Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب العلم
ثانيها : في التعريف برجاله :
أما ابن عباس فقد سلف.
وأما عكرمة فهو: أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس أصله من
البربر من أهل المغرب، سمع مولاه، وابن عمر، وخلقًا من
الصحابة، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وعنه:
أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه لرأيه، وأطلق نافع وغيره عليه
الكذب.
وروى لَّهُ مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري
في أکثر ما یصح عنه من الروايات، وربما عیب علیه إخراج حديثه،
ومات ابن عباس وعكرمة مملوك، فباعه علي ابنه من خالد بن يزيد بن
معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف
دينار فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان جوالًا في (البلاد)(١).
ومات بالمدينة ودفن بها سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، ومات
معه في ذَلِكَ اليوم كثير الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر
الناس. وقيل: مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: بلغ ثمانين.
واجتمع حفاظ ابن عباس عَلَى عكرمة فيهم: عطاء وطاوس،
وسعيد بن جبير، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عباس،
فجعل يحدثهم وسعيد كلما حدث بحديث وضع إصبعيه الإبهام عَلَى
السبابة أي سواء، حتَّى سألوه عن الحوت وقصة موسى فقال عكرمة:
كان يسايرهما في ضحضاح من الماء. فقال سعيد: أشهد عَلَى ابن
عباس أنه قَالَ: كان يحملانه في مكتل -يعني: الزنبيل - فقال أيوب:
(١) في (ف): المدينة.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأرى -والله أعلم- أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعًا(١).
وأما الراوي عنه فهو خالد بن مهران الحذاء (ع) أبو المنازل -بضم
الميم- البصري التابعي مولى آل عبد الله بن عامر القرشي.
قَالَ عبد الغني: ما كان من منازل فهو بضم الميم، إلا يوسف بن
منازل (خ) (فإنه)(٢) بفتحها، وحكى غيره فيه الفتح -أعني في خالد-
وكذا في سائر الباب، والضم أظهر، ولم يكن بحذاء للنعال إنما كان
يجلس إليهم أو إلى صديق له حذاء، وقيل: كان يقول: أحذ عَلَى
هذا النحو، فلقب به.
رأى أنسًا، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: يكتب
حديثه ولا يحتج به. مات سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة
(٣)
المنصور (١).
وأما الراوي عنه فهو أبو عبيدة عبد الوارث (ع) بن سعيد بن ذكوان
التميمي البصري الحافظ المقرئ الثبت الصالح، روى عن أيوب وغيره،
وعنه مسدد وغيره.
ورمي بالقدر، ونفاه عنه ولده عبد الصمد فيما حكاه عنه البخاري،
مات سنة ثمانين ومائة (٤).
(١) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٨٥/٢ - ٣٨٦، ٢٨٧/٥ - ٢٩٣. ((التاريخ
الكبير» ٤٩/٧ (٢١٨). ((تهذيب الكمال)) ٢٦٤/٢٠ - ٢٩٢ (٤٠٠٩)، ((سير أعلام
النبلاء)) ١٢/٥ - ٣٦ (٩)، ((شذرات الذهب)) ١٣٠/١.
(٢) في (ف): فهو.
(٣) أنظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٧٣/٣ (٥٩٢). ((الجرح والتعديل» ٣٥٢/٣
(١٥٩٣). (تهذيب الكمال)) ١٧٧/٨ (١٦٥٥)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٩٠/٦-
١٩٣، ((شذرات الذهب)) ٢١٠/١.
(٤) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١١٨/٦ (١٨٩١). ((الجرح والتعديل)) ٧٥/٦ =

٣٨٣
- كتاب العلم
وأما شيخ البخاري فهو أبو معمر (ع) عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج ميسرة البصري المقعد المنقري الحافظ الحجة، روى عن
عبد الوارث وغيره، وعنه البخاري وأبو داود، وهو والباقون عن رجل
عنه، ورمي بالقدر أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١).
فائدة :
هذا الإسناد عَلَى شرط الأئمة الستة وكلهم بصريون خلا ابن عباس
وعكرمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي أيضًا.
الوجه الثالث: في فوائده:
الأولى: المراد بالكتاب هنا : القرآن وكذا كل موضع ذكر الله تعالى فيه
الكتاب، والمراد بالحكمة أيضًا: القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِی
الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وأما قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] فالمراد
بها السنة وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
وَاَلِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالقرآن أحكمت آياته بين حلالها وحرامها
وأوامرها ونهيها، والسنة بينت المجمل وغيره، والرواية الأخرى:
((اللهم فقهه)) أي: فهمه الكتاب والسنة، ودعا لَهُ أيضًا أن يعلمه
التأويل أي: تفسير القرآن؛ فكان فيه من الراسخين حتَّى كان يُدعى
ترجمان القرآن.
= (٣٨٦)، ((الثقات)) لابن حبان ٧/ ١٤٠، ((تهذيب الكمال)) ٤٧٨/١٨ (٣٥٩٥).
((مقدمة فتح الباري)) ص ٤٢٢، ((شذرات الذهب)) ٢٩٣/١.
(١) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٥٥/٥ (٤٧٥). ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢/
٤٢٨ (٢٢٥٨). ((الجرح والتعديل)) ١١٩/٥ (٥٤٩). ((الثقات)) ٣٥٣/٨ - ٣٥٤.
«تهذيب الكمال)) ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩).

٣٨٤
١
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سس
الثانية: بركة دعائه ◌َّه وإجابته.
الثالثة: فضل العلم والحض عَلَى تعلمه، وعلى حفظ القرآن
والدعاء بذلك.
الرابعة: استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر،
ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار (جوازه) (١) ومحل ذَلِكَ إِذَا لم
يؤد إلى تحريك شهوة.
فائدة: معنى اللَّهُمَّ: یا الله، والميم المشددة عوض من حرف
النداء، قَالَه الخليل وسيبويه، وقال الفراء: كان الأصل يا الله أمنا
بخير فهي مضمنة ما يسأل بها، ونظيره قول العرب: هلم، والأصل:
هل، فضمت الميم إليها، ولو كانت الميم بدلًا عنها لما اجتمعا وقد
قَالَ الشاعر :
وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللَّهُمَا
اردد علينا شيخنا مسلما
وقد استدل الأول بهذا على أنها عوض ولا يُجمع بينهما إلا في
(٢)
الشعر (٢).
(١) في (ف): جوازها.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٢٢٠/٣، ((زاد المسير)) ٣٦٨/١-٣٦٩.

٣٨٥
كتاب العلم
١٨ - باب مَتَى يَصِحُ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِ أُوَيْسِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالٌِ، ◌َنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ
أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الأَخْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي بِمِنَّى إِلَى غَثْرِ جِدَارٍ،
فَمَرَزْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَغْضِ الصَّفِّ وَأَزْسَلْتُ الأَتَّانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفُّ، فَلَمْ يُنْكَّز
ذَلِكَ عَلَيّ. [٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - مسلم ٥٠٤ - فتح: ١ / ١٧١]
٧٧ - حَذَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُشهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
حَزْبٍ، حَدَّثَنِي الزَُّئِدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ تَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ وَلـ
◌َجَّةً تَجَّهَا فِي وَجْهِي - وَأَنَا ابن خمسٍ سِنِينَ - مِنْ دَلْوٍ. [١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ ٠
مسلم: ٣٣ سيأتي ٦٥٧ - فتح: ١٧٢/١]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَقْبَلْتُ
رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الأَحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ
وَ﴿ يُصَلِّي بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ
وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَّيَّ.
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيع قَالَ: عَقَّلْتُ
مِنَ النَّبِيِّ وَِّ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي -وَأَنَا ابن خَمْسٍ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ.
ذكر البخاري رحمه الله في الباب حديث ابن عباس وحديث محمود
ابن الربيع.

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أما حديث ابن عباس: فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب:
سترة الإمام سترة لمن خلفه: عن ابن يوسف، والقعنبي عن مالك(١)،
وفي الحج في باب: حج الصبيان، عن إسحاق، عن يعقوب بن
إبراهيم، عن ابن أخي الزهري(٢)، وفي المغازي، وحجة الوداع،
وقال الليث: حَدَّثَنِي يونس(٣). كلهم عن ابن شهاب.
وأخرجه مسلم في الصلاة: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن
حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن يحيى بن يحيى، والناقد،
وإسحاق، عن ابن عيينة، وعن إسحاق وعبد بن حميد، عن
عبد الرزاق، عن معمر (٤)، خمستهم(٥) عن الزهري به.
وزاد البخاري في الحَج فيه: أقبلت أسير عَلَى أتان لي حتَّى سرت
بين يدي بعض الصف، ثمَّ نزلت عنها. ولمسلم: فسار الحمار بين يدي
بعض الصف.
الوجه الثاني: في التعريف برواته، وقد سلف.
(١) سيأتي برقم (٤٩٣) عن ابن يوسف، وبرقم (٨٦١) عن القعنبي، باب: وضوء
الصبيان.
(٢) سيأتي برقم (١٨٥٧).
(٣) سيأتي برقم (٤٤١٢).
(٤) رواه مسلم عنهم (٢٥٤/٥٠٤ - ٢٥٧) باب: سترة المصلي.
(٥) المراد جملة من رواه عن الزهري عند البخاري ومسلم معًا وهم: مالك، وابن
أخي الزهري -وهو محمد بن عبد الله بن مسلم- ويونس، وابن عيينة، ومعمر.

٣٨٧
كتاب العلم
=
الثالث: في ألفاظه:
الأول: قوله: (عَلَىْ حِمَارٍ أَتَانٍ)، الحمار: اسم جنس للذكر
والأنثى، كلفظ الشاة والإنسان، وربما قالوا للأتان: حمارة. حكاه
الجوهري(١).
والأَتَان -بفتح الهمز- الأنثى من جنس الحمر، ولا تقل: أتانة.
وحكي عن يونس وغيره: أتانة، وحمار أتان بتنوينهما إما عَلَى البدل
أو عَلَى الوصف، وقال بعضهم: هو وصف لحمار عَلَى معنى صلب
قوي مأخوذ من الأتان وهي الحجارة الصلبة.
والمراد بالبدل: بدل الغلط أو بدل البعض من الكل، إذ الحمار اسم
جنس (يشمل)(٢) الذكر والأنثى كما قالوا: بعير. وضبط بالإضافة أيضًا
أي: حمار أنثى. وقال ابن الأثير: إنما قَالَ: حمار أتان؛ ليعلم أن
الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة فكذا لا تقطعها المرأة(٣).
الثاني: معنى (نَاهَزْتُ الأَحْتِلَامَ): قاربته ودانيته، يقال: ناهز الصبي
البلوغ. أي: داناه، ويقال: يتناهزان إمارة كذا. أي: يتبادران إلى طلبها،
قَالَ صاحب ((الأفعال)): ناهز الصبي الفطام: دنا منه، ونهز الرجل:
ضربه، ونهز الشيء: دفعه، ونهزت إلیه: نهضت إليه.(٤)
الثالث: الاحتلام معروف وهو البلوغ، وحدُّه عندنا بالسن خمس
عشرة سنة كاملة، وهو رواية عن مالك، وثانية: سبع عشرة (سنة)(٥)
(١) ((الصحاح)) ٦٣٦/٢.
(٢) في (ف): يشتمل.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢١/١.
(٤) ((الأفعال)) ص٢٥٩.
(٥) من (ج).

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأشهرها: ثماني عشرة، وأما الإنبات عندنا فهو علامة عَلَى البلوغ في
حق الكافر دون المسلم(١)، وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال. ثالثها: يعتبر
في الجهاد ولا يعتبر في غيره(٢).
الرابع: قوله: (قَدْ نَاهَزْتُ الأَحْتِلَامَ) يصحح قول الواقدي وغيره أن
ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأنه ابن ثلاث عشرة عند موته
مَث﴿ه، ويرد قول من قَالَ: إنه ابن عشر سنين إذ ذاك، وصوب الإمام أحمد
أن عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة(٣).
الخامس : معنى (ترتع): ترعى، يقال: رتعت الإبل: إِذَا رعت.
السادس: (منى) الأجود صرفها، وكتابتها بالألف وتذكيرها،
سميت بذلك لما يمنى بها من الدماء، أي: يراق، ومنه قوله تعالى:
﴿مِّن نَِّّ يُمْنَى
٧
[القيامة: ٣٧].
السابع: في هذِه الرواية: أنه رآه يصلي بمنى، وفي رواية في
(الصحيح)): بعرفة(٤). وهو محمول عَلَى أنهما (قضيتان)(٥).
(١) ((الأوسط)) ٣٨٨/٤-٣٨٩.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٦٩/١-٢٧٠.
(٣) روى الخطيب في ((تاريخه)) من كلام ابن عباس عن نفسه قال: ولدت قبل الهجرة
بثلاث سنين ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله وَلي وأنا ابن ثلاث عشرة. وقال
غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: توفي النبي ◌َّ وأنا ابن عشر سنين.
وقيل عن سعيد بن جبير عنه: قبض النبي وَّل﴿ وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل عن
ابن عباس: قبض النبي ◌َّ وأنا ختين. وعنه: توفي رسول الله ◌َّ﴾ وانا ابن خمس
عشرة سنة.
انظر: ((الطبقات الكبري)) ٣٦٥/٢ - ٣٧٢. «تاريخ بغداد)» ١٧٣/١ - ١٧٤. ((تهذيب
الكمال)) ١٥/ ١٦١.
(٤) رواه مسلم (٢٥٦/٥٠٤) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي.
(٥) في (ف): قصتان.

٣٨٩
= كتاب العلم
الوجه الرابع : في فوائده :
الأولى: جواز ركوب المميز الحمار، وما في معناه وأن الولي
لا يمنعه من ذَلِكَ.
الثانية : صحة صلاة الصبي.
ثالثها : جواز صلاة الإمام إلى غير سترة، وهو دال عَلَى أن الصلاة
لا يقطعها شيء، كذا ذكره ابن بطال في ((شرحه)» (١)، لكن البخاري بوب
عليه: سترة الإمام سترة لمن خلفه. كما سلف، وحكى ابن عبد البر
وغيره فيه الإجماع (٢).
قَالَ: وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه؛ وقد قَالَ: (فلم
ينكر ذَلِكَ عَلَيّ أحدٌ)(٣)، نعم البيهقي ترجم عليه باب: من صلى إلى
غير سترة، ثمَّ ذكر عن الربيع، عن الشافعي أن قول ابن عباس: إلى
غير جدار يعني : -والله أعلم- إلى غير سترة(٤) - قُلْتُ: ويؤيد هذا
رواية البزار في حديث ابن عباس: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء
يستره يحول بيننا وبينه(٥). ورجاله رجال الصحيح- ثمَّ قَالَ البيهقي:
وهذا يدل عَلَى خطأ من زعم أنه وَِّ صلى إلى سترة، وأن سترة
الإمام سترة لمن خلفه، وأيده بما روى ابن أبي وداعة قَالَ: رأيت
النبي ◌َّلا يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه ليس
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٦١/١ - ١٦٢.
(٢) ((التمهيد» ١٩٧/٤.
(٣) ((الاستذكار)) ١٦٢/٦ - ١٦٣.
((معرفة السنن والآثار)) ١٩٤/٣ (٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩).
(٤)
(٥) رواه البزار في ((مسنده)) ٢٠١/١١ - ٢٠٢ (٤٩٥١)، وابن خزيمة ٢٥/٢، ٢٦
(٨٣٨، ٨٣٩).

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-
بينه وبين الطواف سترة(١).
رابعها: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وعليه بوب أبو داود في
((سننه))(٢)، وما ورد من قطعه محمول عَلَى قطع الخشوع، وقوله:
(قد نَاهَزْتُ الأَحْتِلَامَ)، فيه ما يقتضي تأكيد عدم البطلان بمروره؛
لأنه استدل عَلَى ذَلِكَ بعدم الإنكار، وعدمه عَلَى من هو في مثل
هُذِهِ السن أدلَّ عَلَى هذا الحكم، وأنه لو كان في سن عدم التمييز
لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته؛ لصغر سنه،
فعدم الإنكار دليل عَلَى جواز المرور، والجواز دليل عَلَى عدم
إفساد الصلاة.
خامسها: جواز إرسال الدابة من غير حافظ، أو مع حافظ غير
مکلف.
سادسها: احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن المرور
أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة،
فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار.
(١) رواه أبو داود (٢٠١٦)، والنسائي ٦٧/٢، ٢٣٥/٥، وابن ماجه (٢٩٥٨)،
وأحمد ٣٩٩/٦، وأبو يعلى ١١٩/١٣ (٧١٧٣)، وابن خزيمة ١٥/٢ (٨١٥)،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٤٦١، وفي ((شرح مشكل الآثار)) ((تحفة))
٣٠٥/٢ - ٣٠٧ (٩٤٨ - ٩٥٠)، وابن حبان ٦/ ١٢٧ - ١٢٩ (٢٣٦٣، ٢٣٦٤)،
والبيهقي ٢/ ٢٧٣.
قال الحافظ المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) ٤٣٤/٢: في إسناده مجهول .
قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٧٦/١: رجاله موثقون إلا أنه معلول ثم أخذ في بيانها،
وضعفه كذلك الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٤٤)، و((السلسلة الضعيفة))
(٩٢٨).
(٢) (سنن أبي داود)) (٧١٥) حيث قال: باب: من قال: الحمار لا يقطع الصلاة.

٣٩١
كتاب العلم
-
سابعها: أن عدم الإنكار حجة عَلَى الجواز؛ لكنه مشروط بانتفاء
الموانع من الإنكار، وبالعلم بالاطلاع عَلَى الفعل.
ثامنها : إجازة من علم الشيء صغيرًا وأداه کبیرًا ولا خلاف فيه كما
قَالَ ابن عبد البر(١) - ومن منع فقد أخطأه، وكذا العبد والفاسق إِذَا أديا
في حال الكمال.
تاسعها: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، قَالَ المهلب: وفيه
أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة إِذَا لم يضر أحدًا والخطيب
يخطب جائز، بخلاف إِذَا تخطى رقابهم.
ثمَّ أعلم أن حديث ابن عباس هذا خصه ابن عبد البر بالمأموم(٢)،
وحديث أبي سعيد (الخدري)(٣) الآتي في بابه: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى
شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ))(٤) الحديث
عام في الإمام والمنفرد، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ والكلام عليه في
موضعه إن شاء الله تعالى.
واختلف أصحاب مالك فيما إِذَا صلى إلى غير سترة في فضاء يأمن
أن یمر أحد بین یدیه.
فقال ابن القاسم: يجوز ولا حرج عليه.
وقال ابن الماجشون ومطرف: السنة أن يصلي إلى سترة مطلقًا(٥).
والأول قول عطاء وسالم والقاسم وعروة والشعبي والحسن.
(١) ((التمهيد)» ٢١/٩.
(٢) ((التمهيد)) ٢٠/٩.
(٣) من (ف).
(٤) سيأتي برقم (٥٠٩) كتاب: الصلاة، باب: يرد المصلي من مرّ بين يديه.
(٥) انظر: ((الذخيرة)) ١٥٥/٢.

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما حديث محمود بن الربيع: فالكلام عليه من وجوهٍ:
أحدها:
هذا الحديث من أفراده (١)، أخرجه هنا، وفي الوضوء والدعوات (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف:
أما محمود (ع) فهو ابن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن
عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري
(١) هكذا قال المصنف رحمه الله، وكأنه تبع في ذلك الحميدي حيث جعله في ((الجمع
بين الصحيحين)) ٤٧٨/٣ من أفراد البخاري، وكذا المزي في ((الأطراف))
(١١٢٣٥) حيث أوهم أن البخاري أنفرد بالتخريج لمحمود بن الربيع، ولم ينبه
على أن مسلمًا أخرجه، وأيضًا ابن كثير فلما ذكر سند محمود بن الربيع في ((جامع
المسانيد)) ٤٢٨/٥ (٩٢٧٩) وساق الحديث لم يعزه أيضًا لمسلم، وفي ((الأطراف
بأوهام الأطراف)» للعراقي لم أجده كذلك، وقد نحا هذا النحو غير واحد إلا أن
الحافظ ابن حجر تَنَبَّه لذلك -ومن قبله ابن القيسراني في ((الجمع بين رجال
الصحيحين)) (١٩٦٣)- وبيَّن أنه وهم فقد أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٦٥/٣٣)
بعد حديث (٦٥٧) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن
الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجة
مجها رسول الله (اقر من دلو في دارنا. قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك قال:
قلت: يا رسول الله إن بصري قد ساء .. وساق قصة أخرى. ينظر كلام الحافظ في
((النكت الظراف)) ٣٦٣/٨ (١١٢٣٥)، و ((الفتح)) ١٥١/١١ - ١٥٢.
فائدة: قال الحافظ -مبينا سبب ذلك الوهم -: قد أورد مسلم حديث عتبان بن
مالك من طرق عن الزهري منها الأوزاعي عنه قصة محمود في المجة، ولم يتنبه
لذلك الحميدي في جمعه فترجم لمحمود بن الربيع في الصحابة الذين انفرد
البخاري بتخريج حديثهم، وساق له حديث المجة المذكورة، وكأنه لما رأى
البخاري أفراده ولم يفرده مسلم ظن أنه حديث مستقل. اهـ ((الفتح)) ١١/ ١٥٢.
(٢) سيأتي برقم (١٨٩)، باب: استعمال فضل وضوء الناس. و(٦٣٥٤) باب: الدعاء
للصبيان بالبركة.

٣٩٣
=
كتاب العلم
الخزرجي، أبو نعيم وقيل: أبو محمد مدني، مات سنة تسع وتسعين عن
ثلاث وتسعين سنة (١) .
وأما الزبيدي (خ، م، د، س، ق) فهو: أبو الهذيل محمد بن الوليد
الحمصي قاضيها الثقة الحجة المفتي الكبير، روى عن مكحول،
والزهري، وغيرهما، وعنه محمد بن حرب، ويحيى بن حمزة، وهو
أثبت أصحاب الزهري.
مات سنة سبع، وقيل: ثمان وأربعين ومائة وهو شاب. قاله أحمد بن
محمد بن عيسى البغدادي، وقال ابن سعد: ابن سبعين سنة، روىُ لَهُ
الجماعة سوى الترمذي(٢). ولم يستثن شيخنا قطب الدين في ((شرحه))
الترمذي، واستثناؤه هو الصواب.
فائدة :
الزبيدي -بضم الزاي- نسبة إلى زبيد، قبيلة من مذحج -بفتح الميم
وسكون الذال المعجمة- ذكر الحازمي فيها اختلافًا، وإنما قيل لَهُ زبيد؛
لأنه قَالَ: من يزبدني فأجيب. يقال: زبدت الرجل. أي: أرضخته
بمال(٣)، وفي الحديث: (إنا لا نقبل زبد المشركين)(٤).
(١) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٧/ ٤٠٢ (١٧٦١). ((الجرح والتعديل)) ٢٨٩/٨
(١٣٢٨). ((تهذيب الكمال)) ٣٠١/٢٧ - ٣٠٢ (٥٨١٥)، «سير أعلام النبلاء» ٣/
٥١٩، ٥٢٠ (١٢٦)، ((شذرات الذهب» ١١٦/١.
(٢) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٦٥/٧. ((التاريخ الكبير)) ٢٥٤/١ (٨١١).
((الجرح والتعديل)) ١١/٨ - ١٢ (٤٩٤). ((تهذيب الكمال)» ٥٨٦/٢٦ - ٥٩١
(٥٦٧٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٨١/٦ - ٢٨٤ (١٢٢).
(٣) ((لسان العرب)) ١٨٠٣/٣، ١٨٠٤، مادة: [زبد].
(٤) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٤٤٧/١٠ (١٩٦٥٩). وأبو عبيد في ((الأموال))
ص١١١ (٦٣٠)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٦/ ٥٢٠ (٣٣٤٣٤)، وابن زنجويه =

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
وأما محمد بن حرب (ع) فهو الأبرش الخولاني الحمصي، سمع
الأوزاعي وغيره، وتقضى دمشق، وهو ثقة، مات سنة أربع
(وتسعين)(١) ومائة، روى لَهُ الجماعة إلا مسلمًا، (كذا استثناه في
((الكمال)))(٢) والمزي أثبته (٣).
الوجه الثالث:
المج: إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتَّى
يباعد به. وفعل ◌َّ ر ذلك؛ لأجل البركة منه وَله.
والدلو -بفتح الدال- وفيه لغتان التذكير والتأنيث.
وفيه: جواز سماع الصغير وضبطه بالسن وهو مقصود الباب،
وحديث محمود ظاهر فيه دون حديث ابن عباس، فإن من ناهز
الاحتلام لا يسمى صغيرًا عرفًا.
وقد اختلف العلماء في أول سن يصح فيه سماع الصغير، فقال
في «الأموال)» ٥٨٧/٢ - ٥٨٨ (٩٦٣ - ٩٦٥)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)» كما
=
في ((تحفة الأخيار)) ١٩٤/٦ - ١٩٥ (٤١٢٥- ٤١٢٦)، والطبراني في ((الكبير))
١٧/ ٣٦٤ (٩٩٨)، كلهم من طريق الحسن عن عياض بن حمار.
ورواه: أبو داود (٣٠٥٧). والترمذي (١٥٧٧). والطيالسي ٤٠٩/٨ (١١٧٨)، ٢/
٤١٠ (١١٧٩). والبزار ٤٢٤/٨ (٣٤٩٤). والطبراني في ((الكبير)) ١٧ /٣٦٤
(٩٩٩). والبيهقي ٢١٦/٩. وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١١/٢ - ١٢. كلهم من
طريق يزيد بن عبد الله الشخير عن عياض بن حمار، وقال الترمذي هذا حديث
حسن صحيح وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١٢٨١).
(١) في (ف): وسبعين.
(٢) من (ف).
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٧/ ٤٧٠. ((التاريخ الكبير)) ٦٩/١ (١٦١).
((الجرح والتعديل)) ٢٣٧/٧ (١٢٩٩). ((تهذيب الكمال)) ٤٤/٢٥ (٥١٣٨)، ((سير
أعلام النبلاء)» ٥٧/٩، ٥٨ (١٧)، ((شذرات الذهب)) ٣٤١/١.

٣٩٥
= كتاب العلم
موسى بن هارون الحافظ: إِذَا فرق بين البقرة والدابة.
وقال أحمد بن حنبل: إِذَا عقل وضبط. فذكر لَهُ عن رجل أنه قَالَ:
لا يجوز سماعه حتَّى يكون لَهُ خمس عشرة سنة فأنكر قوله وقال: بئس
القول. وقال القاضي عياض: حدد أهل الصنعة ذَلِكَ أن أقله سن
محمود بن الربيع ابن خمس، كما ذكره البخاري في رواية أخرى، أنه
كان ابن أربع.
قَالَ ابن الصلاح: والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل
الحديث من المتأخرين، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعدا: سمع،
وَلِدُونَ خمس: حضر أو أُخْضر، والذي ينبغي في ذلك اعتبار
التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزًا صحيح السماع،
وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه، وإن كان
ابن خمس بل ابن خمسین.
قُلْتُ: وهذا نحو قول أحمد وموسى، وقد بلغنا عن إبراهيم بن
سعيد الجوهري قَالَ: رأيت صبيًّا ابن أربع سنين قد حمل إلى
المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إِذَا جاع بكى(١)،
وحفظ القرآن أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني وله خمس
سنين، فامتحنه فيه أبو بكر بن المقرئ، وكتب له بالسماع، وهو ابن
أربع سنين.
وحديث محمود لا يدل عَلَى التحديد بمثل سنه، وقال أبو عبد الله بن
أبي صفرة: أخرج البخاري في هذا الباب حديث ابن عباس ومحمود بن
(١) ورد بهامش (س): روىُ هُذِه الحكاية الخطيب في ((الكفاية)) بإسناده، وفي سندها
أحمد بن كامل القاضي، وكان يعتمد على حفظه فيهم أهـ وقال الدارقطني: كان
متساهلًا، نقله عنه الذهبي في ((المغني)).

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الربيع، وأصغر في السن منهما عبد الله بن الزبير - ولم يخرجه - يوم رأى
أباه يختلف إلى بني قريظة في غزوة الخندق، قَالَ لأبيه: يا أبتاه، رأيتك
تختلف إلى بني قريظة فقال: يا بني إن رسول الله وَالله أمرني أن آتيه
بخبرهم، والخندق عَلَى أربع سنين من الهجرة، وعبد الله أول مولود
وُلد في الهجرة(١).
قُلْتُ: حديث عبد الله هذا أخرجه البخاري كما سيأتي، وكذا
(٢)
مسلم (٢).
وعبد الله ولد في السنة الأولى، وقيل: عَلَى رأس عشرين شهرًا من
الهجرة.
واختلف في غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب؛ فقال ابن إسحاق:
كانت في شوال سنة خمس، وكذا قَالَ ابن سعد وابن عبد البر(٣)، وقال
موسى بن عقبة: في شوال سنة أربع، ذكره البخاري كما سيأتي في
موضعه.
وقال النووي: إنه الأصح (٤)؛ لحديث ابن عمر: عرضت عَلَى النبي
وَلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم
(١) أنظر في هذا: ((المحدث الفاصل)) ١٨٥ - ٢٠٠، ((الكفاية في علم الرواية)) ١٠٣ -
١١٨، ((مقدمة ابن الصلاح)) ١٢٨- ١٣١، ((المقنع)) ٢٨٨/١ - ٢٩٢، و((فتح
المغيث» ٣/٢- ١٧.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٢٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الزبير بن العوام
ورواه مسلم (٢٤١٦) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير
رضي الله عنهما.
(٣) (سيرة ابن هشام) ٢٢٩/٣، ((الطبقات الكبرى)) ٦٥/٢، ((الدرر في اختصار
المغازي والسير)) ص١٧٩،
(٤) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ٨/ ١٧٧.

٣٩٧
كتاب العلم
=
الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني (١)، ولا خلاف أن أحدًا في
الثالثة، فيكون عُمر عبدِ الله بن الزبير أربعَ سنين عَلَى القول بأنه ولد
في السنة الأولى من الهجرة، وأن الخندق كانت سنة خمس عَلَى
القول الآخر، وهو المشهور في مولده، وأن الخندق في شوال سنة
أربع، فيكون عمره سنتين وشهرًا، وهو دال لمن أعتبر التمييز ولم
یقیده بالسنين.
(١) سيأتي برقم (٢٦٦٤) كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، ورواه
مسلم (١٨٦٨) كتاب: الإمارة، باب: بيان سن البلوغ، وأبو داود (٢٩٥٧)،
والترمذي (١٣٦١)، والنسائي (٣٤٣١)، وابن ماجه (٢٥٤٣)، وأحمد ١٧/٢،
وأبو عوانة (٦٤٧٥) واللفظ له.

٣٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٩ - باب الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ
فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
٧٨ - حَذَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ
الأَوَزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن
عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَارِىُ هُوَ وَالْخِرُّ بْنُ قَيْسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا
أُّ بْنُ كَغْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسِ فَقَالَ: إِّ تَارَيتُ أَنَا وَصَاحِپي هذا في صَاحِبٍ مُوسَى
الذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَىْ لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِوَلِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبِيٌّ: نَعَمْ،
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ
جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ رَكَ إِلَى
مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ الشَّبِيلَ إِلَىْ لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ
إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِغْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ◌َّهِ يَتَبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي
البَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ
الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ
فَأَرْتَذَا عَلَىْ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا
قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ)). [انظر: ٧٤ - مسلم ٢٣٨٠ - فتح: ١٧٣/١]
حدثنا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قاضي حمص، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا
الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَني الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارىُ هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ
مُوسَى .. الحديث، كما سلف قريبا سواء، وأراد به الرحلة في طلب العلم
برًّا وبحرًا، وترجم عليه فيما تقدم الذهاب في البحر(١).
(١) سبق برقم (٧٤).

٣٩٩
-- كتاب العلم
وفيه من الأسماء مما لم يسبق: عبد الله بن أنيس، والأوزاعي،
وخالد بن خَلِيّ.
فأما عبد الله بن أنيس (م، ٤) فهو: جهني، أنصاري حليفهم،
عقبي، روى عنه أولاده: عطية، وعمرو، وضمرة، وغيرهم، شهد
أُحدًا وما بعدها، واختلف في شهوده بدرًا، وهو الذي رحل إلیه جابر
فسمع منه حديث القصاص، وهو الذي بعثه النبي ◌َّ إلى خالد بن
(نُبيح)(١) العنزي فقتله.
لَهُ خمسة وعشرون حديثًا، روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة
القدر، وأخرج لَهُ أصحاب السنن الأربعة، ولم يذكره الكلاباذي
وغيره فيمن روىُ لَّهُ البخاري، وقد ذكر البخاري في كتاب: الرد عَلَى
الجهمية فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس
فذكره(٢). مات سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية(٣).
فائدة :
في أبي داود والترمذي عبد الله بن أنيس الأنصاري عنه ابنه عيسى،
ولعله الأول، وفي الصحابة عبد الله بن أنيس، أو أنس، قيل: هو الذي
رمى ماعزًا لما رجموه فقتله، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة،
وعبد الله بن أنيس العامري له وِفادة، وهو من رواية يعلى بن
(١) في (ج): فليح.
(٢) سيأتي بعد رقم (٧٤٨١) كتاب التوحيد والرد على الجهمية، باب قول الله ﴿وَلا
نَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾.
(٣) أنظر ترجمته في: ((معجم الصحابة)) للبغوي ٦٦/٤، ((معجم الصحابة)) لابن قانع
١٣٥/٢- ١٣٦ (٦٠٣). ((الاستيعاب)) ٧/٣ (١٤٨٥). ((أسد الغابة)) ١٧٩/٣
(٢٨٢٢)، ((الإصابة)) ٢٧٨/٢ (٤٥٥٠).

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الأشدق، وعبد الله بن أبي أنيسة قَالَ الوليد بن مسلم: حَدَّثَنَا داود بن
عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قَالَ:
سمعت حديثًا في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلا رجل بمصر يقال
له: عبد الله بن أبي أنيسة(١).
وأما الأوزاعي: فهو أحد الأعلام، أبو عمرو عبد الرحمن بن
عمرو بن يحمد، وقيل: كان اسمه عبد العزيز، فسمى نفسه
عبد الرحمن، أحد أتباع التابعين، كان يسكن دمشق خارج باب
الفراديس، ثمَّ تحول إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات، وقيل:
إن الأوزاع قرية بقرب دمشق، سميت بذلك؛ لأنه سكنها في صدر
الإسلام قبائل شتى، وقيل: الأوزاع: بطن من حمير، وقيل: من
أوزاع. أي: فرق وبقايا مجتمعة من قبائل شتى، وقيل: كان ينزل
الأوزاع فغلب ذلك عليه، وقال ابن سعد: الأوزاع بطن من
هَمْدان(٢)، والأوزاعي من أنفسهم.
روی عن عطاء ومکحول وغيرهما، ورأى ابن سیرین.
وعنه قتادة ويحيى بن أبي كثير، وهما من شيوخه وأمم، وكان رأسًا في
العلم والعبادة، وكان أهل الشام والمغرب عَلَى مذهبه قبل انتقالهم إلى
مذهب مالك، وسئل عن الفقه - يعني: استفتي - وهو ابن ثلاث عشرة
سنة، وقيل: إنه أفتى في ثمانين ألف مسألة، مات بالحمام سنة سبع
وخمسين ومائة في آخر خلافة أبي جعفر، وولد سنة ثمان وثمانين(٣).
(١) انظر ترجمتهم جميعًا في: ((أسد الغابة)) ١٧٨/٣-١٨١ (٢٨٢١-٢٨٢٥)،
((الإصابة)) ٢٧٨/٢ -٢٧٩ (٤٥٤٧ - ٤٥٥١).
(٢)
((الطبقات الكبرى)» ٤٨٨/٧.
(٣) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٢٦/٥ (١٠٣٤)، ((معرفة الثقات)) ٨٣/٢ =