسير(١)، ويأتي - إن
شاء الله- من طريق محمد بن سيرين والحسن، وخلاس بن عمرو،
عن أبي هريرة(٢).
وكذلك مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة(٣).
ثانیھا :
إسحاق هذا: هو ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، نسبه
البخاري إلى جده. مات بعد المائتين(٤)، كان ينزل ببني سعد، وقيل:
كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد (٥) ، وعن المنذري أنه ضبطه بضم
السين والغين المعجمة، ونقله عن بعض علماء ( ... )(٦).
ثالثها :
قوله: ( ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)) ) أي: جماعتهم، وكذلك أدخل عليهم
التأنيث مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤].
رابعها :
قوله: ( ((يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ))) يحتمل أن هذا
(١) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى
عليهما السلام. وبرقم (٤٧٩٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْأ
مُوسَى﴾.
(٢) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٥٦/٣٣٩) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى الثّليفية.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة اثنتين وثلاثين.
(٥) قال عنه ابن حجر: صدوق من الحادية عشرة. وانظر ترجمته في ((التاريخ الكبير))
٣٨٠/١ (١٢١٢)، و((تهذيب الكمال)) ٣٨٨/٢ (٣٣٣)، و((تقريب التهذيب)»
(٣٣٣).
(٦) طمس في الأصل.

٦٢٥
كِتَابُ الغُسْلِ
كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى يتركه تنزهًا واستحبابًا وحياء
ومروءة.
ويحتمل أنه كان حرامًا في شرعهم، كما هو حرام في شرعنا،
وكانوا يتساهلون فيه، كما يتساهل فيه كثير من أهل شرعنا.
وجزم الشارح -أعني ابن بطال -: بهذا، فقال: هذا يدل على أنهم
عصاة له، وسالكون غير سنته، إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد،
ويطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء، ولو كان اغتسالهم
عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزم فعله(١)؛
لأن شرعنا يخالفه ولو كانوا أهلَ توفيق أتبعوه.
ثم لم تكفهم المخالفة حتى أذوه، فنسبوا إليه ما نسبوا، فأظهر الله
براءته من ذلك بطريق خارق للعادة، زيادة في دلالة صدقه ومبالغة في
قيام الحجة عليهم.
خامسها :
((آدَر)) - بهمزة مفتوحة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء- عظيم
الخُضيتين، وهي: الأُدْرة بضم الهمزة وفتحها مع إسكان الدال
بفتحها(٢)، ولا يقال: أمرأة أدراء.
سادسها :
قوله: (((فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَىْ حَجَرِ))) وضعه الََّلّ
ثوبه ودخوله الماء عریانًا دليل على جواز ذلك.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٤/١.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ٥٧٧/٢، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣١/١.

٦٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وجاء في ((صحيح مسلم)): ((أنه أغتسل عند مُوَيْه))(١) بضم الميم وفتح
الواو وإسكان الياء، تصغير ماء، وأصله: موه، والتصغير يرد الأشياء
إلى أصولها، هكذا هو في معظم نسخ مسلم، روى ذلك العذري
والباجي.
وفي بعض نسخ مسلم ((مَشْربة)) -بفتح الميم وإسكان الشين
المعجمة، ثم راء- وهي: حفرة في أصل النخلة، يجمع الماء فيها
ليسقيها. قَالَ القاضي عياض: وأظن الأول تصحيفًا(٢).
سابعها :
قوله: ( ((فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ) ) هذِه آية ومعجزة لموسى عليه أفضل
الصلاة والسلام، لمشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل.
ثامنها :
قوله: ( ((فجمح موسى)) ) أي: أسرع إسراعًا في مشيه خلف
الحجر، ليأخذ ثوبه لا يرده شيء، وكل شيء مضى لوجهه على أمر
فقد جمح، قَالَ تعالى: ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧].
قَالَ ابن سیده: جمع الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا : ذهب یجري
جريًا غالبًا، وكل شيء مضى لشيء على وجهه فقد جمع(٣).
وقال الأزهري في ((تهذيبه)): فرس جموح: إذا ركب رأسه فلم يرده
اللجام، وهذا ذم، وفرس جموح، أي: سريع، وهذا مدح(٤).
(١) مسلم (١٥٦/٣٣٩) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٥٠.
(٣) ((المخصص)) ٢/ ١٠٠.
(٤) ((تهذيب اللغة)) (٦٤٥/١) مادة: جمع.

٦٢٧
كِتَابُ الغُسْلِ
=
تاسعها :
قوله: ( ((فِي إِثْرِهِ))) هو بتثليث الهمزة وإسكان الثاء، ورابعة فتحهما
بمعنى، حكاهن كراع، وذكر الثلاث الأول في: ((المنتخب»، وفي
((المثلث)) لابن السيد: الأثر - بالضم - أثر الجرح(١). وفي ((الواعي))
الأثر : -محرك- ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض.
عاشرها :
قوله: ( ((ثَوْبِي يَا حَجَرُ)) ) هو منصوب بفعل مضمر تقديره: أعطني
ثوبي يا حجر، أو أترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي
((مسلم)): (ثوبي حجر)) مرتين (٢) بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى
موسى الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل،
وقال ذلك استعظامًا لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى
جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ليبرئه مما قالوا.
الحادي عشر:
قوله: ( ((حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى))) إنما مشى القَلا
بينهم مكشوف العورة، لأنه إنما نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج
يتبع الحجر، والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأن
الأدرة تتبين تحت الثوب المبلول بالماء، وهذا هو ما أجاب به
الحسن بن أبي بكر النيسابوري فيما حكاه ابن الجوزي عنه سماعًا(٣).
(١) ((المثلث)) ٣١٢/١.
(٢) مسلم (٣٣٩) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا. و (٢٣٧١) كتاب:
الفضائل، باب: فضائل موسى القليل.
(٣) انظر ((كشف المشكل)) ٤٩٦/٣، وذكره ابن حجر في ((الفتح)) ٣٨٦/١ عن ابن
الجوزي وقال: وفيه نظر. اهـ

٦٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي «مسند أحمد)) من حديث علي بن زيد، عن أنس مرفوعًا: ((أن
موسى الصَّه كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبَه حتى يواري عورته
في الماء))(١)
وأجاب -أعني ابن الجوزي(٢)- بجواب آخر، وهو أن موسى كان
في خلوة كما بين في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد، فاتفق
أنه جاز على قوم فرأوه، وجوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم
قريب منها فنسي موسى الأمر على ألَّا يراه أحد على ما رأى من خلاء
المكان فاتفق من رآه.
وأما الشارح -يعني ابن بطال- فقال: إن في الحديث دليلًا على
النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة
مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التي يتحاكم الناس
فيها مما لابد فيها من رؤية أهل النظر بها، فلا بأس برؤية العورات
للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة(٣).
الثاني عشر:
فيه ما يدل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقا، ونزههم عن
المعايب والنقائص والسلامة من العاهات والمعايب، وعورض ما وقع
ليعقوب وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما، فللتأسي بهما ورفع
درجاتهما، وقد زال عنهما.
(١) أحمد ٢٦٢/٣.
(٢) المرجع السابق.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٣/١-٣٩٤.

٦٢٩
كِتَابُ الغُسْلِ
الثالث عشر:
قوله: ( ((فَطَفِقَ)) ) هو بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل وأقبل وصار
ملتزمًا لذلك، وهي من أفعال المقاربة.
والنَدَب -بفتح النون والدال- أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد،
فشبه به أثر الضرب في الحجر، وقال الأصمعي: هو الجرح إذا بقي
منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه. ونقل ابن بطال عن صاحب
((العين))، أنه أثر الجرح(١)، واقتصر عليه، وهذه معجزة لموسى،
وتمييز الجمادات.
وفيه: ما غلب على موسى من البشرية من ضرب الحجر، وهذا
الضرب من موسى الكلية، يجوز أن يكون أراد به إظهار معجزته لقومه
بأثر الضرب في الحجر، ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك لإظهار
معجزته.
وفيه أيضًا: إجراء خلق الإنسان عند الضجر على (من)(٢) لا يعقل
أيضًا، فإذا كان الحجر أعطاه الله قوة مشى بها أمكن أن يحس به أيضًا،
ألا ترى قول أبي هريرة: (والله إنه لندب بالحجر). يعني: أثار ضربه
بقيت فيه آية له. ويؤخذ من ذلك جواز الحلف على الإخبار.
وفيه: وفي حديث أيوب الآتي دليل على إباحة التعري في الخلوة
للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين الناس، لأنهما من الذين أمرنا أن
نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله تعالى عاتب أيوب على جمع الجراد
كما سيأتي ولم يعاتبه على اغتساله معُريانًا، ولو كلفنا بالاستتار في
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٤/١.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الأكثر استعمال ما لما لا يعقل.

٦٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الخلوة لحصل لنا الحرج والضيق؛ إذ لا نجد بدًا منه، والباري تعالى
لا يغيب عنه شيء من خلقه عراة كانوا أو مكتسين، وسيأتي شيء من
هُذا المعنى في باب كراهية التعري في الصلاة (١) وغيرها إن شاء الله.
نعم، الاستتار من حسن الأدب.
خاتمة :
إن قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]
نزلت في ذلك. قَالَ الطحاوي فيما روي عن أبي هريرة في هذِه الآية
﴿لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى﴾ الآية: قَالَ رسول الله وَّهُ: ((إن موسى
كان رجلًا حييًّا سِتيرًا لا يكاد أن يرى من جلده - يعني: استحياء منه-
فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من
عيب بجلده، إما برص وإما أذرة هكذا قَالَ لنا بعض رواة الحديث.
وأهل اللغة يقولون: أدرة، لأنها آدر بمعنى: آدم، وإن الله ◌َ أراد
أن یبرئه مما قالوا، وأنه خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر ثم اغتسل
فلما فرغ من غسله أقبل إلى ثوبه ليأخذه، وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ
موسى القيمة عصاه وطلب الحجر(٢) . الحديث بطوله.
قَالَ: ومما روي عن علي بن أبي طالب في الآية مما نعلم أنه ليس
من رأيه؛ لأنه إخبار عن مراد الله، قَالَ: صعد موسى وهارون الجبل،
فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك
وأشد حياء. فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته،
حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره
(١) برقم (٣٦٤).
(٢) رواه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٤٨٠/٨ - ٤٨١
(٦١٥٧).

٦٣١
كِتَابُ الغُسْلِ
=
إلا الرخم(١)، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض بينهما، فإنه يجوز
أن يكون آذوه بكل ذلك، فبرأه الله منهما(٢).
وأما حديث أبي هريرة الآخر، فقال البخاري: وقال أبو هريرة(٣):
إن النبي ◌َّ﴿ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبِ،
فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَئِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْئُك
عَمَّا تَرِى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ)). وَرَوَاهُ
إِبْرَاهِيمُ بن طهمان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا)).
والكلام علیه من أوجه:
أحدها :
حديث أبي هريرة هذا معطوف على سند حديث أبي هريرة الأول،
وقد صرح به أبو مسعود وخلف، فقالا في أطرافهما: إن البخاري رواه
هنا عن إسحاق بن نصر، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد
الجعفي كلاهما عن عبد الرزاق (٤).
ورواه أبو نعيم الأصبهاني، عن أبي أحمد بن شبرويه، ثنا إسحاق،
ثنا عبد الرزاق فذكره، وذكر أن البخاري رواه عن إسحاق بن نصر، عن
عبد الرزاق.
وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرع منه،
(١) الرخم: طائر غزير الريش، أبيض اللون، يشبه النسر في الخلقة.
(٢) انظر المصدر السابق ٨/ ٤٨١-٤٨٢ (٦١٥٨).
(٣) كذا في الأصل، وجاء في الهامش: في نسخة: عن أبي هريرة.
(٤) سيأتي برقم (٣٣٩١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿﴿ وَأَيُوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِي مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ

٦٣٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال: عن أبي هريرة قَالَ: عن رسول الله وَّهِ: ((بينا أيوب يغتسل .. ))
الحديث.
وأما قوله: (رواه إبراهيم .. إلى آخره)، قَالَ الحُميدي لما ذكرها قَالَ
عطاء تعليقًا عن أبي هريرة فذكره، ثم قَالَ: لم يرد -يعني: البخاري-
على هذا من رواية عطاء، وقد أخرجه بطوله بالإسناد من حديث
همام، عن أبي هريرة(١). وكذا ساقه أبو نعيم الأصبهاني، عن
البخاري كما سلف.
ثم قَالَ: لم يذكر البخاري اسم شيخه وأرسله، ورواه الإسماعيلي،
فقال: حدثناه أبو بكر بن عبيدة الشعراني وأبو عمرو أحمد بن محمد
الحيري، قالا: ثنا أحمد بن حفص، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني إبراهيم،
عن موسى بن عقبة. وأخرجه النسائي في الطهارة عن أحمد بن
حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان(٢).
ثانیھا :
أيوب ◌َل هو من ذرية عيصو بن إسحاق، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة،
وكان ببلاد حوران(٣)، وقبره مشهور عندهم بقرية بقرب نوى(٤) عليه
مشهد(٥)، وهناك قدم في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين
يتبرك بها ويزعم أنها المذكورة في القرآن العظيم، وكانت شريعته
(١) أنظر: ((الجمع بين الصحيحين)) (٢٤٢/٣) رقم (٢٥١٥).
(٢) ((سنن النسائي)) ٢٠٠/١-٢٠١.
(٣) انظر: ((معجم البلدان)) ٢/ ١٨٠.
(٤) انظر: ((معجم البلدان)) ٣٠٦/٥.
(٥) لا يجوز البناء على القبور أو رفعها، وما ذكره المؤلف من الروايات فلعله لا يعتبر
مدحًا وإنما إخبار عن حقيقة الواقع.

٦٣٣
=
= ڪِتَابُ الغُسْلِ
التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة خر له ساجدًا ثم
طلب، وكان أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالًا، وكان لا يشبع حَتَّى يشبع
الجائع، ولا يلبس حَتَّى يلبس العاري. وأمه بنت لوط العَلا.
ثالثها :
عطاء بن يسار سلف حاله فيما مضى.
وصفوان (ع): هو ابن سليم الزُهري مولاهم المدني التابعي الإمام
القدوة، ممن يستسقى بذكره، يقال: إنه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين
سنة، وأن جبهته نَقِبَتْ من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان،
ومناقبه جمة. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومولده سنة ستين(١).
وموسى (ع) بن عقبة الثقة المفتي. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة(٢).
وإبراهيم (ع) بن طهمان أحد أئمة الإسلام الثقات، فيه إرجاء، مات
سنة بضع وستين ومائة(٣).
(١) صفوان بن سليم المدني، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث، القرشي، الزهري،
الفقيه، وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. قال عبد الله بن أحمد بن
حنبل، عن أبيه: ثقة من خيار عباد الله الصالحين. وقال أحمد بن عبد الله العجلي،
وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. ووثقه يعقوب بن شيبة، وزاد: ثبتًا مشهورًا بالعبادة.
وروی له الجماعة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٠٧/٤ (٢٩٣٠)، و((معرفة الثقات)) ٤٦٧/١
(٧٦٢)، و((الجرح والتعديل)) ٤٢٣/٤ (١٨٥٨)، و((تهذيب الكمال)) ١٨٤/١٣
(٢٨٨٢).
(٢) سبق ترجمته في حديث (٣).
(٣) إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخرساني، أبو سعيد الهروي، ولد بهراة، وسكن
نیسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن مكة حتى مات بها. انظر ترجمته في :
((التاريخ الكبير)) ٢٩٤/١ (٩٤٥)، ((معرفة الثقات)) ٢١١/١ (٤٧)، ((الجرح
والتعديل)) ١٠٧/٢ (٣٠٧)، ((تهذيب الكمال)) ١٠٨/٢ (١٨٦).

٦٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها :
( ((بينا))) سلف الكلام عليها في الحديث الرابع من باب بدء الوحي.
وقوله: ( ((عريانًّا))) هو مصروف؛ لأنه فُعلان بالضم بخلاف فَعلان
إذا كانت الألف والنون زائدتين مثل حمران وسكران.
( ((والجراد») جمع جرادة، والجرادة تقع على الذكر والأنثى، قاله
الجوهري(١). وليس الجراد تذكيرًا للجرادة، إنما هو اسم جنس كالبقر
والبقرة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد
المذكر بالجمع، وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، حكاه ابن
(٢)
سیده(٢).
سميّ جرادًا؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها، وله قبل أسماء أن
يصير جرادًا، ذكرها ابن سيده(٣) وغيره. وفي رواية للبخاري في كتاب
التوحيد ((رجل جراد))(٤)، أي: جماعة من جراد. والرِّجل -بالكسر-
الجراد الكثير، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من
لفظها، يقال: رِجل من جرادٍ، وسرب من ظباء، وخبط من نعام،
وعانة من الحمير.
وقوله: ( ((فَجَعَلَ يَحْتَئِي فِي ثَوْبِهِ)) ) ذكر أهل اللغة أن الحثية باليدين
جميعًا، قَالَ ابن سيده: الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حتى يحثي
ويحثو، والياء أعلى(٥)، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا.
(١) ((الصحاح)) ٤٥٦/٢.
(٢) ((المحكم)) ٢٢٣/٧ مادة: جرد.
(٣) ((المخصص)) ٣٥١/٢.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٩٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ
يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهُ﴾.
(٥) ((المحكم)) ٣٣١/٣-٣٣٢، ٣٨٤.

٦٣٥
كِتَابُ الغُسْلِ
=
وقوله: ( ((فَنَادَاهُ رَبُّهُ)) ) يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى، وهو
أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكًا فسمي منادى بذلك، وقد
حكاهما على وجه الاحتمال الداودي في ((شرحه))، وكذا ابن التين.
والغنى -مقصور- اليسار، وبالمد الصوت.
خامسها: في فوائده:
الأولى: جواز الاغتسال عُريانًا في الخلوة وقد سلف.
الثانية: جواز الحرص على الحلال وفضل الغنى؛ لأنه سماه بركة.
الثالثة: جواز اليمين بصفة من صفات الله تعالى.

٦٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢١ - باب التَّسَتُّ في الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِيِ النَّصْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ
اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ - مَوْلَى أُمَّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِ طَالِبٍ
تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: ((مَنْ
هذِه؟)). فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. [٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ١ /٣٨٧]
٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ
سَالمٍ بْنِ أَبِ الَجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةً قَالَتْ: سَتَزْتُ النَّبِيِّ نَّهـ
وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَىْ شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا
أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ - أَوِ الأَرْضِ - ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ
رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةً وَابْنُ
فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ٣٨٧/١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ - مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللهِ - أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَىْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ
هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ
يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: ((مَنْ هذِهِ؟)). فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ.
الكلام علیه من وجھین :
أحدهما :
هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر في صلاة
التطوع في السفر(١)، وفي الأدب(٢)، والجزية(٣)، والمغازي(٤)،
(١) سيأتي برقم (١١٠٣) كتاب: الصلاة، باب: من تطوع في السفر.
(٢) سيأتي برقم (٦١٥٨) باب: ما جاء في زعموا.
(٣) سيأتي برقم (٣١٧١) باب: أمان النساء وجوارهن.
(٤) سيأتي برقم (٤٢٩٢) باب: منزل النبي ◌َّر يوم الفتح.

٦٣٧
كِتَابُ الغُسْلِ
=
واختصره هنا وطوَّله في غيره.
وأخرجه مسلم في الطهارة (١) والصلاة(٢)، وأخرجه أبو داود(٣)
والترمذي في الصلاة والاستئذان وصححه (٤).
ثانیھا :
(أم)(٥) هانئ بالهمز في آخره، واسمها فاختة أو هند أو فاطمة
أو عاتكة أو جمانة أو رملة، أقوال أشهرها أولها، أسلمت عام الفتح(٦).
وأبو مرة (ع) مولاها اسمه يزيد(٧).
وأبو النضر (ع) اسمه سالم بن أمية مدني مشهور(٨)، وباقي الإسناد
سلف.
(١) مسلم (٣٣٦) كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه.
(٢) المصدر السابق (٣٣٦) كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى
وأن أقلها ركعتان.
(٣) أبو داود (١٢٩١).
(٤)
الترمذي (٤٧٤، ٢٧٣٤).
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) انظر ترجمتها في: ((معرفة الصحابة)) ٣٥٧٤/٦ (٤١٩٧)، ((الاستيعاب)) ٥١٧/٤
(٣٦٥٦)، ((الإصابة)) ٥٠٣/٤ (١٥٣٣).
(٧) هو يزيد، أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخت أم هانئ بنت أبي
طالب، حجازي مشهور بكنيته، رأى الزبير بن العوام. قال الواقدي: وكان شيخًا
قديمًا. روى له الجماعة. وقال ابن حجر: مدني مشهور بكنيته، ثقة. وقال محمد بن
سعد: وكان ثقة قليل الحديث. انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ١٧٧/٥،
((الجرح والتعديل)) ٢٩٩/٩ (١٢٧٧)، (تهذيب الكمال)) ٢٩٠/٣٢ (٧٠٦٨)،
(تقريب التهذيب)) ٦٠٦ (٧٧٩٧).
(٨) سالم بن أبي أمية القرشي، التيمي، أبو النضر المدني، مولى عمر بن عبيد الله بن
معمر التيمي، والد بردان بن أبي النضر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه،
وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله العجلي، والنسائي : =

٦٣٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثم قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ . وساق حديث ميمونة، وفيه: سَتَرْتُ
النَّبِيَّ وَِّ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ .. الحديث.
ثم قَالَ: تَابَعَهُ(١) أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ.
وقد سلف كل ذلك أول الغسل(٢).
والإجماع قائم على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وأصل
هذين الحديثين ومصداقهما في كتاب الله تعالى، قَالَ تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اْلْحُ مِنْكُرْ ثَلَكَ
مَّتٍ﴾ [النور: ٥٨] الآية، ثم قَالَ تعالى: ﴿ثَلَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ
عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاسٌ﴾ [النور: ٥٨] فالجناح إذًا غير مرفوع عنهن.
وقوله: ﴿ثَلَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ أي: إن هذه الأوقات أكثر ما يخلو فيها
الرجل بأهله للجماع، وتحظير ذلك على الأطفال الذين لم يظهروا على
عورات النساء ولا جرت عليهم الأقلام، يدل على أنه أوجب على
غيرهم من الرجال والنساء التستر الذي أراده الله تعالى، وقد
قَالَ تعالى: ﴿يَبَنِّ ءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]
فعد علينا نعمته في ذلك.
= ثقة. وزاد العجلي: رجل صالح.
وقال أبو حاتم: صالح، ثقة، حسن الحديث. مات سنة تسع وعشرين ومائة.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١١/٤ (٢١٣٩)، ((معرفة الثقات)) ٣٨٤/١
(٥٤٦)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٩/٤ (٧٧٩)، (تهذيب الكمال)) ١٢٧/١٠
(٢١٤١)
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: الضمير في (تابعه) يعود على سفيان، قال
المزي في ((الأطراف)): تابعه أبو عوانة وابن فضيل يعني عن الأعمش في السَّتْرِ.
(٢) أنظر الأحاديث (٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥).

٦٣٩
كِتَابُ الغُسْلِ
=
وقال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾
[النور: ٣٠] فقرن غض الأبصار عن العورات بحفظ الفروج. وقال
وَ ل: ((لا يطوف بالبيت عريان))(١).
فكما لا يحل لأحد أن يبدي عن فرجه لأحد من غير ضرورة مضطرة
له إلى ذلك، فكذلك لا يجوز له أن ينظر إلى فرج أحد من غير ضرورة،
واتفق أئمة الفتوى -ذكما نقله ابن بطال- على أن من دخل الحمام بغير
مئزر أنه تسقط شهادته بذلك، وهذا قول مالك والثوري وأبي حنيفة
وأصحابه والشافعي.
واختلفوا إذا نزع مئزره ودخل الحوض، وبدت عورته عند دخوله،
فقال مالك والشافعي: تسقط شهادته بذلك أيضًا(٢).
وقال أبو حنيفة والثوري: لا تسقط شهادته بذلك، وهذا يعذر به؛
لأنه لا يمكن التحرز منه، قَالَ: وأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى
عورة أهله وتری عورته(٣).
(١) سيأتي برقم (٣٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة.
ورواه مسلم (١٣٤٧) كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف
بالبيت عریان، وبيان يوم الحج الأكبر.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: المعروف عن الشافعية أن كشف العورة في الحمام
صغيرة، وإذا كان كذلك فلا تُرد بها الشهادة، إلا إذا تكررت ثلاثا على قاعدتهم ..
الاتفاق.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٩٦/١.

٦٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٢- باب: إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ
٢٨٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْم
- أَمْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَخِي مِنَ
الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَزَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ أَخْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((نَعَمْ، إِذَا
رَأَتِ المَاءَ)). [انظر: ١٣٠ - مسلم: ٣١٣ - فتح: ٣٨٨/١]
ذكر فيه حديث أم سلمة، وقد سلف في باب الحياء في العلم(١)،
فراجعه منه.
والإجماع قائم على أن النساء إذا احتلمن ورأين المني عليهن
الغسل، وحكمهن حكم الرجال في ذلك، وكذا هو قائم على أن
الرجل إذا رأى في منامه أنه أحتلم أو جامع ولم يجد بللًا لا غسل عليه.
واختلفوا فيمن رأى بللا ولم يذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل.
روي عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي (٢)، وقال أحمد:
أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به إِبْرِدَة (٣).
وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بلة نطفة. وعن الحسن أنه قَالَ: إذا
كان أنتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة(٤) فلا غسل عليه،
وإن لم يكن كذلك اغتسل(٥).
(١) سلف برقم (١٣٠) كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١/ ٧٧-٧٨ (٨٤٩، ٨٥١، ٨٥٣، ٨٥٧).
(٣) أنظر ((المغني)) ٢٦٩/١- ٢٧٠، وورد بهامش الأصل: الإبردة بالكسر: برد في
الجوف.
(٤) بهامش الأصل: البلة بالكسر: الندوة.
(٥) ((مصنف عبد الرزاق)) ١/ ٢٥٣ (٩٧٢) ونصه: عن الحسن في الرجل يستيقظ فيجد
البلة قالا : يغسل فرجه ويتوضأ.