Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
= كتاب العلم
٢٣ - باب الفُتْيَا
وَهُوَ وَاقِفٌّ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْهَا
٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ
طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَقَفَ في
حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنَّى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ
أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: ((اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)). فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَتَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيّ؟
قَالَ: ((ارْم وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّه عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخْرَ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ
وَلَا حَرَجَ)). [١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ١ / ١٨٠]
حدثنا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةً
بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَقَفَ فِي
حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنَّى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ
قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: ((اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)). فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ،
فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْم وَلَا حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ
شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)).
الكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا قريبًا عن أبي نعيم، عن
عبد العزيز، عن الزهري به(١). وأخرجه في الحج عن عبد الله بن
يوسف، عن مالك، وعن سعيد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن جريج،
عن الزهري به(٢).
(١) سيأتي برقم (١٢٤) كتاب: العلم، باب: السؤال والفتيا عند رمي الجمار.
(٢) سيأتي برقم (١٧٣٦)، (١٧٣٧) باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأخرجه مسلم في المناسك من طرق، منها: عن يحيى بن يحيى،
عن مالك(١).
ثانيها: في التعريف برجاله:
وقد سلف التعريف بهم خلا عيسى وهو: أبو محمد عيسى بن
طلحة بن عبيد الله القرشي، تابعي، ثقة، كثير الحديث من أفاضل
أهل المدينة وعقلائهم أخو موسى ومحمد، مات سنة مائة(٢).
ثالثها:
مراد البخاري بهذا التبويب الاستدلال عَلَى جواز سؤال العالم وإن
كان مشتغلًا، راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كل أحواله ولو كان في طاعة،
ولم يذكر هنا أنه كان عَلَى دابة؛ ليطابق ما بوب عليه لكنه ذكره في
الحج، وفيه أنه كان عَلَى ناقته عندما سُئِلَ.
رابعها:
ذكر البخاري في روايته هنا أنه كان إذ ذاك بمنى، وذكر في موضع
آخر أن ذاك (كان)(٣) حال (خطبته) (٤) يوم النحر، وفي موضع آخر: رأيته
عند الجمرة؛ فيحتمل أن تكون الواقعة واحدة، وأن تكون متعددة بأن
يكون السؤال وقع مرة عند الجمرة ومرة عند الخطبة، وللبخاري في
(١) رواه مسلم (١٣٠٦) باب: من حلق قبل النحر.
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٨٥/٦ (٢٧١٩). ((الجرح والتعديل» ٢٧٩/٦
(١٥٥٠). ((تهذيب الكمال)) ٦١٥/٢٢ - ٦١٧ (٤٦٣١)، ((سير أعلام النبلاء)» ٤/
٣٦٧، ٣٦٨ (١٤٤)، ((شذرات الذهب)) ١١٩/١. وورد بهامش الأصل: قال
الذهبي في ترجمة عيسى: مات سنة مائة ظنًّا.
(٣) من (ج).
(٤) في (ج): خطبة.

٤٢٣
= كتاب العلم
موضع آخر من حديث ابن عباس: رميت بعدما أمسيت. قَالَ:
((لا حرج))(١). وهو دال على تعدد السؤال.
خامسها :
معنى (لَمْ أَشْعُرْ): لم أفطن، والحرج هنا: الإثم. أي: لا إثم عليك
فيما فعلت، وهو إجازة لَهُ أيضًا.
سادسها :
وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثمَّ النحر، ثمَّ
الحلق، ثمَّ طواف الإفاضة، هذا هو السنة في ترتيبها، فإن خالف
صح ولا شيء عليه، ويروى عن الحسن وجماعة وجوب الدم وهو
شاذ، وانفرد ابن الجهم المالكي فقال: القارن لا يجوز لَهُ الحلق قبل
الطواف(٢).
ومنع مالك وأبو حنيفة من تقديم الحلق عَلَى الرمي (٣)، ولأصحابنا
وجه مثله منع من تقديم الحلق عَلَى الرمي والطواف معًا بناء عَلَى أنه
استباحة محظور(٤)، وعن أحمد أنه إِذَا قدم بعض هذِه الأشياء عَلَى
بعض لا شيء عليه إن كان جاهلاً وإن كان عالمًا ففي وجوب الدم
روايتان(٥). وقال ابن الماجشون فيمن حلق قبل الذبح بوجوب الفدية.
وسيكون لنا عودة إلى الخوض في ذَلِكَ قريبًا، وفي كتاب الحج إن
شاء الله تعالى ذَلِكَ وقدره، وقد بسطتُ القول فيه في ((شرح
(١) سيأتي برقم (١٧٢٣) كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الحلق.
(٢) ((المنتقى)) ٣٠/٣.
(٣) ((التفريع)) ٣٤٣/١. ((عيون المجالس)) ٨٤٠/٢ - ٨٤١. ((الهداية)) ١/ ١٨١-١٨٢.
(٤) ((روضة الطالبين)) ١٠٢/٣-١٠٣.
(٥) ((المغني)) ٣٢٠/٥-٣٢٣.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
العمدة))(١) نفع الله به.
والفتيا والفتوى: الاسم، ولم يجئ من المصادر عَلَى فُعلى غير
الفُتيا والرُّحبىُ وبُقْيَا ولُقْيَا(٢).
(١) ((شرح العمدة)» ٣٤٤/٦ وما بعدها.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٢٧٣١/٣، مادة: [فتو]، ((لسان العرب)) ٣٣٤٨/٦.

٤٢٥
كتاب العلم
=
٢٤ - باب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ
٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيّ؟
فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: ((وَلَا حَرَجَ)). قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: ((وَلَا حَرَجَ)).
[ ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ٦٦٦٦ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ١ /١٨١]
٨٥ - حَدَّثَنَا الَكُيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالمْ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالْفِتَنُ،
وَيَكْثُرُ الهَرْجُ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ
القَتْلَ. [١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١
- مسلم: ١٥٧ - فتح: ١ /١٨٢]
٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بِنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ - وَهِيَ تُصَلِّي - فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟
فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ
بِرَأْسِهَا أَيْ: نَعَمْ - فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَِّ الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ،
فَحَمِدَ اللهَ وَّ النَّبِيُّ وََّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ
فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ -
قَرِيبَ - لَا أَذْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ:
مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوِ المُوقِنُ لَ أَدْرِي بِأَنَّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ -
فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ
مُحَمَّدٌ. ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنَّا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ -
أَوِ المُزْتَابُ لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ
شَيْئًا فَقُلْتُهُ)). [١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧ - مسلم:
٩٠٥ - فتح: ١٨٢/١]

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
الأول: حديث ابن عباس وهذا سياقته:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَ ◌ّهِ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟
فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: ((وَلَا حَرَجَ)). قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ:
((وَلَا حَرَجَ)).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحج عن موسى، عن وهيب، عن
عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (١).
وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب به (٢).
وقد سلف التعريف برواته وفقهه.
الحديث الثاني :
حَدَّثَنَا المَكِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم :
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهِّلُ
وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا
بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ.
الكلام عليه من أوجه:
أولها :
هذا الحديث أخرجه مسلم في العلم أيضًا عن ابن نمير وغيره؛ عن
إسحاق بن سليمان؛ كلاهما عن حنظلة هو ابن أبي سفيان الجمحي به (٣).
(١) سيأتي برقم (١٧٢١) باب: الذبح قبل الحلق.
(٢) برقم (١٣٠٧) باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٣) برقم (٢٢٧٢) باب: رفع العلم وقبضه.

٤٢٧
= كتاب العلم
ثانيها : في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا مكي بن إبراهيم وهو: أبو السكن مكي
(ع) بن إبراهيم بن بشير -بفتح الباء- ابن فرقد البلخي الحنظلي الحافظ،
أخو إسماعيل ووالد الحسن ويعقوب.
سمع حنظلة وغيره من التابعين، وهو أكبر شيوخ البخاري من
الخراسانيين؛ لأنه روى عن التابعين وروى مسلم والأربعة عن رجل
عنه، وعنه روى أيضًا أحمد وغيره، وهو ثقة ثبت. روي عنه أنه قَالَ:
حججت ستين حجة، وتزوجت ستين أمرأة، وجاورت بالبيت عشر
سنين، وكتبت عن سبعة عشر من التابعين، ولو علمت أن الناس
يحتاجون إليَّ (لما)(١) كتبت عن أحد دون التابعين.
قَالَ: خرج بي أبي وأنا ابن إحدى عشرة سنة لم أعقل الطلب، فلما
بلغت سبع عشرة سنة أخذت في الطلب ولد سنة ست وعشرين ومائة،
ومات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين ببلخ(٢). وليس في
الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره.
ثالثها: قَدْ سلف أن معنى قبض العلم: قبض أهله. وفي رواية لمسلم
(وينقص العلم))(٣) وكأنه -والله أعلم- قبل قبضه.
و(الْهَرْجُ) بإسكان الراء، وأصله الاختلاط والقتال، وكذا التهارج،
ومنه يتهارجون تهارج الحمر أي: يختلطون رجالاً ونساء، ويتناكحون
(١) في (ج): ما.
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٧١/٨ (٢١٩٩). ((الجرح والتعديل)) ٤٤١/٨
(٢٠١١). ((تهذيب الكمال)» ٤٧٦/٢٨ - ٤٨٢ (٦١٧٠)، ((سير أعلام النبلاء» ٩/
٥٤٩-٢٥٣ (٢١٤)، ((شذرات الذهب)) ٣٥/٢.
(٣) برقم (١٢/١٥٧) بعد (٢٦٧٢) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مزاناة يقال: هرجها يهرجها مثلث الراء إِذَا نكحها.
وقيل: أصله الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات
يهرجها ليلة جمعا. وقال ابن دريد: الهرج: الفتنة آخر الزمان(١).
وقوله: (فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ). جاء في رواية
مسلم: قالوا: وما الهرْج؟ قَالَ: ((القتل))(٢).
رابعها: فيه وفيما قبله وفي الحديث الذي بعده، فإن فيه الإشارة
أيضًا دلالة عَلَى أن الإشارة كالنطق، وسيأتي في كتاب الطلاق - إن
شاء الله وقدره- حكم الإشارة بالطلاق وبسط هذِه القاعدة وما يستثنى
منها في حق من لا قدرة لَهُ عَلَى النطق، وفي حديث أسماء الآتي
دلالة عَلَى جواز الإشارة في الصلاة والعمل القليل فيها، ومنه استنبط
البخاري الفتيا بالإشارة.
الحديث الثالث :
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا وُهَيْبٌ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ
أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ -وَهِيَ تُصَلِّي- فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟
فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ:
آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، أَيْ: نَعَمْ - فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّنِي الغَشْيُ،
فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ النَّبِيُّ وَّهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ،
فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ -مِثْلَ أَوْ- قَرِيبَ -لَا أَدْرِي أي
ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا
(١) ((جمهرة اللغة)) ٤٦٩/١.
(٢) مسلم (١١/١٧٦) بعد (٢٦٧٢).

٤٢٩
= كتاب العلم
الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوِ المُوقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ:
هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّئَاتِ وَالْهُدى، فَأَجَبْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ، وهُوَ
مُحَمَّدٌ. ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا
المُنَافِقُ - أَوِ المُرْتَابُ لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ
لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)).
الكلام عليه من أوجه :
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، هنا كما ترى،
وفي الطهارة عن إسماعيل عن مالك(١)، وفي الكسوف عن عبد الله بن
يوسف عن مالك(٢)، وفي الاعتصام عن القعنبي عن مالك(٣)، وفي
الجمعة في باب: من قَالَ في الخطبة: أما بعد، وقال فيه محمود: ثنا
أبو أسامة (٤).
وفي الخسوف: وقال أبو أسامة(٥)، وفي السهو في باب الإشارة في
الصلاة عن يحيى بن سليمان، عن ابن (وهب)(٦)، عن الثوري
مختصرًا(٧). وفي الخسوف مختصرًا: عن الربيع بن يحيى، عن
زائدة(٨)، وعن موسى بن مسعود، عن زائدة مختصرًا، وتابعه علي
(١) سيأتي برقم (١٨٤) كتاب: الوضوء، من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل .
(٢) سيأتي برقم (١٠٥٣) باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٨٧) باب: الاقتداء بسنن الرسول وَّه.
(٤) سيأتي برقم (٩٢٢).
(٥) سيأتي برقم (١٠٦١) باب: قول الإمام في خطبة الكسوف أما بعد.
(٦) في الأصل: وهيب.
(٧) سيأتي برقم (١٢٣٥).
(٨) سيأتي برقم (١٠٥٤) باب: من أحب العتاقة في كسوف الشمس.

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عن الدراوردي(١) وعن محمد المقدمي، عن عثَّام في العتاقة(٢).
وأخرجه مسلم في الخسوف عن أبي كريب، عن ابن نمير، وعن أبي
بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، عن أبي أسامة، كلهم عن هشام به(٣).
ثانيها : في التعريف برواته :
وقد سلف التعريف بهم غير أسماء وفاطمة.
أما أسماء فهي: بنت الصديق، وأم ابن الزبير من المهاجرات،
هاجرَتْ إلى المدينة وهي حامل بعبد الله.
روى عنها ابناها عروة وعبد الله، وحفيدها عباد. عُمِّرَت نحو
المائة، ولم يسقط لها سن ولم يتغير لها عقل، وقصتها مع الحجاج
مشهورة، وعاشت بعد صلب ابنها عشر ليالٍ، ماتت بمكة سنة ثلاث
وسبعين.
وهي ذات النطاقين، وكان مولدها قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة.
وأسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا. وطلقها الزبير، قيل: لكبر سنها. وقيل:
لأنه ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فلما رآه قَالَ: أمك طالق إن دخلت.
فقال عبد الله: تجعل أمي عرضة ليمينك، ودخل وخلصها فبانت منه.
وقيل: إن عبد الله قَالَ لأبيه: مثلي لا توطأ أمه. فطلقها، وفيه نظر.
وروى مسلم عنها ويأتي في البخاري أيضًا في الغيرة، قالت:
تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير
فرسه، فكنت أعلفه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه
(١) سيأتي برقم (٢٥١٩) باب: ما أستحب من العتاقة في الكسوف.
(٢) سيأتي برقم (٢٥٢٠) باب: ما استحب من العتاقة في الكسوف.
(٣) رواه مسلم (٩٠٥) كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ◌َّ في صلاة
الكسوف من أمر الجنة والنار.

٤٣١
كتاب العلم
=
وأستقي الماء وأخرز غربه(١) وأعجن، وكنت أنقل النوى عَلَى رأسي من
أرضه وهي عَلَى ثلثي فرسخ وفي طريق، ولم يكن علي أشد من سياسة
الفرس(٢).
روي لها ستة وخمسون حديثًا، أنفرد البخاري بأربعة، ومسلم
بمثلها، واتفقا عَلَى أربعة عشر (٣).
وأما فاطمة: فهي بنت المنذر بن الزبير بن العوام زوج هشام بن
عروة، روت عن جدتها أسماء. وعنها زوجها هشام ومحمد بن
إسحاق، وأنكر عليه ونسب إلى الكذب في ذَلِكَ ولكنه ممكن، وهي
تابعية ثقة، قَالَ هشام: هي أكبر مني بثلاث عشرة سنة. وقال مرة:
أدخلت علي وهي بنت تسع سنين، فليحرر (٤).
ثالثها : في فقهه ومعانيه.
فيه: جواز الإشارة في الصلاة كما تقدم، والعمل القليل فيها.
و(الْغَشْيُّ): قَالَ القاضي: رويناه في مسلم وغيره بكسر الشين مع
تشديد الياء، وإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغشاوة. ورواه
بعضهم بالعين المهملة، وليس بشيء كما نبه عليه صاحب ((المطالع)).
(١) الغرب: الدلو العظيم. انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) ٦١/٣. ((لسان العرب))
٣٢٢٧/٣. ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٤٩/٣، مادة: [غرب].
(٢) سيأتي برقم (٥٢٢٤) كتاب: النكاح، باب: الغيرة. ورواه مسلم (٢١٨٢) كتاب:
السلام، باب: جواز إرداف المرأة الأجنبية على الطريق.
(٣) أنظر ترجمتها فى: ((الطبقات الكبرى)) ٢٤٩/٨- ٢٥٥. ((حلية الأولياء)) ٥٥/٢-
٥٧ (١٣٨). ((الاستيعاب)) ٣٤٤/٤ - ٣٤٦ (٣٢٥٩). (أسد الغابة)) ٩/٧ - ١٠
(٦٦٩٨). ((الإصابة)) ٢٢٩/٤ - ٢٣٠ (٤٦).
(٤) انظر ترجمتها في: ((معرفة الثقات)) للعجلي ٤٥٨/٢ (٢٣٤٩). ((الثقات)) ٣٠١/٥.
((تهذيب الكمال)) ٢٦٥/٣٥ - ٢٦٦ (٧٩٠٦).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومعنى (تَجَلاَّنِي): علاني، وأصله تجللني، وجُلُّ الشيء وجلالُهُ:
ما غطي به، وذلك لطول القيام وكثرة الحر، ولذلك قالت: فجعلت
أصب عَلَى رأسي الماء.
وفيه: أن الغشي الخفيف لا ينقض الطهارة. وقد عقد لَهُ البخاري بابًا
كما ستعلمه في الطهارة.
وقوله: (إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ) يحتمل أن الرؤية رؤيا
عين ولا مانع منه، ويحتمل أن يكون رؤية علم ووحي ممثلًا له، ويدل لَهُ
رواية أنس في البخاري: ((الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار))(١).
وفي مسلم: ((صُوِّرتا لي فرأيتُهما)) (٢)، والأول أشبه لقوله في
بعضها: ((فتناولت منها عنقودًا)) وتأخره مخافة أن تصيبه النار.
وفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن؛ وهو مذهب أهل السنة،
وسيأتي بسط ذَلِكَ في باب صفة الجنة والنار - إن شاء الله ذَلِكَ
وقدره- وهي خارجة عن أقطار السموات والأرض وسقفها عرش
الرحمن، والمراد بعرضها في قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَاْلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] السعة، كما قيل، لا ضد الطول.
وقوله: (مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ) كذا في كثير من نسخ البخاري. قَالَ
القاضي: وكذا رويناه عن الأكثر في ((الموطأ))، ورويناه عن بعضهم:
((مثلاً أو قريبًا))، (ولبعضهم ((مثل، أو قريبا))، وهو الوجه وقال ابن
مالك: يروى في البخاري ((أو قريب)) بغير تنوين والمشهور ((أو قريبًا))(٣).
(١) سيأتي برقم (٧٤٩) كتاب: الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة.
(٢) رواه مسلم برقم (١٣/٢٣٥٩) كتاب: الفضائل، باب: توقيره {10.
(٣) ساقطة من (ج).

٤٣٣
= كتاب العلم
ووجهه أن يكون أصله مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال،
فحذف ما كان مثل مضافًا إليه، وترك عَلَى هيئته قبل الحذف، وجاز
الحذف لدلالة ما بعده، والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع
إضافتين كقول الشاعر:
أَمامُ وَخَلْفُ المَرْءِ مِنْ لُظْفِ رَبِّهِ يذْرِي عَنْهُ مَا هُوَ يَخْذَرُ(١)
وجاء أيضًا في إضافة واحدة كما هو في الحديث.
وأما رواية ((قريب)) بغير تنوين فأراد مثل فتنة الدجال، أو قريب الشبه
من فتنة الدجال، فحذف المضاف إليه، وبقي ((قريب)) عَلَى هيئته، وهذا
الحذف في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليل مثل قراءة ابن محيصن
(لا خوفُ عليهم) (٢) أي: لا خوف شيء وكقول الشاعر:
أَقُولُ لمّا جَاءَّنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٣)
أراد سُبحان الله فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بحاله.
(١) ((شواهد التوضيح)) ص١٦٢.
(٢) انظر: ((إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر)) ص١٣٤.
(٣) البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن
الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب. وقد مات عامر
مشركا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي ◌َّ نهى عن رواية القصيدة. يقول:
أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب،
سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده،
وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراغب في ((مفرداته))
أقوال أخرى: ص٢٢١.
وقد ورد البيت في ((الكتاب)) ٣٢٤/١، ((مجاز القرآن)) ٣٦/١، ((معجم مقاييس
اللغة)) (سبح) ١٢٥/٣، ((الزاهر)) ١٤٤/١، و((الطبري)) ٢١١/١، ((معاني القرآن)»
للزجاج ٧٨/١، (الخصائص)) ١٩٧/٢، ٤٣٥، ((شرح المفصل)) لابن يعيش ١/
٣٧، ١٢٠، ((الديوان)): ص ٩٣.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
يقول الشاعر: العجب منه إذْ يفخر.
وقوله: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي)، وفي حديث
عائشة في مسلم: ((رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعدتم))(١)، وفي
حديث جابر: ((عرض علي كل شيء تولجونه))(٢) وفي لفظ:
(توعدونه))(٣). وهذا مبين لراوية أسماء.
ومعنى: (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُونَ.
وفيه: دلالة عَلَى إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة، وفيه
المساءلة في القبر. قَالَ أبو المعالي: تواترت الأخبار ولم يزل ذَلِكَ
مستفيضًا قبل ظهور أهل البدع، والسؤال يقع عَلَى أجزاء يعلمها الله
تعالى من القلب وغيره يحييها الله تعالى ويوجه السؤال عليها.
و((الْمَسِيح)) : -بفتح الميم كما في المسيح عيسى القَلْ- فهو مسيح
الهدى، والدجال مسيح الضلالة. وفرق بعضهم بينهما فقال في
الدجال: المسيح بكسر الميم مع التشديد والتخفيف بخلاف
(عيسى) (٤) النبي !
وقيل: إن الدجال بالخاء المعجمة: الممسوخ العين، يقال: مسحه
الله -بالمهملة- إِذَا خلقه خلقًا حسنًا بخلاف مسخه - بالمعجمة- فإنه
عكسه، وقيل: سُميّ بالمهملة لمسح إحدى عينيه فيكون بمعنى
ممسوح. وقيل: لمسحه الأرض فيكون بمعنى فاعل.
(١) رواه مسلم (٩٠٥) صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي ◌َّ في صلاة
الكسوف من أمر الجنة والنار.
(٢) رواه مسلم (٩/٩٠٤) الكسوف، باب: ما عرض على النبي ◌َّر ...
(٣) رواه مسلم (١٠/٩٠٤).
(٤) من (ج).

٤٣٥
كتاب العلم
=
وأما عيسى التَّ فسمي بذلك لمسحه الأرض. وقيل: لأنه كان
ممسوح الرجل لا أخمص له. وقيل: إن زكريا الكلية مسحه؛ فعلى
الأول مسيح بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول.
وأما الدجال: فهو الكذاب سمي به؛ لتمويهه عَلَى الناس وتلبيسه
عليهم. والدجل: طلي البعير بالقطران. فهو يموه بباطله، وسحره
الملبّس به. وقيل: لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير مثل دجلة تغطي
الأرض بمائها.
والدجل: التغطية. يقال: دجل فلان الحق بباطله، أي: غطاه.
وقيل: سمي به لضربه نواحي الأرض، وقطعه لها. يقال: دجل الرجل
بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم، ودجل بالضم أيضًا مخففًا.
وقوله: (يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ إنما قَالَ الملكان ذَلِكَ ولم
يقولا: رسول الله، امتحانًا وإغراباً عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبي وَلـ
ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدًا لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول
الله، والمنافق: لا أدري، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
وقوله: (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ) هو بكسر (إن) مخففة من
الثقيلة. وقيل: المعنى: إنك مؤمن كما قَالَ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾
[آل عمران: ١١٠]. قَالَ القاضي: والأظهر أنها عَلَى بابها. والمعنى:
إنك كنت موقنًا. وقد يكون المعنى: لموقنًا. أي: في علم الله كما قيل
في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] وكما قيل في قوله
تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَِّ﴾.
وقوله: (نَمْ صَالِحً)، أي: لا روع عليك مما روع به الكفار من
العرض عَلَى النار، أو غيره من عذاب القبر.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ◌ِّهِ وَفْدَ عَبْدِ القَّيْسِ
عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ارْجِعُوا إِلَى
أَهْلِيكُمْ فَعَلَّمُوهُمْ)). [انظر: ٦٢٨]
٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرْ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي ◌َجْرَةَ
قَالَ: كُنْتُ أُتُرْجِمُ بَيْنَ ابن عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَوْا النَّبِيَّ
مَ، فَقَالَ: ((مَنِ الوَفْدُ)) - أَوْ - ((مَنِ القَوْمُ؟)). قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِالْقَوْم -
أَوْ بِالْوَقْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)). قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْتَكَ
هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي شَهْرِ حَرَامِ، فَمُزْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ
مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَزْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَزْبَعِ، أَمَرَّهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ ڭ
وَحْدَهُ. قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاَللهِ وَحْدَهُ؟)). قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:
((شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ،
وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْتَم)). وَتَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْتَمِ
وَاْزَقَّتِ. قَالَ شُغْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِ، وَرُبَّمَا قَالَ:َ المُقَتَِّ. قَالَ: ((احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهً
مَنْ وَرَاءَكُمْ)). [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ١ / ١٨٣].
حدثنا محمدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ
أَتَرْجِمُ بَيْنَ ابن عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ
وَِّ، فَقَالَ: ((مَنِ الوَفْدُ)) -أَوْ- ((مَنِ القَوْمُ؟)). قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: ((مَرْحَبًا
بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَقْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَّا نَدَامَى)). قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ
بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هُذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ
إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ.
فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنُّهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ .. الحديث. وفيه: قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا

٤٣٧
كتاب العلم
قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. قَالَ: ((احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.
هُذا الحديث تقدم الكلام عليه واضحًا في باب: أداء الخمس من
الإيمان (١) فراجعه. وتقدم أن وفادتهم كانت عام الفتح قبل خروج
النبي ◌ّالقر إلى مكة.
وأما حديث مالك بن الحويرث فأخرجه البخاري مسندًا في الصلاة،
والأدب، وخبر الواحد -كما سيأتي إن شاء الله (٢)- وأخرجه مسلم
أيضًا(٣).
ومالك بن الحويرث جده حشيش فيه أقوال: أحدها: أنه بالحاء
المهملة من الحشيش الذي يرعى. ثانيها: بالمعجمة المضمومة.
ثالثها: بالجيم. ووالده عوف بن جندع، واختلف في نسبه إلى ليث بن
بكر بن عبد الله بن كنانة بن خزيمة. قدم مالك في ستة من قومه
فأسلم، وأقام عند رسول الله وَ ﴿ أيامًا، ثمَّ أذن لَهُ في الرجوع إلى
أهله. روي له خمسة عشر حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين هذا أحدهما،
والآخر في الرفع والتكبير، وانفرد البخاري بحديث.
نزل البصرة ومات بها سنة أربع وتسعين (٤).
وفيه من الفقه: تبليغ العلم وتعليم المؤمن أهله الإيمان والفرائض.
(١) سلف برقم (٥٣) كتاب: الإيمان.
(٢) سيأتي برقم (٦٢٨) كتاب: الأذان، باب: من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد.
(٦٠٠٨) كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم. (٧٢٤٦) كتاب: أخبار
الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
(٣) رواه مسلم (٦٧٤) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة.
(٤) ((معجم الصحابة)) للبغوي ٢٠٩/٥. ((معجم الصحابة)) لابن قانع ٤٥/٣ (٩٨٩).
(معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٥/ ٢٤٦٠ (٢٥٩٨). ((الاستيعاب)» ٤٠٥/٣ (٢٢٨٩).
((أسد الغابة)) ٢٠/٥ (٤٥٨٠). ((الإصابة)) ٣٤٢/٣ (٧٦١٧).

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٦ - باب الرِّحْلَةِ في المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ
الرِّحْلة بكسر الراء: الارتحال، وبالضم: الوجه الذي یرید.
٨٨ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ
ابْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِ حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ،
أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابنةً لأَبِي إِهَابٍ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ أَمْرَأَةً فَقَالَتْ: إِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةً وَالَّتِي
تَزَوَّجَ [بِهَا]. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَزْضَغْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولٍ
اللهِ وَ بِالْدِينَةٍ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ: ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟)). فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ،
وَنَكَحَتْ زَوْجًّا غَيْرَهُ. [٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤ - فتح: ١/ ١٨٤]
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ أَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ
ابنةً لأَّبِي إِهَابٍ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتْهُ أَمْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي
تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِي وَلَا أَخْبَرْتِ. فَرَكِبَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟)).
فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
الكلام عليه من أوجه :
أحدها:
هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وانفرد بعقبة بن
الحارث أيضًا. أخرجه هنا كما ترى عن ابن مقاتل، عن عبد الله - هو
ابن المبارك. وأخرجه في الشهادات عن حبان، عن ابن المبارك. وعن
أبي عاصم، كلاهما عن عمر به (١). وفي البيوع عن محمد بن كثير،
(١) سيأتي برقم (٢٦٤٠) باب: إذا شهد شاهد، و(٢٦٦٠) باب: شهادة المرضعة.
m -

٤٣٩
= كتاب العلم
عن الثوري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين(١). وفي
الشهادات أيضًا عن علي (عن)(٢) يحيى بن سعيد، عن ابن جريج؛
ثلاثتهم عن ابن أبي مليكة به (٣).
وفي النكاح عن علي، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي
مليكة، عن عبيد الله بن أبي مريم، ثمَّ قَالَ ابن أبي ملكية: وسمعته
من عقبة ولكني لحديث عبيد أحفظ (٤).
ثانيها: في التعريف برجاله:
وقد سلف التعريف بهم غير عمر بن سعيد، وعقبة بن الحارث.
فأما عقبة فهو: ابن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
القرشي المكي أبي سروعة بكسر السين المهملة، وحكي فتحها.
أسلم يوم الفتح وسكن مكة، هذا قول أهل الحديث، وأما جمهور
أهل النسب فيقولون: عقبة هذا هو أخو أبي سروعة، وأنهما أسلما
جميعًا يوم الفتح. قَالَ الزبير بن بكار: وأبو سروعة هو قاتل خبيب بن
عدي.
أخرج لعقبة مع البخاري أبو داود والترمذي والنسائي، أخرج له
البخاريُّ ثلاثةَ أحاديث في العلم، والحدود، والزكاة عن ابن أبي
ملكية عنه أحدها هذا، ووافقه أبو داود والترمذي والنسائي.
وذكره بقي بن مخلد فيمَنْ رَوى سبعةَ أحاديث، وقال أبو عمر: لَهُ
حديث واحد ما أحفظ لَهُ غيره في شهادة المرأة عَلَى الرضاع. روى عنه
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٢) باب: تفسير المشبهات.
(٢) في (ج): بن وهو خطأ.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٤٠) كتاب: الشهادات، باب: إذا شهد شاهد.
(٤) سيأتي برقم (٥١٠٤) كتاب: النكاح، باب: شهادة المرضعة.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عبيد بن أبي مريم وابن أبي مليكة. وقيل: إن ابن أبي ملكية لم يسمع منه،
وأن بينهما عبيد بن أبي مريم(١).
تنبيه :
إيراد صاحب ((العمدة)»(٢) هذا الحديث في كتابه يوهم أنه من المتفق
عليه، وقد نبهناك عَلَى أنه من أفراد البخاري فاستفده.
تنبيه آخر:
ابنة أبي إهاب هي: أم يحيى بنت أبي إهاب -بكسر الهمزة-
واسمها غنية -بغين معجمة مفتوحة ثمَّ نون ثمَّ مثناة تحت ثمَّ هاء-
بنت أبي إهاب -ولا يعرف اسمه- ابن عزير -بفتح العين المهملة
وكسر الزاي، وليس في البخاري عُزير بضم العين ثمَّ زاي- بن
(١) (معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٧٣/٢ (٢٩٨). ((معرفة الصحابة)) ٢١٥٤/٤
(٢٢٤٢). ((الاستيعاب)) ١٨٢/٣ (١٨٤١). ((أسد الغابة)) ٤/ ٥٠ (٣٦٩٨).
((الإصابة)) ٤٨٨/٢ (٥٥٩٢).
(٢) يقصد به: الإمام الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالمُ الحفاظ
تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن
حسن بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الجُمَّاعيلي ثم الدمشقي المنشأ
الصالحي الحنبلي، صاحب ((الأحكام الكبرى)) و((الصغرى)) ولد سنة إحدى
وأربعين وخمسمائة بجماعيل. سمع أبا الفتح ابن البطي، وأبا الحسن علي بن رباح
الفراء، والشيخ عبد القادر الجيلي وهبة الله بن هلال الدقاق، وأبا زرعة المقدسي
وغيرهم كثير. وحدَّث عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عز الدين محمد، والحافظ
أبو موسى عبد الله الفقيه، والفقيه أبو سليمان وأولاده، والشيخ الفقيه محمد
اليونيني، والزين بن عبد الدائم. وغيرهم كثير. توفي سنة ستمائة. أنظر ترجمته في:
((التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد)) ص ٣٧٠ (٤٧٣)، ((التكملة لوفيات النقلة))
١٧/٢ - ١٩ (٧٧٨)، ((سير أعلام النبلاء))، ((تذكرة الحفاظ)) ١٣٧٢/٤ - ١٣٧٤
(١١١٢)، ((البداية والنهاية)) ٤٦/١٣ - ٤٧، ((شذرات الذهب)) ٣٤٥/٤ - ٣٤٦.