Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب العلم
-
الثانية: فيه إبطال ما يخترعه الرافضة والشيعة من قولهم: إن عليًّا ظه
أوصى إليه النبي ◌َّله بأسرار العلم، وقواعده وعلم الغيب مالم يطلع عليه
غيره، وإنه وَّر خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهي دعاوى
باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها.
الثالثة: فيه دلالة لمالك والشافعي والجمهور في أن المسلم لا يقتل
بكافرٍ قصاصًاً ، وروي ذَلِكَ عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن
ثابت، وبه قَالَ جماعة من التابعين (١)، وهو مذهب الأوزاعي أيضًا
والليث والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور(١)، إلا أن مالكًا والليث
قالا : إن قتله غيلة قتل. والغيلة: أن يقتله عَلَى ماله كما يصنع قاطع
(٤)
الطريق
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى أنه يُقتل المسلم بالذمِّي
ولا يُقتل بالمستأمن والمعاهد، وهو قول سعيد بن المسيب
والشعبي والنخعي، واحتجوا بحديث ابن عمر أنه ◌َّل* قتل مسلمًا
بمعاهد، وقال: ((أنا أكرم من وَفِّى بذمته)) أخرجه الدارقطني ووهاه
فقال: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، والصواب
إرساله، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إِذَا وصل الحديث،
(١) انظر: ((التفريع)) ٢١٦/٢، ((عيون المجالس)) ١٩٧٧/٥، ((البيان)) ٣٠٥/١١-
٣٠٦، ((روضة الطالبين)) ١٥٠/٩، ((المحلى)) ٢٢٣/١٠.
(٢) روىُ هُذِه الآثار عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٩٨/١٠ - ١٠٢، وابن أبي شيبة في
((مصنفه)) ٤٠٨/٥- ٤٠٩، والبيهقي في ((الكبرى)) ٢٨/٨ - ٢٩، ٣٢ - ٣٤.
(٣) انظر: ((عيون المجالس) ١٩٧٧/٥، ((البيان)) ٣٠٥/١١-٣٠٦، ((الكافي)) ١٢٧/٥،
(المحلى»٢٢٣/١٠.
(٤) انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر ص ٥٨٧، ((جامع الأمهات)) ص٣١٩.
(٥) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢٣٠، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٧/٥-١٥٩.

٥٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فكيف إِذَا أرسله (١)؟!
واحتجوا أيضًا بالإجماع عَلَى أن المسلم تقطع يده إِذَا سرق مال
الذمي، وبحديث علي في أبي داود: ((ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو
عهد في عهده) (٢) أي: بكافر، وجعلوه من باب عطف الخاص عَلَى
العام، وأنه يقتضي تخصيصه؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد
هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي فلا يبقى أحد يقتل
به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به
المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
والجواب: أما القياس فهو في مقابلة النص وهو باطل، وأما
الحديث فجوابه من أوجه:
أحدها: أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف، وما بعد ذَلِكَ جملة
مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر.
ثانيها: سلمنا أنه من باب العطف لكن المشاركة بواو العطف وقعت
في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما في قول القائل: مررت بزيد
منطلقًا وعمرٍو. فإن المنقول كما قَالَ القرافي عن أهل اللغة والنحو
أن ذَلِكَ لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقًا بل الاشتراك في مطلق
المرور.
(١) ((سنن الدارقطني)) ١٣٤/٣-١٣٥ (١٦٥) كتاب: الحدود والديات.
وكذا قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٠/٨ وزاد أيضًا:
والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي، فقد كان يقلب الأسانيد ويسرق
الأحاديث حتی کثر ذلك في روایاته وسقط عن الاحتجاج به. اهـ.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٥٣٠) كتاب: الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ والحديث
صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٦٦٦).

٥٦٣
- كتاب العلم
ثالثها: أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم
مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد؛ لأن الذمة
تنعقد له ولأولاده.
الرابعة: الكلام عَلَى العقل وفكاك الأسير يأتي إن شاء الله في
(١)
الجهاد(١).
الحديث الثاني :
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ ثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قُتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ
مَكَّةَ بِقَتِيلِ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ
فَقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ - أَوِ القَتْلَ قال أبو نُعَيمٍ: وجعلوه
على الشَّك: الفِيلَ أَوِ القَتْلَ، وغيره يقول: الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَم تَحِلُّ
لأَحَدٍ بَعْدِي، أَا وَإِنَّهَا أُحَلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذِه
حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّ
لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ
القَتِيلِ)). فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: أَكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ.
فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لأَّبِي فُلَانٍ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ: إِلَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ
اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ،
إِلَّ الِإِذَخِرَ)).
(١) سيأتي برقم (٣٠٤٧) كتاب: الجهاد، باب: فكاك الأسير.

٥٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الديات عن أبي نعيم به وقال
فيه: ((فمن قتل له قتيل))(١) وهو الصواب، خلاف ما وقع هنا. وأخرجه
أيضًا في اللقطة عن يحيى بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي (٢)، وفي
الديات، وقال عبد الله بن رجاء: حَدَّثَنَا حرب (٣).
وأخرجه مسلم في المناسك: عن زهير و(عبيد) (٤) الله بن سعيد، عن
الوليد، عن الأوزاعي. وعن إسحاق بن منصور، عن (عبيد) (٥)
الله بن موسى، عن شيبان ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي
سلمة به (٦).
ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف
أما يحيى فهو: أبو نصر يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل،
ويقال: نشيط. ويقال: دينار. ودينار مولى علي اليمامي الطائي
مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد.
روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام
الدستوائي وغيره. قَالَ أيوب: ما بقي عَلَى وجه الأرض مثله. مات
(١) سيأتي برقم (٦٨٨٠) كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.
(٢) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: اللقطة، باب: كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة.
(٣) سيأتي برقم (٦٨٨٠).
(٤) في الأصول: عبد، والمثبت من ((صحيح مسلم)) (١٣٥٥)، ((تهذيب الكمال))
١٩/ ١٦٤ (٣٦٨٩).
(٥) في الأصول: عبد، والمثبت من ((صحيح مسلم)) (١٣٥٥)، ((تهذيب الكمال))
٥٠/١٩ (٣٦٣٩).
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها.

٥٦٥
= كتاب العلم
سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة (١).
وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره، نعم فيها يحيى بن
كثير العنبري (٢)، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي (٣)، وابن ماجه:
يحيى بن كثير صاحب البصري (٤) وهما ضعيفان.
(١) عن أحمد قال: قال أيوب السختياني: ما أعلم أحدًا بالمدينة بعد الزهري أعلم من
يحيى بن أبي كثير. وكان شعبة يقدمه على الزهري، وقال أحمد: يحيى من أثبت
الناس وقال العجلي ثقة، كان يعد من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: إمام
لا يحدث إلا عن ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٥٥٥/٥، (التاريخ الكبير)) ٣٠١/٨
(٣٠٨٧)، ((معرفة الثقات)) ٣٥٧/٢ (١٩٩٤) و((الجرح والتعديل)) ١٤١/٩
(٥٩٩)، و((تهذيب الكمال)) ٥٠٤/٣١ (٦٩٠٧)، و((تهذيب التهذيب)) ٣٨٣/٤.
(٢) يحيى بن كثير بن درهم العنبري، مولاهم، أبو غسان البصري خراساني الأصل،
وهو الذي يقال له: السعيري قال عباس العنبري: كان ثقة وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انظر ترجمته
في: ((التاريخ الكبير)) ٣٠٠/٨ (٣٠٨٤)، ((الجرح والتعديل)) ١٨٣/٩ (٧٦٠)،
و((الثقات)) ٢٥٥/٩، و((تهذيب الكمال)) ٤٩٩/٣١ (٦٩٠٤).
(٣) كذا في الأصول: [الباهلي] وما في ترجمته: الكاهلي . وهو يحيى بن كثير
الكاهلي الأسدي الكوفي، روى عن: صالح بن ضباب الفزاري ومسور بن يزيد
الكاهلي، وروى عنه: مروان بن معاوية الفزاري. قال أبو حاتم: شيخ وقال
النسائي ضعيف وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقد روى له البخاري في ((القراءة
خلف الإمام)) وقال ابن حجر: لين الحديث من الخامسة .
انظر: ترجمته في ((الجرح والتعديل)) ١٨٣/٩ (٧٦١)، ((الثقات)) ٥٢٧/٥.
و(تهذيب الكمال)) ٥٠١/٣١ (٦٩٠٥)، و((تقريب التهذيب)» ص ٥٩٥ (٧٦٣٠).
(٤) هو يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري، روى عن أيوب السختياني وعاصم
الأحول وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن السائب الكلبي وروى عنه شيبان بن فروخ
وفضيل بن حسين الجحدري ومحمد بن مرداس.
قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف، وقال النسائي:
ليس بثقة، وقال العقيلي منكر الحديث.
=

٥٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما شيبان (ع) فهو أبو معاوية (شيبان بن عبد الرحمن)(١) النحوي
المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم، سمع الحسن وغيره. وعنه ابن
مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات.
قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن
أبي كثير من الأوزاعي، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة في خلافة
(٢)
المهدي(٢).
فائدة :
النحوي نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن
غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، وليس في هذِه القبيلة من
يروي الحديث سواه ويزيد بن أبي سعيد (م، د)، وأما من عداهما
فنسبه إلى النحو علم العربية كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره (٣).
= انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١٨٢/٩ (٧٥٩)، ((المجروحين) ١٣٠/٣،
و((ضعفاء العقيلي)) ٤٢٤/٤ (٢٠٥٢)، ((تهذيب الكمال)) ٥٠٢/٣١ (٦٩٠٦)،
((تقريب التهذيب)) (٧٦٣١).
(١) في الأصول: شيبان بن معاوية بن عبد الرحمن، والصواب ما أثبتناه من ((تهذيب
الكمال)) ٥٩٢/١٢ (٢٧٨٤)، ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/٤ (٢٧٠٩)، ((جامع
الترمذي)» (٢٨٢٢).
(٢) شيبان هو التميمي سكن الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد. قال يحيى بن معين: شيبان
أحب إليَّ من معمر في قتادة، ثقة وهو صاحب كتاب. وقال محمد بن سعد
وأحمد بن عبد الله العجلي والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح
الحدیث، یکتب حديثه.
انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٧٧/٦، ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/٤
(٢٧٠٩)، ((الجرح والتعديل)) ٣٥٥/٤ (١٥٦١)، ((تاريخ بغداد)) ١٧/٩، ((تهذيب
الكمال» ٥٩٢/١٢ (٢٧٨٤).
(٣) ورد في هامش الأصل: قاله ابن السمعاني.

٥٦٧
كتاب العلم
فائدة ثانية :
ليس في ((صحيح البخاري)) من أسمه شيبان غيره، وفي مسلم: هو
وشيبان بن فروخ(١)، وفي أبي داود: شيبان أبو حذيفة القتباني(٢)، وليس
في الكتب الستة غير ذَلِكَ.
ثالثها : في فوائده:
وقد تقدم جملة من معناه في حديث أبي شريح الخزاعي في باب:
ليبلغ الشاهد الغائب، ونذكر هنا نبذًا منه:
الأولى: خزاعة قبيلة وكذا بنو ليث، وقد أسلفنا هناك أن المقتول
كان في الجاهلية، فقتلوا هذا به.
وعند ابن إسحاق أنه بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك. وذكر القصة:
وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأكوع الهذلي، وهو مشرك
بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال النبي وَلجر: ((يا معشر
(١) هو شيبان بن أبي شيبة الحبطي مولاهم، أبو محمد الأُبُلِّي قال أبو زرعة: صدوق.
وقال أبو حاتم: كان يرى القدر واضطر الناس إليه بأخرة وقال ابن حجر: صدوق
يهم رمي بالقدر من التاسعة، ولد في حدود سنة أربعين ومئة ومات سنة ست وقيل:
سنة خمس وثلاثین ومائتين.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/٤ (٢٧١١)، ((الجرح والتعديل)) ٣٥٧/٤
(١٥٦٢)، ((تهذيب الكمال)) ٥٩٨/١٢ (٢٧٨٥)، «الكاشف)) ٤٩١/١ (٢٣١٧).
(٢) هو شيبان بن أمية ويقال: ابن قيس، القتباني، أبو حذيفة المصري، روى عن
رويفع بن ثابت الأنصاري، وقال أبو سعيد بن يونس في ((تاريخ مصر)»: شهد فتح
مصر. وذكره أبو عبد الله بن خلفون في ((الثقات)) وخرج الحاكم حديثه في
((المستدرك)) وقال ابن حجر: مجهول من الثالثة.
وانظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٥٩١/١٢ (٢٧٨٣)، («الكاشف» ٤٩١/١
(٢٣١٥)، و((إكمال تهذيب الكمال)) ٣٠٧/٦ (٢٤٢٥).

٥٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
خزاعة، أرفعوا أيديكم عن القتل .. ))(١) الحديث كما ذكرناه هناك.
وقال الدارقطني فيه أنه رَِّ قَالَ: (لو كنتُ قاتِل مسلم بكافر لقتلت
خراشًا بالهذلي))(٢). قَالَ بعضهم: لو كان القتل قبل الإسلام لهدر النبي
ول30 كما هدر دماء الجاهلية.
الثانية: ((الفيل)) هو بالفاء ثمَّ مثناة تحت، وشك أبو نعيم بينه وبين
القتل -بالقاف ثم مثناة فوق كما سلف- وصوب الأول، والمراد بحبس
الفيل أهله، ويجوز أن يكون المراد نفسه كما ورد في قصته كما هي
مشهورة في السير والتفاسير (٣).
الثالثة: في خطبته بَّيه راكبًا دلالة عَلَى استحبابها في موضع عال
منبرًا كان أو غيره، جمعة كانت أو غيرها.
الرابعة: استدل بالتسليط من يرى أن مكة فتحت عنوة، وأن التسليط
وقع له رَّة مقابل الحبس الذي وقع لأصحاب الفيل وهو الحبس عن
القتال، وقد تقدمت المسألة في الحديث المشار إليه قريبًا.
قَالَ ابن بطال: ولا خلاف أنه ◌َّ منَّ عَلَى أهل مكة وعفا عن
(٤)
أموالهم(٤).
(١) سبق تخريجه عند ابن إسحاق.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ١٣٧/٣ (١٧٠).
(٣) أنظر: في ذلك ((المغازي)) لابن إسحاق ص٣٨ باب: حديث الفيل. و((أخبار مكة))
للأزرقي ١٣٤/١ وما بعدها باب: ذكر مبتدأ حديث الفيل، و((البداية والنهاية))
لابن كثير ٥٦٥/٢ وما بعدها. و((تفسير الطبري)) ٦٩١/١٢ -٦٩٩ تفسر سورة
الفيل. و((تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٤٦٤/١٠ - ٣٤٦٦. تفسير سورة الفيل. و«زاد
المسير في علم التفسير» ٢٣١/٩-٢٣٧. تفسير سورة الفيل.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)» ٦/ ٥٥٧.

٥٦٩
كتاب العلم
وذهب مالك والكوفيون إلى أن الغنائم لا تملك ملكًا مستقرًا بنفس
الغنيمة، بل للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ عَلَى الأسارى
وهم من جملة الغنائم.
الخامسة: قَالَ الطحاوي: الذي أحل له ◌َّ وخص به دخوله مكة
بغیر إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده بدونه(١).
وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وأبي حنيفة،
وصاحبيه (٢)، ولمالك(٣) والشافعي (٤) قولان فيمن لم يرد الحج
والعمرة. وقال الطبري: الذي أحل لَهُ قتال أهلها ومحاربتهم. وقد
سلف شيء من ذَلِكَ في الحديث المشار إليه.
السادسة: قوله: ( (ولا يُخْتَلَى شَوْكُه) ) هو بمعنى: ((لا یعضد)) وقد
سلف هناك يقال: خليت الخلا أخليه: إِذَا قطعته، والخلا بفتح الخاء
مقصور: الرطب من الكلأ.
السابعة: قوله: ((وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) وجاء: ((ولا تحل
لقطتها إلا لمنشد))(٥). وجاء: ((ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها)) (٦).
والمنشد: المعرف. وأما الطالب فيقال له: ناشد. يقال: نشدت
الضالة إِذَا طلبتها، وأنشدتها إِذَا عرفتها.
وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر. والمعنى عَلَى هذا:
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٣٢٩/٣.
(٢) ((تبيين الحقائق)) ٧/٢.
(٣) أنظر: ((عيون المجالس)) ٨٣١/٢-٨٣٢، ((حاشية الدسوقي)) ٢٥/٢.
(٤) انظر: ((البيان)) ١٥/٤، ((روضة الطالبين)) ٧٧/٣.
(٥) سيأتي برقم (٢٤٣٣) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرَّف.
(٦) سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش.

٥٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها أبدًا من غير (توقيت)(١) بسنة، ثم
يملكها كغيره من البلاد. وبه قَالَ الشافعي(٢)، وابن مهدي، وأبو
عبيد(٣)، والداودي، والباجي، وابن العربي، والقرطبي(٤).
وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أنها كغيرها في التعريف
والتمليك(٥). وحمل المازري الحديث عَلَى المبالغة في التعريف؛ لأن
الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة
لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
وعن ابن راهويه والنضر بن شميل: تقديره: إلا من سمع ناشدًا
يقول: من أضل كذا. فحينئذ يجوز رفعها إِذَا رآها ليردها (على)(٦)
صاحبها. وقيل: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قَالَ أبو عبيد: وهو
جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد(٧).
قُلْتُ: قد حكاه بعضهم فجعل الناشد: المعرف، والمنشد:
الطالب، عكس ما سلف حكاه عياض في ((مشارقه)) عن الحربي(٨).
الثامنة: قوله: ((إما أن يعقل، (وإما أن)(٩) يقاد أهل القتيل)))، كذا
رواه هنا. وقال في الديات: ((إما يودي و(أو)(١٠) يقاد))(١١) قَالَ: وقال
عبيد الله: ((وإما أن يقاد أهل القتيل)): والمعنى: إما أن يعقل المقتول
(١) في الأصل: التوقت.
(٣) أنظر: ((زاد المعاد)» ٤٥٣/٣.
(٢) أنظر: ((الحاوي)) ٤/٨.
(٤) انظر: ((الذخيرة)) ١١٤/٩.
(٥) انظر: ((عيون المجالس)) ١٨٤٠/٤، ((الحاوي)) ٥/٨، ((روضة الطالبين)) ٥٪
٤١٢، ((مواهب الجليل)) ٨/ ٤٣.
(٦) في (ج): إلى.
(٨) ((مشارق الأنوار)) ٢٨/٢.
(١٠) في (ج): وإما.
(٧) ((غريب الحديث)) ٢٧٩/١.
(٩) في (ج): أو.
(١١) سيأتي برقم (٦٨٨٠) كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.

٥٧١
-- كتاب العلم
بالدية، وإما أن يقاد، أي: يقتل القاتل. وحكى بعضهم عن رواية مسلم:
((يفادى))(١) بالفاء. والصواب: بالقاف، لأن العقل هو الفداء، فيختل
المعنى. وسميت الدية عقلًا بالمصدر لأنها تعقل بفنائه.
التاسعة: فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس
لَهُ إجبار الجاني عَلَى أي الأمرين شاء، وبه قَالَ الشافعي(٢) وأحمد(٣).
وقال مالك في المشهور عنه: ليس لَهُ إلا القتل أو العفو، وليس لَّهُ الدية
إلا برضا الجاني(٤). وبه قَالَ الكوفيون(٥)، وهو خلاف نص الحديث،
وأوّله المهلب بأنه وَّ حض الولي عَلَى أن ينظر إن كان القصاص
خيرًا من الدية أقتص، وإن كانت الدية خيرًا قبلها من غير أن يجبر عليها.
العاشرة: فيه أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص
(أو) الدية، وهو أحد قولي الشافعي، وأصحهما عنده أن الواجب
القصاص، والدية تدل (عند)(٦) سقوطه(٧)، وهو مشهور مذهب
مالك(٨).
(١) ((صحيح مسلم)) (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وخلاها وشجرها.
بلفظ (يُقدئُ).
(٢) انظر: ((الأم)) ١٠/٦، ((روضة الطالبين)) ٢٣٩/٩.
(٣) انظر: ((الإقناع)) ١٢٣/٤، ((المبدع)» ٢٩٧/٨.
(٤) روي عن الإمام مالك قولان أحدهما هذا، والآخر أن الولي بالخيار في القصاص
أو الدية، وإن كره القاتل. انظر: ((عيون المجالس)) ١٩٩١/٥، ((الذخيرة» ١٢/
٤١٣.
(٥) انظر: ((الهداية)) ٥٠١/٤.
(٦) في (ج): رجال، وهو خطأ.
(٧) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٣٩/٩ وانظر القول الثاني في ((إِحكام الأحكام)) ٦٣١
وهو أن القصاص عينًا.
(٨) انظر: ((الذخيرة)» ٤١٣/١٢.

٥٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وعلى القولين للولي العفو عَلَى الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني،
ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية. وبه قَالَ أحمد(١).
وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني،
وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي(١) ، ووقع
في شرح الشيخ تقي الدين لـ((العمدة)) ترجيحه(٣) .
الحادية عشرة: الإذن في كتابة العلم وقد سلف في الحديث ما فيه،
ومعنى قوله: ((اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ)) أراد خطبة النبي ◌َّل يوم الفتح
بمكة قَالَه الأوزاعي، كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح().
وقوله: فقال: (كْتُبُوا لأَبِي قُلَانٍ)) هو: أبو شاه، كما جاء في رواية
أخرى في ((الصحيح))(٥) ولا يعرف اسمه، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، وعن
ابن دحية أنه بالتاء منصوبًا، وقال في ((المطالع)): أبو شاه مصروفًا،
ضبطه وقراءته(٦) أبا، معرفة ونكرة.
وقال النووي: وهو بهاء في آخره؛ درجًا ووقفّا(٧) ، قَالَ: وهذا
لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم عَلَى
وجهه ومن مظانه.
الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ إِلَّا الإِذْخِرَ) هو العباس
(١) انظر: ((الكافي)) ١٨٤/٥ -١٨٥.
(٢) وفي الجديد: إذا مات القاتل وجبت الدية للولي. انظر: ((تقويم النظر)) ٤٢٩/٤.
(٣) انظر: ((إحكام الأحكام)) ص٦٣١.
(٤)
البخاري (٢٤٣٤) كتاب: الحج، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٥)
(٦)
في (ج) وصوابه.
((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٢٩/٩.
(٧)

٥٧٣
= كتاب العلم
كما جاء مبينًا في رواية أخرى في ((الصحيح))(١).
الثالثة عشرة: (الإِذخر)) بكسر الهمزة، والخاء والذال المعجمتين:
نبت معلوم طيب الريح، واحده إذخرة.
الرابعة عشرة: المراد بالبيوت: المعلومة، وأبعد من قَالَ: المراد
بها القبور: لقوله بعده: (وقبورنا).
وفي كتاب: الحج من حديث ابن عباس: لصاغتنا وقبورنا(٢) . وفي
أخرى: لقينهم١) أي: الصائغهم، والقَيْن: الحداد، ومنه قوله: كان
خباب قينا، والقينة أيضًا: المغنية، والماشطةُ) ، ويجمع بين
الروايات أنهم كانوا يستعملونه في هذِه الأمور؛ لمسيس الحاجة إليه،
وكانوا يخلطونه؛ لئلا يتشقق ما بني به كما يفعل بالتبن، وكانوا
يسقفون به فوق الخشب.
الخامسة عشرة: قوله ◌َله: ((لا الإذخر)) هو استثناء من قوله:
(لا يختلَى شوكها)) وهو بعض من كل، وقد استدل به الأصوليون عَلَى
أنه وَ لّه كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه، وهو الأصح.
وتوقف أكثر المحققين فيه وفي وقوعه، وجوزه بعضهم في أمر الحرب
دون غيره، ومثل هذا الحديث (و سمعت ما قتلت)) لأخت النضر بن
(١) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٢)
سيأتى برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش.
(٣)
سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٤)
أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١٣٥/٤.
(٥) ورد بهامش الأصل: قوله: أخت النضر. هو الصواب، وقال في ((منهاج
البيضاوي)»: ابنة النضر. وهو وهم فاجتنبه، وأصل ذلك أن قومًا رووه: أخت.
وغالب ظني أن السهيلي في ((الروض)) وهّم (أخت).

٥٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحارث(١). ((ولو قُلْتُ: نعم لوجبت))(٢) في تكرار الحج، وبقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ﴾ الآية [الأنفال: ٦٧] في أسارىُ(٣) بدر وغير ذَلِكَ (٤).
وأجاب المانعون بأنه يجوز أن يقارن بها نص أو يتقدم عليها وحي،
أو كان جبريل حاضرًا فأشار به، فليس ذَلِكَ من باب الاجتهاد، ويجوز
أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فلما سأل
العباس ذَلِكَ أجاب به.
وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قيل: إنه
مخصوص بالحرب(٥).
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثنا سُفْيَانُ ثنا عَمْرٌو أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ، عَنْ
أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَحَدٌ أَكْثَرَ
حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا
أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وهذا الحديث من أفراده، ولم يخرجه إلا هنا، وسبب قلة رواية
(١) ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤/ ٤٥٧-٤٥٨.
(٢) رواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة واحدة.
والنسائي ١١٠/٥-١١١، وأحمد ٥٠٨/٢، وابن خزيمة ١٢٩/٤-١٣٠ (٢٥٠٨)،
وابن حبان ١٨/٩-٢٠ (٣٧٠٤-٣٧٠٥) كتاب: الحج، باب: فرض الحج،
والدارقطني ٢٨١/٢-٢٨٢، والبيهقي ٣٢٥/٤-٣٢٦.
(٣) في (ج): أسرئ.
(٤) رواه مسلم (١٧٦٣) كتاب: السير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة
الغنائم، وأبو داود (٢٦٩٠)، وأحمد ٣٠/١، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣٥٧/٧
(٣٦٦٧٣)، والطبري في ((تفسيره)) ٢٨٧/٦-٢٨٨، وابن حبان في ((صحيحه))
١١٤/١١.
(٥) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له.

٥٧٥
= كتاب العلم
عبد الله بن عمرو أنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي
هريرة فإنه توطن المدينة، وهي المقصد من كل جهة، وانتصب للرواية،
لا جرم روى فوق الخمسة آلاف (حديث) (١)، ووجد لعبد الله بن
عمرو سبعمائة حديث كما ذكرته في ترجمتهما (٢).
وأخو وهب هو همام، وهو أكبر من وهب، وهم أربعة إخوة:
وهب، ومعقل أبو عقيل، وهمام، وغيلان، وكان أصغرهم. وكان
آخرهم موتًا همام. ومات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلان ثمَّ همام. ووالدهم
منبه بن كامل (بن)(٣) سيج -بسين مهملة كما سلف، وقيل: معجمة
ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمَّ جيم- بن ذي كبار وهو الأسوار الصنعاني
اليماني الذماري -بكسر الذال المعجمة، وقيل: بفتحها، وذمار عَلَى
مرحلتين من صنعاء(٤) - الأبناوي نسبة إلى الأبناء - بباء موحدة ثمَّ
نون- وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع
سيف بن ذي يزن، كما سلف في باب حسن إسلام المرء.
ولم يذكر البخاري وهب بن منبه إلا في هذا الموضع كما نبه عليه
الباجي، وسمع في غير البخاري جابرًا، وأبا هريرة وغيرهما من
الصحابة، وثقوه خلا الفلاس فإنه ضعفه، وكان إخباريًّا قاضيًا
صاحب (ليث)(٥). مات سنة أربع عشرة ومائة، ابن ثمانين سنة فيما
قيل، أخرجوا لَهُ خلا ابن ماجه (٦).
(١) من (ج).
(٢) سبقت ترجمته في شرح حديث رقم (١١).
(٣) ساقطة من الأصول، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج.
(٤) انظر: ((معجم ما استعجم)) ٦١٤/٢، و((معجم البلدان)) ٧/٣.
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ليل، كما يحكى عنه في كتب التراجم.
(٦) وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في =

٥٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وأخوه همام أبو عقبة، أخرج لَّهُ الجماعة، وهو تابعي يروي عن ابن
عباس أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سلف في
الباب السالف المشار إليه ترجمته واضحة.
الحديث الرابع :
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَِّيِّ
وَهِ وَجَعُهُ قَالَ: ((اثْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ
عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ غَلَبَهُ الوَجِّعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا
وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: ((قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابن
عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
الکلام عليه من أوجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطب (١) والاعتصام عن
أحدها :
= الثقات. وقال ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)): وهب بن منبه الصنعاني من
التابعين ، وثقه الجمهور وشذ الفلاس فقال: كان ضعيفا وكان شبهته في ذلك أنه
کان یتھم بالقول بالقدر وصنف فیه کتابا، ثم صح أنه رجع عنه، قال حماد بن سلمة
عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة
وسبعين كتابا من كتب الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر،
فتركت قولي. وليس له في البخاري سوى حديث واحد عن أخيه همام عن أبي
هريرة في كتابة الحديث، وتابعه عليه معمر عن همام.
وانظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى)) ٥٤٣/٥، ((التاريخ الكبير)) ١٦٤/٨
(٢٥٦٥)، ((معرفة الثقات)) ٣٤٥/٢ (١٩٥٧) ((الجرح والتعديل)) ٢٤/٩ (١١٠)،
((تهذيب الكمال)) ٣١/ ١٤٠ (٦٧٦٧)، «هدي الساري» ص ٤٥٠.
(١) سيأتي برقم (٥٦٦٩) كتاب: المرضى، باب: قول المريض: قوموا عني.

٥٧٧
= كتاب العلم
إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر (١). وفي المغازي عن علي (٢)،
وفي الطب عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٣).
وأخرجه مسلم في الوصايا عن محمد بن رافع وعبد (٤)، عن
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به (٥).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا.
ثالثها: في فوائده:
الأولى: قوله: (لَمَّا أُشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ وَّهِ وَجَعُهُ)، هو المراد بقوله في
كتاب الطب: لما حضر رسول الله وَّل﴾. وفيه: واختلف أهل البيت
فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ولو كتابا لن تضلوا بعده.
ومنهم من يقول ما قَالَ عمر.
وفي بعض طرقه في ((الصحيح)) ((ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح
والدواة أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدً) (٦).
الثانية: اختلف العلماء في الكتاب الذي همَّ ◌َّ بكتابته ما هو؟
قَالَ الخطابي: يحتمل وجهين :
أحدهما: أنه أراد أن ينص عَلَى الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن
العظيمة كحرب الجمل وصفين.
(١) سيأتي برقم (٧٣٦٦) كتاب: الاعتصام، باب: كراهية الاختلاف.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٣٢) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي وَل.
(٣) سيأتي برقم (٥٦٦٩) كتاب: المرضى، باب: قول المريض قوموا عني.
(٤) هو عبد بن حميد.
(٥) (صحيح مسلم)) (١٦٣٧) كتاب: الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء
یوصی فیه.
(٦) سيأتي برقم (٣١٦٨) كتاب: الجزية والموادعة باب: إثم من قتل معاهدًا.

٥٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وثانيهما: أنه أراد أن يبين كتابًا فيه مهمات الأحكام ليحصل الأتفاق
عَلَى المنصوص عليه، ثمَّ ظهر للنبي ◌َّر أن المصلحة تركه، أو أوحي
(١)
إليه به(١) .
الثالثة: لا شك في عصمته ◌َّه من تغيير شيء من الأحكام الشرعية في
حال صحته ومرضه، وليس هو معصومًا من الأمراض العارضة للأجسام
مما لا نقص فیه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شریعته، وقد سحر ولم
يصدر منه في هُذِه الحالة حكم مخالف لما قرره من الأحكام.
إِذَا تقرر ذَلِكَ فقول عمر : أنه غلبه الوجع .. إلى آخره معناه:
أنه خشي أن يكتب أمورًا قد يعجزوا عنها فيستحقوا العقوبة عليها؛
لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، وقصد التخفيف عليه
حين غلبه الوجع، ولو كان المراد كتابة ما لا يستغنى عنه لما تركه
لاختلافهم.
وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله: أنه بير أراد أن يكتب
استخلاف الصديق ثمَّ ترك ذَلِكَ اعتمادًا عَلَى ما علمه من تقدير الله
تعالى(٢).
وذلك كما همَّ في أول مرضه حين قَالَ: ((وارأساه)) وترك الكتاب.
وقال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر))(٣)، ثمَّ قدمه في الصلاة،
ورأى عمر الاقتصار عَلَى ما سبق، لئلا ينسد باب الاجتهاد والاستنباط،
وقد كان سبق منه قوله گلچ :
(١) ((أعلام الحديث)) ٢١٧/١-٢١٨.
(٢) ذكر ذلك النووي في ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١١/ ٩٠-٩١.
(٣) سيأتي برقم (٥٦٦٦) في المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع.

٥٧٩
- كتاب العلم
((إِذَا أَجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر))(١). وفي
تركه رسّ الإنكار عَلَى عمر دلالة عَلَى أستصوابه.
فإن قُلْت: كيف ساغ لعمر الاعتراض؟ قُلْتُ: أجاب عنه الخطابي
حيث قَالَ: لا يجوز أن يحمل قوله أنه توهم (الغلط)(٢) عليه أو ظن به
غير ذَلِكَ مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع
وقرب الوفاة خاف أن يكون ذَلِكَ القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة
لَهُ فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين.
وقد كانت الصحابة يراجعونه ولار في بعض الأمور قبل أن يجزم
فيها، كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق وفي الصلح بينه وبين
قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد.
قَالَ: وأكثر العلماء، عَلَى أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه
وحي، وأجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه.
قَالَ: ومعلوم أنه ربَّ وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم
ينزهه من العوارض البشرية، فقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به
حدوث بعض هذِه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذه الحال حتَّى
يتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر ﴾(٣).
وأجاب المازري بنحوه حيث قَالَ: لا خلاف أن الأوامر قد يقترن بها
قرائن تصرفها من الندب إلى الوجوب، وعكسه عند من قَالَ: إنها للوجوب
(١) سيأتي برقم (٧٣٥٢) كتاب: الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو
أخطأ.
(٢) في (ج): اللغط.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٣/١-٢٢٥. بتصرف.

٥٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإلى الإباحة وغيرها من المعاني، فلعله ظهر من القرائن ما دل عَلَى أنه
لم يوجب ذَلِكَ عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، ولعله أعتقد أنه صدر
ذَلِكَ مِنْهِ وَّ من غير قصد جازم، فظهر ذَلِكَ لعمر دون غيره (١).
الرابعة: معنى قول عمر﴾: (وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا)، أي:
كافينا في ذَلِكَ مع ما تقرر في الشريعة، قَالَ تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن
شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وزعم الداودي أن معناه: أنه بَّر ذكر كلامًا لم يذكر في الحديث،
فإما أن یکون حضهم على كتاب الله والأخذ بما فیه. فقال عمر: عندنا
کتاب الله، تصديقًا لقوله.
وسيكون لنا عودة إن شاء الله إلى هذا الحديث في موضع من
المواضع السالفة بيانها، فإن فيه زيادة في بعض الطرق نتكلم عليها،
ومن تراجمه عليه في الاعتصام، باب: النهي عَلَى التحريم إلا ما
تعرف إباحته.
الخامسة: في قوله: (ثْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ)) دلالة عَلَى أن للإِمام
أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة، وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد
كما سلف؛ لأنه وكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم.
(١) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٧٤/٢.