Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كِتَابُ الوُضُوءِ = ٦ - باب: إِسْبَاغِ الوُضُوءِ وَقَالَ ابن عُمَرَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ: الإِنْقَاءُ ١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَئِبٍ - مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّغْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)). فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلْ يُصَلِّ بَيْتَهُمَا. [١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢- مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٢٣٩/١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ - مَوْلَى ابن عَبَّاسِ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ وََّ مِنْ عَرَفَةً حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)). فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. الكلام عليه من أوجه : أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج عن ابن يوسف، عن مالك به(١). وعن مسدد، عن حماد بن زيد، عن يحيى، عن موسى به(٢). (١) سيأتي برقم (١٦٧٢) كتاب: الحج، باب: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة. (٢) وبرقم (١٦٦٧) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع. ٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وعن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن کریب بنحوه(١). وفي الجهاد (٢) عن ابن سلام، عن يزيد بن هارون، عن يحيى، عن (٣) موسى به (٣). وأخرجه مسلم في المناسك من طرق منها: عن يحيى بن يحيى، عن مالك به(٤). ثانيها : في التعريف برواته : وقد سلف التعريف بكريب(٥)، ومالك(٦)، وعبد الله بن مسلمة (ع) (٧) . وأما أسامة فهو أبو زيد أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني الحِبُ بن الحِبِ، وكان نقش خاتمه: حِبُ رسول الله، وكان مولى النبي ◌َّله، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن، أمَّره رسول الله وَلهم عَلَى جيش فيهم أبو بكر وعمر وعمره عشرون فأقل، فلم ينفذ حتَّى مات. روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. روى عنه عروة (١) وبرقم (١٦٦٩) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع. (٢) كذا بالأصول، والصواب: في الطهارة، وسيأتي برقم (١٨١). (٣) برقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه. (٤) (صحيح مسلم)) (٢٧٦/١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣٨). (٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٢). (٧) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩). وهذا الرمز فيه نظر؛ فقد أخرج له (خ، م، د، ت، س). انظر ترجمته، والصفحة اللاحقة. ٦٣ كِتَابُ الوُضُوءِ وكريب وخلق. مات بوادي القُرى سنة أربع وخمسين عَلَى الأصح، ابن خمس وخمسين (سنة)(١)، وذكر الله أباه زيدًا في القرآن باسمه (٢). فائدة : أسامة بن زيد ستة هذا أحدهم، وليس في الصحابة من أسمه أسامة بن زيد سواه، وإن كان فيهم من اسمه أسامة -مختلف في بعضهم (٣)- خمسة غيره: ثانیھم: تنوخي روى عنه زيد بن أسلم وغيره. ثالثهم: ليني (م. الأربعة) روى عن نافع وغيره. رابعهم: مدني (ق) مولى عمر بن الخطاب، ضعيف. خامسهم: كلبي روى عن زهير بن معاوية وغيره. سادسهم: شيرازي روى عن أبي حامد الفضل الجمحي. وأما موسى بن عقبة فهو أبو محمد المدني موسى بن عقبة (ع) بن أبي عياش المدني مولى الزبير (٤) بن العوام، ويقال مولى أم خالد زوجة الزبير القرشي، أخو محمد وإبراهيم، وكان إبراهيم أكبر من موسى. (١) من (ج). (٢) انظر ترجمته في ((معجم الصحابة)) للبغوي ٢٢٢/١، ((معرفة الصحابة)) ٢٢٤/١- ٢٢٥ (٨٤)، ((الاستيعاب)) ١٧٠/١-١٧٢ (٢١)، («أسد الغابة» ٧٩/١-٨١ (٨٤)، ((الإصابة)) ٣١/١ (٨٩). (٣) وهم: أسامة بن شريك، وأسامة بن عمير، وأسامة بن أخدري، وأسامة بن خزيم، وأسامة بن مالك، وأسامة بن عمرو الليثي، وأسامة الحنفي. وانظر ترجمتهم في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٢٣/١-٢٢٧، ((معرفة الصحابة)) ٢٢٥/١-٢٢٩ (٨٥-٨٧)، ((الاستيعاب)) ١٧٢/١-١٧٣ (٢٢-٢٥)، («أسد الغابة)) ٧٩/١، ٨١- ٨٣ (٨٢-٨٣، ٨٥-٨٧)، ((الإصابة)) ٣٠/١-٣٢ (٨٧-٩٣). (٤) في (ج): ابن الزبير، والثابت في كتب التراجم إما: آل الزبير، أو: الزبير. ٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = روى عن كريب، وأم خالد الصحابية وغيرهما. وعنه مالك، والسفيانان وغيرهم، وكان من (المتقنين)(١) الثقات. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك، وليس في الكتب الستة من أسمه موسى بن عقبة غيره(٢). الثالث: هذا الإسناد كل رجاله في الصحيحين وباقي الكتب الستة، إلا القعنبي، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وكل رجاله مدنيون. الرابع: في بيان الأماكن الواقعة فيه. أما (عرفة) فهو موضع الوقوف -زاده الله شرفًا - سميت بذلك؛ لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله أهبط آدم بالهند وحواء بجدة؛ فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عَرَّفَ إبراهيم المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال هي الأعراف، وكل ناتٍ فهو عرف، ومنه عرف الديك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. ويسألون غفرانها فتغفر، أقوال. والمشهور صرف عرفات(٣). و(الشعب) - بكسر الشين- الطريق في الجبل(٤). و(المزدلفة)(٥) - بضم الميم- من الأزدلاف وهو التقرب أو الأجتماع، (١) في الأصل: المفتين، والمثبت من (ج). (٢) أنظر: ((التاريخ الكبير)) ٢٩٢/٧ (١٢٤٧)، ((معرفة الثقات)) ٣٠٥/٢ (١٨٢٠)، ((الجرح والتعديل)) ١٥٤/٨ (٦٩٣)، ((الثقات)) ٤٠٤/٥، ((تهذيب الكمال)) ١١٥/٢٩-١٢٢ (٦٢٨٢)، («سير أعلام النبلاء)» ١١٤/٦-١١٨. (٣) وذكر الحموي أن عرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم. انظر: ((معجم البلدان)) ٤/ ١٠٤ - ١٠٥. (٤) ورد بهامش الأصل: من خط المصنف في الهامش، قاله ابن التين. (٥) المزدلفة: اختلف فيها لم سميت بذلك؟ فقيل: لازدلاف الناس في منى بعد الإفاضة، وقيل: لاجتماع الناس بها، وقيل: لازدلاف آدم وحواء بها أي : = ٦٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = الشعراء: ٩٠] أي: ﴾ ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُنَّقِينَ قربت. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم، وكذلك قيل لمزدلفة: جَمْع. الخامس: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغ الوُضُوءَ). أي: لم يكمله، بل توضأ مرة مرة سابغة أو خفف استعمال الماء بالنسبة (إلى)(١) غالب عاداته، ويؤيده رواية إبراهيم بن عقبة، عن كريب قال: فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ(٢). وفي ((صحيح مسلم)): فتوضأ وضوءًا خفيفًا(٣). وقوله بعده: (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أي: أكمله، ولا خلاف في هذا أنه الوضوء الشرعي، وأما الأول فاختلف فيه، فقيل: إنه الشرعي مرة مرة كما أسلفناه، وقيل: اللغوي. أي: أقتصر عَلَى بعض الأعضاء، وهو بعيد. وأبعد منه أن المراد به الاستنجاء، كما قاله عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب: الرجل يوضئ صاحبه، أنه وي عدل إلى الشعب فقضى حاجته، فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ (٤)، ولا يجوز أن يصُب عليه أسامة إلا وضوء الصلاة؛ لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو عَلَى حاجته، وأيضًا فقد قَالَ أسامة = لاجتماعهما. انظر: ((معجم البلدان)) ١٢٠/٥. (١) في (ج): على. (٢) ((صحيح مسلم)) (١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٣) ((صحيح مسلم)) (٢٦٦/١٢٨٠)، باب: بيان استحباب إدامة الحاج التلبية. (٤) سيأتي برقم (١٨١). ٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == (عقب)(١) ذَلِكَ: الصلاة يا رسول الله. ومحال أن يقول لَهُ: الصلاة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة، وأبعد من قَالَ: إنما لم يسبغه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، ففعله ليكون مستصحبا للطهارة في مسيره، فإنه كان في (عامة)(٢) أحواله عَلَى طهر. وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة. وقال غيره: إنما فعله؛ لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه كان ◌َّهُ لا يبقى بغير طهارة، وكذا قَالَ الخطابي: إنما ترك إسباغه حتَّى نزل الشعب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل وأرادها أسبغه. وقوله: ( ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)) ) أي: سنة الصلاة تأخير المغرب إلى المزدلفة؛ لتجمع مع العشاء. وقال الخطابي: المراد أن موضع هذِه الصلاة المزدلفة، وهو أمامه. قَالَ: وهو تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس بفعله ◌َ#(٣). وفيما قاله من التخصيص نظر، ولم يعلم أسامة هذه السنة؛ لأنه يُّر أول من سنها في حجة الوداع. وقوله: (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ)، كأنهم فعلوا ذَلِكَ خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها. السادس: في فوائده: الأولى: جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماع(٤)، لكنه عند جمهور أصحابنا بسبب السفر، فالمزدلفي لا يجمع، وعند أبي حنيفة ومالك (١) في (ج): عقيب. (٣) ((أعلام الحديث)) للخطابى ٢٣٤/١-٢٣٥. (٤) نقله ابن عبد البر في ((الإجماع)) ص١٦٩ مسألة (٣٧١). (٢) في (ج): غاية. ٦٧ كِتَابُ الوُضُوءِ = أنه بسبب النسك فيجمع، وإنما يؤخر إِذَا لم يخرج وقت اختيار العشاء، فإن خافه فالأفضل التقديم، كما قاله جماعات من أصحابنا، وسيأتي بسطه في بابه إن شاء الله تعالى. الثانية: عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير، فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في منزله. الثالثة: الإقامة لكل من صلاتي الجمع، وحكى ابن التين عن ابن عمر: أنه يصلي بإقامة واحدة (١). ويبعد أن يكون المراد بالإقامة هنا الشروع فيها وفعلها بأحكامها. الرابعة: لم يذكر هنا الأذان لها، والصحيح عند أصحابنا أنه يؤذن للأولى، وبه قَالَ أحمد، وأبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون المالكي، والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم للثانية. وهو محكي عن عمر، وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة. وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة(٢)، وقد أسلفناه عن ابن عمر. الخامسة: أفضلية تأخير المغرب إلى العشاء، قَالَ أصحابنا: فلو (١) رواه مسلم (١٢٨٨) وفي آخره أن ابن عمر قال: هكذا صلى بنا رسول الله صل في هذا المكان. بينما سيأتي خلاف ذلك عنه عند البخاري برقم (١٠٩٢)، (١٦٧٣) حيث قال ابن عمر فيه: جمع النبي وَّل بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة .. )) الحديث فانظره. (٢) أنظر: ((البيان)) ٦١/٢، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٨٨/١-٨٩، ((المغني)) ٧٧/٢- ٧٨. ٦٨ = = التوضيح لشرح الجامع الصحيح جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذَلِكَ، وإن خالف الأفضل، هذا مذهبنا. وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبلها إلا من به -أو بدابته- عذر، فله أن يصليهما قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق، وحكى ابن التين عن ((المدونة)) أنه يعيد إِذَا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها. وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء بعدها أبدًا، وبئس ما صنع. وقيل: يعيد العشاء الآخرة فقط. وقال في ((المعونة)): إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة، وتجزئه خلافًا لأبي حنيفة. قَالَ أشهب: وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع، وإن قضى الصلاتين قبل مغيبه، وخالفه ابن القاسم فقال: لا یجمع حتی یغیب. السادسة: تنبيه المفضولِ الفاضلَ إِذَا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: الصلاة يا رسول الله. السابعة: في قوله: (فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أن الوضوء عبادة وإن لم يصلِّ به - يعني: بالأول- نبه عليها الخطابي(١)، وقد قَالَ بعضهم: من (١) ((أعلام الحديث)) للخطابي ٢٣٦/١. ٦٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = توضأ ثمَّ أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس لَهُ ذَلِكَ، لأنه لم يوقع به عبادة، ویکون کمن زاد علی ثلاث في وضوء واحد، وهو الأصح عند أصحابنا، ولا يسن تجديده إلا إِذَا صلى بالأول صلاة فرضًا كانت أو نفلاً. الثامنة: ظاهر الحديث أنهم صلوا قبل حط رحالهم، وقد جاء مصرحًا به في رواية أخرى في ((الصحيح))(١)، ووافق مالك في الأمر الخفيف، وقال في المحامل والزوامل: يبدأ بالصلاة قبلها. وقال أشهب: له أن يحط رحله قبل أن يصلي، وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، ولا يتعشى بعدها وإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن طال فبعد العشاء أحب إليَّ. التاسعة: ترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلب من قوله: ولم يصل بينهما. ولذلك قَالَ ابن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت(٢). وقال غيره: لا دلالة فيه؛ لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك، ألا ترى أن بعضهم قَالَ: لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتَّى يجمعوا. ومنهم من قَالَ: يحط بعد الأولى، مع ما في ترك الرواحل بأوقارها ما نهي عنه من تعذيبها، ولم يتابع ابن عمر عَلَى قوله، والفقهاء متفقون عَلَى أختيار التنفل في السفر. (١) ((صحيح مسلم)) (٢٧٩/١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٢) رواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصدها. وابن ماجه (١٠٧١)، وعبدالرزاق ٥٥٧/٢ (٤٤٤٣)، وأبو يعلى ١٥٦/١٠ (٥٧٧٨)، وابن خزيمة ٢٤٦/٢ (١٢٥٧). ٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قَالَ ابن بطال: وقد تنفل رسول الله وَعليه(١) راجلًا وراكبًا(٢). العاشرة: جواز التنفل بين صلاتي الجمع كذا استدل به القرطبي في ((مفهمه)) قَالَ: وهو قول ابن وهب قَالَ: وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه (٣). قُلْتُ: وهو جائز عندنا في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم، والحديث ناصٌّ عَلَى أنه لم يصل بينهما، ولعل القرطبي أخذه من إناخة البعير بينهما. الحادية عشرة: الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبًا. الثانية عشرة: نقل أفعاله والاعتناء بها ليتبع. الثالثة عشرة: الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفًا وقطعًا لمادته قاله الداودي، وكأنه حمل الوضوء الأول فيه عَلَى الاستنجاء، وليس بجيد لما أسلفناه. الرابعة عشرة: ترك إسباغ الوضوء عند البول إِذَا لم تجئ الصلاة قاله أيضًا، وفيه نظر أيضًا. الخامسة عشرة: تخصيص العموم قاله الخطابي، وقد سلف ما فيه. السادسة عشرة: قَالَ الخطابي أيضًا: فيه دلالة (أيضًا)(٤) عَلَى أنه (١) ورد بهامش (س) ما نصه: لا يصح الاستدلال على ابن عمر من تنفل الشارع في السفر إلا إذا ثبت أن الذي تنفله راتبًا، وأما مطلق النفل فلا يمنع منه ابن عمر وهو قائل باستحبابه، لكن مما يستدل به على ابن عمر صلاته الظريف راتبة الصبح يوم الوادي وسنة الصبح يوم الفتح، ولعل ابن عمر لم يره التي تنفل في السفر، والله أعلم. (٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٢٩/١. (٣) أنظر: ((المفهم)) ٣٩١/٣، وجاء هذا القول عن ابن حبيب، وليس قول ابن وهب كما قال المصنف. (٤) ساقطة من (ج). ٧١ كِتَابُ الوُضُوءِ لا يجوز أن يصليها الحاج إِذَا أفاض من عرفة حتَّى يبلغها ويجمع بينهما، ولو أجزأ غير ذَلِكَ لما أخرها نَّ عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام(١). وفيما ذكره نظر أيضًا، فإنه إنما أخرها لأجل الجمع. السابعة عشرة: قَالَ أيضًا: استدل به الشافعي عَلَى أن الفوائت لا يؤذن لها لكن يقام (٢)، وكأن وجهه أنها تشبه الفائتة، وإلا فإذا أخرها فهي أداء عَلَى الصواب، لأجل العذر المرخص. الثامنة عشرة: قَالَ فيه أيضًا: إن يسير العمل إِذَا (تخلل)(٣) بين الصلاتين لا يقطع نظم الجمع بينهما، لما ذكر من إناخة كل واحد بعيره بينهما، ولكن لا يتكلم بين الصلاتين، وما ذكره ماشٍ عَلَى من يشترط الموالاة في جمع التأخير، والأصح عند أصحابنا خلافه. التاسعة عشرة: قَالَ: في وضوئه الأول لغير الصلاة دلالة عَلَى أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يصل به، وكان ◌َّي يقدم الطهارة إِذَا أوى إلى فراشه؛ ليكون مبيته عَلَى طهر (٤). العشرون: قَالَ المهلب: فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد(٥). وقال غيره: المراد بالنسبة إلى الجمع(٦). (١) ((أعلام الحديث)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥. (٢) انظر: ((البيان)) ٥٩/١. (٣) في (ج): تملك. (٤) انظر: الفوائد السابقة في ((أعلام الحديث)) ٢٣٤/١-٢٣٥. (٥) كما في ((شرح ابن بطال)) ٢٢٩/١. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه. ٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧ - باب غَسْلِ الوَحْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ١٤٠ - حَذَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بِلَالٍ - يَغْنِي سُلَيْمَانَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَزْفَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَزْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرِىُ، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَزْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَفَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَزْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسرىُ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَزْفَةٌ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَزْفَةً أُخْرِىُ، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ - يَغْنِي: اليُسرى - ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَتَوَضَّأُ. [فتح: ٢٤٠/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، أنا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أنا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ(١) بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرِى، فَغَسَلَ بها(٢) وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرِىُ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرِى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: الْيُسْرِىُ - ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَتَوَضَّأُ. (١) علم عليها الناسخ بإشارة نسخة، وكتب في الهامش: واستنثر. (٢) علم عليها الناسخ أن في نسخة (بهما) وكتب (بها). ٧٣ كِتَابُ الوُضُوءِ = الكلام عليه من أوجه : أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري منفردًا به عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بابن عباس وعطاء وزید. وأما سليمان بن بلال فهو أبو محمد مولى آل أبي بكر، روى عن عبد الله بن دينار وغيره. وعنه ابنه أيوب ولوين وغيرهما. وكان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا متقنًا ثقة إمامًا، وولي خراج المدينة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقد سلف أيضًا في باب: أمور الإيمان(١). وأما أبو سلمة منصور (خ. م. س) بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره. وعنه الصاغاني وغيره. مات سنة سبع أو تسع ومائتين وقيل: سنة عشر(٢). وأما محمد بن عبد الرحيم (خ. د. ت. س) فهو أبو يحيى الحافظ، (١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٩). (٢) منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن صالح، أبو سلمة الخزاعي البغدادي. قال أبو بكر الأعين: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو سلمة الخزاعي من متثبتي بغداد. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الدارقطني: أبو سلمة الخزاعي أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال. انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣٤٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ٣٤٨/٧ (١٥٠٢)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٣/٨ (٧٦٣)، ((الثقات)) ١٧٢/٩، (تهذيب الكمال)) ٥٣٠/٢٨- ٥٣٢ (٦١٩٤). ٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - صاعقة؛ لقب بذلك لحفظه. روی عن یزید بن هارون، وروح، وطبقتهما. وعنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن صاعد، والمحاملي، وخلق. وكان بزازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (١). ثالثها : هذا الحديث مما شاهده ابن عباس من رسول الله و19َّ وهي معدودة. قَالَ الداودي: الذي صح مما سمع من النبي ◌َّ اثنا عشر حديثًا، وحكى غيره، عن غندر عشرة أحاديث. وعن يحيى القطان، وأبي داود: تسعة. ووقع في ((المستصفى)) للغزالي: أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي ◌َله إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث: ((إنما الربا في النسيئة))(٢) وقال: حَدَّثَنِي به أسامة بن زيد، ولما روى حديث قطع التلبية حين رمى جمرة العقبة(٣) قَالَ: حَدَّثَنِي به أخي الفضل(٤). (١) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير أبو يحيى القرشي العدوي. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، والنسائي: ثقة. وقال ابن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة الأمين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان متقنًا، ضابطًا عالمًا، حافظًا. انظر: ((الجرح والتعديل)) ٩/٨ (٣٣)، ((الثقات)) ١٣٢/٩، «تاريخ بغداد)» ٢/ ٣٦٣-٣٦٤، ((تهذيب الكمال)) ٥/٢٦-٨ (٥٤١٧). (٢) سيأتي برقم (٢١٧٨) كتاب: البيوع، باب: الدينار بالدينار نساءً. (٣) سيأتي برقم (١٦٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير غداة النحر. (٤) انظر: ((المستصفى)) ٣١٩/١-٣٢٠. ٧٥ كِتَابُ الوُضُوءِ = رابعها: في ألفاظه : معنى (أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرى): جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، فإنه أمكن في الغسل. وقوله: (فَرَشَّ عَلَىْ رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا) أي: صبه قليلًا قليلًا حتّى صار غسلًا. وقوله: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ) : -يعني: اليسرى- هو بغين معجمة ثمَّ سين مهملة كذا رأيناه في الأصول، وقال ابن التين: رويناه بالعين غير معجمة، ولعله عد الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله؛ لأن الغسل هو الشرب الثاني: ثمَّ قَالَ: وقال الحسن: أراه (فعل) فسقطت السین. قُلْتُ: وهذا كله غريب والصواب ما أسلفناه. خامسها: في فوائده: الأولى: الوضوء مرة، وهو إجماع كما أسلفناه في أوائل الوضوء، وشذ من قَالَ: فرض مغسول الوضوء التثليث، وهُذِه القولة حكاها ابن التين هنا، وأسلفنا حكايتها عن غيره في الموضع المشار إليه. الثانية: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة بغرفة، وهو أفضل من الفصل، وسيأتي في حديث عبد الله بن زيد أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة (١)، وهو الذي صحت به الأحاديث، وحديث الفصل أخرجه أبو داود في ((سننه))(٢) ولا يصح. (١) سيأتي برقم (١٩١). (٢) انظر: ((سنن أبي داود)) (١٣٩)، والبيهقي ١/ ٥١ ونصُّه: دخلت - يعني: على النبي - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٨): ضعيف. ٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الثالثة: البداية بالميامن، وهو سنة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثمَّ هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأذنان عَلَى الأصح عند الشافعية. الرابعة: أخذ الماء للوجه باليد، وفي رواية للبخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد: ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا(١)، وفي رواية للبخاري: ثمَّ أدخل يديه بالتثنية(٢). وهما وجهان للشافعية، وجمهورهم عَلَى الثاني. وقال زاهر السرخسي: إنه يغرف بكفه اليمنى، ويضع ظهرها عَلَىْ بطن كفه اليسرى، ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له. الخامسة: قَالَ ابن بطال فيه أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك والثوري، قَالَ: والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إِذَا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا ثمَّ يمره عَلَى كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر (١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين، وبرقم (١٩٢)، باب: مسح الرأس مرة. وبرقم (١٩٩)، باب: الوضوء من التور. ومسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي وَله. (٢) قال ابن حجر في ((الفتح)) ١/ ٢٩٤: وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال: ثم أدخل يديه، بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي.اهـ وانظر: ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٢٢/٣. ٧٧ كِتَابُ الوُضُوءِ الأعضاء كذلك، وفيما قاله نظر؛ لأن الماء يحكم لَهُ بالاستعمال بعد انفصاله، ومادام مترددًا عَلَى العضو لا يثبت لَّهُ حكم الاستعمال(١). تنبيه : لم يذكر في هذا الحديث أخذ الماء للرأس؛ فقال بعضهم فيه: مسح الرأس بفضل الذراع. وفي ((سنن أبي داود)» أنه ◌ّر مسح رأسه من فضل ماء كان في يده(٢). وهذا قول الأوزاعي، والحسن، وعروة، وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته. وأجازه ابن الماجشون في بلل اللحية إِذَا نفذ منه الماء. وقال القاضي عبد الوهاب: يشبه أن يكون قول مالك: لا يجزئه، عبارة عن شدة الكراهية(٣). (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣١/١-٢٣٢. (٢) ((سنن أبي داود)) (١٣٠)، ورواه ابن أبي شيبة ١//٢٨ (٢١١)، والطبراني ٢٤/ ٢٦٨ (٦٧٩)، وفي ((الأوسط)) ٣٥/٣-٣٦ (٢٣٨٩) من حديث الرُّبيِّع، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا أبو داود. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٢١): إسناده حسن. (٣) أنظر: ((الذخيرة)) ٢٦٢/١. ٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ ١٤١ - حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ أَبِي الجَعدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ وَ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ)). [٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦ - مسلم: ١٤٣٤ - فتح: ١ / ٢٤٢] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: ((لَوَ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبٍ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ)). الكلام عليه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات عن علي بن المديني أيضًا(١)، وفي التوحيد عن قتيبة، عن جرير (٢)؛ وفي صفة إبليس عن موسى بن إسماعيل. عن همام، وعن آدم، عن شعبة(٣)، وفي النكاح عن سعد بن حفص، عن شيبان، كلهم عن جرير به(٤)، وقال في عقب حديث آدم: وثنا الأعمش(٥). (١) قلت: ما سيأتي في الدعوات برقم (٦٣٨٨) هو عن عثمان بن أبي شيبة، لا عن علي بن المديني، وكذا قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٢. (٢) سيأتي برقم (٧٣٩٦) كتاب: التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله والاستعاذه بها. (٣) سيأتي برقم (٣٢٧١) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس، وبرقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس. (٤) سيأتي برقم (٥١٦٥) كتاب: النكاح، باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله. (٥) سيأتي برقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده. ٧٩ كِتَابُ الوُضُوءِ = وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى، وغيره عن جرير، ومن طريق الثوري وغيره عن منصور (١). لم يرفعه الأعمش ورفعه منصور، وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي، روى عن ابن عباس وابن عمر، وأرسل عن عمر وعائشة. قَالَ أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه. وعنه منصور والأعمش، مات سنة مائة، وهو من الثقات لكنه يرسل ويدلس، وحديثه عن النعمان بن بشير، وعن جابر في البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر في البخاري، وعن علي في أبي داود والنسائي(٣). (١) مسلم (١٤٣٤) كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع. (٢) أبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩). (٣) سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي. روى عن أنس بن مالك، روى عنه ابنه الحسن بن سالم بن أبي الجعد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال سفيان عن منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثًا منك؟ قال: لأنه کان یکتب. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير. وانظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٢٩١/٦، ((التاريخ الكبير)) ٤/ ١٠٧ (٢١٣٢)، ((معرفة الثقات)) ٣٨٢/١ (٥٣٨)، ((الجرح والتعديل)) ١٨١/٤ (٧٨٥)، (تهذيب الكمال)) ١٣٠/١٠-١٣٣ (٢١٤٢). ٨٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وأما (منصور) فهو ابن المعتمر أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة. روى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه شعبة والسفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١)، وقد سلف أيضًا في باب إثم من كذب عَلَى النبي ◌َِلّـ ثالثها : هُذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرجا له، ورواته ما بين مكي ومدني وكوفي ورازي وبصري. رابعها : (ما) هنا بمعنى: شيء، فإنها تكون لمن يعقل إِذَا كانت بمعنى الشيء كما نبه عليه ابن التين. ومعنى «لم يضره)): لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه جل وعز، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَّهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وأبعد من قَالَ إن المراد: لم يصرعه، وكذا قول من قَالَ: لم يطعن فيه عند ولادته. واختار الشيخ تقي الدين (القشيري)(٢) في ((شرح العمدة)) أن المراد: لم يضره في بدنه، وإن كان يحتمل الدين أيضًا، لكن يبعده انتفاء العصمة(٣). وقال الداودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر. (١) أنظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٧/٦، ((التاريخ الكبير) ٣٤٦/٧ (١٤٩١)، ((الجرح والتعديل)) ١٧٧/٨-١٧٩ (٧٧٨)، ((الثقات)) ٤٧٣/٧، ((تهذيب الكمال)) ٥٤٦/٢٨-٥٥٥ (٦٢٠١)، ((جامع التحصيل)) (٨٠٢)، ((شذرات الذهب)) ١٨٩/١. (٢) في (ج): الفربري، وهو خطأ. (٣) ((إحكام الأحكام)) ص٥٨١.