Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ = كِتَابُ الوُضُوءِ الثاني عشر: قد أسلفنا أن المراد بالمرفق هنا موصل الذراع في العضد، لكن اختلف قول الشافعي هل هو أسم لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين، وبنى على ذَلِكَ أنه لو سُل الذراع من العضد، هل يجب غسل رأس العضد أم مستحب؟ وفيه قولان: أشهرهما وجوبه. الثالث عشر: اختلف العلماء في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهبت الأئمة الأربعة كما عزاه ابن هُبَيْرَةَ إليهم (١) والجمهور إلى الوجوب، وذهب زُفر وأبو بكر بن داود إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب، عن مالك، وزَّيفه القاضي عبد الوهاب(٢). ومنشأ الخلاف أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، وقد ترد بمعنى: (مع)، والأول هو المشهور، فمن قَالَ به لم يوجب إدخالهما في الغَسْلِ، ومن قَالَ بالثاني أوجب، لكن يلزم من قَالَ بالأول الوجوب، لا من هذِه الحيثية بل من حيث أن السنة بينته. وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا، فإن كانت من الجنس دخلت كما في الوضوء وإن كان من غيره لم يدخل كما في آية الصوم. ومنهم من قَالَ: إن كانت الغاية لإخراج ما دخل فيها لم يخرج، فإن أسم اليد يطلق عليها إلى المنكب؛ حتى قَالَ أصحابنا: لو طالت أظافيره ولم يغسلها وجب غسلها قطعًا؛ لاتصالها بالید ودخولها فيه، وكذلك لو نبت في محل الفرض يد أخرى أو سلعة وجب غسلها(٣). (١) انظر: ((الإفصاح)) ١/ ١١٢. (٢) انظر: ((عيون المجالس)) ١١٤/١، ((بدائع الصنائع)) ١/ ٤. (٣) انظر: ((روضة الطالبين)) ٥٣/١. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- فلو لم ترد هذِه الغاية لوجب غَسلٌ إلى المنكب، فلما دخلت أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين، وانتهى الإخراج إلى المرفقين فدخلا في الغسل. الرابع عشر: تثليث غسل اليدين، والإجماع قائم على أنه سنة. الخامس عشر: ظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعره. ومشهور مذهب مالك وأحمد: أن الواجب مسح الجميع. ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب ربع الرأس. وقد أوضحت مدرك الخلاف في ((شرحي للعمدة)) فراجعه منه(١). فرع: لم یذکر في الحديث هنا تثليث المسح، وقد ذكرت فيه حديثًا في أول الوضوء، والمسألة خلافية أيضًا، والمشهور عن الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافًا للأئمة الثلاثة(٢). السادس عشر: فیه التصریح بغسل الرجلین، وفيه رد على من أوجب المسح. السابع عشر: استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعضهم لا يراه، وعلقه بالإنقاء، والنص يرده. الثامن عشر: إنما قَالَ وَّهِ: ((نحو وضوئي)). ولم يقل: مثله؛ لأن حقيقة مماثلته ول* لا يقدر عليها غيره، كذا قاله النووي في (١) أنظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٣٧/١-٣٤٤. (٢) انظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٤٥/١-٣٤٦. ١٨٣ كِتَابُ الوُضُوءِ = ((شرح مسلم))(١). لكن صح لفظة ((مثل)) أيضًا، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من ((صحيحه)) كما سيأتي(٢). التاسع عشر: فيه استحباب ركعتين بعد الوضوء، ويفعل في كل وقت حتى وقت النهي عند الشافعية، خلافًا للمالكية قالوا: وليست هذِه من السنن. قالوا: وحديث بلال في البخاري: أنه كان متى توضأ صلَّى(٣). وقال: إنه أرجى عمل له يجوز أن يخصّ بغير وقت النهي(٤). فرع: هل تحصل هذِه الفضيلة بركعة؟ الظاهر المنع، وفي جريان الخلاف فيه في التحية ونظائره نظر. العشرون: الثواب الموعود به مرتب على أمرين: الأول: وضوؤه على النحو المذكور. والثاني: صلاته ركعتين عقبه، بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. (١) انظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٠٨/٣. (٢) سيأتي برقم (٦٤٣٣) كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .. ). سيأتي برقم (١١٤٩) أبواب التهجد، باب: فضل الطهور بالليل والنهار . (٣) (٤) (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٣٥٠-٣٥١. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحادي بعد العشرين: إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، ثم حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها، وما يسترسل معها ویمکن قطعه، فیحمل الحديث علیه دون الأول؛ لعسر أعتباره. ولفظ الحدیث بقوله: «لا یحدث» فإنه یشهد له بتکسبٍ وتَفَعُّلٍ لحديث النفس؛ لأن الخواطر ليست من جنس مقدور العبد معفو عنها؛ فمن حصل له ذَلِكَ العمل حصل له ذَلِكَ الثواب، ومن لا فلا، ولا يكون ذَلِكَ من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه. نعم، لابد أن تكون الحالة المرتب عليها الثواب المخصوص ممكنة الحصول، وهي التجرد عن شواغل الدنيا، وغلبة ذكر الله تعالى على القلب وتعميره به، وذلك حاصل لأهل العناية ومحكي عنهم. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن ما يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون ذَلِكَ صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأنه وَ﴿ إنما ضمن الغفران المراعي ذَلِكَ؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس. وإنما حصلت له هذِه المرتبة؛ لمجاهدته نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاد وتفريغه قلبه(١). ولم يرتض النووي في ((شرح مسلم)) هُذا بل قَالَ: الصواب حصول هذِه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة(٢). (١) انظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٥١/١-٣٥٣. (٢) انظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٠٨/٣. ١٨٥ ـ كِتَابُ الوُضُوءِ الثاني بعد العشرين: حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط، فقد جاء في رواية خارج ((الصحيح)): ((لا يحدِّث فيها نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استجيب له) ذكرها الحكيم الترمذي في كتاب ((الصلاة)) تأليفه(١). الثالث بعد العشرين: المراد بالغفران: الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر تكفر بالتوبة وفضل الكريم واسع وعطاؤه غير نافد(٢). (١) أنظر: ((الصلاة ومقاصدها)) ص٧٧. (٢) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٢٦٠/١-٢٦١. قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٦٠٣/٢٢-٦٠٥ الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. وفي السنن عن النبي ( أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تُسعها، إلا عُشرها)). ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي ( أنه قال: ((أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: أنظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله)). وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا. وأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة فقد قال طائفة منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ( قال: ((إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: أذكر كذا، أذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم)). وقد صح عن النبي ( الصلاة مع الوسواس مطلقًا. ولم يفرق بين القليل والكثير. ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيحين من = ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قَالَ البخاري رحمه الله : وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ. فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّئُكُمْ حَدِيثًا لَوْلًا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَِّ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيِ الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا)). قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَّآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. الكلام على ذَلِكَ من أوجه أحدها : هذا الحديث علقه البخاري كما ترى، وأسنده مسلم عن زُهير (١)، حديث عثمان ، عن النبي ( أنه قال: ((إن من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه)). وكذلك في الصحيح أنه قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه، وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه)». وما زال في المصلین من هو كذلك، کما قال سعد بن معاذ: في ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله ( حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق. وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها. وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه وقام الناس، وهو في الصلاة لم يشعر. وكان عبد الله بن الزبير -- يسجد. فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه. وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال: أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنة فيّ أحبُّ إليّ وأمثال هذا متعدد. (١) أنظر: ((صحيح مسلم)) (٢٢٧) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. ١٨٧ كِتَابُ الوُضُوءِ ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي عن صالح به. قَالَ أبو نعيم الحافظ: لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقب لحديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع. ثانيها : إبراهيم هذا هو ابن سعد السالف، وباقي رواته سلف التعريف بهم خلا (١) عروة، وهو أبو عبد الله عروة (ع) بن الزبير القرشي الأسدي المدني(٢) روى عن أبويه، وخالته، وعلي، وخلائق. وعنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، ويحيى، ومحمد، والزهري وخلق. قَالَ ابن سعد: كان فقيهًا عالمًا كثير الحديث ثبتًا مأمونًا. قَالَ هشام: صام أبي الدهر، ومات وهو صائم. مات قبيل المائة أو إحدى ومائة. قَالَ يحيى بن معين: استصغر يوم الجمل. ثالثها : من صالح إلى عثمان كلهم تابعيون مدنيون، وهو من طرف الإسناد، وفيه ظُرفةٌ أخرى وهي رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سنًّا من الزهري كما سلف. رابعها: في ألفاظه: قوله: (آية) هو بالياء ومد الألف. أي: لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه لما كنت حريصًا على تحديثكم. ووقع (١) ورد بهامش (س): سلفت ترجمة عروة في أول الكلام على الحديث الثاني من أحاديث هذا الكتاب. (٢) أنظر ترجمته في: ((الطبقات)) ١٧٨/٥، ((التاريخ الكبير)) ٣١/٧ (١٣٨)، («تهذيب الكمال)» ١١/٢٠ (٣٩٠٥)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢١/٤ (١٦٨). ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - للباجي: (بالنون) يعني: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم؛ لئلا تتكلوا. ويعضده ما في ((الموطأ)) قَالَ مالك: أراه يريد هذِهِ الآية ﴿وَأَقِمٍ الصَلَوَةَ طَرَفَيِ النََّارِ﴾ (١) الآية [هود: ١١٤]. ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته وآدابه. ومعنى يصليها : حتى يفرغ منها. خامسها: في فوائده: الأولى : وجوب تبليغ العالم ما عنده من العلم وبثه للناس؛ لأن الله تعالى توعد من كتمه باللعن من الله وعباده، وأخذ الميثاق على العلماء ﴿ لَتُّبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وهُذِه الآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب فقد دخل فيها كل من علم علمًا تعبد الله العباد بمعرفته ولزمه من بثه وتبليغه ما لزم أهل الكتاب من ذَلِكَ؛ لأن فيها تنبيهًا وتحذيرًا لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم مع أن رسول الله العقل ذكر(٢) أن من كتم علمًا ألجم يوم القيامة بلجام من نار(٣). (١) أنظر: «موطأ مالك» ص٤٥ برواية یحیی. (٢) ورد بهامش (س) ما نصه: روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف: ((من كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار)). (٣) (من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) من حديث أبي هريرة. رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وابن ماجه (٢٦٦)، وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٢١٣): صحیح. ١٨٩ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ الثانية: ظاهر الحديث أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوضوء وإحسانه والصلاة، وفي ((الصحيح)) من حديث أبي هريرة : ((إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه))(١). ففيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يخرج من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم في حديث عثمان: ((وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة))(٢). ويحتمل أن يكون ذَلِكَ باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذَلِكَ عند الوضوء وآخر عند تمام الصلاة. الثالثة: قد سلف أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، وجاء في بعض الروايات: ((وذلك الدهر كله)) (٣) أي: ذَلِكَ مستمر في جميع الأوقات. وجاء في ((صحيح مسلم)): ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب مالم تؤت كبيرة)» (٤). وفي الحديث الآخر (((الصلوات)(٥) الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر))(٦). (١) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢٤٤) كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء. (٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢٢٩) في الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. (٣) رواه مسلم (٧/٢٢٨) الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. (٤) السابق. (٥) في (ج): فالصلوات. (٦) مسلم (١٦/٢٣٣) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لا يقال: إذا كفَّر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة ماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذِه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجا أن يخفف منها. الرابعة: قَالَ (الداودي)(١) في ((شرحه)): المشهور في الرواية: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) يريد - والله أعلم - التي بينه وبين الله تعالى. قَالَ: وإن لم تكن رواية عروة محفوظة فيحتمل أن يكون غفران ما بينه وبين الصلاة كما يصليها. قُلْتُ: هي محفوظة من غير شك كما سلف. الخامسة: الحث على (الاعتناء)(٢) بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعلم بذلك والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فيعتني بالتسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس والأذنين، ودَلْك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وغير ذَلِكَ من المختلف فيه، وتحصيل ماءٍ طهور بالإجماع. (١) في (ج): الماوردي. (٢) في (ج): الاعتبار. ١٩١ = ڪِتَابُ الوُضُوءِ ٢٥- باب الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسِ ﴿، عَنِ النَّبِيِّ ١٦١- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ أَسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)). [١٦٢ - مسلم: ٢٣٧ - فتح: ١/ ٢٦٢] أما حديث عثمان فسلف في الباب قبله (١). وأما حديث عبد الله بن زيد فسيأتي في باب مسح الرأس(٢). وأما حديث ابن عباس فسلف في باب غسل الوجه(٣) على إحدى النسخ فيه، فإن في نسخة بدل (واستنشق) (واستنثر). ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ: واستنثر مرتين بالغتين أو ثلاثًا (٤). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ أَسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)). (١) سبق برقم (١٥٩) كتاب: الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. (٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله. (٣) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة. (٤) أنظر: ((سنن أبو داود)) (١٤١)، و((سنن ابن ماجه)) (٤٠٨)، ((مسند أحمد)» ١/ ٢٢٨. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٠): إسناده صحيح. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الكلام عليه من أوجه : أحدها : هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه(١) ولما أخرجه الترمذي من حديث سلمة بن قيس مرفوعًا: ((إذا توضَأْت فانثر، وإذا استجمرت فاوتر)) وقال فيه: حديث حسن صحيح. قَالَ: وفي الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقدام بن معدي کرب ووائل بن حجر وأبي هريرة(٢). قُلْتُ: وفيه عن أبي سعيد وعلي في ((صحيح ابن حبان))(٣)، والبراء بن عازب في ((الحلية)) لأبي نُعيم(٤). ثانیھا : هذا الحديث أشتهر من طريق أبي هريرة عن الزهري رواه عنه جماعة منهم مالك، وعن عبد الله بن المبارك. وأخطأ فيه كامل بن طلحة الجحدري فرواه عن مالك، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة الخُشني كما نبه عليه أبو أحمد الحافظ. قَالَ أبو عمر: وهم فيه عثمان الطرائفي فقال: ثنا مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة(٥). (١) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢٢/٢٣٧) كتاب: الطهارة، باب: الإيتار في الاستئثار والاستجمار، ((سنن النسائي)) ٦٦/١-٦٧، و((سنن ابن ماجه)) (٤٠٩). (٢) ((سنن الترمذي) (٢٧). وورد بهامش (س): أخرجه البزار. [قلت: رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٣٩)]. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ٢٨٦/٤ (١٤٣٨). (٤) ((حلية الأولياء)) ٢٢٥/٩. (٥) انظر: ((التمهيد)» ١٢/١١. ١٩٣ - ڪِتَابُ الوُضُوءِ قَالَ الدارقطني: ولا يصح فيه عن مالك ولا عن الزهري غير حديث أبي إدريس، ورواه أسيد بن عاصم، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وهو خطأ(١). ثالثها : سلف التعريف برجاله، وعبد الله - هو ابن المبارك- سلف. رابعها : الانتثار (سلف)(٢) بيانه في الباب قبله. والاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط بالجمار وهي الأحجار الصغار التي يُرمى بها في الحج. قَالَ ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، أي: فإنه يقال في هذا: تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب، أو يتطيّب مرات، واحدة بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضًا، والأظهر الأول. قَالَ ابن الأنباري: معنى أوتر عندهم أن يوتر من الجمار، وهي: الحجارة الصغار. يقال: قد تجمر الرجل يتجمر تجميرًا إذا رمى جمار مكة. والإيتار: أن يكون الاستجمار بوتر. خامسها : فيه مطلوبية الاستنثار في الوضوء، والإجماع قائم على عدم وجوبه، ومن يفسر الاستنثار بالاستنشاق قد يتمسك به من يرى الوجوب فيها. (١) أنظر: ((علل الدراقطني)) ٢٩٧/٨-٢٩٨ (١٥٨٥). (٢) في (ج): سبق. ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ويجاب بحمل مخالفة الأمر على الاستحباب؛ عملاً بقوله: قَال للأعرابي: ((توضأ كما أمرك الله))(١) فأحاله على الآية وليس ذَلِكَ فيها. سادسها : مطلوبية الإيتار في الاستنجاء، ولا يجوز عند الشافعي بأقل من ثلاث وإن حصل الإنقاء بدونه؛ لأن الواجب عنده أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة، وإن لم يحصل وجبت(٢). وهذا الحدیث دال على وجوب الإیتار لن بالثلاث من دلیل آخر، وهو نهيه ◌َّله عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار(٣)، ووافقنا أحمد (على)(٤) وجوب استيفاء ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وبه قال بعض المالكية، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الواجب الإنقاء لا غير (٥). (١) سبق تخريجه في حديث رقم (١٤١). (٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٦٩/١. (٣) فيه حديث سلمان الفارسي: نهانا- أي: النبي ◌َّ - أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. (٤) في (ج): في. (٥) من هنا يبدأ سقط كبير في (ج) سنشير إلى انتهائه، وتبقى نسخة (س) بمفردها. ١٩٥ كِتّابُ الوُضُوءِ ٢٦- باب الاسْتِجْمَارِ وِتْرًا ١٦٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). [انظر: ١٦١- مسلم: ٢٣٧، ٢٧٨ - فتح: ٢٦٣/١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنَّفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ أُسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق مالك(١)، وأخرجه مسلم من طريق آخر(٢). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف. ثالثها: في بيان ألفاظه : معنى (توضأ)»: أراد الوضوء. وقوله: ((فليجعل في أنفه)) أي: ماءً، حذف للعلم به، فيؤخذ منه حذف المفعول إذا دل الكلام عليه، ومعنى (يجعل)) هنا: يُلقي، (١) ((سنن أبي داود)) (١٤٠). أنظر: ((صحيح مسلم)) (٢٧٨) كتاب: الطهارة، باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا. (٢) ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: «في وضوئه» هو بفتح الواو. رابعها: في أحكامه : الأولى: مطلوبية الاستئثار، وقد سلف في الحديث قبله. الثانية: الأمر بالإيتار. وقد سلف ما فيه أيضًا (١)، والمراد بالإيتار عندنا: أن يكون عدد المسحات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق ذَلِكَ من الأوتار. وقد أسلفنا أن الشافعي يرى سنيته في الزيادة على الثلاث إذا حصل الإنقاء بشَفْع، ومن أصحابه من أوجبه مطلقًا عملًا بظاهر هذا الحدیث. وحجة الجمهور الحديث السالف: ((من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج))(٢) حملًا له على ما زاد على الثلاث جمعًا بينه وبين نهيه يقر عن أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار. الثالثة: مشروعيةُ غسل اليدين، وكراهةٌ غمسها في الإناء في الوضوء ليس مختصًّا بنوم الليل، بل لا فرق بين نوم الليل والنهار؛ لإطلاقه وَهـ النوم من غير تقييد، وخصها أحمد بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده» والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ويؤيده رواية أبي داود، والترمذي وصححها : ((إذا قام أحدكم من الليل))(٣) وعنه رواية أخرى وافقه عليها داود أن كراهته إن كان من نوم الليل للتحريم، وإلا فللتنزيه. (١) سلف كما في الحديث السابق. (٢) سبق تخريجه. (٣) أنظر: ((سنن أبي داود)) (١٠٣)، ((سنن الترمذي)) (٢٤)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود» (٩٢): صحيح. ١٩٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = وحمله غيرهما على أن ذكر الليل للغالب لا للتقييد ويرشد إلى ذَلِكَ أنه علله بأمر يقتضي الشك وهو: «فإنه لا يدري أين باتت يده» فدل على أن الليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد، ثم هذه المشروعية- أعني: تقديم الغسل على الغمس- على وجه الندب عند الشافعي ومالك والجمهور، وعلى وجه الوجوب عند داود والطبري، فلو خالف وغمس يده لم ينجس الماء، خلافًا للحسن البصري وإسحاق وابن جرير ورواية عن أحمد، وهو بعيد؛ لأنه تنجيس بالشك، وفي رواية منكرة الأمر بإراقة ذَلِكَ الماء. وقال بعض المالكية بمقتضاها استحبابًا، وقد بسطت الكلام على هذِهِ المسألة ومتعلقاتها في ((شرح العمدة)) فراجعه منه(١). الرابعة: فيه استعمال الكنايات فيما يستحى من التصريح به، فإنه مَِّ﴿ قَالَ: ((لا يدري أين بات يده)) ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة، أو نحو ذَلِكَ، وإن كان مرادًا. الخامسة: الفائدة في قوله: ((من نومه)): خروج الغفلة ونحوها، وفي إضافة النوم إلى ضمير أحدكم؛ ليخرج نومه بَّ، فإنه تنام عينه دون قلبه(٢). السادسة: فيه دلالة على الفرق بين ورود النجاسة وورودها علیه، فإذا ورد عليها الماء أزالها، وإذا وردت عليه نجسته إذا كان قليلًا؛ لنهيه وقيم عن إيرادها عليه؛ وأمره بإيراده عليها وذلك يقتضي أن (١) أنظر: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٤٩/١. (٢) سيأتي برقم (٣٥٦٩) كتاب: المناقب، باب: كان النبي ◌َّ تنام عينه ولا ينام قلبه. ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردًا عليها غير مفسدٍ له، وإلا لما حصل المقصود من التطهير. السابعة: فيه أيضًا دلالة على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه، فإنه وَلّ إذا منع من إدخال اليد فيه باحتمال النجاسة، فمن تیقنها أولى، وفيه بحث. الثامنة: قوله: ((قبل أن يدخلها في وضوئه)) يشعر بأن السياق للماء، والحكم لا يختلف بينه وبين غيره في الأشياء الرطبة. ١٩٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = ٢٧- باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْ ١٦٣- حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ◌َ عَنَّ فِي سَفْرَةٍ سَافَزْنَاهَا، فَأَذْرَكَنَا وَقَدْ أَزْهَقْنَا العَضْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادِىُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَيْلٌّ لِلأَعْقَابِ مِنَ الثَّارِ)). مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [انظر ٦٠ - مسلم: ٢٤١ - فتح: ١ /٢٦٥] حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حديث: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)). وقد تقدم في باب: من رفع صوته بالعلم(١) واضحًا، وكذا في باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم (٢)، ورجاله أيضًا سلف التعريف بهم. وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي سلف في الحديث الخامس أول الكتاب، وأحكامه سلفت هناك أيضًا. (١) سبق برقم (٦٠) كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم. (٢) برقم (٩٦) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٨- باب المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ قَالَهُ ابن عَبَّاسِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ. ١٦٤- حَدَّثَنَا أَبُوَ اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ- أَنَّهُ رَأىْ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ ◌َضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى اِزْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَِّ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، وَقَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ٢٦٦/١] وأما حديث ابن عباس فسلف في باب: غسل الوجه باليد (١). وأما حديث عبد الله بن زيد فقد سلف قريبًا ويأتي في الباب أيضًا(٢). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ .. فذكر حديث عثمان بطوله كما سلف بنحوه. ورجال إسناده سلف التعريف بهم، وكذا حكم المضمضة. وحقيقتها: إدخال الماء في الفم، ولا يشترط عندنا مَجِّ ولا إدارةٌ على الأصح. كما سلف، وفيه رواية حمصي عن حمصي وهما الأولان. (١) سبق برقم (١٤٠) كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة. (٢) سيأتي برقم (١٨٥) كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله.