Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ - كتاب العلم وسياق الحديث يقوي الوجه الثاني، فهن إذًا كاسيات في الظاهر عاريات حقيقة؛ لأن الستر إِذَا لم يقع به الامتثال يكون وجوده كعدمه. ثامنها : المراد ب(ربَّ) هنا: التكثير، أي: المتصف بهذا من النساء كثير، ولذلك لو جعل موضع (رب) (كم) لحسن، قَالَ ابن مالك: أكثر النحاة يرون أن (رب) للتقليل، ورجح هو أن معناها في الغالب التکثیر، واستدل بهذا الحدیث وشبهه(١). تاسعھا : يجوز كسر (عارية) عَلَى النعت، ورفعه عَلَى أنه خبر مبتدأ مضمر. (١) ((شواهد التوضيح)) ص١٠٤. ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٤٢ - باب حِفْظِ العِلْم ١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آَيَتَانِ فِي كِتَابِ اللّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنَّصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا تَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَخْفَظُونَ. [١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٢١٣/١] ١١٩ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: ((ابْسُطْ رِدَاءَكَ)) فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((ضُمُّهُ)) فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِ فُدَيْكٍ بهذا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٢١٥/١] ١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلْعُومُ. [فتح: ٢١٦/١] حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلًا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ٦٠٣ كتاب العلم وَّهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: ((ابْسُطْ رِدَاءَ)) فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((ضُمَّهُ)) فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي فُدَيْكٍ بهذا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِیَدِهِ فِيهِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ وِعَاءَيْنٍ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَتُْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَبْتُهُ قُطِعَ هُذَا الْبُلْعُومُ. قَالَ أبو عبد الله: البُلْعُومُ مَجْرى الطَّعَامِ. الكلام عَلَى ذَلِكَ من أوجه: أحدها : الحديث الأول أخرجه البخاري أيضًا في المزارعة عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم (١). وفي الاعتصام عن علي، عن سفيان (٢). وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان. وعن عبد الله بن جعفر بن يحيى، عن مالك. وعن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عنه(٣)، وله طرق من غير رواية الأعرج. (١) سيأتي برقم (٢٣٥٠) كتاب: المزارعة، باب: ما جاء في الغرس. (٢) سيأتي برقم (٧٣٥٤) كتاب: الاعتصام. (٣) قلت أخرجه مسلم (٢٤٩٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة الدوسي، عن قتيبة بن سعيد وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن سفيان . = ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح والحديث الثاني : أخرجه في علامات النبوة (١) كما ستعرفه. ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: وعبد العزيز سلف، وكرره شيخنا قطب الدين في ((شرحه)). وأحمد بن أبي بكر: هو أبو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكًا وطائفة، وعنه الستة لكن النسائي بواسطة، وأخرج لَّهُ مسلم حديث أبي هريرة: ((السفر قطعة من العذاب)) فقط(٢). واسم أبي بكر: القاسم، وقيل: زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف. وهو أحد من حمل ((الموطأ)) عن مالك. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين عن اثنتين وتسعين سنة(٣). وأما ابن أبي ذئب: فهو الإمام محمد (ع) بن عبد الرحمن بن = وعن عبد الله بن جعفر بن يحيى، عن معن، عن مالك، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق عن معمر كلهم، عن الزهري، عن الأعرج به. (١) سيأتي برقم (٣٦٤٨) كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ◌َّة آية فأراهم انشقاق القمر. (٢) رواه مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله. (٣) وقال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه أهل المدينة من غير مدافعة ولاه القضاء عبيد الله بن الحسن، وقال أبو زرعة وأبو حاتم صدوق. قال الحاكم: كان فقيها متقشفًا عالمًا بمذاهب أهل المدينة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ونقل ابن حجر قول أبي خيثمة لابنه: لا تكتب عنه ثم قال: يحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخوله في القضاء أو إكثاره من الفتوى بالرأي. وانظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٥/٢- ٦ (١٥٠٦)، ((الجرح والتعديل)) ٤٣/٢ (١٦)، و((الثقات)) ٢١/٨، ((تهذيب الكمال)) ٢٧٨/١ - ٢٨١ (١٧)، و((تهذيب التهذيب)) ١٨/١. ٦٠٥ - كتاب العلم : المغيرة بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني العامري الثقة کبیر الشأن. روی عن عكرمة وخلق. وعنه: معمر وخلق. مات سنة تسع وخمسين ومائة، وولد سنة ثمانين. قَالَ الشافعي: ما فاتني أحد فأسفت عليه ما أسفت عَلَى الليث وابن أبي ذئب. وعن بعضهم: في حديثه عن الزهري شيء. قيل: للاضطراب. وقيل: إن سماعه منه عرض. وهذا ليس بقادح (١). وأما محمد (خ) بن إبراهيم بن دينار: فهو المدني الحمصي، الثقة الفقيه، مفتي المدينة بعد مالك ومعه. روى عن موسى بن عقبة وجماعة. وعنه أبو مصعب، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة(٢). (١) وقال ابن حجر في مقدمة ((فتح الباري)) ص ٤٤٠: ابن أبي ذئب أحد الأئمة الأكابر العلماء الثقات لكن قال ابن المديني كانوا يوهنونه في الزهري، وكذا وثقه أحمد ولم يرضه في الزهري، رمي بالقدر ولم یثبت عنه بل نفى ذلك عنه مصعب الزبيري وغيره، وكان أحمد يعظمه جدا حتى قدمه في الورع على مالك وإنما تكلموا في سماعه من الزهري لأنه كان وقع بينه وبين الزهري شيء فحلف الزهري أن لا يحدثه ثم ندم فسأله ابن أبي ذئب أن يكتب له أحاديث أرادها فكتبها له فلأجل هذا لم يكن في الزهري بذاك بالنسبة إلى غيره، وقد قال عمرو بن علي الفلاس: هو أحب إليَّ في الزهري من كل شامي انتهى احتج به الجماعة، وحديثه عن الزهري في البخاري في المتابعات. وانظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١/ ١٥٢ (٤٥٥)، ((الجرح والتعديل)) ٣١٣/٧ (١٧٠٤)، ((الثقات)) ٣٩٠/٧، و(تهذيب الكمال)) ٦٣٠/٢٥ (٥٤٠٨). (٢) ويقال له: أبو عبد الله الجهني، قال البخاري: ويقال: الأنصاري لقبه صندل. قال البخاري: معروف الحديث. وقال أبو حاتم: كان من فقهاء المدينة نحو مالك، وكان ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. وانظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٢٥/١ (٢٥). و((الجرح والتعديل)) ١٨٤/٧ (١٠٤٤). و«ثقات ابن حبان)) ٩٣/٩. و (تهذيب الكمال)) ٣٠٦/٢٤ (٥٠٢٤). ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ثالثها: في ألفاظه ومعانیه: قوله: (يَشْغَلُّهُمُ) هو بفتح الياء ثلاثي، وحكي ضمها وهو ضعيف. قَالَ الهروي: يقال: أصفق القوم عَلَى الأمر وصفقوا بالبيع والبيعة. قَالَ غيره: أصله من تصفيق الأيدي بعضها عَلَى بعض من المتبايعين عند العقد. و(السوق) يذكر ويؤنث، سميت بذلك لقيام الناس فيها عَلَى سوقهم. وكان أبو هريرة من ضعفاء المسلمين ومن أهل الصفة كما سلف في ترجمته. وقوله: (فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ). وفي غیر ((الصحیح)): فغرف فيه بیدیه. ثمَّ قَالَ: ((ضمه)) .. الحديث. وفي بعض طرقه عند البخاري: ((لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا)). فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هُذا (١). وفي مسلم: ((أيكم يبسط ثوبه فيأخذ))(٢) فذكره بمعناه، ثمَّ قَالَ: فما نسيت بعد ذَلِكَ اليوم شيئًا حَدَّثَنِي به. وهُذِه الرواية دالة عَلَى العموم، وأنه بعد ذَلِكَ لم ينس شيئًا سمعه منه، لا أنه خاص بتلك المقالة كما تشعر به الرواية السالفة، فإنه شكى النسيان، ففعل ذَلِكَ لیزول عنه. وفيه: فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، وفيه: حفظ العلم والدءوب عليه (١) ستأتي برقم (٢٣٥٠) كتاب: المزارعة، باب: ما جاء في الغرس. (٢) ((صحيح مسلم)) (٢٤٩٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة الدوسي. ٦٠٧ كتاب العلم والمواظبة عَلَى طلبه. وفيه: ظهور بركة دعائه. وفيه: فضل التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم عَلَى طلب المال. وفيه: أنه يجوز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إِذَا اضطر إلى ذَلِكَ لاعتذار عن شيء أو ليبين ما لزمه تبيينه إِذَا لم يقصد بذلك الفخر. وقوله: ( ((ضمه))): يجوز ضم ميمه وفتحها وكسرها. وقال بعضهم: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده. واختاره الفارسي، وجوزه صاحب ((الفصيح)) وغيره. والوعاء: بكسر الواو ويجوز ضمها، وما حفظ -*- من السنن المذاعة لو كتب لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وما كتمه من أخبار الفتن كذلك. ومعنى (بثئته): أذعته وأشهرته، قيل: هو أشراط الساعة، وفساد الدين، وتضييع الحقوق، وتغيير الأحوال لقوله بقوله: (يكون فساد الدين عَلَى يد أغيلمة من قريش))(١)، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، لكنه خشي عَلَى نفسه ولم يصرح. وجاء في غير البخاري: حفظت ثلاثة جرب، بثثت منها جرابین، ولو بثئت الثالث لقطع (هذا)(٢). يعني: البلعوم - وهو بضم الباء الموحدة- وهو مجرى النفس إلى الرئة، وقال الجوهري والقاضي: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء(٣). (١) سيأتي برقم (٣٦٠٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة. من حديث أبي هريرة بلفظ: ((هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش)). (٢) في (ج): مني. (٣) (الصحاح)) ١٨٧٤/٥. و(مشارق الأنوار)) ٨٩/١. ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقد فسره البخاري به كما سلف، وجاء: خمسة. يعني: أجرب(١) وفيه: أن كل من أمر بمعروف إِذَا خاف عَلَى نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه كتمها؛ لأنه قَالَ: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت شيئًا ثمَّ يتلو﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما سلف. (١) ورد بهامش الأصل: رواية (خمسة أجرب) رواها الرامهرمزي. وبعده تعليق آخر نصه: فسره الرواة في الجزء السادس، فقال: حدثنا عبدان، ثنا عمر بن عبد الله البصري ( ... ) عن رسول الله رَله: خمسة جرب أحاديث وقال: ( ... ) لو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة. ٦٠٩ كتاب العلم = ٤٣- باب الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ ١٢١- حَدَّثَنَا حَجَّاجْ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِ عَليَّ بنُ مُدرِكِ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) فقال: ((لَّ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - مسلم: ٦٥ - فتح: ٢١٧/١]. حَدَّثَنَا حَجَّاجْ ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِ عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لَّهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) فقال: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). الكلام علیه من أوجه: أحدها : هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع: هذا أحدها. وثانيها: في المغازي عن حفص بن عمر(١). ثالثها: في الفتن عن سليمان، كلاهما عن شعبة به (٢). رابعها: في الديات عن بندار، عن غندر، عن شعبة(٣)، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به، وهذا أنزل من الأول بدرجة(٤). وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن (١) سيأتي برقم (٤٤٠٥) باب: حجة الوداع. (٢) سيأتي برقم (٧٠٨٠) باب: قول النبي ◌َّ: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا)). (٣) سيأتي برقم (٦٨٦٩) كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. (٤) لم يروه البخاري عن عبيد الله بن معاذ، بل لم يرو عنه إلا بواسطة، وعلق عنه بصيغة الجزم. وبهذا السند رواه مسلم (١١٨/٦٥). ٦١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - شعبة، وعن ابن المثنى، وابن بشار، عن غندر به (١). وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى (٢)، ومسلم في الجنايات(٣)، وقد سلف قطعة من حديث أبي بكرة في باب: رب مبلغ أوعى من سامع وغيره (٤). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف. وحجاج هو ابن منهال(٥)، وأبو زرعة هو هرم(٦)، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة(٧). (١) مسلم (١١٨/٦٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي ◌َّ: ((لا ترجعوا بعدي كفارا». (٢) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٣) مسلم (٢٩/١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض. (٤) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي ◌َّر: ((رب مبلغ أوعى من سامع)»، وبرقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ((ليبلغ العلم الشاهد الغائب)). (٥) هو حجاج بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي وقيل: البرساني مولاهم البصري، روى عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، روى عنه البخاري ومسلم، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال خلف بن محمد كردوس الواسطي: توفي سنة ست عشرة ومائتين وكان صاحب سنة. انظر: ((طبقات ابن سعد)) ٧/ ٣٠١، ((الجرح والتعديل)) ١٦٧/٣ (٧١١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٥٧/٥ (١١٢٨). (٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٦). (٧) علي بن مُذْرك النخعي ثم الوهبيلي: روى له الجماعة، وقال عنه إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح صدوق، ثم قال: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وانظر ترجمته في (طبقات ابن سعد)) ٣١١/٦، ((التاريخ الكبير» ٢٩٤/٦ (٢٤٤٦)، ((معرفة الثقات)) ١٥٧/٢ (١٣١٠)، ((الجرح والتعديل)) ٢٠٣/٦ (١١١٦)، ((الثقات)) ١٦٥/٥، ((تهذيب الكمال)) ١٢٦/٢١ (٤١٣٣). ٦١١ = كتاب العلم ثالثها: في معانيه وضبط ألفاظه: سميت حجة الوداع؛ لأنه ◌َّ﴾ ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: ((ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ» والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع: الكسر، قَالَ الهروي وغيره: هو المسموع في واحده (١). وحضور جرير حجة الوداع يدل عَلَى تقدم إسلامه، فإنه قيل: أسلم في رمضان سنة عشر (٢)، وقد أسلفنا أنه قيل: أسلم قبل وفاته و ل* بأربعين يومًا. ومعنى «لا تَرْجِعوا»: لا تصيروا. قَالَ ابن مالك: رجع هنا بمعنى: (٣) صار(٣). وقوله: ((بَعْدي)) أي: بعد فراقي من موقفي هذا، قاله الطبري (٤). وقال غيره: ((بَعْدِي)) أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه ◌َير علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته. وقوله: ((يضرب)) هو برفع الباء عَلَى الصواب، وهو الرواية أي: لا تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله (٥) القاضي (٥). (١) أنظر: ((الصحاح)) ١/ ٣٠٤ مادة: (حجج)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١/ ٣٤٠-٣٤١. (٢) أنظر: ((معجم الصحابة)) للبغوي ١/ ٥٦٠. (٣) ((شواهد التوضيح)) ص١٣٨. (٤) (تفسير الطبري)) ٦٥/٦ (١٥١٣٧). (٥) ((إكمال المعلم)) ٣٢٤/١. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١٠١]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر دال عَلَى أن النهي عن ضرب الرقاب، وعما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: ((إنَّ دماءَكُم وأمْوَالَكُم عليكُم حَرَام)» وذكر الحديث، ثُمَّ قَالَ: ((ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا)) الحديث(٢). فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم عَلَى بعض، وفيه ستة أقوال أخر: أحدها: أنه كُفر عَلَى بابه في حق المستحل لغير الحق. وثانيها: أن المراد: كفر النعمة وحق الإسلام. ثالثها: أنه يقرب من الكفر ویؤدي إلیه. رابعها: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين. خامسها: أن المراد بالكفار: المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إِذَا لبسه، حكاه الخطابي(٣). سادسها: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا، (١) روى الطبري في ((تفسيره)) ٣٧٥/٣ (٧٥٣٣) عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ﴾، إلى آخر الآية. ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «تفسيره) ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٨)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ١٢١ (٢٣٤). (٢) سيأتي برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ((ليبلغ العلم الشاهد الغائب)). (٣) ((أعلام الحديث)) ١٧٨١/٣. ٦١٣ - كتاب العلم ومن سكن الباء (١) أحال المعنى؛ لأن النهي عَلَى هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر كما سلف يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك(٢) عَلَى تقدير شرط مضمر أي: إن ترجعوا يضرب. رابعها: في فوائده: فيه: التصريح بما بوب عليه البخاري من الإنصات للعلماء فإنه توقیر لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل(٣). وفيه أيضًا: تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه. وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قَالَه المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها علیه لما نهاها. والجواب: أن الأمتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم(٤). (١) يقصد في قوله: ((يضرب بعضكم)). (٢) ((شواهد التوضيح)» ص١٩٨. (٣) قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢]. (٤) ((المعلم بفوائد مسلم)) ١/ ٦٥. ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ فيهِ إِلَى اللِهِ ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ تَوْفًا البِكَالِيِّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبِيُّ بْنُ كَغْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ [قَالَ]: ((قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَحْمِلْ حُوتًّا فِيَ مِكْتَلِ فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلِ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَّلِ، ﴿فَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًّا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أُمِرَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّيْ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْعَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَلَمَّا أَنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجّى بِثَوْبٍ - أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ - فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٣)﴾ [الكهف: ٦٦، ٦٧]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِىَّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآَ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكَّهف: ٦٩]. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُ. أَنْ ٦١٥ كتاب العلم = يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّ كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحِ مِنْ أَلْوَاحَ السَّفِينَةِ فَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَىَّ سَفِينَتِهِمْ فَّخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (﴿﴿ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]. فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا لَ نَفْسٍ﴾؟! [الكهف: ٧٤] [الكهف: ٧٥] - قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: وهذا أَوْكَدُ- ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ اُسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًّا ** قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَيَبْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ ◌َه: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)). [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٢١٧/١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: ((قَامَ مُوسَى النَّبِّ وَلَّه خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ .. الحديث بطوله. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والكلام عليه من وجوه : أحدها : هذا الحديث سلف قريبًا في موضعين: مختصرًا من كتاب العلم(١)، وأتى به في كتاب الأنبياء أتم (٢)، وقد سلف في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر تعداد طرقه(٣). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: الأولى: نَوف: بفتح النون، والبِكَالي -بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخره لام- نسبة إلى بني بكال بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، قَالَ أبو العباس أحمد بن عمر: وعند أبي بحر والخشني بفتح الباء وتشديد الكاف، قَالَ: ونسبه بعضهم في حمير، وآخرون في همدان. قَالَ: وكان نوف عالمًا فاضلا إمامًا (٤) لأهل دمشق (٤). قَالَ ابن التين: وكان حاجبًا لعلي، وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار عَلَى المشهور، وقيل: ابن أخته، وكنيته: أبو زيد، وقيل : أبو رشید. (١) سبق برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٠-٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٣) سبق برقم (٧٤). (٤) ((المفهم)) ١٩٣/٦. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢١٩/١: البكالي بفتح الموحدة وكسرها وتخفيف الكاف، ووهم من شددها منسوب إلى بكال بطن من حمير، ووهم من قال: إنه منسوب إلى بكيل - بكسر الكاف- بطن من همدان؛ لأنهما متغايران.اهـ ٦١٧ كتاب العلم وقال ابن العربي في ((الأحوذي)): لعله منسوب إلى بكيل: بطن من همدان(١). وليس كما قَالَ، فالمنسوب إلى ما ذكر هو أبو الوداك جبر بن نوف(٢) وغيره، وأما نوف هذا فمنسوب إلى بكال: بطن من حمير كما سلف، وهو المذكور في كتب الأنساب(٣). الثانية قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ). هذا قاله عَلَى سبيل الإغلاظ عَلَى القائل بخلاف قوله، فإنه ليس غيره وألفاظ الغضب تجيء عَلَى غير الحقيقة غالبًا (٤). الثالثة: السائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عباس هو المخبر، ووقع فيما مضى أن ابن عباس تمارئ هو والحر بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فسأله ابن عباس، فأخبره، فيحتمل أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد (١) ((عارضة الأحوذي)) ٢/١٢. (٢) هو جبر بن نوف الهمداني البكالي، أبو الوداك الكوفي روى عن شريح بن الحارث القاضي، وأبي سعيد الخدري. قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: صالح. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. أنظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٢/ ٢٤٣، ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ١/ ٨٠، ((تهذيب الكمال)) ٤٩٥/٤ - ٤٩٦. (٣) أنظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٤٥٢/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٢٩/٨ (٢٤٥١)، و((الجرح والتعديل)) ٥٠٥/٨ (٢٣١١)، ((الثقات)) ٤٨٣/٥، ((الأنساب)) ٢٦٩/٢، ((تهذيب الكمال)) ٦٥/٣٠ (٦٤٩٨)، ((تقريب التهذيب)) (٧٢١٣). (٤) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢١٩/١: قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراده. قلت - أي: ابن حجر -: ويجوز أن يكون ابن عباس أنّهم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذِه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه. ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس مع الحر، فأخبره ابن عباس لمَّا سأله عن قول نوف أن موسی لیس موسی بني إسرائيل. وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد قَالَ: جلست إلى ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن أمرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، حَدَّثَنِي أَبَيّ وذكر الحدیث. الرابعة: قوله: ((فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ)). تقدم الكلام عليه في باب: ذهاب موسى إلى الخضر(١). فينبغي لمن سُئِلَ عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وقد قَالَ مالك: جُنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله (٢). وقال ابن المنير: ظن الشارح - يعني: ابن بطال- أن المقصود من الحديث التنبيه عَلَى أن الصواب من موسى كان ترك الجواب، وأن يقول: لا أعلم (٣)، وليس كذلك. بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أولم يجب، فإن أجاب قَالَ: الأمر كذا والله أعلم. وإن لم يجب قَالَ: الله أعلم، ومن هنا تأدب المُفْتون في أجوبتهم بقولهم: والله أعلم. فلو قَالَ موسى: أنا والله أعلم، لكان صوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة باقتصاره عَلَى: (أنا أعلم)(٤). الخامسة: ((مجمع البحرين)) هما: بحر الروم مما يلي (المغرب)(٥) (١) سبق برقم (٧٤). (٢) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٨/ ٧٧. (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/١. (٤) ((المتواري)) ص٦٤. (٥) في الأصل: الغرب. والمثبت من (ف)، (ج). ٦١٩ - كتاب العلم وبحر فارس مما يلي (المشرق)(١). قاله قتادة (٢). وحكى الثعلبي عن أبي بن كعب أنه بإفريقية(٣). وقيل: بحر الأردن وبحر القُلْزُم. قَالَ السهيلي: وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، قَالَ ابن عباس: أجتمع البحران: موسى والخضر بمجمع البحرين. السادسة: (الحوت): السمكة، وكانت مالحة، و(المكتل) -بكسر الميم وفتح المثناة فوق -: القفة والزِّنبيل(٤)، و(فتاه): صاحبه: يوشع بن نون(٥). سلف. السابعة: قوله: ((حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًّا)) وفي رواية للبخاري ((وفي أصل (الصخرة)(٦) عين يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر))(٧). وفي رواية أخرى له: ((فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا أَسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وأمسك الله عن الحوت (جِزْية) ٨ الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره))(٩). (١) في الأصل: الشرق. والمثبت من (ف)، (ج). (٢) أنظر: ((تفسير عبد الرزاق)) ٣٤١/١ (١٦٩٣)، ((تفسير الطبري)) ٢٤٥/٨ (٢٣١٦٨)، (تفسير البغوي)) ١٨٥/٥، ((زاد المسير)) ١٦٤/٥، ((تفسير ابن كثير)) ١٦١/٩. (٣) وكذا ذكره البغوي في ((تفسيره)) ١٨٥/٥، وابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٦٤/٥. (٤) يسع خمسة عشر صاعًا، أنظر: ((الصحاح)) ١٨٠٩/٥ مادة (كتل). (٥) وقع بهامش الأصل تعليق نصه: في خط المصنف في الهامش: ونون مصروف كنوح. (٦) في الأصل: شجرة، والصواب ما أثبتناه. (٧) ستأتي برقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا﴾. (٨) في (ج): الجرية، والمثبت من الأصل. (٩) سيأتي برقم (٤٧٢٥)، (٤٧٢٦) كتاب: التفسير. ٦٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما، فقال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوْتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] كما قَالَ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُقُ وَالْمَرْحَانُ م [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح، وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق: عقد البناء وهو الأزج، وهو ما عُقد أعلاه بالبناء، وترك تحته خاليًا(١). (والصخرة): هي التي دون نهر الزيت بالمغرب(٢)، قَالَ أُبي بن كعب: إفريقية. وقال مجاهد: بين البحرين(٣). الثامنة: أَنتصب (سربًا) عَلَى المفعول كما قَالَ الزجاج، أو عَلَى المصدر كأنه قَالَ: سرب الحوت سربًا. قَالَ ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربا، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: ((فجعل الماء لا يلتئم حتَّى صار كالكوة)) (٤). التاسعة: الضمير للحوت ويؤيده قوله: ﴿فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وكان لموسى وفتاه عجبًا - ويبعد أن يكون لموسى- أي: أتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا -أي: مذهبًا ومسلكًا- فإنه أتبع أثره ويبس الماء في ممره، فصار طريقًا. (١) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٢٢٣١/٣، ((المجمل)) ص٥٩٠. (٢) ذكره البغوي في «تفسيره)) ١٨٧/٥ عن معقل بن زياد. (٣) هُذا الأثر رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٤٧/٨ (٣٢١٧٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٦ (١٢٨٨٩). (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٤٨/٨ (٢٣١٨٥) من حديث أبي بن كعب.