Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
== كتاب الإيمان
هذا وشبهه من قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وفلان إلى آخره
فوائد: هذه إحداها.
وثانيها: أن تعلم رواته؛ ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في
شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما.
الثالثة: ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة
لَهُ أنه لم يروه غير ذَلِكَ المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر
عن غيره فتوهمه غلطًا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان. فإذا
قيل في الباب: عن فلان، وفلان ونحو ذَلِكَ زال الوهم المذكور،
فتنبه لذلك.
خامسها :
هذا الرجل لم أقف (عَلَى أسمه)(١) فليتتبع(٢).
(١) في (ب): قوله على آسم.
(٢) سماه الحافظ، فقال في ((هدي الساري)) ص٢٤٩ فقال: قوله: فترك رجلًا هو
أعجبهم إليَّ، هو جعيل بن سراقة الضمري، ذكره الواقدي. وذكر ذلك أيضًا في
((الفتح)) ١/ ٨٠، وزاد أن الواقدي سماه في ((المغازي))، وبهذا سماه أيضًا العيني
في ((عمدة القاري)) ٢٢١/١، وكذا السيوطي في ((الديباج)) ١/ ١٧١.
ومما يشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ١٤٣/٤ - ١٤٤،
ومن طريقه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٦٢٥/٢ - ٦٢٦ (٥١٢)، وفي ((الحلية))
٣٥٣/١، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٣٨/١ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمي، أن قائلًا قال لرسول الله وي ليه - من أصحابه -: يا رسول الله، أعطيت عيينة
ابن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري، فقال
رسول الله : ((أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع
الأرض، كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما،
ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه)). قال الحافظ في ((الإصابة)) ٢٣٩/١:
مرسل حسن.

٦٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
سادسها: في ألفاظه ومعانيه:
الأول: قوله: (أَغْطَى رَهْطًا)، أي جماعة، وأصله الجماعة دون
العشرة، قَالَ ابن التياني(١): قَالَ أبو زيد: الرَّهْطُ ما دون العشرة من
الرجال.
وقال صاحب ((العين)): الرَّهْطُ عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة،
وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ،
وتخفيف الرَّهْطِ أحسن(٢)، تقول: هؤلاء رَهْطُكَ، وأَرْهَطُكَ، وهم
رجال عشيرتك.
وعن ثعلب: الرَّهْطُ: الأب الأدنى.
وعن النضر (٣): جاءنا أَرْهُوُط منهم مثل أركوب، والجمع أَرَاهٌ،
وأرهيط.
(١) هو تمام بن غالب بن عمر، أبو غالب القرطبي، حامل لواء اللغة، ابن التياني،
نزيل مرسية، قال الحميدي: كان إمامًا في اللغة، ثقة ورعًا خيرًا، له كتاب في
اللغة لم يؤلف مثله اختصارًا وإكثارًا. وكان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسلمًا له
اللغة، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. أنظر تمام ترجمته في: ((الإكمال)) ١/
٤٤٣، ((وفيات الأعيان)) ١/ ٣٠٠، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٨٤/١٧ (٣٩٠)، ((تاريخ
الإسلام)» ٤٢٤/٢٩ (١٦٠)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٩٨/١٠.
(٢) ((العين)) ١٩/٤.
(٣) هو النضر بن شميل بن خرشة، أبو الحسن المازني البصري النحوي اللغوي
الحافظ، نزيل مرو حدث عن هشام بن عروة، وأشعث بن عبد الملك الحمراني،
وبهز بن حكيم، وعنه يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه. وثقه يحيى بن معين
وابن المديني، والنسائي، وأبو حاتم، مات في أول سنة أربع ومائتين. انظر ترجمته
في ((الطبقات الكبرى)) ٣٧٣/٧، ((التاريخ الكبير)) ٩٠/٨ (٢٢٩٦)، ((تهذيب
الكمال)) ٣٧٩/٢٩ - ٣٨٤ (٦٤١٩)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٨/٩- ٣٣٢
(١٠٨)، وستأتي ترجمته مفصلة عند حديث (١٥٢).

٦٤٣
- كتاب الإيمان
وفي ((المحكم)): لا واحد لَهُ من لفظه، وقد يكون الرَّهْطُ من
العشيرة(١)، وفي ((الجامع)) و((الجمهرة)): الرَّهْطُ من القوم: وهو ما بين
الثلاثة إلى العشرة، وربما (جاوزوا)(٢) ذَلِكَ قليلًا وَرْهطُ الرجل: بنو
أبيه، ويجمع عَلَى أَرْهُطِ، ويجمع الجمع عَلَىْ أَرَاهِطِ (٣). وفي
((الصحاح))، رَهْطُ الرجل: قومه وقبيلته.
والرَّهْطُ: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، والجمع
أَرْهُطُ وأَرْهَاطٌ كأنه جمع أراهط (٤) وأراهيط (٥)، وفي ((مجمع الغرائب)):
الرَّهْطُ: جماعة غير كثيري العدد.
الثاني: قوله: (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ). أي: أفضلهم وأصلحهم في
اعتقادي.
الثالث: قوله: (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: (أيُّ سبب لِعُدُولك عن
فلان)(٦)؟ قاله الجوهري عن ابن السراج(٧)، و(فلان) كناية عن اسم
سمي به المحدث عنه، قَالَ: ويقال في غير الناس: الفلان والفلانة
بالألف واللام.
(١) ((المحكم)) ١٧٦/٤، ١٧٧.
(٢) في (ج): جاوز.
(٣) ((جمهرة اللغة)) لابن دريد ٢/ ٧٦١.
(٤) كذا في (ج) و(ف) وفي ((الصحاح)): أرهط.
(٥) ((الصحاح)) ١١٢٨/٣ مادة: (رهط).
(٦) في (ج) أي: لأي سبب تعدل عن فلان؟.
(٧) هو محمد بن السري البغدادي النحوي، أبو بكر، ابن السراج، إمام النحو، أنتهى
إليه علم اللسان، له كتاب ((أصول العربية)) وما أحسنه، وكتاب: ((شرح سيبويه)).
أنظر تمام ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣١٩/٥، ((المنتظم)) ٢٢٠/٦، ((وفيات
الأعيان)) ٣٣٩/٤، ((سير أعلام النبلاء)» ٤٨٣/١٤ (٢٦٨)، («تاريخ الإسلام» ٢٣/
٥٢٣ (٢٧١).

٦٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سب
الرابع: قوله: (فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا)، هو بفتح الهمزة، قَالَ
النووي: ولا يجوز ضمها عَلَى أن تجعل بمعنى أظنه؛ لأنه قَالَ: ثمَّ
غلبني ما أعلم منه؛ ولأنه راجع النبي ◌َّهِ مرارًا، ولو لم يكن جازمًا
باعتقاده لما كرر المراجعة(١).
وأما أبو العباس القرطبي فقال: الرواية بضم الهمزة بمعنى: أظنه،
وهو منه حلف عَلَى ما ظنه، ولم ينكر عليه، فهو دليل على جواز الحلف
عَلَى الظن، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور (٢).
قُلْتُ: (وهي)(٣) عند الشافعي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن
يقصدها: كلا والله، وبلى والله(٤).
الخامس: قوله: (((أَوْ مُسْلِمًا)))، هو بإسكان الواو، وهي (أو) التي
للتقسيم والتنويع، أو للشك والتشريك، ومن فتحها أخطأ وأحال
المعنى، ومعنى الإسكان: أن لفظة الإسلام أولى أن نقولها؛ لأنها
معلومة بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله، وليس
فيه إنكار كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان.
وقد غلط من توهم كونه حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة
إلى إيمانه، وهو قوله: ((أُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ))، وأغرب
بعضهم فادعى أن قوله: ((أو مسلمًا)) أمره أن لا يقطع بإيمانه بل
يقولهما؛ لأنه أحوط، وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس رفعه:
((الإسلام علانية والإيمان في القلب)) ثمَّ يشير بيده إلى صدره، ((التقوى
ههنا التقوى ههنا))(٥).
(١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٨١/٢. (٢) ((المفهم)) ١/ ٣٦٧.
(٤) ((الأم)) ٧ / ٥٧.
(٣) ساقطة من (ج).
(٥) («المصنف)) ١٥٩/٦ (٣٠٣١٠)، ((الإيمان)) (٦) قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن =

٦٤٥
كتاب الإيمان
قَالَ ابن عدي: حديث غير محفوظ(١).
السادس: قوله: (فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي)، قَالَ أهل اللغة: يقال: عاد
لكذا، أي: رجع إليه بعد ما كان أعرض عنه، والمقالة والمقال
والقول والقولة بمعنَى.
السابع: قوله: ( (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ)))، هو بفتح أول يَكُبّه
وضم الكاف، يقال: أَكَبَ الرجل وكَبَّهُ غيره، وهذا بناء غريب، فإن
المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فُيعدى بها، وهنا عكسه،
ومعنى كَبَّه: ألقاه، ویقال: گَبْگَبَهُ بمعنى: کبَّه.
وذكر البخاري في كتاب: الزكاة عقب ذَلِكَ: قَالَ أبو عبد الله:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ (فَكَبوا)(٢) ﴿مُكِبَّ﴾، أَكَبَّ الرجل إِذَا كان فعله غير واقع
عَلَى أحد، فإذا وقع الفعل قُلْت: كَبَّه الله لوجهه وكببته أنا(٣).
= علي بن مسعدة، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، مرفوعًا به.
ورواه عنه أبو يعلى ٣٠١/٥- ٣٠٢ (٢٩٢٣)، ومن طريقه ابن حبان في
((المجروحين)) ١١١/٢، وابن عدي في ((الكامل)) ٦/ ٣٥٣.
ورواه أحمد ١٣٤/٣- ١٣٥، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٠)، والعقيلي
في ((الضعفاء)) ٣/ ٢٥٠، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ٢٧٦/٢
من طرق عن علي بن مسعدة به. وقال البزار: تفرد به علي بن مسعدة.
قال عبد الحق في ((أحكامه)) ٧٦/١: حديث غير محفوظ؛ تفرد به علي بن مسعدة،
وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٢٨٠).
وأما قوله: ((التقوى ههنا»، فهُذِه القطعة شاهدها في ((صحيح مسلم)) (٢٥٦٤/ ٣٢)
من حديث أبي هريرة.
(١) ((الكامل في الضعفاء)) ٣٥٤/٦.
(٢) كذا في (ف) و(ج) وهي رواية أبي ذر، وفي باقي النسخ: فقلبوا.
(٣) سيأتي برقم (١٤٧٨) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ
النَّاسَ إِلَحَاناً﴾.

٦٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ أبو المعالي في ((المنتهى)): أُكِبَّ الرجل، أي: قُلب لوجهه،
وهو من النوادر، وأَكَب عليه إِذَا أنحنى عليه. وقال ابن سيده: كَبَّ
الشيء يَكُبُّهُ كَبًّا، وكَبْكَبَهُ: قلبه، وحكى ابن الأعرابي: أَكَبَّهُ(١). وفي
((الجامع)): يتعدى إِذَا كان عَلَى فَعَل، ولا يتعدى إِذَا كان عَلَى أفعل.
وقال القاضي: الرواية الصحيحة يكبه، بفتح أوله - أي كما أسلفناه-
فعل ثلاثي من کَبَّ، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثيه يتعدى، وفعل
رباعيه لا يتعدى عَلَى نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها أَكَبَّ
الرجل، وكببته أنا.
قَالَ تعالى: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، وقال:
﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] ومثله أقْشَعَ الغيم، وقَشَعَتْهُ
الريح، وأنْسَلَ ريش الطائر، ونَسَلْتُهُ أنا، وأنزفتِ البئر: قل ماؤها،
ونزفتها أنا، وأَمْرَتِ الناقة درَّ لبنها، ومريتها أنا، وأَشنَق البعير: رفع
رأسه، (وشنقته)(٢) أنا (٣).
الثامن: الضمير في (يكبه) يعود إلى المعطى، أي: أتألف قلبه
بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إِذَا لم يعط، والتقدير: أعطي من في
إيمانه ضعف؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض لَهُ اعتقاد
(يكفر به فيكبه الله في النار. وأما من قوي إيمانه فهو أحب إليَّ فأَكِلُهُ
إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوء اعتقاد) (٤)
ولا ضرر علیه فيما لا یحصل لَهُ من الدنيا.
(١) ((المحكم)) ٤١٦/٦.
(٢) في (ج): وأشنقته.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٦٢
(٤) ساقطة من (ج).

٦٤٧
= كتاب الإيمان
سابعها: في فقهه وفوائده:
الأولى: الشفاعة إلى ولاة (الأمر) (١) وغيرهم فيما ليس بحرام.
الثانية: مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا إِذَا لم يؤد إلى
مفسدة.
الثالثة: الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.
الرابعة: أن الإمام يصرف الأموال في المصالح الأهم فالأهم.
الخامسة: أن المشفوع إليه لا (عتب)(٢) عليه إِذَا رد الشفاعة إِذَا
كانت خلاف المصلحة، فإن كان ولي أمر المسلمين، أو ناظر يتيم
ونحوه لم يجز لَهُ قبول شفاعة تخالف مصلحة ما هو ولي أمره.
السادسة: أن المشفوع إليه إِذَا ردَّ الشفاعة، ينبغي أن يعتذر إلى
الشافع ویبین لَهُ عذره في ردها.
السابعة: أن المفضول ينبه الفاضل عَلَى ما يراه مصلحة لينظر فيه
الفاضل.
الثامنة: أن المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه فإذا لم تظهر مصلحته
لا يعمل به.
التاسعة: أنه لا يقطع لأحد عَلَى التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه نص
كالعشرة من الصحابة وأشباههم، بل يرجي للطائع ويخاف عَلَى
العاصي، ويقطع من حيث الجملة أن من مات عَلَى التوحيد دخل
الجنة، وهذا كله إجماع أهل السنة.
العاشرة: استدل به جماعة من العلماء عَلَى جواز قول المسلم: أنا
(١) في (ج): الأمور.
(٢) في (ف): عتب.

٦٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
مؤمن مطلقًا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله، وهذه المسألة فيها خلاف
للصحابة فمن بعدهم، وقد سلف بيانها في أول كتاب الإيمان مبسوطة.
الحادية عشرة: فيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار
باللسان لا ينفع إلا إِذَا اقترن به اعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة
المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ يردُّه إجماع
الأمة والنصوص المتظاهرة في تكفير المنافقين وهذِه صفتهم.
قَالَ الإمام أبو بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني (١) وغيره من
الأئمة - رحمهم الله -: هذِه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾
[الحجرات: ١٤] حجة لأهل الحق في الرد عَلَى الكرامية وغلاة المرجئة
قالوا: وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه، منها قوله:
﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ولم يقل: في
ألسنتهم، ومن أقوى ما يبطل به قولهم إجماع الأمة عَلَى تكفير
المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين.
الثانية عشرة: الفرق بين الإيمان والإسلام، وقد سلف الكلام عليه
في أول كتاب: الإيمان، وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله تعالى- في
(١) هو الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، القاضي أبو بكر، محمد
ابن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني،
صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا، صنف
في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة
أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق، توفي سنة ثلاث وأربعمائة.
انظر تمام ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٧٩/٥، ((المنتظم)) ٢٦٥/٧، ((سير أعلام
النبلاء)» ١٩٠/١٧ (١١٠)، ((تاريخ الإسلام)) ٨٨/٢٨ (١١٤)، ((الوافي بالوفيات))
١٧٧/٣.

٦٤٩
كتاب الإيمان
=
حديث جبريل (١).
قَالَ المهلب: الإسلام عَلَى الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد
القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى
قوله تعالى لقوم: ﴿قَالُواْ ءَامَنَا﴾ [البقرة: ١٤] أي: بألسنتهم دون
تصديق قلوبهم: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيَنُ فِى
قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصح دليل عَلَى الفرق بين
الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام
ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد يكون
مسلمًا غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه(٢).
وكذا قَالَ الخطابي: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان
والإسلام، فيقال له: مسلم، أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهو
معنى الحديث، قَالَ تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ أي:
استسلمنا. وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم:
مؤمن وللمؤمن مسلم(٣).
خاتمة :
سبب نزول الآية السالفة ﴿قَالَتِ الْأَعْرَبُ ءَامَتَّاً﴾ ما ذكره الواحدي:
أن أعرابًا من أسد بن خزيمة قدموا عَلَى رسول الله بَّه في سنة
جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا
(١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي ◌َّر عن الإيمان والإسلام والإحسان
وعلم الساعة.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٦١.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٦٠/١ - ١٦١.

٦٥٠
-
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله
وَل *: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك حين قاتلك بنو فلان
فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزلها الله تعالى(١).
(١) ((أسباب النزول)) للواحدي ص٤١٢ (٧٦٧) عن ابن عباس، وورد بهامش (ف):
بلغ الشيخ الإمام برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمعه الصفدي ...
والعاملي وابن المصنف والشيخ علاء الدين ... وكاتبه محمد بن ... الحاجري
والواسطي وآخرون ....

٦٥١
كتاب الإيمان
-
٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ:
الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَم، وَالإِنْفَاقُ مِنَ
الإِقْتَارِ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيِ الخَيْرِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ
الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). [انظر ١٢ - مسلم: ٣٩ -
فتح: ٨٢/١]
نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟
قَالَ: (تُطْعِمُّ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفٌَ)).
الكلام علیه من وجوه:
أحدها :
هذا الحدیث تقدم الكلام على من خرجه قريبًا حیث ذكره، ونبّهنا
عليه هناك(١).
ثانیھا :
تقدم أيضًا التعريف برواته إلا قتيبة، وهو أبو رجاء قتيبة بن سعيد
ابن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، مولاهم البغلاني، منسوب
إلى بغلان - بفتح الموحدة وإسكان الغين المعجمة - قرية من قرى
بلغ (٢).
(١) سلف برقم (١٢).
(٢) أنظر: ((الأنساب)) ٢٥٧/٢.

٦٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قيل: إن جده جميلًا كان مولّى للحجاج بن يوسف، وقال ابن
عدي: أسمه يحيى، وقتيبة لقب، وقال ابن منده: اسمه علي، سمع
مالكًا وغيره من الأئمة، وعنه أحمد وغيره من الأعلام الحفاظ، وهو
ثقة، صاحب سنة.
روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وروى هو
وابن ماجه عن رجل عنه، ولد سنة خمسين ومائة، ومات في (شعبان)(١)
سنة أربعين ومائتين، وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)): مات في ثاني
رمضان (٢).
ثالثها :
عمار: هو أبو اليقظان بن ياسر بن (عامر بن)(٣) مالك بن الحصين بن
قيس بن ثعلبة بن عوف بن يام بن عنس - بالنون- بن زيد بن مالك بن أدد
العنسي.
وقال ابن سعد: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن
الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن یام
الأكبر بن عنس -بالنون- وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن
يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن
قحطان (٤).
(١) في (ج): سبعين، وهو خطأ بين.
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٩٥/٧ (٨٧٠)، ((الجرح والتعديل» ١٤٠/٧
(٧٨٤)، ((فتح الباب)) لابن منده (٢٧٤٨)، ((تهذيب الكمال)) ٥٢٣/٢٣ (٤٨٥٢)،
((سير أعلام النبلاء)) ١٣/١١ (٨).
(٣) من (ج).
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٢٤٦/٣.

٦٥٣
كتاب الإيمان
=
أمه سمية أسلمت، وكذا ياسر مع عمار قديمًا، وقَتَل أبو جهل سميةً
وكانت أول شهيدة في الإسلام(١)، وكانت مع ياسر وعمار يعذبون بمكة
في الله تعالى فيمر بهم النبي ◌ّر وهم يعذبون فيقول: ((صبرًا آل ياسر فإن
موعدكم الجنة))(٢)، وكانوا من المستضعفين(٣).
قَالَ الواقدي: وهم قوم لا عشائر لهم بمكة، ولا منعة ولا قوة،
كانت قريش تعذبهم في الرمضاء، فكان عمار يعذب حتَّى لا يدري
(١) رواه ابن سعد ٢٣٣/٣، ٢٦٤/٨ - ٢٦٥، وابن أبي شيبة ٣٣٧/٧ - ٣٣٨
(٣٦٥٧٥)، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤٢٠/٤، كلهم عن مجاهد.
(٢) رواه من حديث جابر الطبراني في ((الأوسط)) ١٤١/٢ (١٥٠٨)، والحاكم ٣/
٣٨٨ - ٣٨٩ كتاب: معرفة الصحابة، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم
يخرجاه. ووافقه الذهبي، وابن سعد مرسلًا عن أبي الزبير في ((الطبقات الكبرى))
٢٤٩/٣، وذكره الهيثمي ٢٩٣/٩، وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله
رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوّم، وهو ثقة. وصححه الألباني في
((صحيح السيرة النبوية)) ص١٥٤ - ١٥٥ فقال بعد ذكره لتصحيح الحاكم والذهبي
له، قال: هو كما قالا.
ورواه من حديث يوسف المكي، ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٤/ ١٣٧، ورواه
من حديث عثمان بن عفان الطبرانيّ ٢٤/ ٣٠٣ (٧٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/
١٤٠، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٣٤٣/١١، وذكره الدارقطني في ((العلل)) ٣/
٣٩ (٢٧٢)، وقال: رواه إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن حسين بن محمد
المروذي، عن سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن
عبد الله بن الحارث، عن عثمان. والصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال الهيثمي ٢٩٣/٩: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم.
وذكره الهيثمي من حديث عمار ٢٩٣/٩، وعزاه للطبراني، وقال: رجاله ثقات.
(٣) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٢٤٦/٣، ١٤/٦، ((الاستيعاب)) ٢٢٧/٣-
٢٣١ (١٨٨٣)، و((أسد الغابة)) ١٢٩/٤ - ١٣٥ (٣٧٩٨)، و(تهذيب الكمال)) ٢١/
٢١٥ - ٢٢٧ (٤١٧٤)، و((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٦/١ - ٤٢٨ (٨٤)، و((الإصابة))
٥١٢/٢ - ٥١٣ (٥٧٠٤).

٦٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ما يقول، وصهيب كذلك (١)، و[أبو] (٢) فكيهة كذلك وبلال (٣) وعامر بن
فهيرة (٤)، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ
(١) هو صهيب بن سنان بن خالد بن عمرو، وقيل غير ذلك في نسبه. سبته الروم عندما
أغارت على بلدته صغيرًا، فابتاعته كلب منهم، فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن
جدعان، فأعتقه، وأسلم، فلما أراد الهجرة قال له أهل مكة: أتيتنا ههنا صعلوكًا
حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت ثم تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكون
ذلك. فقال: أرأيتم إن تركت مالي تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله
أجمع، فبلغ النبي (وَل﴾، فقال: ((ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع)). ونزلت: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضََاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾﴾. [البقرة:
٢٠٧] أنظر: (الطبقات الكبرى)) ٢٢٦/٣ - ٢٣٠، ((الاستيعاب في معرفة
الأصحاب)) ٢٨٢/٢- ٢٨٧ (١٢٣١)، («أسد الغابة)) ٣٦/٣- ٣٩ (٢٥٣٦)،
((تهذيب الكمال)) ٢٣٧/١٣- ٢٤٠ (٢٩٠٤).
(٢) ساقطة من (ف) و(ج)، والمثبت من ((الطبقات)) ٢٤٨/٣، ((البداية والنهاية)) ٣/
١١٣، ((الدر المنثور» ٢٤٩/٤.
(٣) هو بلال بن رباح القرشي التيمي المؤذن، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد
الكريم، وقيل: غير ذلك، وهو مولى أبي بكر الصديق
شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن يعذب في الله
وَك فيصبر على العذاب، وكان أبو جهل يبطحه على وجهه في الشمس ويضع
الرحى عليه حتى تصهره الشمس، ويقول: أكفر برب محمد، فيقول: أحد أحد.
انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٢/٣ - ٢٣٩، ٣٨٥/٧ - ٣٨٦، ((الاستيعاب)) لابن
عبد البر ٢٥٨/١ - ٢٥٩، ((أسد الغابة)) ٢٤٣/١.
(٤) هو عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق، يكنى أبا عمرو، وكان مولَّدًا من مولدي
الأزد، أسود اللون، مملوكًا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخي عائشة لأمها.
وکان من السابقین إلى الإسلام، أسلم قبل أن يدخل رسول الله پے دار الأرقم،
أسلم وهو مملوك، وكان حسن الإسلام، وعذب في الله، فاشتراه أبو بكر، فأعتقه،
شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة.
انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٢٣٠/٣ - ٢٣١، ((معرفة الصحابة)) ٢٠٥١/٤ - ٢٠٥٣
(٢١٣١)، ((أسد الغابة)) ١٣٦/٣ - ١٣٧ (٢٧٢٢).

٦٥٥
كتاب الإيمان
بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ (١) [النحل: ١١٠]، ومن قرأ ((فَتنو)) بالفتح وهو ابن
عامر (٢)، فالمعنى: فتنوا أنفسهم. وعن عمرو بن ميمون قَالَ: أحرق
المشركون عمار بن ياسر بالنار فكان ◌َ* يمر به، ويمر بيده عَلَىْ
رأسه فيقول: ((يا نار كوني بردًا وسلامًا عَلَى عمار كما كنتِ عَلَى
إبراهيم، تقتُلك الفئةُ الباغية، (٣).
وعن ابن ابنه قَالَ: أخذ المشركون عمارًا فلم يتركوه حتَّى نال من
رسول الله وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله وٍَّ قَالَ: «ما وراءك؟))
قَالَ: شر يا رسول الله، والله ما تُركِتُ حتَّى نِلْتُ منك، وذَكَرْتُ آلهتهم
بخير، فقال: ((فكيف تجد قلبك؟)) قَالَ: مطمئنًا بالإيمان، قَالَ: ((فإن
عادوا فعد)) (٤).
(١) أنظر: ((طبقات ابن سعد)) ٢٤٨/٣ عن عمرو بن ميمون، وفيه: وفيهم نزلت هذِه
الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾. [النحل: ٤١] وهو خطأ، وصواب
الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ [النحل: ١١٠].
وقد عزا السيوطي في ((الدر)) ٢٤٩/٤ آثار عمار وصهيب وبلال .. لابن سعد وذكر
الآية كما عند المصنف.
(٢) أنظر: ((الحجة للقراءات السبعة)) ٧٩/٥، ((حجة القراءات)) ص٣٩٥، ((الكشف
عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها)) ٤١/٢.
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٤٨/٣، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٧٢/٤٣.
والجزء الأخير من الحديث رواه مسلم من حديث أم سلمة (٢٩١٦) .
(٤) رواه ابن سعد ٢٤٩/٣،، والطبري في ((التفسير)) ٦٥١/٧ (٢١٩٤٦) والحاكم ٢/
٣٥٧. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه
الذهبي، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ١٤٠، والبيهقي ٢٠٨/٨- ٢٠٩، عند الحاكم
والبيهقي: عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه ...
قال الألباني في ((فقه السيرة)) ص١٢٢: في ثبوت هذا السياق نظر، وعلته
الإرسال.

٦٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
شهد عمار بدرًا، والمشاهد كلها، وهاجر إلى أرض الحبشة ثمَّ
المدينة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ .. الآية. وكان
إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلا هو وصهيب.
روى عن علي وغيره من الصحابة، ومناقبه جمة، روي لَهُ اثنان
وستون حديثًا أتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم
بحديث، وآخى النبي ◌َّه بينه وبين حذيفة، وكان رجلًا آدم، طوالا،
أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، لا يغير شيبه، قتل بصفين في
صفر سنة سبع وثلاثين مع علي عن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين
(سنة)(١)، ودفن هناك بصفين، وقتل وهو مجتمع العقل، وسأل عمر
عمارًا فقال له: أساءك عزلنا إياك؟ قَالَ: لئن قُلْتُ ذَلِكَ لقد ساءني
حين استعملتني، وساءني حين عزلتني(٢).
رابعها: هذا الحديث سلف شرحه في الباب السالف المشار إليه.
خامسها: قول عمار ﴾ رواه أبو القاسم اللالكائي عن علي بن
أحمد بن جعفر، (نا)(٣) أبو العباس أحمد بن علي المرْهِبِي، (نا)(٤)
أبو محمد الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي، (نا)(٥) أبو نعيم،
(١) من (ج).
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٥٦/٣. وانظر تمام ترجمته في: ((الطبقات
الكبرى)) ٢٤٦/٣، (معجم الصحابة)) لابن قانع ٢٤٩/٢ (٧٦٣)، ((معرفة
الصحابة)) ٢٠٧٠/٤ (٢١٦٠)، ((الاستيعاب)) ٢٢٧/٣ (١٨٨٣)، ((الجمع بين
رجال الصحيحين)) لابن القيسراني ٣٩٩/١، (تهذيب الكمال)) ٢١٥/٢١
(٤١٧٤)، ((تاريخ الإسلام)) ٥٦٩/٣، ((الإصابة)) ٥١٢/٢ (٥٧٠٤).
(٣) في (ج): ثنا.
(٤)
في (ج): حدثنا.
(٥) في (ج): ثنا.
.2

٦٥٧
= كتاب الإيمان
(نا) (١) فطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه(٢). ورواه رسته أيضًا عن
سفيان، (نا)(٣) أبو إسحاق، فذكره، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) عن
عمار مرفوعًا (٤)، قَالَ جماعات منهم أبو الزناد: هُذِه الثلاث عليها مدار
الإسلام، وهي جامعة للخير كله؛ لأن من أنصف من نفسه فيما بينه وبين
الله وبين الخلق، ولم يضيِّع شيئًا مما لله تعالى عليه، وللناس عليه،
ولنفسه بلغ الغاية في الطاعة.
وأما بذل السلام للعالم فمعناه: للناس كلهم، لقوله وَله: الوتقرأ
السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف)). وهذا من أعظم مكارم
الأخلاق، ويتضمن التواضع وهو أن لا ترتفع عَلَى أحد، ولا تحتقر
أحدًا، وإصلاح ما بينه وبين الناس بحيث لا يكون بينه وبين أحد
شحناء، ولا أمر يمتنع من السلام عليه بسببه.
كما يقع لكثير من الناس، ففيه الحث عَلَى إفشاء السلام وإشاعته،
وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم، وقد مدح الله تعالى
(١) في (ج): ثنا.
(شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (١٧١٣).
(٢)
(٣)
في (ف): نا.
((شرح السنة)) ١٢/ ٢٦١ موقوفًا وليس مرفوعًا، ورواه مرفوعًا البزار كما في ((كشف
(٤)
الأستار)) (٣٠)، وقال: هذا رواه غير واحد موقوفًا على عمار.
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ٦٥/٢ (٨٩٢)، واللالكائي (١٦٩٨).
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٥٦/١، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال
الصحيح، إلا أن شيخ البزار لم أر من ذكره، وهو الحسن بن عبد الله الكوفي.اهـ
وقال أيضًا ٥٧/١: رواه الطبراني في (الكبير)) وفيه: القاسم أبو عبد الرحمن،
وهو ضعيف.اهـ
قال الألباني في ((الإيمان)) لأبي عبيد ص١٧: روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح
الوقف على أن في سنده من كان اختلط.

٦٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(فاعله) (١) بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]
ج
وهذا عام في نفقة الرجل عَلَى عياله وضيفه والسائل منه، وفي كل نفقة
في الطاعات، وهو متضمن للوثوق بالله تعالى، والزهادة في الدنيا،
(وقصر الأمل)(٢) وهذا كله من مهمات طرق الآخرة.
(١) في (ج): فاعليه.
(٢) ساقطة من (ج).

٦٥٩
- كتاب الإيمان
٢١ - باب كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ (دون)(١) كُفْرٍ
فِيهِ: عَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ ◌َلِ﴾. [٣٠٤]
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ
يَكْفُرْنَ)). قِيلَ أَيَكْفُزْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ
أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا
قَطُّ)). [٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ٨٣/١].
نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أُرِيتُ النَّارَ
فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ)). قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ،
وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنَْكَ شَيْئًا
قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
الكلام علیه من وجوه :
أحدها :
حديث أبي سعيد هذا أخرجه البخاري في الحيض مسندًا كما
ستعلمه(٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) وحديث ابن عباس أخرجه في
كتاب العلم، عن سليمان بن حرب، نا شعبة، عن أيوب، عن ابن
(٤)
عباس
.
(١) كذا للأصيلي وأبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت، وللباقين: بَعْد. وسوف يشير
المصنف إلى ذلك بعد قليل.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم.
(٣) مسلم (٩٠٧).
(٤) سيأتي برقم (٩٨) باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن.

٦٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ----
وأخرجه مسلم في العيدين، عن أبي بكر، وابن أبي عمر، عن
سفيان، عن أيوب، وعن ابن أبي رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن
جريج كلاهما عن عطاء(١).
وأخرجه البخاري في: بدء الخلق(٢)، والنكاح(٣) والكسوف (٤)
مطولًا كما ستعلمه - إن شاء الله -.
وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة(٥)، وابن عمر أيضًا (٦)،
وأخرجاه من حديث جابر أيضًا(٧).
ثانيها: في التعريف برواته :
وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء، وزيد بن أسلم. أما عطاء (ع)
فهو أبو محمد عطاء بن يسار المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج
النبي ◌َّلر، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله. سمع خلقًا من كبار
الصحابة، وعنه جمع من التابعين، وهو ثقة كثير الحديث، مات سنة
ثلاث أو أربع ومائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع
وتسعین(٨).
(١) مسلم (٨٨٤) كتاب: صلاة العيدين.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٠٢) باب: صفة الشمس والقمر.
(٣) سيأتي برقم (٥١٩٧) باب: كفران العشير.
(٤) سيأتي برقم (١٠٥٢) باب: صلاة الكسوف جماعة.
(٥) مسلم (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات.
(٦) مسلم (٧٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات .
(٧) سيأتي برقم (٩٦١) كتاب: العيدين، باب: المشي والركوب إلى العيد، ورواه
مسلم (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين.
(٨) انظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ١٧٣/٥، ((التاريخ الكبير)) ٤٦١/٦
(٢٩٩٢)، (معرفة الثقات)) ١٣٨/٢ (١٢٤٥)، ((الجرح والتعديل)) ٣٣٨/٦
(١٨٦٧)، ((الثقات)) ١٩٩/٥، ((تهذيب الكمال)) ١٢٥/٢٠ - ١٢٨ (٣٩٤٦).