Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
كتاب العلم
وقيل: علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو؛ لأن اليهود
قالوا: إن فسر الروح فليس بنبي، وهذا معنى قوله: لا تسألوه لا يجيء
فيه بشيء تكرهونه، فقد جاءهم ذَلِكَ؛ لأن عندهم في التوراة كما ذكر
لهم أنه من أمر الله لن يطلع عليه أحد.
وذكر ابن إسحاق أن نفرًا من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا عن
أربع نسألك عنهن، وذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا محمد، أخبرنا
عن الروحِ قَالَ: ((أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل، وهو الذي يأتيني؟))
قالوا: اللَّهُمَّ نعم، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك يأتي بالشدة
وبسفك الدماء، ولولا ذَلِكَ لاتبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَن
كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧](١) وهذا يدل عَلَى أن سؤالهم عن
الروح الذي هو جبريل كما قَالَ بعضهم.
قَالَ أكثر العلماء: وليس في الآية دليل عَلَى أن الروح لا تعلم،
ولا أنه وَل ير لم يكن يعلمها.
فرع:
أما روح ابن آدم فالكلام عليه مما يدق كما قَالَ المازري(٢)، وقد
أفرد بتواليف، وأشهرها ما قاله الأشعري: إنه النفس الداخل والخارج.
وقال القاضي أبو بكر: هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة.
وقيل: جسم مشارك الأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة. وقيل: جسم
لطيف خلقه الباري تعالى، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده،
(١) ((سيرة ابن إسحاق)) ١٨٣/١ وليس بهذا السياق ولكن رواه عنه الطبري في
«تفسيره» ١/ ٤٧٧ (١٦٠٩).
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٤٣٠/٢.

٦٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة.
وهذا الجسم وإن كان حيًّا فلا يحيا إلا بحياة تختص به، وهو مما
يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم،
أو في حواصل طير خضر إلى غير ذَلِكَ مما وقع في الظواهر إلى غيره من
جواهر القلب، والجسم الحياة(١). وقيل: إنه الدم، وذكر بعضهم فيه
سبعين قولًا(٢).
(١) هكذا في الأصول ولعل الكلمة الأخيرة: الحية، وعبارة القاضي في ((الإكمال)) أليق
وأوفق، فقد قال ما نصه: وكونه في مكان من العالم أو حواصل الطير إلى غير ذلك
مما وقع في الظواهر، ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من
جواهر القلب أو الجسم الحية. اهـ انظر: ((إكمال المعلم)) ٣٢٦/٨ - ٣٢٧.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ٣١/٣-٣٤: الروح التي فينا قد
وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء
إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة.
والناس مضطربون فيها؛ فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن،
أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن،
وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج، أو نفس البدن.
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم،
وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخلة في البدن
ولا خارجة، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد
ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة
والحقائق الموجودة في الخارج وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة. وقد يقولون:
إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، وربما قالوا: ليست
داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة
الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية،
التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، قالوا : بل هذا ممكن بدلیل
أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات =

٦٤٣
كتاب العلم
=
= لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان؛ فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ
والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.
واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح -التي تسمى
بالنفس الناطقة عند الفلاسفة- ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس
العناصر والمولدات منها؛ بل هي من جنس آخر مخالف لهذِه الأجناس، فصار
هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك
يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ.
وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل. فإن لفظ
الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي.
فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست
جسما؛ ولهذا يقولون: الروح والجسم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ
أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ نَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ [المنافقون: ٤] وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِى
اٌلْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وأما أهل الكلام: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود. ومنهم من يقول: هو
القائم بنفسه. ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة. ومنهم من يقول:
هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية.
ومنهم من يقول: ليس مركبًا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه، ويقال:
إنه هنا أو هناك؛ فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت -كما
قال: وَر: ((إن الروح إذا خرجت تبعها البصر)) وأنها تقبض ويعرج بها إلى
السماء- كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح.
والمقصود أن الروح إذا كانت موجودة حية، عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد
وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها
وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا. والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته، أو
مشاهدة نظيره.
فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات
فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع أتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته؛ وأهل
العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها . =

٦٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الخامسة: قوله: ((وما أُوتوا مِنَ العِلْم)) كذا جاء في هذِه الرواية،
(وبينه)(١) البخاري بقول الأعمش: هي كذا في قراءتنا، وكذا هو في
أكثر نسخ البخاري ومسلم، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن
الأعمش فرواه وكيع عَلَى القراءة المشهورة ﴿وَمَا أُوتِيتُ﴾ [الإسراء:
٨٥] ورواه عيسى بن يونس عنه (وما أوتوا)(٢) واختلف المحدثون
فيما وقع من ذَلِكَ، فذهب بعضهم إلى إصلاحه عَلَى الصواب؛ لأنه
إنما قصد به الاستدلال عَلَى ما سيق (بسببه)(٣) ولا حجة إلا في
الثابت في المصحف.
وقال قوم: تترك عَلَى حالها وينبه عليها؛ لأن من البعيد خفاء ذَلِكَ
عَلَى المؤلف، ومن نقل عنه وهلم جرا، فلعلها قرئت شاذة. ووهاه
القاضي عياض، نعم لا يحتج به في حكم ولا يقرأ به في صلاة.
قَالَ: واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادًا ومنه القراءة الشاذة
كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي (٤) وأثبته
= فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدًا معطلًا لها، ومن مثلها بما يشاهده من
المخلوقات جاهلًا ممثلًا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات،
مستحقة لما لها من الصفات: فالخالق -28- أولى أن يكون من نفى صفاته
جاحدًا معطلًا، ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا، وهو -38- ثابت بحقيقة
الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات.اهـ
(١) كذا في الأصل، وفي (ج): ونبه.
(٢) مسلم (٣٢/٢٧٩٤-٣٣) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي وَل
عن الروح.
(٣) في (ج): له.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقل الإسنوي احتجاج الشافعي بالقراءة الشاذة، في
ثلاثة أماكن من ((الأم)) وكذا ذكر عن غيره من أساطين مذهبه، وعزى إلى الإمام أنه
نقل أن الشافعي لا يحتج بها، فلتراجع من ((التمهيد» له.اهـ
=

٦٤٥
=
- كتاب العلم
أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين كما نقل (عن)(١)
مصحف ابن مسعود من قراءة: (ثلاثة أيام متتابعات)(٢) وبقول
الشافعي قَالَ الجمهور، واستدلوا لَّهُ بأن الراوي لَهُ إن ذكره عَلَى أنه
قرآن فخطأ، وإلا فهو متردد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا لَهُ، فلا يكون
حجة بالاحتمال، ولا خبرًا؛ لأن الخبر ما صرح به الراوي فيه
بالتحديث، فيحمل عَلَى أنه مذهب له.
وقال أبو حنيفة: إِذَا لم يثبت كونه قرآنًا، فلا أقل من أن يكون خبرًا.
وجوابُه: أن الراوي لم يأت بها عَلَى وجه الخبر(٣).
السادسة: قَالَ المهلب: هذا يدل عَلَى أن من العلم أشياء لم يطلع
الله عليها نبيًا ولا غيره، أراد تعالى أن يختبر بها خلقه فيوقفهم عَلَى
العجز عن علم ما لا يدركون حتَّى يضطرهم إلى رد العلم إليه،
ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾
[البقرة: ٢٥٥] فعلم الروح مما لم يشأ الله تعالى إطلاع أحد من خلقه
علیه.
قلت: الذي وقع في ((التمهيد)) خلاف ذلك، قال الإسنوي: فقد نص الشافعي في
=
موضعين من ((مختصر البويطي)) على أنها حجة ذكر ذلك في باب: الرضاع،
وباب: تحريم الحج. أنظر: ((التمهيد)) للإسنوي ص ١٤١ - ١٤٣.
(١) في (ج): في.
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) ٣١/٥ (١٢٥٠٣)، ((الدر المنثور» ٥٥٥/٢.
(٣) أنظر: ((زاد المسير)) ٤١٥/٢، ((لباب المحصول)) لابن رشيق المالكي ٢٧٣/١ -
٢٧٤، ((أصول السرخسي)) ٢٩١/١-٢٩٣، ((مختصر التحرير)) لابن النجار
ص٩٨، ((إرشاد الفحول)) للشوكاني ص ٦٣ -٦٤، ((مذكرة في أصول الفقه))
ص ٦٧ - ٦٨.

٦٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٨- باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاخْتِيَارِ
مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ،
فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
١٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ
قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ في الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ:
قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابن الزُّبَيْرِ:
بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ
يَخْرُجُونَ)». فَفَعَلَهُ ابن الزُّبَيْرِ. [١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣ - مسلم:
١٣٣٣ - فتح: ٢٢٤/١]
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَىْ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ
الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا
حَدَّثَتْكَ فِ الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يَا عَائِشَةُ، لَوْلًا
قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابنِ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ - لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ،
فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنٍ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْه)). فَفَعَلَهُ عبدُ
الله بْنُ الزُّبَيْرِ.
الكلام عليه من أوجه :
أحدها :
هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الحج، والتمني عن مسدد،
عن أبي الأحوص (عن أشعث(١)، و[مسلم] (٢) في المناسك: عن
(١) سيأتي برقم (١٥٨٤) باب: فضل مكة وبنيانه، وبرقم (٧٢٤٣) باب: ما يجوز من
اللوِّ.
(٢) ساقطة من الأصل، والصواب إثباتها، وانظر ((التحفة)) ٣٧٥/١١ (١٦٠٠٥).

٦٤٧
- كتاب العلم
سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث، وعن أبي بكر، عن
عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود)(١)
وأخرجه من حديث عروة (٢)، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه:
سمعت عائشة(٣).
وأخرجه مسلم فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان(٤)، بَيْنَمَا هُوَ
يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابن الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ.
يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ
بِالْكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ. فَإِنَّ قَوْمَكِ آَقَتَصَّرُوا فِي
البِنَاءِ)). فَقَالَ الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هُذا يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُها تُحَدِّثُ بهذا. قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ
أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُهُ عَلَىْ مَا بَنَى ابن الزُّبَيْرِ (٥).
وفي بعض طرق حديث الأسود: أن ابن الزبير قَالَ له: ما نسيت
أذكرك. وهُذِه الرواية تدل عَلَى أن ابن الزبير سمعه من عائشة بغير
واسطة، وقد سلف، لكنه أراد أن يثبت ذَلِكَ رواية غيره عن عائشة
لیرد به (على من)(٦) يتكلم علیه.
وللبخاري في الحج من حديث الأسود: ((لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ
عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ،
(١) ساقطة من (ج). رواهما مسلم (٤٠٥/١٣٣٣، ٤٠٦) كتاب: الحج، باب: جدر
الكعبة وبابها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٥)، (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة.
(٣) رواه مسلم (١٣٣٣ / ٤٠٢).
(٤) وقع في الأصل، (ج) بعد مروان: وان.
(٥) مسلم (٤٠٤/١٣٣٣) كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها.
(٦) في (ج): عمن.

٦٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ))(١). وفي حديث عروة: ((لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ
عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ
بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنٍ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ
إِبْرَاهِيم). فَذَلِكَ الذِي حَمَلَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى هَذْمِهِ.
قَالَ يَزِيدُ راوي الحديث: وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ
فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. وفيه
أنه حزر مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُع أَوْ نَحْوَهَا (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما الأسود (ع) فهو أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن
عبيد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن ذهل بن بكر بن عوف
النخعي التابعي الجليل الثقة الحبر، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن
أخي علقمة بن قيس، وهو أسن من علقمة، وهو أيضًا خال إبراهيم
النخعي.
روى عن عائشة وغيرها من الصحابة. وعنه أبو إسحاق وغيره، سافر
ثمانین حجة وعمرة ولم یجمع بينهما، وكذا ولده عبد الرحمن، وقيل:
إنه كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته
اجتهادًا، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمون آل الأسود من أهل الجنة.
مات سنة خمس وسبعين، وقيل: أربع(٣).
(١) سيأتي برقم (١٥٨٤) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٣) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. قال الإمام أحمد: ثقة، من أهل الخير. وقال
إسحاق، عن يحيى: ثقة. قال محمد بن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة.
=

٦٤٩
كتاب العلم
فائدة :
في الصحيحين الأسود جماعة غير هذا، منهم الأسود بن عامر
شاذان(١).
وأما إسرائيل فهو أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي الهمداني الثقة -وخالف ابن المديني فضعفه- سمع جده
وغيره، وعنه شبابة وغيره، قَالَ يحيى: هو أقرب حديثًا، وشريك
أحفظ. ولد سنة مائة، ومات سنة ستين ومائة. وقيل: سنة إحدى.
وقيل: سنة اثنتين وستين(٢).
= انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٧٠/٦، ((الجرح والتعديل)) ٢٩١/٢
(١٠٦٧)، ((تهذيب الكمال)) ٢٣٣/٣ (٥٠٩).
(١) هو الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي نزيل بغداد روى عن حماد بن
سلمة وحماد بن زيد وشريك بن عبد الله وإسرائيل بن يونس وغيرهم. قال أبو حاتم
عن علي بن المديني: ثقة، وقال ابن سعد: كان صالح الحديث، وقال أحمدبن
حنبل: ثقة. مات سنة ثمان وستين.
انظر ترجمته في: ((الطبقات)) ٣٣٦/٧، ((الجرح والتعديل)) ١/١ (٩٤)، ((تاريخ
بغداد)» ٤٤٨/١ (١٤٣١)، ((تهذيب الكمال)) ٢٢٦/٣ (٥٠٣).
(٢) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي. قال عبد الرحمن بن مهدي
عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ
السورة.
قال أبو طالب: سئل أحمد: أيهما أثبت شريك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل كان
يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك. قلت: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في
أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب.
وقال ابن حجر: وهو كما قال ابن معين، فتوجه أن كلام يحيى القطان محمول
على أنه أنكر الأحاديث التي حدثه بها إسرائيل عن أبي يحيى، فظن أن النكارة
من قبله، وإنما هي من قبل أبي يحيى كما قال ابن معين، وأبو يحيى ضعفه
الأئمة النقاد، فالحمل عليه أولى من الحمل على من وثقوه والله أعلم، احتج به =

٦٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
ثالثها: في فوائده:
فيه: ترك شيء من الأمر بالمعروف، إِذَا خشي منه أن يكون سببًا
لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه، وترك المصلحة
المعارضة مفسدة أشد منها، فخشي وَله أن تنكر ذَلِكَ قلوبهم لقرب
عهدهم بالكفر، ويظنون أنه فعل ذَلِكَ لينفرد بالفخر، وعظم هدمها
لدیھم.
وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن
يجعل الحجر الأسود، فحكَّمُوا أول رجل يطلع عليهم، فطلعَ النبي
وَالّر، فرأى أن يحمل الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف
الثوب، فرضوا بذلك(١). ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية
أن ينفرد بالفخر.
فلما ارتفعت الشبهة فعل فيه ابن الزبير ما فعل، فجاء الحجاج فردّه
كما كان، وتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس به، فيكثر هدمه
وبنيانه، فتذهب هيبته من صدور الناس، كما قاله الإمام مالك لما
سأله عن ذَلِكَ هارون الرشيد(٢).
وفيه: أن النفوس تُساس بما تُساس إليه في الدين من غير الفرائض
بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها كما قررناه.
= الأئمة كلهم.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٥٦/٢ (١٦٦٩)، ((الجرح والتعديل)) ٣٣٠/٢
(١٢٥٨)، ((تاريخ بغداد)» ٢٠/٧ (٣٤٨٨)، ((تهذيب الكمال)) ٥١٥/٢ (٤٠٢).
(١) رواه ابن إسحاق في (سيرته)) ص ٨٧ (١١٣)، والأزرقي في ((أخبار مكة)) ١٥٩/١.
(٢) أنظر: ((التمهيد)) ٥٠/١٠.

٦٥١
كتاب العلم
فائدة :
بنيت الكعبة مرات، الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ قريش في الجاهلية،
وحضر النبي # هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين - وقيل: خمس
وعشرين- وفيه سقط عَلَى الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير،
ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمر، وقيل: مرتين أخريين أو ثلاثًا.
فائدة أخرى:
استدل أبو محمد الأصيلي فيما حكاه ابن بطال من هذا الحديث في
مسألة من النكاح، ذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم وكان فيه ميل
إلى الصبا، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني، فمال إليه الوصي،
وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه،
ورفع ذَلِكَ إلى القاضي، وشاور فقهاء وقته، فكلهم أفتى أن لا تزوج
من ابن عمها، وأفتى الأصيلي أن تزوج منه خشية أن يقعا في
المكروه، استدلالًا بهذا الحديث، فزوجت منه(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٦/١.

٦٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٩ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمِ
كَرَاهِيَةً أَنْ لَا يَفْهَمُوا
وَقَالَ عَلِيٍّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ
اللهُ وَرَسُولُهُ؟
١٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَغْرُوفٍ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِيِ الطَّفَيْلِ، عَنْ
عَلِّ بِذَلِكَ. [فتح: ١ / ١٢٧].
١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي،
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ وَمُعَاذٌ رَدِيقُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:
(يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَل)). قَالَ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((يَا مُعَاذُ). قَالَ: لَبَيْكَ
يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًّا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَفَلَا أخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذَا يَتَّكِلُوا)). وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذْ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَمَا.
[١٢٩ - مسلم: ٣٢ - فتح: ٢٢٦/١]
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسًا
قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ لِعَاذِ: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِلُكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ)).
قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا)). [انظر: ١٢٨ - مسلم ٢:٣-
فتح: ٢٢٧/١]
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ ﴾ قال:
حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (ثَنَا)(١) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:
(١) في (ج): أخبرنا.

٦٥٣
= كتاب العلم
(يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَل)). قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((يَا مُعَاذُ)).
قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَّسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلاثًا، قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ
لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى
النَّارِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذَا
يَتَّكِلُوا)). وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا
قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ لِمُعَاذٍ: (مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِلُكُ بِهِ شَيْئًا
دَخَلَ الجَنَّةَ)). قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا، أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا)).
الكلام عَلَى هذه الأحاديث:
أما حديث علي فالكلام عَلَى إسناده ثمَّ متنه.
أما إسناده: فعلي ﴾ه سلف.
وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة، وقيل: عمرو بن عبد الله بن عمرو بن
جحش بن جري بن سعد بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي.
ولد عام أحد، كان يسكن الكوفة، ثمَّ سكن مكة إلى أن مات. وعن
سعيد الجريري، عن أبي الطفيل قَالَ: لا يحدثك أحد اليوم في وجه
الأرض أنه رأى النبي ◌َّل غيري.
وکان من أصحاب علي المحبين له، وشهد معه مشاهده كلها، وكان
ثقة مأمونًا، يعترف بفضل الشيخين، فاضلاً بليغًا عاقلا شاعرًا محسنًا.
قَالَ ابن عبد البر في ((كناه)): وكان فيه تشيع. قَالَ: وكان من
(كبار)(١) التابعين. روي لَهُ عن النبي ◌َّهُ تسعة أحاديث، وهو آخر من
مات من الصحابة عَلَى الإطلاق كذا قاله غير واحد.
(١) كذا في الأصل، وفي (ج): أكابر.

٦٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لكن ذكر ابن دريد في كتاب ((الاشتقاق الكبير)): عكراش بن ذؤيب
(ت. ق)، وقَالَ: لقي النبي ◌َّر، وله حديث، وشهد الجمل مع عائشة.
فقال الأحنف: كأنكم به، وقد أتي به قتيلًا أو به جراحة لا تفارقه حتَّى
يموت، فضرب يومئذ عَلَى جهة أنفه، فعاش بعدها مائة سنة(١). وأثر
الضربة به(٢). فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة.
وأبو الطفيل أكثرهم لا يُثْبِتِ لَّهُ صحبة، إنما يذكرون لَهُ رؤية،
والبخاري أخرج لَهُ هنا هذا الأثر خاصة عن علي، وأخرج لَهُ مسلم
في الحج(٣)، وصفة النبي ◌َّلي(٤)، وعن معاذ وغيره من الصحابة،
وروى لَهُ أيضًا الأربعة، مات سنة عشر ومائة عَلَى الصحيح بمكة(٥).
وأما معروف (خ م د ق) فهو ابن خربوذ المكي مولى قريش روى عن
أبي الطفيل وغيره. وعنه عبيد الله بن موسى وغيره، وروى لَهُ مسلم وأبو
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بعض أشياخنا: وهذا باطل لا أصل له،
والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة في ((المعارف)) وهو إما باطل أو مثول بأنه
استكمل بعد الجمل مائة سنة. وصحح الذهبي في ((الوفيات)) أنه توفي سنة عشر و
مائة، وكذا في «الكاشف» له.اهـ
قلت: أنظر: ((المعارف)) لابن قتيبة ص ٣١٠، ((الكاشف)) للذهبي ٥٢٧/١.
وقد أورد هذا التعليق الناسخ في ((حاشيته على الكاشف)) ٣٢/٢، وأشار إلى أن
القائل من شيوخه هو الحافظ زين الدين العراقي.
(٢) ((الاشتقاق الكبير)) ص٢٤٩.
(٣) مسلم (١٢٦٤، ١٢٦٥)، باب: استحباب الرمل في الطواف، (١٢٧٥) باب:
جواز الطواف على بعير وغيره ...
(٤) مسلم (٢٣٤٠) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي ◌َّو أبيض مليح الوجه.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: وصحيح الذهبي في ((الوفيات)) أنه توفي سنة عشر
ومائة. وكذا في ((الكاشف)) اهـ وانظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٢/
٢٤١ (٧٥١)، ((الاستيعاب)) ٣٤٧/٢ (١٣٥٢)، ((أسد الغابة)) ١٤٥/٣ (٢٧٤٥)،
((الإصابة)) ٢٦١/٢ (٤٤٣٦).

٦٥٥
- كتاب العلم
داود وابن ماجه، وضعفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يكتب
حدیثه(١).
وأما عبيد الله هو ابن موسى وقد سلف.
وأما متنه: فمعناه أنه ينبغي أن يحدث كل أحد عَلَى قدر فهمه،
ولا يحدثه بما يُشتبه عليه، فيذهب في معناه إلى غير ما أريد به، وقد
ذكر مسلم في مقدمة ((صحيحه)) بإسناده الصحيح إلى ابن مسعود
قَالَ: ((مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ
فِتْنَةٌ))(٢).
وأما حديث أنس، عن معاذ فالكلام عليه أيضًا من وجهين:
أحدهما: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به.
أما معاذ (ع) بن جبل هو الخزرجي النجيب، جمع القرآن في حياته
وَ*، كان يشبه بإبراهيم، كان أمة قانتا لله حنيفًا. مات بالأردن سنة ثماني
عشرة (٣).
وأما معاذ (ع) بن هشام فهو الدستوائي البصري سكن ناحية من
(١) معروف بن خربوذ المكي، مولى عثمان، ويقال عن ابن عيينة: إنه معروف بن
مشكان، وذلك وهم. قال عبيد بن معاذ الحنفي عن معروف بن خربوذ مولى
عثمان: كنت أتكلم في القدر فأتيت جعفر بن علي فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ
السلام. وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، وكان أخباريًا علامة.
انظر: ((التاريخ الكبير)) ٤١٤/٧ (١٨١٦)، ((معرفة الثقات)) ٢٨٧/٢ (١٧٥٨)،
((الجرح والتعديل)) ٣٢١/٨ (١٤٨١)، ((الثقات)) ٤٣٩/٥، ((تهذيب الكمال)» ٢٨/
٢٦٣ (٦٠٨٦)، ((تقريب التهذيب)) ص ٥٤٠ (٦٧٩١).
(٢) أنظر: مقدمة ((صحيح مسلم)) ٩/١.
(٣) أنظر ترجمته في ((الاستيعاب)) ٤٥٩/٣ (٢٤٤٥)، («أسد الغابة)) ١٩٤/٥ (٤٩٥٣)،
((الإصابة)) ٤٢٦/٣ (٨٠٣٧).

٦٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
اليمن، ومات بالبصرة سنة مائتين. روى عن أبيه وابن عون، وعنه
أحمدوغيره، قَالَ ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وعنه أيضًا، وقد
سئل: أهو أثبت في شعبة أو غندر؟ فقال: ثقة، ثقة. وقال ابن عدي:
ربما يغلط في الشيء وأرجو أنه صدوق(١)، وأما والده فسلف في
باب: زيادة الإيمان ونقصانه.
وأما إسحاق بن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) فهو الإمام أبو يعقوب
إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر
المروزي، أمير المؤمنين، الإمام المجمع عَلَى جلالته وعلمه وفضله
وحفظه.
روى عنه مَنْ عدا ابن ماجه، وبَقِيَّةُ شيخُه، وخَلْق من آخرهم السراج.
وروى عن جرير، ومعتمر، ومعاذ، وطبقتهم. وُلِدَ أبوه بطريق مكة
فقالت المراوزة: راهوي؛ لأنه ولد في الطريق، والطريق بالفارسية:
راه، وكان يكره هذا النعت(٢).
أملى مسنده من حفظه، وأملى مرة أحد عشر ألف حديث من
حفظه، ثمَّ قرئت عليه فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا، وعنه قَالَ:
(١) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر.
قال أبو أحمد بن عدي: ولمعاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة حديث كثير، ولمعاذ
عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو ربما يغلط في الشيء، بعد الشيء، وأرجو أنه
صدوق، وقال ابن حجر في مقدمة ((الفتح)): لم يكثر له البخاري واحتج به الباقون.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٣٦٦/٧ (١٥٧٢)، «الجرح والتعديل) ٢٤٩/٨
(١١٣٣)، ((الثقات)) ١٧٦/٩-١٧٧، ((الكامل)) ١٨٧/٨ (١٩١٣)، ((تهذيب
الكمال» ١٣٩/٢٨ (٦٠٣٨)، ((مقدمة فتح الباري)) ص٤٤٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قوله: (وكان يكره هذا النعت) أي: أبوه، وأما
هو فلا یکره ذلك.

٦٥٧
== كتاب العلم
أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها. وأحفظ سبعين ألف حديث
عَلَى ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة؛ لأفليها من
الأحاديث الصحيحة. وثناء الحفاظ عليه مشهور.
وقال أبو داود: تغير قبل موته بخمسة أشهر، وأنكر عليه غيره زيادته
في حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن
ميمونة دون أصحاب الزهري: ((وإن كان ذائبًا (لما)(١) تقربوه))(٢) ويجوز
أن یکون الخطأ من بعد إسحاق، وكذا حديث أنس روی فیه جمع التقدیم
بين الظهر والعصر، والذي في الصحيحين جمع التأخير.
ولد سنة إحدى وستين ومائة وقيل: سنة ست ومات في شعبان سنة
ثماني وثلاثين ومائتين بنيسابور عن سبع وسبعين سنة.
فائدة: أخرج البخاري هنا لإسحاق بن راهويه. قَالَ أبو علي
الجياني: وفي موضعين في الصلاة، وفي الأنبياء وشهود الملائكة،
وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي كتاب
النبي سير إلى قيصر وكسرى، وتفسير براءة والممتحنة، والذبائح،
والاستئذان: حَدَّثَنَا إسحاق، ثنا يعقوب.
نسبه ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم بن
راهويه، وجاء منسوبًا عند الأصيلي، وابن السكن في الفتيا وهو
واقف عَلَى الدابة: حدثنا إسحاق بن منصور، أنا يعقوب بن إبراهيم،
ثنا أبي، عن صالح. وفي: حج الصبيان، نسبه الأصيلي أيضًا:
إسحاق بن منصور.
(١) كذا في الأصل، (ج). والذي في (ف)، و((صحيح ابن حبان)): فلا.
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ٢٣٤/٤ (١٣٩٢) من طريق إسحاق بن إبراهيم.

٦٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قَالَ الكلاباذي : إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور یرویان عن
يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري(١).
ثانيهما: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: قوله: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَل) أما (ابن) فمنصوب قطعًا(٢) ويجوز
في معاذ النصب والرفع، واختار ابن الحاجب النصب عَلَى أنه (تابع
لـ(ابن) فيصيران)(٣) كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل،
والمنادى المضاف منصوب قطعًا، واعترضه ابن مالك فقال: الأختيار
الضم؛ لأنه منادى علم ولا حاجة إلى إضمار.
الثانية: (لبيك): مشتق من لب يقال: لب بالمكان لبًا وألب إلبابًا إِذَا
أقام به، وبني؛ لأن معناه إجابة بعد إجابة كما قالوا: حنانيك. أي:
رحمة بعد رحمة.
قَالَ الأزهري: ومعنى لبيك: أنا مقيم عَلَى طاعتك، إقامة بعد
إقامة، أصلها لبين فحذفت النون للإضافة. قَالَ الفراء: نصبت عَلَى
المصدر (٤)، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا.
الثالثة: الرديف: الركوب خلف الدابة. قَالَ ابن سيده: ردف الرجل
وأردفه وارتدفه: جعله خلفه عَلَى الدابة، ورديفك: الذي يرادفك،
والجمع: رُدَفاء ورُدَافى، والرديف: الراكب خلفك، والرداف:
موضع مركب الرديف(٥).
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٦٢/٣ - ٩٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: يجوز فيه الضم، ذكره ابن مالك ... ومثله فاعلمه.
(٣) كذا في الأصول، والمعنى لا يستقيم، ولعل الصواب: على أنه مع ما بعده كاسم
واحد. انظر: ((فتح الباري)) ٢٢٦/١.
(٤) (تهذيب اللغة)) ٣٢٢٤/٤.
(٥) ((المحكم)) ١٠/ ٢٧.

٦٥٩
- كتاب العلم
وفي ((الصحاح)): كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه (١). وفي ((مجمع
الغرائب)): ردفته ركبت خلفه. وأردفته: أركبته خلفي. وفي ((جامع
القزاز)): أنكر بعضهم الرديف، وقال: إنما هو الردف، وحكي:
ردفت الرجل وأردفته إِذَا ركبت وراءه، وإذا جئت بعده.
وأرادف الملوك في الجاهلية: هم الذين كانوا يخلفون الملك
كالوزراء. وعند ابن حبيب: يركب مع الملك عديله أو خلفه، وإذا قام
الملك جلس مكانه، وإذا سقي الملك سقي بعده. وقد جمع ابن منده
أرداف النبي ◌َ * فبلغوا نيفًا وثلاثين رديفًا.
الرابعة: إن قُلْت: أخبر الشارعِ وَ﴿ أنه إِذَا قَالَ ذَلِكَ حرم عَلَى
النار، ومظالم العباد لا تسقط إجماعًا، وأيضًا من خلط، ففعل
المحرم وضيع ما وجب، تحت المشيئة، فكيف يجمع بين ذلك؟
قُلْتُ: بوجوه :
أحدها: أن الأول قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. قاله سعيد بن
المسیب وجماعة.
ثانيها: أن ذَلِكَ لمن قالها وأدى حقها وفرائضها، قاله الحسن.
ثالثها: أن ذَلِكَ لمن قالها عند الندم والتوبة ومات عليها وهو قول
البخاري، كما سيأتي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
رابعها: أن المراد حرم عليه الخلود؛ لقوله: ((أَخْرِجُوا مِن النار مَنْ
فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)) (٢) وهذا فيه قوة.
(١) ((الصحاح)) ١٣٦٣/٤.
(٢) سبق برقم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
وسيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار.

٦٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الخامسة: قوله: ((إِذَّا يَتَّكِلُوا)) فيه تخصيص قوم بالعلم إِذَا أمن منهم
الاتكال والترخص دون من لم يأمن منهم، وهو معنى قول البخاري:
كراهية أن لا يفهموا أي: فيعملوا بالإطلاق ويتركوا التقييد.
السادسة: قوله: (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) هو بفتح التاء
المثناة فوق، ثمّ همزة مفتوحة أيضًا، ثمَّ مثلثة أي: فعل فعلًا خرج به
عن الإثم، وقد سلف الكلام عَلَى هذِه (المادة)(١) فيما مضى عند
قوله: (والتحنث: التعبد) وتأثمه: أنه كان يحفظ علمًا، فخاف فواته
بموته، فخشي أن یکون ممن كتمه.
وأما حديث أنس فسلف التعريف برواته غير معتمر ووالده.
أما مُعتمر (ع) فهو ابن سليمان بن طرخان التيمي البصري لم يكن
من بني تيم، بل كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه،
ومنصور وغيرهما. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان ثقة صدوقًا رأسًا في
العلم والعبادة كأبيه. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين
ومائة ويقال: كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة(٢).
وأما والده فهو أبو المعتمر سليمان (ع) التيمي، نزل فيهم بالبصرة،
لما أخرج لأجل الكلام في القدر، وكان من السادة، ومناقبه جمة، سمع
(١) في (ج): المسألة.
(٢) معتمر بن سليمان قيل: إنه كان يلقب بالطفيل. قال إسحاق بن منصور، عن
يحيى بن معين: ثقة. قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال عمرو بن علي، عن معاذ بن
معاذ: سمعت مرة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا دون سليمان التيمي.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٠/٧، ((التاريخ الكبير)) ٤٩/٨ (٢١١٠)،
(معرفة الثقات)) ٢٨٦/٢ (١٧٥٥)، ((الجرح والتعديل)) ٤٠٢/٨ (١٨٤٥)،
«تهذيب الكمال)) ٢٨/ ٢٥٠ (٦٠٨٠).