Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب العلم
العاشرة: قوله: ((فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا)) كذا جاء هنا، وفي
كتاب التفسير(١) ومسلم(٢): (بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا)) وهي الصواب
لقوله: (فلما أصبح)) وفي رواية: ((حتَّى إِذَا كان من الغد))(٣) قَالَ
النووي: وضبطوه، -يعني: في مسلم - بنصب (ليلتهما)) وجرها (٤).
الحادية عشرة: قوله: (﴿فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾﴾ [الكهف: ٦٤]
أي: يقصان قصصا، أي: فرجعا يقصان آثارهما حتَّى أتيا الصخرة،
وفي مسلم: ((فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وصف لي)»(٥) وفيه:
(«فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائمًا يصلي عَلَى طنفسة خضراء عَلَى كبد
البحر))(٦) أي: وسطه، وفي البخاري: ((فلما انتهى إلى الصخرة إِذَا
رجل مسجى بثوب، أو قَالَ: تسجى بثوبه))(٧) أي: مغطى به كله
کتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه. كما جاء في رواية أخرى له:
«قَدْ جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى،
فکشف الخضر عن وجهه)»(٨).
الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) قَالَ
عياض: تجيء أنَّى بمعنى: أين ومتى وحيث وكيف، قَالَ: وهذا يدل
(١) رقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَـ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَا أَبْرَحُ حَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.
(٢) مسلم (٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر الثقيلة.
(٣) وهي رواية البخاري السابقة رقم (٤٧٢٥).
(٤)
((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٣٨/١٥.
(٥) مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر القليلة.
(٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦)، ولم أجد هذا اللفظ عند مسلم.
(٧) حديث الباب.
(٨) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا لَيسِيَا

٦٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عَلَى أن السلام لم يكن معروفًا عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء،
أو كان موضع بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام(١).
الثالثة عشرة: معنى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: إنك
سترى شيئًا ظاهره منكر ولا تصبر عليه، ((يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٌ مِنْ
عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُه أنا)). وفي
رواية أخرى لَهُ: ((: فَمَا شَأْنُكَ؟ وَأَنَّ الوَحْيِّ يَأْتِيكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي
عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ)) (٢)
ولم يسأله موسى عن شيء من دينه؛ لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من
دينها التي تعبدت به أمتها، وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما
ذكر في السورة.
الرابعة عشرة: (السفينة) فعيلة بمعنى: فاعلة كأنها تسفن الماء، أي
تقشره.
و(النول) : -بالواو- والمنال والمنالة كله: الجُعل، وأما النيل
والنوال: فالعطية ابتداءً، يقال: رجل نال إِذَا كان كثير النوال، كما
قالوا: رجل مال أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولًا،
ونلت الشيء أناله نيلًا.
وقال صاحب ((العين)): أنلته المعروف ونلته ونولته، والاسم
النول والنيل يقال: نال ينال منالًا ومنالة(٣)، والنولة (٤): اسم
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٧١/٧ -٣٧٢ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: بلغ في السادس
بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُونَهُمَا﴾.
(٣) ((العين)) ٣٣٣/٨، مادة: (نول).
(٤) في (ج): والنيلة.

٦٢٣
كتاب العلم
=
للقبلة(١). و((العصفور)): بضم العين.
الخامسة عشرة: قوله: ((فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي
وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّ كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ)) أعلم أن لفظ
النقص هنا لَيَس عَلَى ظاهره؛ فإنَّ علم الله لا يدخله الزيادة
ولا النقصان، وإنما هذا عَلَى جهة التمثيل.
والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر
العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئًا
وهذا كقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ﴾(٢) الآية
[الكهف: ١٠٩].
قَالَ القاضي عياض: أو يرجع ذَلِكَ في حقهما أي: ما نقص علمنا
مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري:
((ما علمي وعلمك في جنب علم الله (-أي: معلومه- إلا كما أخذ هذا
العصفور)) وقال بعضهم أن ((إلا)) هنا بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص
(١) أنظر: ((لسان العرب)) ٤٥٨٣/٣، مادة: (نول).
(٢) قال شيخ الإسلام في ((الفتاوى الكبرى)) ٣٦٩/١ - ٣٧٠: ومن المعلوم أن علم الله
القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك
إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار العصفور إلى البحر، ومن هذا الباب كون العلم
يورث كقوله: ((العلماء ورثة الأنبياء)). ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل:
١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن
كان العلم الأول ثابتًا، كما قال سعيد بن المسيب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعًا
سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال: نزفتني يا أعمى.
وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو
تعلم جميع علم سعيد لم يُزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب. اهـ

٦٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
علمي وعلمك من علم الله)(١) ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر
لما تقدم من أن علم الله تعالى لا ينقص بحال، ولا حاجة إلى هذا
التكلف؛ لما بيناه من التمثيل (٢).
السادسة عشرة: قوله: ((فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْح مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ
فَنَزَعَهُ)) قَالَ المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري:
(فوَتَّدَ فِيهَا وَتِدًا))(٣)، وفيه: (فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ به)).
السابعة عشرة: في خرقه السفينة - كما قَالَ القاضي- مخافة أخذ
الغاصب، حجة للنظر في المصالح ودفع أخف الضررين، والإغضاء
عَلَى بعض المنكرات مخافة أن يتولد من عدم (تغييرهما)(٤) ما هو
أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام
لسمنها، وقطع بعض آذانها للتمييز (٥).
الثامنة عشرة: قوله: (فَعَمَدَ)) هو بفتح العين والميم، يقال: عَمَد
بفتح الميم في الماضي، يعمد بكسرها في المستقبل.
التاسعة عشرة: معنى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي:
غفلتُ، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسيانًا. وفي البخاري:
(فكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا)) وفي موضع آخر منه: (وَ الْوُسْطَى
شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا)) وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٧٧.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا
حُوتَهُمَا﴾.
(٤) كذا في الأصل، (ج)، والأولى: تغييرها.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٧٢.

٦٢٥
- كتاب العلم
الثانية فلم يعتذر(١).
العشرون: معنى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِ﴾ [الكهف: ٧٣]: لا تغشني(٢)،
وقيل: لا تلحق بي وهمًا، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح
رهقًا بالتحريك إِذَا غشيه، وأرهقته: كلفته ذَلِكَ، يقال: لا ترهقني
لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله.
الحادية بعد العشرين: قوله: ( ((فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ
الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ))) وجاء فيه في بدء الخلق: ((فَأَخَذَ
الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ بيده هكذا))(٣) وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه
يقطف شيئًا، وفيه في التفسير: ((فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ
أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا مَعَ الغِلْمَانِ فَاقْتَلَعَ رأسه فَقَتَلَهُ)) (٤). وجاء: ((فوجَدَ
غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيقًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكَّينِ))(٥).
وقال الكلبي : صرعه ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله، فقال له موسى:
﴿أَقََّلْتَ نَفْسًا زَّبِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة. وفي مسلم: ((فَذُعِرَ مُوسَى
(ذَعْرَةَ مُنْكِرٍ)(٦) عندها)). وفيه أيضًا: ((وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا،
وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرََكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا))(٧)،
(١) سيأتي (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَّ أَبْرَجُ حَتَّىٌ أَبْلُغَ
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُّبًا ﴾﴾، وبرقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب:
﴿فَلَمَّا بَلَغَا ◌َجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) أنظر: ((زاد المسير)) ١٧١/٥ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المؤلف في
الهامش: وقيل: تكلفني، وقيل: تحملني.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ ..
(٤) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
(٦) كذا في الأصل بالإضافة، وفي (ج): ذعرةً منكرةً.
(٧) رقم (١٧٢/٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر القليلة.

٦٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وهو معنى قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرَا﴾ [الكهف: ٨٠]
والطغيان: الزيادة في الإضلال.
قَالَ البخاري: وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أبواه مؤمنين وكان
هو كافرًا)(١). وعنه: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين(٢).
وأوَّل ابن بطال قوله: ((كان كافرًا)) باعتبار ما يؤول إليه لو عاش.
قَالَ: ووجه (استباحة)(٣) القتل لا يعلمه إلا الله، ولله تعالى أن يميت
من شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده، ولا فرق بين قتله وموته، وكل
ذَلِكَ لا اعتراض عليه فيه: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣](٤).
فائدة: الغلام جيسور كما ذكره في التفسير(٥)، وهو بجيم وسين
وراء مهملة، قاله ابن ماكولا(٦). وغيره ذكر أنه اسم الملك الذي كان
يأخذ كل سفينة غصبًا، وهو عجيب، ومنهم من أبدل الراء بنون،
وسيأتي فيه زيادة في التفسير.
وقال ابن جرير: أخذ الخضر صخرة فئلغ بها رأسه(٧).
واسم أبيه: كازيري، وأمه: سهوى، وقيل: اسم أبيه: ملاس،
واسم أمه: رحمى.
(١) سيأتي برقم (٤٧٢٦) في التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا ◌َجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ...
(٣) في الأصل، ج، ف: استنجائه. والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٩٩/١ - ٢٠٠.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا ◌َجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا
حُوتَهُمَا﴾، وبرقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَاً
إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، وانظر ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٧/ ٢٣٨٠ (١٢٩٢٣).
(٦) ((الإكمال)) ٢/ ٣٧٧.
(٧) «تفسير الطبري)) ٨/ ٢٥٣.

٦٢٧
= كتاب العلم
الثانية بعد العشرين: في إخباره عن حال السفينة لو لم تخرق،
والغلام لو لم يقتل دلالة لمذهب أهل الحق أن الله عالم بما كان
وبما يكون أن لو كان كيف يكون(١)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنّهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ
رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] الآية.
الثالثة بعد العشرين: قوله: ((غلامًا)) يدل عَلَى أنه كان غير بالغ،
والغلام: اسم للمولود إلى أن يبلغ(٢)، وزعم قوم أنه كان بالغًا يعمل
الفساد، واحتجوا بقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]. والقصاص إنما
يكون في حق البالغ.
وأجاب الجمهور عن ذَلِكَ بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعله كان
يجب عَلَى الصبي في شرعه كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات.
الرابعة بعد العشرين: قوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]
قَالَ ابن عباس: هي: أنطاكية. وقال ابن سيرين: (أيلة)(٣)، وهي أبعد
(١) قال الشيخ ابن عثيمين في ((شرح رياض الصالحين)) ١/ ٧٢: قد يتوهم بعض من
قصُر علمه أن الله سبحانه لا يعلم الشيء حتى يقع، وهذا غير صحيح فالله يعلم
الأشياء قبل وقوعها كما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ
فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ [الحج: ٧٠].
ومن ادّعى أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من
الآيات الدالة على أن الله تعالى قد علم الأشياء قبل وقوعها.اهـ
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في ((المطالع)): ويقال للرجل المستحلم الفره غلام.
انتهى. ومما يدل لما قاله في حديث الإسراء: قال موسى الذيلا حين جاوزه النبي
وَج1. بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ربِّ هذا الغلامُ- يعني به النبي ◌ِّ - يدخل
الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: في كلام النووي: (الأيلة).

٦٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الأرض من السماء. وجاء: أنهم كانوا من أهل قرية لئام، وقيل: من
برقة(١).
الخامسة بعد العشرين: قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾
[الكهف: ٧٧]، أي: يسقط بسرعة، قَالَ الكسائي: إرادة الجدار هنا:
ميله، وقيل: عَلَى مجاز كلام العرب؛ لأنه لما قرب الحائط من
الانقضاض كان كمن يريد أن يفعل ذَلِكَ، وكان أهل القرية يمرون
تحته عَلَى خوف. وفي رواية للبخاري: ((مائل فقال بيده هكذا))(٢).
وفي رواية قَالَ: ((فمسحه بيده))(٣).
وذكر الثعلبي أن سمك الجدار مائتا ذراع بذلك الذراع الذي لذلك
القرن، وطوله عَلَى وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون
ذراعًا، قيل: إنه مسحه كالطين فاستوى.
وجاء في كتاب الأنبياء: ((فأوماً بیدِهِ هكذا)) وأشار سفيان كأنه يمسحُ
شيئًا إلى فوق(٤)، وهُذِه آية عظيمة تشبه آية الأنبياء.
وذكر الطبري عن ابن عباس قَالَ: كان قول موسى في الجدار لنفسه
ولطلب شيء من الدنيا، وفي السفينة والغلام الله (٥).
السادسة بعد العشرين: قوله: ﴿لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]
أي: تأكله كما قاله سعيد. والتاء: فاء الفعل، يقال: تخذ يتخذ،
والاتخاذ: افتعال من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها
(١) انظر هذِه الأقوال في ((تفسير البغوي)) ١٩٢/٥، (زاد المسير)) ١٧٥/٥.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٦٧) كتاب: الإجارة، باب: إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا.
(٤) سيأتي برقم (٣٤٠١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى.
(٥) ((تفسير الطبري)) ٢٥١/٨ (٢٣٢٠٤).

٦٢٩
كتاب العلم
تاء. (ولما كثر استعماله عَلَى لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية؛ فبنوا
منها: فعل يفعل، قالوا: تخذ يتخذ، وقولهم: أخذت كذا يبدلون الدال
تاء)(١) فيدغمونها وبعضهم يظهر.
السابعة بعد العشرين: قوله: (يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى
يُقَصنَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) فيه دلالة عَلَى تمني ما علم أنه لم يقدر. ويقال:
إنه لما أرادا التفرق قَالَ الخضر لموسى: لو صبرت لأتيت عَلَى ألف
عجيب كل أعجب مما رأيت.
الثامنة بعد العشرين: اسم الملك فيما يزعمون هده(٢) بن بدد،
واسم الغلام جيسور، وقد سلف ما فيه، وفي اسم الملك أقوال أخر
ستأتي في قصص الأنبياء في باب: حديث الخضر مع موسى.
التاسعة بعد العشرين: قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠]
أي: يحملهما حبه عَلَى أن يتابعاه عَلَى دينه.
الثلاثون: قوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] الرحم: الرحمة، وفي
رواية في البخاري: ((هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر))(٣) وزعم
سعيد أنهما أبدلا جارية(٤)، يقال: إنه ولد من نسلها سبعون نبيًّا، وقيل:
تزوجت بنبي، فولدت نبيًّا هدى الله به أمة.
قَالَ ابن دريد في ((وشاحه)): واسم اليتيمين: أصرم وصريم ابنا
كاشح، والأب الصالح الذي حفظ كنزهما من أجله بينهما وبينه سبعة
آباء، وقيل: عشرة. واسم أمهما: دنيا.
(١) ساقطة من (ج).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: كزفر.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِمَا﴾.
(٤) ذكره الطبري في ((تفسيره)) ٢٦٦/٨.

٦٣٠
.
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والكنز جاء في حديث ابن عمر مرفوعًا عند الترمذي: أنه كان ذهبًا
وفضة(١)، وروي من وجه آخر: أنه كان علمًا وحكمة (٢)، ويجمع(٣)
بينهما بما روي: أنه كان لوحًا من ذهب مكتوب فيه بعد البسملة:
عجبًا لمن أيقن أن الموت حق كيف يفرح؟ وعجبًا لمن أيقن بالقدر
كيف يحزن، وعجبًا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟
وعجبًا لمن عرف النار ثمَّ عصى، لا إله إلا الله محمد رسول الله (٤).
الحادية بعد الثلاثين: في هذِه القصة أصل عظيم من الأصول
الشرعية، وهو أنه لا اعتراض بالعقل عَلَى ما لا يفهم من الشرع،
وأن لا تحسين ولا تقبيح إلا بالشرع، ألا ترى إلى ظهور قبح قتل
الغلام، وخرق السفينة في الظاهر.
ولذلك اشتد نكير موسى، فلما أطلعه الخضر عَلَى سر ذَلِكَ بان له
وجه الحكم فيه فيجب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه
لا تظهر حكمته للعقول، فإن ذَلِكَ محنة من الله تعالى لعباده واختبار
لهم؛ لتتم البلوى عليهم، ولمخالفة هذا ضل أهل البدع حين حكموا
عقولهم وردوا إليها ما جهلوه من معاني القدر وشبهه.
وهذا خطأ منهم؛ لأن عقول العباد لها نهاية، وعلم الباري تعالى
(١) رواه الترمذي (٣١٥٢) عن أبي الدرداء، وليس عن ابن عمر، وقال: حديث
غريب. والحديث قال عنه الألباني: ضعيف جدًّا.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٦٨/٨ (٢٣٢٥٦ -٢٣٢٦١) عن ابن عباس وسعيد بن
جبیر ومجاهد.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: لو قيل في الجمع أن اللوح من ذهب أو عكسه ...
کان أولى.
(٤) هذا الأثر رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٦٨/٨ (٢٣٢٦٣) عن الحسن، و ٢٦٩/٨ (٢٣٢٦٦)
عن عمر. وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٢٣٧٥/٧ (١٢٨٨٠) عن أبي ذر مرفوعًا.

٦٣١
كتاب العلم
=
لا نهاية له. قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآَةٌ﴾
[البقرة: ٢٥٥] فما أخفاه عنهم فهو السر الذي استأثر به، فلا يحل
تعاطيه، ولا يكلف طلبه، فإن المصلحة للعباد في إخفائه منهم،
والحكمة في طيه عنهم إلى يوم تبلى السرائر، والله هو الحكيم العليم.
قَالَ تعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ وَمَنْ
فِيهِرَ﴾ [المؤمنون: ٧١].
الثانية بعد الثلاثين: قوله: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ [الكهف: ٨٢]
ظاهره أنه فعله بوحي من الله تعالى بذلك إليه، ويشهد لهذا وجوه من
القصة.
منها: أنه لا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا لما يتوقع وقوعه منها بعد حين
مما يوجب عليها القتل؛ لأن الحدود لا تجب إلا بعد وقوعها.
ومنها: أنه لا يقطع عَلَى فعل أحد قبل بلوغه، ولا يعلمه إلا الله؛
لأنه غيب.
ومنها: الإخبار عن أخذ الملك السفينة غصبًا، والإخبار عن بنيانه
الجدار من أجل الكنز الذي تحته؛ ليكون سببًا إلى استخراج الغلامين
لَهُ إِذَا أحتاجا إليه؛ مراعاة لصلاح أبيهما، وهذا كله لا يدرك
إلا بوحي. وفيه إذًا دلالة ظاهرة لمن قَالَ بنبوة الخضر.
الثالثة بعد الثلاثين: فيه من الفقه استخدام الصاحب لصاحبه
ومتعلمه إِذَا كان أصغر منه، وأن العالم قَدْ يكرم بأن تقضى لَهُ حاجة،
أو يوهب لَهُ شيء، ويجوز لَهُ قبول ذَلِكَ، لأن الخضر حُمل بغير
أجرٍ، وهذا إِذَا لم يتعرض لذلك، وأنه يجوز للعالم والصالح أن
يعيب شيئًا لغيره إِذَا علم أن لصاحبه في ذَلِكَ مصلحة.

٦٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٥ - بابٍ مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌّ عَالِمًا جَالِسًا
١٢٣- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي
مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟
فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةٌ. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّ أَنَّهُ
كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ نَّ)).
[ ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ٢٢٢/١].
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ
اللهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةٌ. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ
إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا
فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)».
الكلام علیه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى. وفي الجهاد عن
سليمان بن حرب، عن شعبة(١). وفي الخمس عن بندار، عن غندر،
عن شعبة، عن عمرو بن مرة (٣). (وفي التوحيد عن محمد بن كثير،
عن الثوري، عن الشعبي(٣)، وأخرجه مسلم في الجهاد عن أبي
موسى وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة)(٤) وعن ابن
(١) سيأتي برقم (٢٨١٠) كتاب: الجهاد، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
(٢) برقم (٣١٢٦) كتاب: فرض الخمس، باب: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره.
(٣) كذا في الأصول، وليس كذلك بل هو عن الأعمش. والحديث سيأتي برقم
(٧٤٥٨) باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِتْنَا﴾.
(٤) ساقطة من (ج).

٦٣٣
كتاب العلم
=
نمير وغيره عن جرير، عن منصور ثلاثتهم عن أبي وائل به(١).
ثانيها: في التعريف برواته وقد سلف التعريف بهم أجمع.
ثالثها :
فيه: جواز سؤال العالم وهو واقف كما ترجم لَهُ لعذر من ضيق
مكان ونحوه، ولا يكون ذَلِكَ تركًا لتوقير العالم، ألا ترى أنه وَل ـ لم
ينكر ذَلِكَ عليه، ولا أمره بالجلوس؛ ولا من باب: «مَنْ أَحَبَّ أنْ
يتمثلَ لَّهُ الناسُ قيامًا، فليَتَبَوَأْ مقعدَهُ مِنَ النارِ))(٢) فمثل هذِه الهيئة مع
سلامة النفس مشروعة.
وفيه أيضًا: ما أعطي رَّر من الفصاحة وجوامع الكلم، فإنه أجاب
السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله لا بلفظه من أجل أن الغضب والحمية
قَدْ تكونان لله تعالى، وقد تكونان لعرض الدنيا، فأجابه بالمعنى
مختصرًا، إذ لو ذهب يقيم وجوه الغضب لطال ولربما ألبس عَلَى
السائل، وجاء أيضًا في ((الصحيح)): الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل
للذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فأجاب بذلك(٣).
(١) مسلم برقم (١٩٠٤/ ١٥٠) كتاب: الصلاة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا.
(٢) رواه أبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥) بهذا اللفظ، وأحمد ٤/ ٩١،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٧٧) بلفظ: ((من أحب أن يمثل له عباد الله)).
كلهم عن أبي مجلز قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر
وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: أجلس فإني سمعت رسول الله وَل
يقول ... الحديث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة))
(٣٥٧).
(٣) سيأتي برقم (٢٨١٠) كتاب: الجهاد، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، =

٦٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه: أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي،
فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافًا للحارث
المحاسبي، قَالَ محمد بن جرير الطبري: إِذَا ابتدأ العمل لله لا يضره
ما عرض بعده من إعجاب بالاطلاع عليه(١).
(٣١٢٦) كتاب: فرض الخمس، باب: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟
=
ورواه مسلم (١٤٩/١٩٠٤) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا.
(١) ((تفسير الطبري)) ٩٧/٥ (١٢٨٦٧).

٦٣٥
- كتاب العلم
٤٦ - باب السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْي الحِمَارِ
١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ
يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمٍ، وَلَا حَرَجَ)). قَالَ
آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: ((انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ عَنْ
شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخْرَ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ١/
٢٢٢]
حدثنا أَبُو نُعَيْم، ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ عِنْدَ
الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟
قَالَ: ((ارْم، وَلَا حَرَجَ)). قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟
قَالَ: ((انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّ قَالَ:
((اُفْعَلْ وَلَا حَرَجَ)).
هذا الحديث تقدم بيانه واضحًا بفوائده في باب: الفتيا وهو واقف
عَلَى الدابة وغيرها(١) وأراد هنا أن يبين به أن العالم يجوز أن يُسأل وهو
مشغول بالطاعة، ومعنى ((لا حَرَجَ)): لا إِثْمَ عليك ولا فدية أيضًا عند
الجمهور كما سلف.
وعبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم
الفقيه.
روى عن الزهري وغيره ولم يدرك نافعًا. وعنه ابنه الفقيه عبد الملك
وغیرہ، ولیس بالمکثر.
(١) سبق برقم (٨٣) كتاب: العلم، باب: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها.

٦٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إمامًا معظمًا. قَالَ
أبو الوليد: كان يصلح للوزارة. مات سنة أربع وستين ومائة(١).
(١) قال فيه أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال ابن خراش:
صدوق.
انظر ترجمته في: ((الطبقات)) ٣٢٣/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٣/٦ (١٥٣٠)، ((معرفة
الثقات)) ٩٧/٢ (١١٠٨)، ((الجرح والتعديل)) ٣٨٦/٥ (١٨٠٢)، ((تهذيب
الكمال)) ١٥٢/١٨ (٣٤٥٥)، ((تقريب التهذيب)) ص ٣٥٧ (٤١٠٤).

٦٣٧
كتاب العلم
٤٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
[الإسراء: ٨٥]
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَقْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ
سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَّا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ◌َّ فِي
خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضِ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ.
فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا أَنْجَلَىْ عَنْهُ فَقَالَ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُِّحْ قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ وَمَآ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا (٨٥). قَالَ الأَغْمَشُ: هَكَذَا فِي
قِرَاءَتِنَا. [٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢ - مسلم: ٢٧٩٤ - فتح: ٢٢٣/١]
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، ثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي خَرِبٍ
المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ
فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ:
يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا
أَنْجَلَى عَنْهُ،َ قالَ:
((وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)).
قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.

٦٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه في التوحيد
عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد(١)، وفي التفسير عن عمر بن
حفص، عن أبيه(٢)، وفي الأعتصام في باب: ما يكره من السؤال
وتكلف ما لا يعنيه عن محمد بن عبيد بن ميمون، عن عيسى بن
يونس(٣)، وفي التوحيد أيضًا عن يحيى، عن وكيع (٤).
وأخرجه مسلم في الرقاق عن عمر بن حفص، عن أبيه، وعن أبي
بكر والأشج، عن وكيع. وعن (إسحاق)(٥)، وابن خَشْرم، عن عيسى
كلهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة به (٦)، وجاء فيه في
الاعتصام: لا تسألوه لا يسمعكم ما تكرهون(٧).
ثانيها : في التعريف برواته:
وقد سلف كلهم، خلا شيخ البخاري قيس بن حفص بن القعقاع
الدارمي، وعنه أبو زرعة وغيره وهو شيخ لا بأس به، وانفرد به
البخاري عن باقي الكتب الستة، وليس في مشايخه من اسمه قيس
(١) سيأتي برقم (٧٤٦٢) باب: قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾ [النحل: ٤٠].
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢١) باب: ويسألونك عن الروح.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٩٧) باب: ما يكره من كثرة السؤال.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٥٦) باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِتْنَا﴾.
(٥) في الأصل: (ابن إسحاق)، والصواب: ما أثبتناه ، وهو ابن راهويه كما في مسلم
(٣٣/٢٧٩٤).
(٦) مسلم (٢٧٩٤) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي ◌َّ عن الروح.
(٧) سيأتي برقم (٧٤٦٢) كتاب: التوحيد.

٦٣٩
كتاب العلم
=
سواه. مات سنة سبع وعشرين ومائتين(١).
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: (خرب) بالخاء المعجمة المكسورة وفتح الراء وعكسه
والباء في آخره. قَالَ القاضي عياض: كذا رواه البخاري هنا، ورواه
في غير هذا الموضع (حرث) بالحاء المهملة والثاء المثلثة، وكذا
رواه مسلم في جميع طرقه وصوبه بعضهم.
الثانية: العسيب: جريد النخل، وهو عود قضبان النخل يكشطون
خوصها ويتخذونها عصيًّا، والمعنى: معتمد عَلَى جريدة نخل. وكانوا
يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله: فجعلت أتتبعه في
العسب (٢)، يعني: القرآن.
الثالثة: قوله: (لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ)، يجوز فيه
النصب عَلَى معنى: لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، و(لا) زائدة وهذا
ماشٍ عَلَى مذهب الكوفيين، والجزم عَلَى الجواب تقديره: أن لا تسألوه
لا يجيء فيه بشيء، فالأول سبب للثاني، وجوز بعضهم الرفع عَلَى
القطع.
الرابعة: (الرُّوحُ)، يذكر ويؤنث واختلف هل الروح والنفس واحد
أم لا؟ والروح جاء في القرآن عَلَى معانٍ. قَالَ تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ
[الشعراء: ١٩٣] وقال: ﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]
١٩٣
(١) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٥٦/٧ (٧٠٣)، ((معرفة الثقات)) ٢٢٠/٢
(١٥٢٨)، ((الجرح والتعديل)) ٩٥/٧ (٥٤٦)، ((الثقات)) ١٥/٩، ((تهذيب الكمال))
٢١/٢٤ (٤٨٩٩)، ((تقريب التهذيب)» ٤٥٦ (٥٥٦٩).
(٢) سيأتي برقم (٤٦٧٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَقَدْ جَلَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ
أَشِكُمْ﴾.

٦٤٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨].
قيل: وسؤالهم عن روح بني آدم؛ لأن في التوراة أنه لا يعلمه
إلا الله، فقالوا: إن فسرها فليس بنبي؛ فلذلك لم يجبهم.
وقال القاضي عياض وغيره: اختلف المفسرون في الروح المسئول
عنها. فقيل: سألوه عن عيسى فقال لهم: الروح من أمر الله، أي: لا كما
تقوله النصارى، وكان ابن عباس یکتم تفسيره(١).
وعنه وعن علي: هو ملك من الملائكة يقوم صفًا وتقوم الملائكة
صفًّا قَالَ تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا﴾ (٢) [النبأ: ٣٨] وقيل:
جبريل(٣)، وقيل: القرآن (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ
ج
[الشورى: ٥٢]
أمرنا ﴾
وقال أبو صالح: هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد
وأرجل(٥). وقيل: طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل
معه أحدهم(٦). وقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح، وألف وجه،
يسبح الله إلى يوم القيامة(٧).
(١). ((إكمال المعلم)) ٨/ ٣٢٧، وأثر ابن عباس رواه الطبري ٤١٦/١٢ (٣٦١٤٥) عن
قتادة قال: هذا مما کان یکتمه ابن عباس.
(٢) روى أثر ابن عباس الطبري في تفسيره)) ٤١٥/١٢ (٣٦١٣٤).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤١٥/١٢ (٣٦١٣٥-٣٦١٣٧) عن الضحاك والشعبي.
(٤) روى ذلك الطبري في ((تفسيره)) ٤١٦/١٢ (٣٦١٤٧) عن ابن زيد.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤١٦/١٢ (٣٦١٤٣)، وذكره البغوي في ((تفسيره))
٨/ ٣١٧.
(٦) ذكره البغوي في ((تفسيره)) ٣١٧/٨.
(٧) رواه الطبري في تفسيره)) ٤١٥/١٢ (٣٦١٣٣) بلفظ مقارب عن ابن مسعود وقال
ابن كثير في تفسيره! ٤٦٦/٤: وهذا قول غريب جدًّا.