Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
- ڪِتَابُ الوُضُوءِ
تميم، عن (عمه)(١) ) يعني به أن الزهري رواه عنهما جميعًا أعني:
سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبد الله بن زید.
الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده:
الأولى: الياء في (شكى) منقلبة عن واو؛ لأنه من شكى يشكو،
ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قَالَ: شكى يشكي.
الثانية: هُذِه الرواية ظاهرها أن الشاكي عبد الله بن زيد، وضبط
النووي في ((شرح مسلم)) رواية مسلم، عن عمه شكى إلى رسول الله
وَيلقى الرجل يخيل إليه .. الحديث. فقال: شُكي بضم الشين وكسر
الكاف، والرجل مرفوع.
ثمَّ قَالَ: ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري، أنه
عبد الله بن زيد الراوي.
قَالَ: ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن شكى بفتح الشين والكاف،
ويجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط(٢).
هُذا لفظه، ولم يظهر لي وجه الغلط في ذَلِكَ، فإن العم هو عبد الله بن
زيد، وإن كان هو الشاكي فلم لا تصح قراءة شكى بالفتح؟
الثالثة: الشيء المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث،
وليس كذلك ولهذا قَالَ بِّهِ: ((حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)»
ومعناه: حتَّى يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع
والشم بالإجماع.
(١) ساقطة من (ج).
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ٤/ ٥١ .

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، و((مستدرك الحاكم)) من
حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﴿ ﴿ قَالَ: ((إِذَا جاء أحدكم
الشيطان، فقال إنك أحدثت، فليقل كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو
سمع صوتًا بأذنه))(١) وفي رواية ابن حبان ((فليقل في نفسه كذبت)).
قَالَ ابن خزيمة: وقوله: ((فليقل كذبت)) أراد بضميره لا بالنطق(٢).
قُلْتُ: رواية ابن حبان تؤيد ما قاله، وزعم بعض العلماء أنه وَّ ل ذكر
الصوت لمن حاسة شمه معلولة، والريح لمن حاسة سمعه معلولة.
وقد أسلفنا في حديث أبي هريرة السالف في باب: لا تقبل صلاة
بغير طهور. أنه يجوز أن يكون أشار به لكونه أنه الواقع في الصلاة،
فإن غيره كالبول مثلًا لا يعهد فيها.
وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا: ((إن
الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها
فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتَّى يسمع صوتًّا))(٣) وفي إسنادها
علي بن زيد بن جدعان وحالته معلومة (٤).
(١) ابن خزيمة ١٩/١ (٢٩)، ابن حبان ٣٨٨/٦ (٢٦٦٥)، والحاكم ١٣٤/١. وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٢) ابن خزيمة ١٩/١ (٢٩).
(٣) ((مسند أحمد)) ٩٦/٣.
(٤) علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي التميمي، أبو الحسن البصري
المكفوف مكي الأصل. قال أحمدبن حنبل: ليس بالقوي وقد روى عنه الناس.
وقال يحيى بن معين: ليس بذاك القوي. وفي موضع آخر: ليس بشيء. وقال
النسائي: ضعيف. وقال العجلي : یکتب حديثه وليس بالقوي.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٥٢/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٧٥/٦
(٢٣٨٩)، ((الجرح والتعديل)) ١٨٦/٦ (١٠٢١)، و((ضعفاء العقيلي)) ٢٢٩/٣
(١٢٣)، («الكامل» ٣٣٣/٦ (١٣٥١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٣٤/٢٠ (٤٠٧٠).

٤٣
كِتَابُ الوُضُوءِ
الرابعة: معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث،
ولم يرد تخصيص هذين النوعين من الحدث، وإنما هو جواب خرج حذو
سؤال السائل، لا يعني الوضوء إلا من أحدهما.
ودخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بولٍ أو غائطٍ أو مذي
أو ودي أو دم، وقد يكون بأُذُنِهِ وَقْرٌ فيخرج الريح ولا يسمع له صوتًا،
وقد يكون أخشم فلا يجد الريح. والمعنى إِذَا كان أوسع من الأسم كان
الحکم للمعنى.
وهذا كما روي أنه مَ ﴿ قَالَ: ((إِذَا استهل الصبي ورث وصلي
عليه))(١) لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من
أمارات الحياة من حركة ومصٍّ وبسط ونحوهما، وهذا أصل في كل
ما ثبت يقينًا، فإنه لا يرفع بالشك.
الخامسة: قوله: ( ((لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ)) ) الظاهر أنه شك من
الراوي. ووقع في كتاب الخطابي: (( ولا يَنْصَرِفْ)) بحذف الهمزة(٢). وقد
أسلفنا رواية أخرى للبخاري: ((لا يَنْصَرِفْ)) من غير شك.
السادسة: هذا الحديث كما قدمناه أصل من أصول الإسلام،
وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحْكَم ببقائها عَلَى أصولها
(١) رواه ابن ماجه (١٥٠٨). وابن حبان ٣٩٢/١٣ (٦٠٣٢). والحاكم ٣٤٨/٤ -٣٤٩
من حديث جابر وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد
أجده من حديث الثوري عن أبي الزبير موقوفًا فكنت أحكم به، والبيهقي ٨/٤.
وقال النووي في ((المجموع)) ٢٠٩/٥-٢١٠: إسناده ضعيف. وقال ابن حجر في
((فتح الباري)) ٤٨٩/١١: الصواب أنه صحيح الإسناد لكن المرجح عند الحفاظ
وقفه. وقال الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٢٢٥): صحيح.
(٢) قلت: وليس كذلك بل وقع عند الخطابي: (أو لا ينصرف) بالهمزة أيضًا، والله
أعلم. ((أعلام الحديث)) ٢٢٧/١.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
حتَّى يتيقن خلاف ذَلِكَ، ولا يضر الشك الطاريء عليها.
والعلماء متفقون عَلَى هذِه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية
استعمالها.
مثاله: مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي أن من تيقن
الطهارة، وشك في الحدث يحكم ببقائه عَلَى الطهارة، سواء حصل
الشك في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي وجمهور علماء
السلف والخلف؛ إعمالًا للأصل السابق، وهو الطهارة، وإطراحًا
للشك الطاريء، وأجازوا الصلاة في هذه الحالة، وهو ظاهر الحديث.
وعن مالك رحمه الله روايتان:
إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقًا؛ نظرًا إلى الأصل الأول قبل
الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا تزال إلا بطهارة متيقنة،
ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث.
والثانية: إن كان شكه في الصلاة لم يلزمه الوضوء، وإن كان
خارجها لزمه(١)، وليس هذا وجهًا عندنا، وإن وقع في الرافعي (٢)
و((الروضة))(٣) فلا أصل له كما أوضحته في ((شرح العمدة)) (٤) و((شرح
المنهاج))، وبعض الشراح حكى الأول وجهًا عندنا أيضًا، وهو
(٥)
غريب(٥).
(١) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٥٢/١، ((المنتقى)) ٥٤/١.
(٢) ((الشرح الكبير)) ١٦٩/١.
(٣) ((روضة الطالبين)) ٧٧/١. وقال: وهذا شاذ، بل غلط. اهـ
(٤) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٦٦/١ -٦٦٧.
(٥) قال المصنف في ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٦٦/١-٦٦٧ ما نصه: ووقع
في ((شرح ابن العطار)) أنه وجه شاذ عن بعض الشافعية وهو غلط منه كان سببه =

٤٥
كِتَابُ الوُضُوءِ
وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن نافع أنه لا وضوء عليه كما قاله
الجمهور(١)، حكاها ابن بطال عنه(٢).
ونقل القاضي عياض(٣)، ثمَّ القرطبي (٤) عن ابن حبيب المالكي أن
هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث،
واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف
البول والغائط.
وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر كما في
الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا(٥).
السابعة: لا فرق في الشك عند أصحابنا بين تساوي الاحتمالين في
وجود الحدث وعدمه وبين ترجح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء
عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح
الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين.
نعم يستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أولًا فوجهان:
أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إِذَا
انتقال ذهنى منه إلى الرواية الثانية المنفصلة، فإنها حكيت وجهًا لنا، وهو غلط
=
أيضًا كما ستعلمه.اهـ
(١) ((عيون المجالس»١/ ١٥٢-١٥٣.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٢٢٣/١.
(٣)
((إكمال المعلم)) ٢٠٨/٢.
(٤) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٦٠٨/١.
(٥) انظر: ((الذخيرة)) ٢١٨/١. قال القرافي: قال صاحب ((الطراز)): وهذه التفرقة
ظاهر المذهب لما في الترمذي وأبي داود: إذا كان أحدکم في المسجد فوجد ريحًا
بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. قال الترمذي: حديث
صحیح.اهـ

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثمَّ بان محدثًا، فإنه يجزئه قطعًا؛
لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه(١).
فرع :
لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإجماع(٢)، وهو
داخل في القاعدة السالفة.
فرع :
لو تيقن الطهارة والحدث معًا وشك في السابق منهما، فأوجه:
أصحها: أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه
الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء مطلقًا(٣)، ومحل بسط
المسألة في كتب الفروع، وقد أوضحتها في ((شرح المنهاج)) وغيره.
الثامنة: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: من
شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر،
أو طهارة المنجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا
أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أولًا، أو نوى الصوم أو الصلاة
أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذِه العبادات، وما أشبه هذِه
الأمثلة، فكل هذِه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث.
وقد أستثنى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة (٤):
منها من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها -قيل:
أو فيها- ومن شك في ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ لا أثر له
(١) انظر: ((مسلم بشرح النووي)) ٥٠/٤.
(٢) نقل الإجماع على ذلك النووي في ((شرحه على مسلم)) ٤/ ٥٠.
(٣) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٧٧/١.
(٤) قلت: هذا نص كلام النووي في ((شرحه على مسلم)» ٤/ ٥٠.

٤٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
عَلَى الأصح، ومنها عشر ذكرهن ابن القاصّ (١) - بتشديد الصاد المهملة-
من أصحابنا: الشك في مدة خُفٍّ وأن إمامه مسافر أو وصل وطنه أو نوى
إقامة، ومستحاضة شفيت، وغسل متحيرة، وثوب خفيت نجاسته،
ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه
فغاب فوجده ميتًا.
قَالَ القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى
الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة والرابعة إن أوجبناه،
والخامسة والسادسة اشتراط الطهارة ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة
بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظن، والتاسعة للشك في شرط التيمم
وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه إن قلنا به. وقول ابن القاصّ
أقوى في غير الثامنة والتاسعة والعاشرة كما قاله النووي(٢)، وليس
هذا موضع بسطه.
التاسعة: فيه حجة كما قَالَ الخطابي لمن أوجب الحد عَلَى من
وجدت منه رائحة (المسكر) (٢) وإن لم يشاهد شربه ولا شهد عليه
الشهود ولا اعترف به.
(١) هو الإمام الفقيه شيخ الشافعية أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ثم البغدادي
الشافعي تلميذ أبي العباس بن سريج. حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره. من
مصنفاته: كتاب ((المفتاح))، وكتاب ((أدب القاضي))، وكتاب ((المواقيت)) توفي
مرابطًا بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((طبقات الشيرازي)) ص١٢٠، ((الأنساب)) ٢٤/١٠، ((وفيات
الأعيان)) ٦٨/١، ((الوافي بالوفيات)) ٢٢٧/٦، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٧١/١٥.
(٢) انظر: ((المجموع)) ٢٦٣/١-٢٦٦.
(٣) في (ج): السكر.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
العاشرة: (فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع،
وجواب السائل.
الحادية عشرة: فيه أيضًا كما قال الداودي في ((شرحه)): ترك
الاستحياء)(١) في العلم، وأنه وَلي كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي
بوضوء صلوات ما لم يحدث.
ومن تراجم البخاري عليه باب: من لم ير الوساوس ونحوها من
الشبهات، ووجهه أنه نهى عن العمل بمقتضى الوسواس؛ لأن يقين
الطهارة لا يقاومه الشك، ففيه تنبيه عَلَى ترك الوسواس في كل حال،
وأدخله البيهقي في معرفته في باب: عدة زوجة المفقود(٢).
وقد أسلفنا عن البخاري أنه أدخله أيضًا في باب: من لم ير الوضوء
إلا من المخرجين.
واعترض عليه الخطابي فقال: لا معنى للاستدلال به في ذَلِكَ،
ولا في نقض تيمم المصلي، وإن كان قَدْ أولع به أهل الجدل من
أصحابنا؛ لأنه ليس مما قصد بالجواب والسؤال، ولا هو واقع تحت
الجنس من معقول (الباب)(٣).
قَالَ: وكذلك لا معنى للاستدلال فيه بقوله وَله: ((لا يقطع صلاة
المرء شيء))(٤)؛ لأنه إنما ورد في المار بين يدي المصلي، ألا تراه
(١) سقط في (ج).
(٢) ((معرفة السنن والآثار)) ٢٣٦/١١ (١٥٣٨١-١٥٣٨٢).
(٣) وردت في الأصول: (الباد)، والمثبت من ((أعلام الحديث)) للخطابي ٢٢٩/١.
(٤) رواه أبو داود في ((سننه)) (٧١٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠، والبيهقي في ((السنن
الكبرى)) ٢٢٠/١، من حديث أبي سعيد، وقال الألباني في ((ضعيف سنن أبي
داود)) (١١٥): إسناده ضعيف.

٤٩
- ڪِتَابُ الوُضُوءِ
قَالَ فيه: ((وادرأوا ما استطعتم))(١).
قُلْتُ: ونختم الكلام عَلَى الحديث بما روينا عن عبد الرحمن بن
مالك بن مغول(٢) قَالَ: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: شربت
البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت أمرأتي أم لا. فقال له: المرأة امرأتك
حتَّى تستيقن أنك طلقتها.
قَالَ: فتركه ثمَّ جاء إلى سفيان الثوري، فسأله. فقال: أذهب
فراجعها فإن كنت قَدْ طلقتها فقد راجعتها، وإلا فلا تضرك المراجعة.
فتركه وجاء إلى شريك فقال له: اذهب فطلقها ثمَّ راجعها.
فتركه وجاء إلى زفر فسأله فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم
وقصَّ القصة، فقال في جواب أبي حنيفة: الصواب قَالَ لك، وقال في
جواب سفيان: ما أحسن ما قَالَ، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليًّا.
ثمَّ قَالَ: لأضربن لهم مثلًا: رجل مر بمثعب يسيل دمًا، فشك في
ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قَالَ له أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتَّى تستيقن،
وقال سفيان: أغسله فإن كان نجسًا فقد (طهرته)(٣) وإلا فقد زدته
طهارة، وقال شريك: بُل عليه ثمَّ اغسله.
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي ٢٢٩/١.
(٢) هو عبد الرحمن بن مالك بن مغول البجلي أبو بهز من أهل الكوفة يروي عن
عبد الله بن عمر، روى عنه العراقيون وكان ممن يروي عن الثقات المقلوبات، وما
لا أصل له عن الأثبات. ترکه الإمام أحمد بن حنبل.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٤٩/٥، ((المجروحين)) ٦١/٢.
(٣) في (ج): طهر منه.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥ - باب: التَّخْفِيفِ في الوُضُوءِ
١٣٨ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو قَالَ: أَخْبَنٍِ
كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لَ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ: أَضْطَجْعَ
حَثَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَئِبٍ
عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا
كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنَّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ
عَمْرُو وَيُقَلِّلُهُ- وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ
-وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ،
ثُمَّ أَضْطَجَعَ، فَتَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ،
فَصَلَّى وَلْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرِو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَّلَ تَنَامُ عَيْنُهُ، وَلَا يَنَامُ
قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَخِيّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ
أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [انظر: ١١٧ - مسلم ٧٦٣ - فتح: ١ /٢٣٨].
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهُ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ: أَضْطَجَعَ
حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ ثنا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
كُرَيْبٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ نَّهُ مِنَ
اللَّيْلِ، فَلَّمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَِّيُّ وَّهِ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنِّ مُعَلَّقٍ
وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلَّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا
تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ -
فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَضْطَجَعَ، فَنَامَ
حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَاذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ،
فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
تَنَامُ عَيْنُهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ:

٥١
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ .
الكلام عَلَى هذا الحديث من أوجه:
أحدها :
قَدْ أسلفنا في أثناء كتاب العلم قريبًا أن البخاري ذكر هذا الحديث
في مواضع، وهذا ثانيها، وذكر الخطابي عقب ما ساقه البخاري هنا:
وحَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنِي مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن أبيه،
عن ابن عباس وذكر الحديث. قَالَ: ثمَّ قام إلى شَنِّ معلقة، وأخذ
بأذني يفتلها(١)، ولم أر هذا في البخاري هنا.
ثانيها: في التعريف برواته :
وقد سلف التعريف بابن عباس وسفيان بن عيينة، وعلي بن المديني.
وأما كريب: فهو أبو رشدين، كريب بن أبي مسلم المدني الثقة،
روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وعنه ابناه محمد، ورشدين،
وموسى بن عقبة، وخلق. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين. وهو من
أفراد الكتب الستة(٢).
(١) ((أعلام الحديث)) ٢٣١/١.
وهذا الحديث سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد
الحدث وغيره.
(٢) كريب بن أبي مسلم القرشي الهاشمي أبو رشدين الحجازي.
قال عثمان بن سعيد الدرامي: قلت ليحيى بن معين: كريب أحب إليك عن ابن
عباس أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة.
وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل
بعير من كتب ابن عباس. وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب
إليه: أبعث إلي بصحيفة كذا وكذا فينسخها ويبعث إليه إحداهما.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٣/٥، ((التاريخ الكبير)) ٢٣١/٧ (٩٩٤)، =

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما عمرو فهو الإمام أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم مولى ابن
باذام أو باذان المكي، وكان من الأبناء من فرس اليمن(١)، سمع خلقًا
من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر، وله حديث عن أبي هريرة عند
ابن ماجه(٢)، وعنه شعبة والسفيانان والحمادان ومالك وخلق. مات أول
سنة ست وعشرين ومائة عن ثمانين سنة في خلافة مروان(٣).
فائدة :
في الترمذي وابن ماجه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير ضعفوه(٤).
((الجرح والتعديل)) ١٦٨/٧ (٩٥٦)، ((الثقات)) ٣٣٩/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٤/
=
١٧٢ (٤٩٧٠).
(١) انظر: ((التعديل والتجريح)) ٩٧١/٣ للباجي.
(٢) (سنن ابن ماجه)) (٢٣٨٧).
(٣) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي. قال نعيم بن حماد: سمعت ابن
عيينه يذكر عن أبي نجيح، قال: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن
دينار. وقال الحميدي عن سفيان: قلت لمسعر: من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟
قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار.
قال أحمد بن حنبل: عمرو بن دينار أثبت الناس في عطاء. وقال أبو زرعة، وأبو
حاتم، والنسائي: ثقة. زاد النسائي: ثبت.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٧٩/٥، ((التاريخ الكبير)) ٣٢٨/٦
(٢٥٤٤)، ((الجرح والتعديل)) ٢٣١/٦ (١٢٨٠)، ((الثقات)) ١٦٧/٥، ((تهذيب
الكمال)» ٥/٢٢ (٤٣٦٠).
(٤) عمرو بن دينار المصري، أبو يحيى الأعور. قال إسماعيل ابن علية: ضعيف
الحديث. وقال أبو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال
إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث.
وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حجر في ((التقريب)): ضعيف.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٣٢٩/٦ (٢٥٤٥)، ((الجرح والتعديل» ٢٣٢/٦
(١٢٨١)، ((المجروحين)) ٧١/٢، ((الكامل)» ٢٣٤/٦ (١٢٩٧)، ((تهذيب الكمال))
١٣/٢٢ (٤٣٦١)، ((تقريب التهذيب)) ص٤٢١ (٥٠٢٥).

٥٣
= ڪِتَابُ الوُضُوءِ
وأما عبيد بن عمير فهو الليثي قاصُّ مكة، روى عن عمر وغيره. وعنه
ابنه وغيره، وذكر ثابت البناني أنه قصَّ على عهد عمر واستبعد. قَالَ
البخاري: مات قبل ابن عمر سنة أربع وسبعين(١).
فائدة :
في أبي داود عبيد بن عمير مولى ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب،
والصحيح أن بينه وبينه عطاء(٢).
ثالثها :
هذا الإسناد كله من فرسان الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإن
مسلم وابن ماجه لم يخرجا له، وجميعهم ما بين مكي ومدني وبصري،
وابن عباس مكي وأقام بالمدينة أيضًا.
رابعها :
[قوله: فقام رسول الله وَليل من الليل. كذا هو بالقاف، وصوابه:
(١) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن
معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال شهاب بن خراش، عن العوام بن حوشب: رأى ابن
عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بلَّ الحصى بدموعه.
أنظر في ترجمته: ((الطبقات الكبرى)) ٤٦٣/٥، ((التاريخ الكبير)) ٤٥٥/٥
(١٤٧٩)، ((الجرح التعديل)) ٤٠٩/٥ (١٨٩٦)، ((الثقات)) ١٣٢/٥، ((تهذيب
الكمال» ٢٢٣/١٩ (٣٧٣٠).
(٢) عبيد بن عمير مولى ابن عباس، ويقال: مولى أمه أم الفضل، أخو عبد الله بن عمير
وعمر بن عمير.
نروى عن ابن عباس. روى عنه ابن أبي ذئب. قال ابن عساكر: المحفوظ رواية
عطاء عن عبيد الليثي، فأما عبيد بن عمير مولى ابن عباس فغير مشهور. وقال ابن
حجر: مجهول.
انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)» ٢٢٥/١٩ (٣٧٣١)، ((إكمال تهذيب الكمال)»
٠ ٩٨/٩ (٣٥٣٢)، ((تقريب التهذيب)) ص ٣٧٧ (٤٣٨٦).

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فنام، قَالَ صاحب (المطالع)): وهو ما لابن السَّكّنِ وللجماعة: فقام،
والأول أصوب.
(كما في)(١) قوله في الرواية الأخرى: نام حتَّى انتصف الليل أو قبله
بقليل ثمَّ أستيقظ(٢).
خامسها](٣): في لغاته:
الشَّنُ -بفتح الشين - قَالَ أهل اللغة: الشنُّ: القربة الخلق، وجمعه
شنان، وقوله: (شن معلق). ذكره عَلَى إرادة السقاء والوعاء، وفي رواية
للبخاري في كتاب التفسير من ((صحيحه)): معلقة (٤) على إرادة القربة.
وقوله: (في بعض الليل): وقع في بعض النسخ (من) بدل (في)
ويحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون بمعنى: في؛ لقوله تعالى:
﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة.
وقوله: (وضوءاً خفيفًا)، أي: بين وضوءين فلم يكثر، وقد أبلغ،
وقد ذكره البخاري كذلك في كتاب: الدعاء - كما سيأتي إن شاء الله -
وفي أخرى في الوتر: فتوضأ فأحسن الوضوء.
وقوله: (فآذنه) هو بالمد، أي: أعلمه. واليسار: بفتح الياء
و کسرها.
(١) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق، والعبارة كلها ساقطة من الأصل كما سيأتي
بعد تعليق.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحديث وبرقم
(١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر
الصلاة.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت من (ج).
(٤) سيأتي برقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
أَخْزَيْتَهُ﴾.

كِتَابُ الوُضُوءِ
=
سادسها: في فوائده :
وقد تقدم جملة منها في الباب السالف المشار إليه:
منها: أن نومه مضطجعًا لا ينقض، وكذا سائر الأنبياء كما سلف
هناك، فيقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث، ولهذا قَالَ عبيد بن عمير:
رؤيا الأنبياء وحي. يريد أنه منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه
في منامه.
ومنها: مبيت من لم يحتلم عند محرمه، ومنها مبيته عند الرجل مع
أهله، وقد روي أنها كانت حائضًا(١).
ومنها: تواضعه بص له، وما كان عليه من مكارم الأخلاق.
ومنها: صلة القرابة، وفضل ابن عباس.
ومنها: الاقتداء بأفعاله وَله.
ومنها: الإمامة في النافلة، وصحة الجماعة فيها، وقد سلف.
ومنها: أئتمام واحد بواحد.
ومنها: أنتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في ((سننه)(٢).
ومنها: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام كما سلف.
قَالَ ابن بطال: وهو رد عَلَى أبي حنيفة في قوله: إن الإمام إِذَا صلى
مع الرجل واحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه. وهو مخالف لفعل
(٣)
الشارع(٣).
(١) سبق تخريجه.
(٢)
((السنن الكبرى)» ٩٥/٣.
(٣)
(شرح ابن بطال)) ٢٢٧/١.
وهذا القول فيه نظر؛ فمذهب الحنفية أن الإمام إذا كان معه واحد غير أمرأة أنه
يقيمه عن يمينه، وهو الأولى لهذا الحديث، فإن وقف عن يساره جاز مع الكراهة، =

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعن سعيد بن المسيب: إن موقف الواحد مع الإمام عن يساره (١).
وعن أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته(٢).
ومنها: أن أقل الوضوء يجزئ إِذَا أسبغ وهو مرة مرة.
ومنها: تعليم الإمام المأموم.
ومنها: التعليم في الصلاة إِذَا كان من أمرها.
ومنها: إيذان الإمام بالصلاة.
ومنها: قيامه مع المؤذن إِذَا آذنه.
ومنها: الجمع بين نوافل وفرض بوضوء واحد، ولا شك في
جوازه.
وإن وقف خلفه فاختلفوا على قولين: أحدهما: الجواز مع الكراهة، والثاني:
=
الجواز بلا كراهة.
انظر: ((موطأ مالك برواية الشيباني)) ص٧٧، ((الأصل)) ٢٢/١، ((بدائع الصنائع))
١٥٨/١-١٥٩، (شرح فتح القدير)) ٣٥٥/١، ((الاختيار)) ٨١/١، ((تبيين الحقائق))
١٣٦/١، ((البناية)) ٤٠١/٢-٤٠٢، ((البحر الرائق) ٦١٦/١.
وقد رد أيضا هذا القول العيني في ((عمدة القاري)) ٢٣٦/٢ وقال: باطل، وليس
هذا مذهب أبي حنيفة، وابن بطال جازف في كلامه.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٢٩/٢ (٤٩٣٥).
(٢) قلت: عن أحمد روايتان، هذِه أحدهما، وهي الصحيحة في المذهب إذا لم يكن
عن يمين الإمام أحدٌ.
والثانية: أن صلاته صحيحة، وهُذِه الرواية هي اختيار أبي محمد التميمي،
واستظهرها ابن مفلح، وصوبها المرداوي، واختارها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر
السعدي.
انظر: ((المغني)) ٥٠/٣-٥١، ((الفروع)) ٣٠/٢، ((شرح الزركشي)) ٤١٤/١،
((المبدع)) ٨٣/٢، ((الإنصاف)) ٤٢١/٤-٤٢٤، ((كشاف القناع)) ٢٢٠/٣، ((فقه
الشيخ ابن سعدي)) ٢١٩/٢، ((مفردات مذهب الإمام أحمد)» ص١٨٦.

٥٧
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
ومنها: جواز الفريضة بوضوء النافلة. قاله الداودي، وإن كان يجوز
أن يكون نواهما.
ومنها: أن النوم الخفيف لا يجب منه الوضوء. قَالَه الداودي في
((شرحه)) أيضًا، وفيه نظر، فإنه وَل ◌ّ اضطجع، فنام حتَّى نفخ، وهذا
لا يكون في الغالب خفيفًا.
ومنها: الاضطجاع عَلَى الجنب بعد التهجد.
ومنها: اضطجاع ابن عباس قريبًا من مضطجع الرجل مع أهله،
وليس مذكورًا في هذه الرواية، نعم في رواية أخرى في ((الصحيح))
في باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره أنه وُّ اضطجع هو وأهله
في طول الوسادة، واضطجع ابن عباس في عرضها(١).
ومنها: ما استنبطه ابن بطال من قوله: (فنام النبي ◌َّر من الليل، فلما
كان في بعض الليل قام، فتوضأ) أي: فتوضأ بعد نوم نامه، (ثمَّ نام نومًا
آخر وصلى ولم يتوضأ) فدل ذَلِكَ عَلَى اختلاف حاله في النوم، فمرة
استثقل نومًا ولا يعلم حاله، ومرة علم حاله من حدث وغيره(٢)،
ولا يخلو ما ذكره من نظر.
ومنها: أن تقدم المأموم عَلَى إمامه مبطل (٣)؛ لأن المنقول أن الإدارة
(١) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٧/١.
(٣) أعلم أن الفقهاء قد اختلفوا في حكم تقدم المأموم على الإمام على أقوال:
الأول: أن صلاته باطلة.
وهو قول الحنفية، والشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند الشافعية، والمذهب
عند الحنابلة، وهو قول سفيان الثوري.
الثاني: أنها مكروهة.
وهو قول المالكية، ووجه عند الحنابلة، وبه قال الليث، وإسحاق، وأبو ثور، =

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كانت من خلف رسول الله وسلّ لا من قدامه كما حكاه القاضي عياض عن
تفسير محمد بن أبي حاتم، كذا استنبطه بعضهم، ولا يخلو عن نظر، فإنه
يجوز أن تكون إدارته من خلفه؛ لئلا يمر بين يديه، فإنه مكروه.
ومنها: قيام الليل، وكان واجبًا عليه ثمَّ نسخ عَلَى الأصح.
ومنها: المبيت عند العالم؛ ليراقب أفعاله، فيقتدي به وينقلها.
ومنها: طلب العلو في السند، فإنه كان يكتفي بإخبار خالته أم
المؤمنین.
ومنها: أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه ◌َّ لم يتكلم.
ومنها: أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول
عن يُّمين الفاضل، ذكره الخطابي (١).
ومنها: أن النوم بِعْينِهِ ليس بحدث وإنما هو مظنة له، فيعتبر أحواله،
وسيأتي إن شاء الله تعالى غير ذَلِكَ في موضع آخر من المواضع التي
ذكرها البخاري إن شاء الله.
وروي عن الحسن، إلا أن المالكية قالوا: إن الكراهة حيث لا ضرورة.
=
الثالث: أنها جائزة بلا كراهة.
وهو قول الشافعي في القديم، لكن نص متأخروا الشافعية على أن كل مندوب
يتعلق بالموقف فإنه يكره مخالفته، وتفوت به فضيلة الجماعة.
الرابع: أنها تصح في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر.
وهو قول بعض الحنابلة.
انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٣٦/١، ((بدائع الصنائع)) ١٤٥/١، ((مواهب
الجليل)) ٤٣٣/٢، ((الخرشي على مختصر خليل)) ٢٩/٢، ((الفواكه الدواني)) ١/
٢٤٦، ((الحاوي)) ٣٤١/٢، ((الشرح الكبير)) ١٧٢/٢، ((روضة الطالبين)) ٣٥٨/١،
(«الفروع)) ٢٨/٢، ((المبدع» ٨٢/٢.
(١) ((أعلام الحديث)) للخطابي ٢٣١/١.

٥٩
كِتَابُ الوُضُوءِ
=
وأختم الكلام فيه بأمرين :
أحدهما: أنه لم يذكر في هذِه الرواية كيفية التحويل، وقد
اختلفت فيه روايات ((الصحيح»، ففي بعضها: أخذ برأسه فجعله عن
يمينه(١).
وفي بعضها: فوضع يده اليمنىُ عَلَى رأسي، فأخذ بأذني اليمنى
يفتلها (٢)، وفي بعضها: فأخذ برأسي من ورائي (٣)، وفي بعضها:
بيدي أو عضدي (٤).
والرواية الثانية جامعة لهُذِه الروايات، وفي أخذه بأذنه فوائد:
الأولى: تذكره القصة بعد ذَلِكَ؛ لصغر سنه.
ثانيها: نفي النوم عنه لما أعجبه قيامه معه.
ثالثها: التنبيه عَلَى الفهم وهي قريبة من الأولى، ويقال: إن المعلم
إِذَا تعاهد فَتْلَ أُذُن المعلّم كان أذكى لفهمه.
قَالَ الربيع: ركب الشافعي يومًا، فلصقت بسرجه، وهو عَلَى
الدابة، فجعل يفتل شحمة أذني، فأعظمت ذَلِكَ منه حتَّى وجدته عن
ابن عباس، أنه وَّ فعل ذَلِكَ به، فعلمت أنه فعله عن أصل.
(١) سيأتي برقم (٦٩٩) كتاب: الأذان، باب: إذا لم ينو الإمام أن يؤم.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. وبرقم
(٩٩٢) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر. وبرقم (١١٩٨) كتاب: العمل في
الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة. وبرقم (٤٥٧٠) كتاب: التفسير، باب:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وبرقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير،
باب: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلَّلِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
(٣) سيأتي برقم (٧٢٦) كتاب: الأذان، باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام.
(٤) سيأتي برقم (٧٢٨) كتاب: الأذان، باب: ميمنة المسجد والإمام.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الثاني: قَالَ الداودي في ((شرحه)): قول عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء
وحي، ثمَّ تلى الآية. صحيح وليس من هذا الباب، يريد بذلك أن
التبويب عَلَى تخفيف الوضوء فقط، لكن ذكر هذا لأجل ما زاده فيه
من نوم العين دون نوم القلب، فاعلمه.