Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الإيمان
سليم بن عامر عنه(١).
ثانیھا :
أخرج البخاري طرفًا من الحديث الثاني في الرقاق عن آدم، عن ابن
أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه: (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا
مِنْكُمْ عَمَلُهُ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَته، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ
الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا)).(٢) وله في حديث آخر: ((وإن أحب
الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))(٣).
ثالثها: في التعريف برواة الحديث:
أما أبو هريرة فسلف.
وأما سعيد فهو أبو سعد - بإسكان العين- سعيد بن أبي سعيد،
واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبري يقال: بضم الباء وفتحها
نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، وقيل: كان منزله عند
المقابر وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر على حفر القبور؛
فلذلك قيل له: المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع
فيه ذَلِكَ كله فكان على حفرها و(كان)(٤) نازلًا عندها، والمقبري
صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر.
سمع جمعًا من الصحابة منهم: أبو هريرة وابن عمر وخلقًا من
التابعين منهم أبوه، وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين،
(١) ((المعجم الكبير)) ٨/ ١٧٠ (٧٧١٥).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٦٣) باب: القصد والمداومة على العمل.
(٣) سيأتي برقم (٦٤٦٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) من (ج).
:

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
ومالك، وغيره من الأعلام. قَالَ أبو زرعة: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به.
وقال (محمد)(١) بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى
اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطًا وحدث ببيروت. وقال غيره: اختلط
قبل موته بأربع سنين.
قُلْتُ: فلعل معن بن محمد سمع من سعيد قبل اختلاطه؛ فلذا أخرج
البخاري عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة ست
وعشرين (٢).
وأما معن فهو ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع
جمعًا، وعنه جمع منهم: ابن جريج، أخرج له البخاري والترمذي
والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٣).
وأما عمر فهو أبو حفص عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المُقَدَّمِي
البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم: هشام بن عروة، وعنه خلق
من الأعلام منهم: ابنه عاصم، وعمرو بن علي، وهو أخو أبي بكر
وكان مدلسًا.
قَالَ أحمد: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة يدلس تدليسًا شديدًا يقول:
سمعت وحدثنا، ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش. وقال
عفان: كان رجلاً صالحًا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، ولم
(١) في (ف) و(ج): أحمد. والصواب ما أثبتناه .
(٢) أنظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) القسم المتمم (٥٣)، ((التاريخ الكبير)) ٣/
٤٧٤ (١٥٨٥)، ((الجرح والتعديل)) ٥٧/٤ (٢٥١)، (تهذيب الكمال)) ٤٦٦/١٠
(٢٢٨٤)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٦/٥ (٨٨).
(٣) أنظر: ((التاريخ الكبير)) ٧/ ٣٩٠ (١٦٩٩)، ((الجرح والتعديل)) ٢٧٧/٨ (١٢٦٨)،
((الثقات)) لابن حبان ٧/ ٤٩٠، ((تهذيب الكمال)) ٣٤١/٢٨ (٦١١٨).

٨٣
كتاب الإيمان
أكن أقبل منه حتى يقول: ثنا(١).
قَالَ البخاري: قَالَ ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة. وقيل: سنة
أثنتین وتسعين(٢).
قُلْتُ: فلعل البخاري ثبت عنده سماع (عمر) (١) (من)(٤) معن وإن
أتى فيه بالعنعنة.
وأما عبد السلام (خ. د) فهو أبو ظَفَر - بفتح الظاء المعجمة والفاء-
ابن مُطَهَّر بن حسام بن مِصَكّ بن ظالم بن شَيْطان الأزدي البصري، روى
عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وعنه الأعلام: البخاري وأبو داود.
قَالَ أبو حاتم: صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين(6).
فائدة: هذا الإسناد ما بين مدني وبصري.
رابعها: في ألفاظه :
قوله: ( ((الدِّينُ يُسْرٌ)) ) أي: ذو يسر. كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾
[الأعراف: ١٥٧]، واليسر -بإسكان السين وضمها: نقيض العسر،
ومعناه: التخفيف.
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٢٩١/٧.
قال الحافظ في ((تعريف أهل التقديس)) ص ١٣٠ - ١٣١ (١٢٣).
وصفه بذلك أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد، ثم ساق كلام ابن سعد ثم
قال: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع.اهـ
(٢) انظر: ((التاريخ الكبير)) ٦/ ١٨٠ (٢٠٩٨)، ((الجرح والتعديل)) ١٢٤/٦ (٦٧٨)،
((تهذيب الكمال)) ٢١/ ٤٧٠ (٤٢٩٠).
(٣) من (ج).
(٤) في (ج): عن.
(٥) انظر: ((الطبقات)) لابن سعد ٣٠٨/٧، ((التاريخ الكبير)) ٦٧/٦ (١٧٣٢)، ((الجرح
والتعديل)) ٤٨/٦ (٢٥٥)، ((تهذيب الكمال)) ٩١/١٨ (٣٤٢٦).

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ( (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ)) ) هكذا وقع للجمهور من غیر
لفظة ((أحد))، وأثبتها ابن السكن وهو ظاهر، والدين على هذا منصوب،
وأما على الأولى فروي بنصبه، وهو ضبط أكثر أهل الشام على
إضمارالفاعل في ((يشاد)) للعلم به، ورفعه وهو رواية الأكثر كما حكاه
صاحب ((المطالع))، وهو مبني لِمَا لَمْ يسم فاعله.
قَالَ أهل اللغة: المشادة: المغالبة(١)، يقال: شاده يشاده مشادة إذا
غالبه وقاواه (ومعناه)(٢): لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلبه
الدين، وعجز ذَلِكَ المتعلم وانقطع عن عمله كله أو بعضه.
ومعنى ((سَدِّدُوا)): أقصدوا السداد في الأمور، وهو: الصواب،
((وَقَارِبُوا)) في العبادة، (وَأَبْشِرُوا)): أي بالثواب على العمل وإن قَلَّ،
والغدوة: السير أول النهار.
قَالَ في ((المحكم)): الغدوة البكرة، وكذا الغداة(٣).
قَالَ الجوهري: (الغدوة) (٤) ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس،
يُقال: أتيته غدوة غير مصروفة؛ لأنها معرفة مثل سَحَر إلا أنها من
الظروف المتمكنة، تقول: سِيْرَ على فرسك غُدوةَ وغُدوةً وغُدوةٌ
وغدوةٌ، فما نُوِّنَ من هذا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة،
والجمع: غُدًا. والغدو: نقيض الرواح(٥).
وفي شرح شيخنا قطب الدين أن الغدو: السير أول النهار إلى الزوال.
(١) انظر: ((العين)) ٢٣٢/٣ مادة: (شدد).
(٢) من (ج).
(٣) ((المحكم)) ٢٩/٦.
(٤) من (ف).
(٥) ((الصحاح)) ٢٤٤٤/٦ مادة: (غدو).

٨٥
كتاب الإيمان
=
والروحة: آخر النهار؛ وذكر ابن سيده: أنه العشي (١). وقيل: من
لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا ذَلِكَ
الوقت أو عملنا.
((والدُّلْجَة)) -بضم الدال وإسكان اللام- هكذا الرواية، ويجوز
في اللغة فتحها، ويقال: بفتح اللام أيضًا، وهي بالضم: سير آخر
الليل، (وبالفتح سير الليل)، وأدلج بالتخفيف: سير الليل كله،
وبالتشديد: سير آخر الليل، هذا هو الأكثر، وقيل: يقال (فيهما
بالتخفيف والتشدید.
قَالَ ابن سيده: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلْجة: سير الليل كله،
والدَّلَج والدَّلْجة والدَّلَجة -الأخيرة عن ثعلب- الساعة)(٢) من آخر
الليل. وأدلجوا: ساروا الليل كله، وقيل: الدلج: الليل كله من أوله
إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت
على مثال أخرجت.
والتفرقة بين أدلجت وادَلَجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي(٣)،
فقد حكى أدْلَجْت واذَّلَجْت لغتان في المعنيين جميعًا (٤).
(١) ((المحكم)) ٣٩٣/٣ مادة: (روح).
(٢) مابين قوسين من (ف).
(٣) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، ولد بمدينة فسا
واشتغل ببغداد، وكان إمام وقته في علم النحو ومن تصانيفه: ((التذكرة)) و((المقصور
والممدود)) توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. ترجم له ابن خلكان في ((وفيات
الأعيان)» ٢/ ٨٠، وابن النديم في ((الفهرست)) ص ٦٤ والخطيب في ((تاريخ بغداد))
٧/ ٢٧٥ وياقوت في ((معجم الأدباء)) ٢٣٢/٧.
(٤) ((المحكم)) ٢٣٣/٧ - ٢٣٤.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح س=
وفي ((جامع القزاز))(١): الدُّلجة والدَّلجة لغتان بمعنى وهما: سير
السحر.
وقال قوم: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلجَة بالفتح سير (٢) [أول
الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول: مضت برهة من
الدهر وبَرهة، وغلَّط ابن درستويه ثعلبًا(٣) في تخصيص أدَّلج بالتشديد
بسير أول الليل، وبالتخفيف بسير آخره، قَالَ: وإنما هما عندنا
جميعًا: سير الليل في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره(٤).
خامسها: في معنى الحديث:
ومعناه كالأبواب قبله، أن الدين اسم يقع على الأعمال، والدين
والإيمان والإسلام بمعنى، والمراد بالحديث: الحث على ملازمة
(١) القزاز القيرواني: محمد بن جعفر بن أحمد التميمي أبو عبد الله النحوي المعروف
بالقزاز القيرواني ولد سنة ٣٤٢ وتوفي سنة ٤١٢. له من الكتب: ((أدب السلطان))،
((جامع اللغة))، ((شرح مثلثات قطرب))، ((شرح المقصورة لابن دريد))، ((ضرائر
الشعر))، ((العشرات في اللغة))، ((كتاب التعريض فيما دار بين الناس من
المعاريض))، ((كتاب الضاد والظاء))، (كتاب المعترض))، ((كتاب المفترق في
النحو))، ((ما أخذ على المتنبي))، وغير ذلك. انظر: ((معجم الأدباء)) ١٠٥/١٨،
((هدية العارفين)) ٦١/٢. وهو مترجم في ((السير)) ١٧/ ٣٢٦.
(٢) من هنا يبدأ سقط من (ف).
(٣) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف
بثعلب، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة وكان ثقة حجة صالحًا مشهورًا بالحفظ
وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، ولد سنة مائتين وتوفي سنة
إحدى وتسعين ومائتين. ومن تصانيفه: ((الدر المصون)) و((اختلاف النحويين))
و((معاني القرآن)). ترجم له الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٤/٥، وابن
خلكان في ((وفيات الأعيان)) ١٠٢/١، والنديم في ((الفهرست)) ص٧٤، وياقوت
في «معجم الأدباء)) ١٠٢/٥.
(٤) ((تصحيح الفصيح)) لابن درستويه ص١٢٣ - ١٢٤.

٨٧
- كتاب الإيمان
الرفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيق العامل ويمكنه المداومة
عليه، وأن من شادّ الدين وتعمق أنقطع وغلبه الدين وقهره.
ثم أكد ◌َّ بهذا المعنى فقال: ((سددو) إلى آخره، أي: اغتنموا
أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، وأما الدوام لا تطيقونه،
واحرصوا على أوقات النشاط واستعينوا بها على تحصيل السداد
والوصول إلى المراد، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عجز
وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة -وهي أول النهار - وروحة -وهي
آخره- ودلجة -وهي آخر الليل- حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة،
وأمكنه الدوام على ذَلِكَ.
وهُذِه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاستعيرت
هُذِهِ الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، قَالَ بَّ: ((كن في
الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))(١) فشبه ثقة الإنسان في الدنيا
بالمسافر، وكذا هو في الحقيقة؛ لأن الدنيا مطية الآخرة، فنبه وله
على اغتنام أوقات الفراغ، وإنما قَالَ: ((وشيء من الدلجة)) ولم يقل:
والدلجة؛ تخفيفًا عنه لمشقة عمل الليل، اللهُمَّ هون علينا هذِهِ
الأعمال في التبكير والآصال.
(١) سيأتي برقم (٦٤١٦) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي ◌َّ: ((كن في الدنيا كأنك
غريب أو عابر سبيل».

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٠ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ
وقَّوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ.
٤٠ - حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثْنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ
البَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِكَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ - مِنَ
الأَنَّصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا - وَكَانَ
يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَلَ صَلَاةٍ صَلََّهَا صَلَاةَ العَضْرِ،
وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ باللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ
البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ،
فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي
حَدِيثِهِ هذا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَذْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ،
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢،
٧٢٥٢ - مسلم: ٥٢٥ - فتح: ٩٥/١]
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ
وَلِ﴿ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَىْ أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ
الأَنْصَارِ، إلى قوله: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ .
الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أن البخاري أخرجه أيضًا في
الصلاة(١)، وإجازة خبر الواحد الصدوق في الصلاة(٢) والتفسير (٣).
(١) سيأتي برقم (٣٩٩) باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٥٢) كتاب: أخبار الآحاد.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٨٦) باب: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.

٨٩
= كتاب الإيمان
أحدها: في التعريف برواته:
أما البراء فهو بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل: بالقصر،
وهو أبو عُمارة بضم العين، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل(١)،
البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مَجْدَعة - بفتح الميم وإسكان
الجيم وفتح الدال المهملة - بن الحارث بن حارثة بن الخزرج بن
عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني.
روي له عن رسول الله خيرله ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، أتفقا
على اثنين وعشرين وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة.
استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها،
وعنه: ما قدم علينا رسولُ اللهِوَّه حتى قرأت: ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى
[الأعلى: ١] في سور من المفصل (٢)، وغزوت مع رسول الله وَل
خمس عشرة غزوة(٣)، وقيل: ثماني عشرة ما رأيته ترك فيها ركعتين
حين تزيغ الشمس في حضر ولا سفر (٤).
مات أيام مصعب بن الزبير](٥) وقُتِل مصعب سنة اثنتين وسبعين(٦).
(١) زاد أبو عمر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢٣٩/١ أنه يكنى أيضًا أبا عمر. وقال:
والأشهر والأكثر أبو عمارة وهو أصح إن شاء الله تعالى. ورواه ابن سعد في
((الطبقات)» ٣٦٥/٤ عن أبي إسحاق أن البراء بن عازب كان يكنى أبا عمارة.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٢٥) كتاب: مناقب الأنصار، مقدم النبي ◌ٍَّ وأصحابه المدينة.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٧٢) كتاب: المغازي، باب: كم غزا النبي ◌َّر.
(٤) رواه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٠) وقال: حديث البراء حديث غريب، ثم
قال: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم
أبي بُسْرة الغفاري، ورآه حسنًا. اهـ وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٢٢).
(٥) هنا ينتهي سقط من (ف) بمقدار صفحة منها.
(٦) انظر ترجمة البراء في: ((معرفة الصحابة)) ٣٨٤/١ (٢٧٦)، («أسد الغابة» ٢٠٥/١
(٣٨٩)، ((الإصابة)) ١/ ١٤٢ (٦١٨).

٩٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فائدة :
أبوه صحابي أيضًا ذكره ابن سعد في ((طبقاته)(١) و(قَلّ)(٢) من ذكره
ولم يسمع له ذكر في شيء من المغازي، وقد جاء حديثه في الرجل الذي
اشترى منه الصديق بثلاثة عشر درهمًا (٣) ، وليس في الصحابة عازب
غيره(٤) ، ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده.
وأما أبو إسحاق فهو السبيعي - بفتح السين المهملة وكسر الموحدة
نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب، وأبعد من قَالَ:
عرف بذلك لنزوله فيهم(٥) ، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب(٦) -
ابن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيوان بن
نوف بن همدان.
وهو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي، وقيل: عمرو بن
عبد الله بن ذي يُحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير
المتفق على جلالته وتوثيقه.
(١) ((الطبقات)) لابن سعد ٣٦٥/٤.
(٢) بياض في (ف)، وهي من (ج).
(٣) ستأتي هذه القصة برقم (٣٦٥٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب
المهاجرين.
(٤) انظر ترجمة عازب فى: ((معرفة الصحابة)) ٢٢٣٦/٤ (٢٣٤٤)، ((أسد الغابة» ٣/
١١٠ (٢٦٥٩)، («الإصابة)) ٢٤٤/٢ (٤٣٤٠).
(٦)
(٥) قاله يعقوب بن أبي شيبة فيما نقله عنه المزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٢/ ١٠٣.
(تهذيب الكمال)) ٦٢/٣٥. والعلة فى استغراب المصنف -رحمه الله- من ذكر
المزي للسبيعي في الألقاب، أن السبيعي هذِه نسبة، فكيف يذكر في الألقاب؟
والجواب: أن المزي قد ذكره في الأنساب أولًا كما في ١٢/٣٥ ثم ذكره في
الألقاب، على اعتبار أن الأنساب من الألقاب، وقد عنون بذلك الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) ٦٤٢/٤، فقال: الأنساب من الألقاب.

٩١
كتاب الإيمان
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليًّا وأسامة والمغيرة ولم
يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية
وخلقًا من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه: التيمي وقتادة
والأعمش وهم من التابعين، والثوري وهو أثبت الناس فيه، وخلق
من الأئمة.
قَالَ العجلي: سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني:
روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، وقيل:
سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائة(١).
وأما زهير فهو أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حُديج - بضم الحاء
وفتح الدال المهملتين وبالجيم- بن الرُّحَيل -بضم الراء وفتح الحاء
المهملة- بن زهير بن خيثمة الجعفي الكوفي.
سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميدًا الطويل وغيرهما من التابعين
وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، و(اتفقوا)(٢)
على جلالته وحسن حفظه وإتقانه.
قَالَ أبو زرعة: هو ثقة إلا أنه سَمِع من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وقال أحمد: ثبت بخ بخ لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه
بآخره، قَالَ أبو حاتم: (هم)(٣) ثلاثة إخوة: زهير وحديج ورحيل،
(١) أنظر ترجمته في: ((الطبقات)) لابن سعد ٣١٣/٦، ((التاريخ الكبير)) ٣٤٧/٦
(٢٥٩٤)، ((معرفة الثقات)) ١٧٩/٢ (١٣٩٤)، ((تهذيب الكمال)) ١٠٢/٢٢
(٤٤٠٠).
(٢) في (ج): وأجمعوا.
(٣) من (ف).

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(أَعْدَلُهم زهير ثم حُديج)(١).
مات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة سبع
وسبعين ومائة، وقال أبو داود عن النفيلي: فُلج قبل موته بسنة، ولم
أسمع منه شيئًا بعدما فلج، وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من
إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق، وزهير ثقة متقن
صاحب سنة، تأخر سماعه من أبي إسحاق.
قَالَ الخطيب: حدث عنه ابن جُريج وعبد السَّلام بن عبد الحميد
الحراني وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن
إسحاق وبين وفاتيهما قريب من ذَلِكَ(٢).
فائدة :
يجاب عن إخراج البخاري له عن أبي إسحاق أنه لعله ثبت عنده
سماعه منه قبل الاختلاط كما سلف في الفصول.
وأما عمرو (خ، ق) بن خالد فهو أبو الحسن عمرو بن خالد بن
فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد -بالقاف- بن ليث بن واقد بن
عبد الله الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر.
روى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما من الأئمة، وعنه البخاري
وانفرد به، وأبو زرعة وغيرهما من الأئمة، وروى ابن ماجه، عن
(١) كذا في (ف)، (ج) وهو خطأ والصواب كما في ((الجرح والتعديل)) ٥٨٨/٣،
٥٩٦: أوثقهم زهير ثم رحيل. وكذا في ((التعديل والتجريح)) للباجي ٥٩٦/٢،
و (تهذيب الكمال)» ١٧٣/٩.
(٢) ((السابق واللاحق)) ص٢٠٤ (٧٠).
وانظر ترجمة زهير في: ((التاريخ الكبير» ٤٢٧/٣ (١٤١٩)، ((الجرح والتعديل))
٥٨٨/٣ (٢٦٧٤) ٣٣٧/٦، ((تهذيب الكمال)» ٤٢٠/٩ (٢٠١٩).

٩٣
= كتاب الإيمان
رجل عنه واسمه عمرو - بزيادة الواو- ويقع في بعض النسخ بإسقاطها
والصواب الأول(١).
قَالَ أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات
بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (٢).
فائدة :
لهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك(٣) انفرد بالإخراج له ابن
ماجه، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث (٤).
(١) قال أبو علي في ((تقييد المهمل)) ٢/ ٥٦٧: کان في نسخة أبي زيد المروزي: حدثنا
عمر بن خالد. هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد
الطليطلي وذلك وهم، والصواب: عمرو. بفتح العين وسكون الميم. وهو عمرو بن
خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البخاري من يقال له: عمر بن خالد .اهـ
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٢٧/٦ (٢٥٤٢)، ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢/
١٧٥ (١٣٧٦)، ((الجرح والتعديل)) ٢٣٠/٦ (١٢٧٨)، ((تهذيب الكمال)) ٦٠١/٢١
(٤٣٥٦). وقد سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢)
(٣) عمرو بن خالد الواسطي أبو خالد القرشي مولى بني هاشم، أصله كوفي وانتقل
إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين وسعيد بن زيد بن عقبة والثوري
وغيرهم، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: متروك، وقال ابن معين: كذاب، وقال
النسائي: ليس بثقة ویحکی عن وكيع، قال: كان في جوارنا يضع الحديث فلما
قُطن له تحول إلى واسط. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٣٢٨/٦ (٢٥٤٣)،
((الجرح والتعديل)) ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٧)، ((المجروحين)) لابن حبان ٧٦/٢، ((تهذيب
الكمال» ٦٠٣/٢١ (٤٣٥٧).
(٤) عمرو بن خالد الكوفي أبو حفص، روى عن سليمان الأعمش وهشام بن عروة
وغيرهما. قال ابن حبان: يروي عن ((الثقات)) الموضوعات، لا تحل الرواية عنه،
وقال الحافظ: منكر الحديث من التاسعة، ويقال: هو عمرو بن خالد أبو يوسف
الأسدي وفرق بينهما ابن عدي. انظر ترجمته في «المجروحين)) لابن حبان ٧٩/٢،
و ((الكامل)) لابن عدي ٢٢٥/٦ (١٢٩١)، ((تهذيب الكمال)) ٦٠٧/٢١ (٤٣٥٨).

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ) كذا وقع في الأصول، والمراد
إلى البيت، يعني: بيت المقدس أو الكعبة؛ لأن صلاتهم إليها إلى جهة
بيت المقدس.
وقوله: (أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ) يعني: في الهجرة، ولها أسماء كثيرة
ذَكَرتُ منها في ((الإشارات للغات المنهاج))(١) تسعة وعشرين اسمًا
مفصلة فراجعها منه.
وقوله: (أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ) هو شك من
الراوي وهم أخوال وأجداد مجازًا؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله
وَّ تزوج من الأنصار وقصته مشهورة، وقد سلف في أول الكتاب
شأن الأنصار المذكور في السير أن أول ما نزل ◌َّ على كلثوم بن
الهدم بن أمرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن
عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، ثم على أبي أيوب
الأنصاري خالدٍ ولَيْسَا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده، وإنما
أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار وقد مر بهم، ونزل على بني
مالك أخي عدي فلعل ذَلِكَ وقع تجوزًا لعادة العرب في النسبة إلى
الأخ أو لقرب ما بين داريهما.
وقوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ) : أي متوجهًا إليه، وقوله: (بيت
المقدس) هو -بفتح الميم وإسكان القاف، وفيه لغة أخرى ضم الميم وفتح
القاف والدال المشددة- أي المطهر، وعلى الأول هو مصدر كالمرجع، أو
مكان ومعناه: بيت مكان الطهارة، قاله أبو علي الفارسي.
(١) الكتاب قيد التحقيق بدار الفلاح.

٩٥
= كتاب الإيمان
وقال الزجاج: أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال:
البيت المقدس على الصفة. والمشهور بيت المقدس على إضافة
الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ومسجد الجامع وبابه، وله
أسماء أخر ذكرتها في (الكتاب)(١) المشار إليه قريبًا.
وقوله: (سِنَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا). كذا وقع هنا على
الشك، وكذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية في ((صحيح مسلم)) وغيره
عن البراء الجزم بالأولى(٢) فيتعين (اعتمادها) (٣) كما قاله النووي.
وقال الداودي: إنه الصحیح، قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس
والحربي؛ لأن بدرًا كانت في رمضان في السنة الثانية.
وخالف القاضي فقال: الثاني أصح وهو قول مالك وابن إسحاق
وابن المسيب(٤)، وفي ((سنن أبي داود)): ثمانية عشر شهرًا(٥).
وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى: سنتين،
وأغرب منهما: تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان.
وقال أبو حاتم بن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة
عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء؛ لأن قدومه وَله من مكة كان يوم الأثنين
لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف
شعبان (٦).
(١) في (ف): المكان.
مسلم (١١/٥٢٥) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(٢)
(٣)
كذا في (ف) وفي (ج): إعمالها.
(٤)
((إكمال المعلم)) ٤٤٩/٢.
((سنن أبي داود)) برقم (٥٠٧). وفيه: ثلاثة عشر شهرًا. من حديث معاذ بن جبل ضـ
(٥)
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٤/ ٦٢٠.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي ((تفسير ابن الخطيب)) عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة
أشهر، وهو غريب. وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن
عدّ شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب.
وفي ابن ماجه أنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين(١).
وقال إبراهيم بن إسحاق: حولت في رجب. وقيل: في جمادى فحصل
في تعيين الشهر أقوال)(٢).
والشهر سمي بذلك لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته
في عبادتهم ومعايشهم. يُقال: شهرت الشيء إذا أظهرته، وفي لغة رديئة
أشهرته، حكاها الزبيدي.
وقوله: (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ). أي: كان يحب ذَلِكَ
كما صرح به البخاري في رواية أخرى في باب: التوجه نحو القبلة(٣).
وقوله: (صَلَاةَ العَصْرِ) هو بدل من قوله: (أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا).
وقوله: (مَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) إلى آخره، هؤلاء ليسوا أهل قباء بل
أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويُعرف بمسجد القبلتين، ومر
عليهم المار في صلاة العصر. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة
الصبح، كما صرح به البخاري ومسلم في موضعه من حديث ابن عمر (٤).
(١) ابن ماجه (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٩٦/١: أبو بكر سيِّىء الحفظ وقد أضطرب فيه.
وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٢١٢): منكر.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ف).
(٣) سيأتي برقم (٣٩٩) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ... ، ومسلم (٥٢٦/
١٣) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.

٩٧
كتاب الإيمان
=
ويجوز أن تحمل الأولى على أن المراد: أن أول صلاة صلاها
كاملة إلى الكعبة العصر، وقيل: كان التحويل في ركوع الثانية من
الظهر في المسجد السالف فاستدار واستدارت الصفوف، فأنزل الله
تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. وذكر القرطبي أن
الآية نزلت في غير صلاة(١).
وقوله: (وَأَهْلُ الكِتَابِ) هو: برفع اللام معطوف على اليهود، ولعل
المراد بهم النصارى؛ فإن اليهود أيضًا أهل كتاب.
فائدة :
هذا (المار)(٢) هو عباد بن نهيك بن إساف الخطمي، صلى القبلتين
مع النبي وقّ ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت،
قاله ابن عبد البر(٣).
وقال ابن بشكوال: هو عباد بن بشر الأشهلي (٤)، [و](٥) ذكره
الفاكهي في ((أخبار مكة)) عن خويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات،
وفيه قول ثالث: أنه عباد بن وهب.
الوجه الثالث: في فوائده:
وهي جمة مفرقة في الأبواب ذكرت منها جملة في ((شرح العمدة)) (٦)
ونذكر منها هنا عشر فوائد:
(١) ((تفسير القرطبي)) ١٤٩/٢.
(٢) في (ج): المشار إليه.
(٣) ((الاستيعاب)) ٣٥٤/٢ (١٣٧٦).
(٤) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٢٢٣/١.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ٤٨٧- ٥٠٤.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ونقدم عليها أن التحويل كان في السنة الثانية قطعًا، واختلف في
الشهر الذي حولت فيه على ثلاثة أقوال سلفت:
أحدها: في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، قاله محمد بن حبيب
الهاشمي، وحكاه عنه النووي في ((الروضة)) في كتاب السير وأقره(١).
وثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، ونقله
بعضهم عن الأكثرين كما حكاه صاحب ((المطلب)).
قَالَ: وفي رواية شاذة أن ذَلِكَ كان في جمادى الآخر، وهذا هو
الثالث.
الأولى: ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان، وقد أتفق
المفسرون وغيرهم على أن المراد به هنا الصلاة، وكذا ذكره البراء
في حديث الباب بفحواه وإن لم يصرح به، والآية إنما نزلت في
صلاتهم إلى بيت المقدس.
وقال ابن إسحاق وغيرُه: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمّ﴾ بالقبلة الأولى،
وتصديقكم بنبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم
أجرهما جميعًا (٢).
وما زاده زهير في حديث البراء، أخرجه أبو داود والترمذي من
حديث ابن عباس، قَالَ: لما وجه النبي ◌َّهِ إلى الكعبة قالوا:
يا رسول الله، كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت
المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾(١) [البقرة: ١٤٣].
(١) ((روضة الطالبين)) ٢٠٦/١٠.
(٢) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ١٧٧.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٦٨٠)، ((سنن الترمذي)) (٢٩٦٤) وقال: حديث حسن صحيح.

٩٩
كتاب الإيمان
=
الثانية: جواز النسخ ووقوعه ولا عبرة بمن أحاله. قَالَ ابن عباس:
أُول ما نُسخ من القرآن شأن القبلة والصيام(١)، وأول مَن صَلَّى إلى
الكعبة البراء بن معرور (٢).
الثالثة: قبول خبر الواحد (كما ترجم له فيما مضى)(٣) وقد يقال:
إنه أحتف به قرائن ومقدمات أفادت العلم؛ لأنهم كانوا متوقعين
التحویل.
الرابعة: استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم.
الخامسة: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس
قادحًا في الرضا بل هو محبوب.
السادسة: أن النَّسْخَ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، لأن أهل
المسجد وأهل قباء صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ،
لكن قبل بلوغه إليهم وهو الصحيح في الأصول (٤)، وتظهر فائدة الخلاف
في الإعادة، ويتعلق بذلك أن الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من
بلوغ الخبر؟ والأصح عندنا الأول بخلاف القاضي، والفرق تعلق
المصالح الكلية به بخلاف الوكيل، ويتعلق به أيضًا أن الأمة لو صلت
مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟
(١) رواه النسائي في ((المجتبى)) ١٨٧/٦، ٢١٢، وفي ((الكبرى)) ٣٨٦/٣، والطبراني
في (مسند الشاميين)) ٣٢٦/٣، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٦٧/٢ - ٢٦٨،
والبيهقي في ((الكبرى)) ٢/ ١٢.
(٢) رواه البيهقي ٣٨٤/٣ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: وكان
البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميًّا.
قال البيهقي : وهو مرسل جید.
(٣) من (ج).
(٤) انظر: ((المستصفى)) ٢٢٩/١.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح حسد
السابعة: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين، فمن صلَّى
بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في
جهة أخرى ولم يتيقن ذَلِكَ، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على
صلاته ويجزئه، وإن كانت إلى جهتين وثلاث وأربع حتى لو صلى
الرباعية إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، وهو
الأصح عند أصحابنا(١).
الثامنة: جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والأصح عند الجمهور نعم،
وللشافعي فيه قولان:
قَالَ مرة: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا
واحدًا(٢)، والأصح عند الجمهور: نعم بشرط كونها متواترة (٣).
قَالَ القاضي عياض: أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم
عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا (٤).
وقال ابن الخطيب: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر
وأحمد في رواية بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه
أبو حنيفة ومالك والجمهور(٥).
واستدل المجوزون على الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم
(١) أنظر كلام الشافعي في ((الرسالة)) ص١٠٦ - ١١٣.
(٢) أنظر: ((المجموع)) ٢٠٦/٣.
(٣) أنظر: ((المستصفى)) ٢٣٦/١ - ٢٣٧، ((الغيث الهامع)) ٤٣٦/٢ - ٤٣٧، ((إرشاد
الفحول))٨٠٩/٢-٨١٥.
(٤) «إكمال المعلم))٢/ ٥٤٥.
(٥) انظر: ((الرسالة)) ص١٠٦، ((الواضح في أصول الفقه))٢٢٨/١، ((الإحكام في
أصول الأحكام)) لابن حزم ص٥١٨- ٥٢٠، ((البحر المحيط)) ١٠٨/٤-١٠٩.