Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
- كتاب الإيمان
قَالَ ابن فارس (١): ويقال لذلك من الرجل: ثندوة. بفتح الثاء
بلا همز، وبالضم والهمز والأول هو المشهور (٢).
وقوله وَله: ( (وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ)) ) أي: أقصر، فيكون فوق الثدي
لم ينزل إليه، ولم يصله لقلته.
قَالَ ابن بطال: معلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل (من عمل
من)(٣) بلغ قميصه ثديه، وتأويله ﴿ ذَلِكَ بالدين يدل عَلَى أن الإيمان
الواقع عَلَى العمل يسمى دينًا كالإيمان الواقع عَلَى القول (٤).
وقال أهل التعبير: القميص في النوم: الدين، وجره يدل عَلَى بقاء
آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقْتَدی به. قَالَ
القاضي: (أخذوه)(٥) من قوله تعالى: ﴿وَثَّابَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤]
يريد نفسك، وإصلاح عملك ودينك، عَلَى تأويل بعضهم؛ لأن
العرب تعبِّر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر، وجَرُّه عبارة عما فَضُل عنه
وانتفع الناس به، بخلاف جَرِّه في الدنيا للخُيلاء فإنه مذموم (٦).
= بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه .. الحديث، مطولًا.
ومنها ما سيأتي برقم (٦٩٣٣) من حديث أبي سعيد قال: بينا النبي وَلا يقسم -
حديث ذي الخويصرة- وفيه: قد سبق الفرث والدم، أَيَتُهُم رجل إحدى يديه، أو
قال: ثدييه، مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضعة تدردر .. الحديث.
(١) وقال ثعلب: الثَّنْدَوَةُ، بفتح أولها غير مهموز، مثال الرَّقوة والعَرقوة علىْ فَعْلُوة فإذا
ضممت همزت.
(٢) (مجمل اللغة)) ١/ ١٥٧ بتصرف.
(٣) في (ج): ممن.
(٤) (شرح ابن بطال)) ١/ ٧٤.
(٥) في (ج): أخذه.
(٦) ((إكمال المعلم)) ٣٩٥/٧.

٦٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الوجه الرابع: في الإشارة إلى بعض فوائده:
الأولى: أن الأعمال من الإيمان؛ فإن الإيمان والدين بمعنّى.
الثانية: تفاضل أهل الإيمان.
الثالثة: بيان عظم فضل عمر ﴾.
الرابعة: تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها.
الخامسة: إشاعة العالم الثناء عَلَى الفاضل من أصحابه إِذَا لم يخش
فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه على فضله؛ لتعلم منزلته،
ويعامل بمقتضاها، ويرغب في الاقتداء به، والتخلُّق بأخلاقه(١).
(١) ورد بهامش (ف): بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمعه ابن
المصنف والصفدي ... والبستاني والبيجوري والعاملي والبطائحي ... الحموي
والبرموي وعلي بن الباسطي ....

٦٠٣
كتاب الإيمان
١٦ - باب الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَالمُ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنَّصَارِ وَهُوَ يَعِظُ
أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَزِ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)). [٦١١٨ -
مسلم: ٣٦ - فتح: ١/ ٧٤]
نا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».
الکلام علیه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عبد الله، عن مالك، وأخرجه
أيضًا في موضع آخر عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي
سلمة(١). وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن الناقد، وزهير، عن سفيان،
وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، ولم
يقع لمسلم لفظة: ((دعه))(٢).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف خلا سالمًا.
وهو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله سالم (ع) بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب القرشي العدوي المدني التابعي الجليل الفقيه الصالح الزاهد
الورع المتفق عَلَى جلالته. وهو أحد الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة-
(١) سيأتي برقم (٦١١٨) كتاب: الأدب، باب: الحياء.
(٢) مسلم (٣٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان حَد شعب الإيمان.

٦٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عَلَى أحد الأقوال (١). سمع أباه وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة وخلقًا
من غيرهم، وعنه: جمع من التابعين منهم الزهري.
قَالَ إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم،
عن أبيه (٢)، وكان أشبه ولده به، وكان والده أشبه ولد عمر به.
قَالَ مالك: ولم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين
في الزهد (والقصد)(٣) والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين.
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث عاليًا من الرجال.
مات سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان (٤).
فائدة: لسالم إخوة: عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد،
(١) تقدم عدهم وتسميتهم.
(٢) ما انتهى إليه التحقيق هو الإمساك عن الحكم لإسناد بأنه الأصح على الإطلاق،
بل یقید بالصحابي أو البلد.
فأصح أسانيد عائشة مثلًا: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأصح أسانيد عن أبي هريرة: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وخاض جماعة من أئمة الحديث في ذلك فاضطربت أقوالهم: فقال الفلاس:
أصح الأسانيد: محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، وقال ابن معين:
أصحها: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقال إسحاق:
أصحها : الزهري، عن سالم، عن أبيه - وهو ما ذكره المصنف- وروي نحوه عن
الإمام أحمد، وقال البخاري: أصحها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
انظر: ((علوم الحديث)) ص١٥ - ١٦، ((المقنع)) ٤٥/١- ٥٣، ((تدريب الراوي» ١/
٩٣ - ١٠٧، (شرح ألفية السيوطي) للعلامة أحمد شاكر ص٦ - ١٠.
(٣) في (ج): الفضل.
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ١٩٥/٥. وانظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير" ١١٥/٤
(٢١٥٥)، (معرفة الثقات)) ٣٨٣/١ (٥٤١)، ((الجرح والتعديل» ١٨٤/٤ (٧٩٧)،
((تهذيب الكمال)) ١٤٥/١٠ (٢١٤٩).

٦٠٥
- كتاب الإيمان
وأخوات، وكان عبد الله وصي أبيه منهم، روى عنه منهم أربعة: عبد الله
وسالم وحمزة وبلال.
الوجه الثالث :
هذا الرجل لم أقف عَلَى اسمه، وكذا الأخ فليطلب(١).
الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلِ) قَالَ أهل اللغة: مَرَّ عليه، ومَرَّ به يَمُّر مرًّا،
أي: اجتاز.
وقوله: (يعظ أخاه) قَالَ أهل اللغة: الوَعْظُ: النُصْحُ، والتذكير
بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، قَالَ: والعِظَةُ: الاسم
منه. قَالَ الخليل: وهو التذكير بالخير (فيما)(٢) يرق لَهُ قلبه(٣).
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٧٤/١: لم أعرف اسم هذين الرجلين، الواعظ وأخيه.
وقال الكرماني في (شرحه)) ١/ ١٢٠: الظاهر أنه أراد الأخ في القرابة، فهو حقيقة،
ويحتمل أن يراد الأخ في الإسلام، على ما هو عرف الشارع فهو مجاز لغوي أو حقيقة
عرفية. وكذا قال العيني في ((عمدة القاري)) ١/ ٢٠١، فكأنما نقله عنه.
وهذا يسمى في مصطلح الحديث: المبهم وهو: من لم يسم في المتن أو الإسناد،
فهو قسمان: مبهم السند، وصورته أن يقول أحد رواة السند: عن رجل، وهذا
القسم متعلق بالحكم على الحديث صحة وضعفًا؛ لأن الراوي المبهم قد يكون ثقة
وقد يكون ضعيفًا.
والقسم الثاني: مبهم المتن، وصورته أن يكون هناك اسم مبهم في المتن، فقد
يكون رجلا أو امرأة أو ابنًا أو بنتًا أو عمَّا أو خالًا، وغير ذلك. وهذا القسم لا تعلق
له بصحة أو ضعف الحدیث، وفائدة معرفته أن یکون المبهم له منقبة فنعرفها له، أو
أن يكون متهمًا بشيء، فنعرفه حتى لا نتهم غيره. انظر: ((علوم الحديث)) ص ٣٧٥-
٣٧٩، ((المقنع)) ٦٣٢/٢ - ٦٤٣، ((تدريب الراوي)) ٤٩٢/٢ - ٥٠١.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) ((العين)) ٢٢٨/٢، ((مجمل اللغة)) ٩٣١/٤.

٦٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ الزبيدي (١) في ((مختصر العين))(٢): الوَعْظُ والَمْوعِظَةُ والِعِظَةُ
سواء. تقول: وَعَظَهُ يَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظَةً فَاتَّعَظَ، أي: قبل المَوعِظَةُ.
ومعنى: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: ينهاه عنه، ويقبح له فعله،
ويخوفه منه. فإنّ كثرته عجز، فزجره ◌َ ﴿ ﴿ عن وعظه، وقال: ((دعه))
أي: عَلَى فعل الحياء، وكُفّ عن نهيه؛ ((فإن الحياء من الإيمان)).
وفي رواية أخرى في الصحيح: ((الحياء خير كله))(٣). وفي رواية:
((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٤).
وقد سلف تحقيق كونه من الإيمان، وبيان معناه في باب: أمور
الإیمان واضحًا فراجعه منه(٥).
وقال ابن قتيبة: معنى الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ركوب
المعاصي كما يمنع منه الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم
ما قام مقامه، وفي الحديث التنبيه عَلَى الامتناع من قبائح الأمور
ورذائلها، وكل ما يستحيا من فعله.
(١) هو إمام النحو، أبو بكر، محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج، الزبيدي الشامي
الحمصي ثم الأندلسي الإشبيلي، صاحب التصانيف.
طلب المستنصر صاحب الأندلس أبا بكر الزبيدي من أشبيليه إلى قرطبة للاستفادة
منه، فأدب جماعة، واختصر كتاب ((العين)) وألف ((الواضح)) في العربية. توفي سنة
تسع وسبعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((الأنساب)) ٢٤٩/٦، ((وفيات الأعيان)) ٣٧٢/٤، ((سير أعلام
النبلاء)» ٤١٧/١٦ (٣٠٥)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٥١/٢، ((شذرات الذهب» ٣/
٩٤.
(٢) في (ج): في مختصره.
(٣) رواه مسلم (٦١/٣٧) كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان ...
(٤) سيأتي برقم (٦١١٧) كتاب: الأدب، باب: الحياء.
(٥) راجع شرح حديث (٩).

=
كتاب الإيمان
٦٠٧
١٧ - باب
﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلَّواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥]
٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحِ الَحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ نُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ.
قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ
اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ). [مسلم: ٢٢ - فتح: ١/ ٧٥]
نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ المُسْتَدِيُّ، نا أَبُو رَوْحِ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ نا شُعْبَةُ،
عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه
قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه، ولم يقل: ((إلا بحق
الإسلام))(١). وأخرجاه من حديث أبي هريرة أيضًا(٢)، وفيه: ((ويؤمنوا بي
وبما جئت به))(٣). وأخرجه البخاري من حديث أنس كما سيأتي في
الصلاة(٤)، وأخرجه مسلم من حديث جابر (٥).
(١) مسلم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس.
(٢) سيأتي برقم (٢٩٤٦) كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي ◌َّر، في مسلم (٢١)
كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس ...
(٣) مسلم (٢١/ ٣٤).
(٤) سيأتي برقم (٣٩٢) كتاب: الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة.
(٥) برقم (٢١/ ٣٥) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس.

٦٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثَّ الكلام علیه من وجوه :
أحدها: في التعريف برجاله :
وقد سلف التعريف بابن عمر، وشعبة، وعبد الله المسندي، بفتح
النون.
وأما محمد -والد واقد- فهو محمد (ع) بن زيد بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، سمع جده، وابن عباس،
وابن الزبير، وعنه بنوه الخمسة: أبو بكر وعمر وعاصم وواقد وزيد.
قَالَ أبو حاتم وأبو زرعة: ثقة(١).
وأما واقد ابنه فهو -بالقاف-، وليس في ((الصحيحين)) وافد بالفاء.
کما قدمته في الفصول أول هذا الشرح، وهو قرشي كما ذكرته، مدني،
وهو والد عثمان بن واقد أيضًا، روى عن والده ونافع وغيرهما، وعنه:
شعبة وغيره، وثقه أحمد وغيره. روىْ لَهُ مع البخاري ومسلم، أبو داود
(٢)
والنسائي(٢).
وأما أبو روح فهو حرمي -بفتح الحاء والراء- بن عمارة بن أبي
حفصة نابت -بالنون وقيل: (بالثاء)(٣) وقيل: عبيدة العتكي مولاهم
البصري، سمع شعبة وغيره، وعنه: القواريري وغيره، مات سنة
إحدى ومائتين.
(١) ((الجرح والتعديل)) ٢٥٦/٧ (١٤٠٢)، وانظر تمام ترجمته في: ((التاريخ الكبير))
٨٤/١ (٢٣٠)، ((الثقات)) لابن حبان ٣٦٥/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٢٦/٢٥
(٥٢٢٥).
(٢) انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٧٣/٨ (٢٥٩٩)، ((الجرح والتعديل) ٣٢/٩ -
٣٣ (١٥٠)، ((الثقات)) ٥٦٠/٧، ((تهذيب الكمال)) ٤١٤/٣٠ (٦٦٧٠).
.(٣) في (ف): بالمثلثة.

٦٠٩
كتاب الإيمان
سد
قَالَ يحيى: صدوق، روىْ لَهُ الجماعة سوى (الترمذي)(١).
فائدة :
حرمي أيضًا أثنان: ابن حفص العتكي روى لَّهُ البخاري وأبو داود
والنسائي(٢). وابن يونس (المؤدب)(٣)، روى لَّهُ النسائي واسمه إبراهيم(٤).
ثانيها: في ألفاظه ومعانيه :
معنى ((«تَابُوا)) ): خلعوا الأوثان، وأقبلوا عَلَى عبادة الله تعالى،
ومنه قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ .. إلى
قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وهذه الآية التي ذكرها البخاري
حُكي عن أنس أنها آخر ما (نزل)(٥) من القرآن (٦)، ومعنى: ﴿وَأَقَامُواْ
الضَّلَوَةَ﴾ المداومة عليها بحدودها.
(١) في (ج): مسلم، ما أثبتناه من (ف) وهو الصواب، وانظر ترجمته في: ((الطبقات))
لابن سعد ٣٠٣/٧، ((التاريخ الكبير)) ١٢٢/٣ (٤١٠)، ((الجرح والتعديل)) ٣٧/٣
(١٣٦٨)، (تهذيب الكمال)) ٥٥٦/٥ (١١٦٩).
(٢) في (ج): (د، ت)، والمثبت من (ف) وهو الصواب.
(٣) ستأتي ترجمته مفصلة في حديث رقم (٣٦).
(٤) هو إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي، يعرف بحرمي روى عن: الضحاك بن
مخلد، ومالك بن إسماعيل النهدي، وأبيه يونس بن محمد المؤدب. وروى عنه:
النسائي، ومحمد بن جميع الأسواني، قال النسائي: صدوق. وانظر ترجمته في:
(الثقات)) لابن حبان ٨٢/٨، ((تهذيب الكمال)) ٢٥٦/٢ (٢٧٣)، ((إكمال تهذيب
الكمال)) ٣٢٨/١ (٣٢٣)، ((تهذيب التهذيب)) ٩٦/١، تنبيه: وقع في ((ثقات ابن
حبان)) ٨/ ٨٢: ابن يوسف، وهو خطأ أو تصحيف.
(٥) في (ج): نزلت.
(٦) رواه ابن ماجه (٧٠)، الضياء في ((المختارة)) ١٢٦/٦-١٢٧ (٢١٢٢ - ٢١٢٣) من
طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس قال البوصيري في
(المصباح)) ١٢/١: إسناده ضعيف، الربيع بن أنس ضعيف، وكذا ضعفه الألباني
في ((ضعيف ابن ماجه)) (١١٢).

٦١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومعنى: (((عَصَمُوا)): منعوا)(١)، والعصم: المنع، والعصام:
الخيط الذي يشد فم القربة، سمي به؛ لمنعه الماء من السيلان.
ومعنى قوله: ((إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلام)» أنه إن صدر منهم شيء يقتضي حكم
الإسلام مؤاخذتهم به من قَصاص أو حَدٍّ أو غرامة متلف أو نحو ذَلِكَ
استوفيناه، وإلا فهم معصومون.
ومعنى ((وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ)): أن أمر سرائرهم إليه، وأما نحن
فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم.
ثالثها : في فوائده:
الأولى: وجوب قتال الكفار إِذَا طاقه المسلمون حتَّى يسلموا، أو
يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تُقبل منهم.
الثانية: وجوب قتال تاركي الصلاة أو الزكاة، وفيه ردٌّ عَلَى قول
المرجئة: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال(٢).
(١) في (ج): (عصموا مني دماءهم): منعوا.
(٢) قال شيخ الإسلام: والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان،
والأعمال ليست منه. كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم
مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنًا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته
عليه. وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم
يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان
لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج
شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم، فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان
والعمل: فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [الكهف:
١٠٧] ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
[المائدة: ٦]. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
وقالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من =

٦١١
=
كتاب الإيمان
الثالثة: قتل تارك الصلاة عمدًا مع اعتقاده وجوبها -وهو مذهب
الجمهور -. والصحيح عندنا أنه يقتل بترك صلاة واحدة بشرط
إخراجها عن وقت الضرورة، وقال أحمد بن حنبل في رواية أكثر
أصحابه عنه: تارك الصلاة عمدًا يكفر ويخرج من الملة(١)، وبه قَالَ
= الأعمال مات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من
الإيمان. وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية
وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله؛ لكن بعد
كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء؛
إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم
الخراساني وغيرهما.
والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا
مجازًا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه، ولأنها دليل عليه، ويقولون: قوله:
((الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق)): مجاز.
والمرجئة ثلاثة أصناف: الذي يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء
من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن
الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل
أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن أتبعه كالصالحي، وهذا
الذي نصره هو وأکثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل
الكرامية.
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة
منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه :...
ساقها مطولة، فليرجع إليها من أراد الاستزادة والتفصيل.
((مجموع الفتاوى)) ٧/ ١٩٤ - ٢١٠. وانظر: ((الشريعة)) ص١٠٢ - ١١٤، ((شرح
العقيدة الطحاوية)) ٤٥٩/٢ - ٤٦٦.
(١) انظر: ((الانتصار)) ٦٠٣/٢، ((المغني)) ٣٥٤/٣، ((الإنصاف)) ٣٥/٣.

٦١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بعض أصحابنا (١)، فعلى هذا لَّهُ حكم المرتدين فلا يُورث، ولا يُغسل،
ولا يُصلى عليه، وتبين منه امرأته، وقال أبو حنيفة والمزني: يحبس
ولا يقتل (٢)، والصحيح ما سلف عن الجمهور.
فرع: لو ترك صوم رمضان حبس، ومنع الطعام والشراب نهارًا؛
لأن الظاهر أنه ينويه؛ لأنه معتقد لوجوبه.
فرع: لو منع الزكاة أخذت منه قهرًا، ويعزر عَلَى تركها.
الرابعة: أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان كففنا عنه،
ولا نتعرض إليه إلا لقرينة تظهر منه.
الخامسة: قبول توبة الزنديق، وإن تكرر منه الارتداد والإسلام،
وهذا هو الصحيح، وقول الجمهور، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه،
وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويعلم ذَلِكَ (منه)(٣) إِما
باطلاع الشهود عَلَى كفرٍ كان يخفيه، وإما بإقراره، أصحُها ما ذكرناه،
وهو ما نص عليه الشافعي، والأحاديث دالة عليه. ومنها حديث
أسامة: ((أفلا شَققت عن قلبه) (٤) ومنها حديث: ((ما أمرت أن أشق عن
قلوب الناس ولا عن بطونهم) (٥).
(١) انظر: ((حلية العلماء)) ١٢/٢، ((المجموع)) ١٧/٣ - ١٩.
(٢) انظر: ((مجمع الأنهر)) ١٤٦/١ - ١٤٧، ((الفتاوى الهندية)) ٥٠/١، ٥١، ((الحاوي
الكبير)) ٥٢٥/٢، ((حلية العلماء)) ١١/٢، ((المجموع)) ١٧/٣.
(٣) من (ج).
(٤) رواه مسلم (٩٦) في الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله
مطولًا .
(٥) سيأتي برقم (٤٣٥١) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب الظّهر. من
حديث أبي سعيد الخدري.

٦١٣
كتاب الإيمان
وثانيها: وبه قَالَ مالك: لا تقبل، نعم إن كان صادقًا في ذَلِكَ نفعه
عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين.
والثالث: إن كان من الدعاة (إلى الصلاة)(١) لم تقبل توبته، وتقبل
توبة عوامهم.
والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبًا ابتداءً،
وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكاه ابن التين عن مالك أيضًا.
وخامسها: أن (من)(٢) تاب مرة قبلت، وإن تكررت منه فلا(٣).
(١) وكذا في (ف)، وساقطة من (ج)، والمعنى يستقيم بدونها.
(٣) قال شيخ الإسلام: ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق، فقيل: يستتاب.
(٢) من (ج).
واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي ◌َّيل يقبل علانيتهم، ويكل أمرهم
إلى الله، فيقال له: هذا كان في أول الأمر وبعد هذا أنزل الله: ﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا
ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦١] فعلموا أنهم إن أظهروه كما
كانوا يظهرونه قتلوا. فكتموه.
والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق، قالوا :
ولا تعلم توبته؛ لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان
وهو منافق؛ ولو قبلت توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم. والقرآن قد توعدهم
بالتقتيل.اهـ ((مجموع الفتاوى)) ٢١٥/٧.
وروى البيهقي بسنده عن علي قال: أما الزنادقة فيعرضون على الإسلام فإن
أسلموا وإلا قتلوا. وروى عن ابن شهاب قال: الزنديق إن هو جحد وقامت عليه
البينة فإنه يقتل، وإن جاء هو معترفًا تائبًا فإنه يترك من القتل.
وروى عن ربيعة قال: الزنديق يقتل ولا يستتاب، وروى ذلك أيضًا عن مالك ثم
قال البيهقي: قول من قال: يستتاب فإن تاب قبلت توبته. وحقن دمه، والله ولي ما
غاب أولى، والله أعلم. ((سنن البيهقي)) ٢٠١/٨.
وانظر هذه المسألة في: ((التمهيد)) ١٥٥/١٠ - ١٥٧، ((صحيح مسلم بشرح
النووي)) ٢٠٦/١ - ٢٠٧، ((المغني)) ٢٩٨/٦.

٦١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
السادسة: اشتراط النطق بكلمتي الشهادة في الحكم بإسلام الكافر،
وأنه لا يكَفُّ عن قتالهم إلا بالنطق بهما، قَالَ القاضي حسين: وإنما
يندفع السيف بهما مع الإقرار بأحكامهما لا بمجردهما. وفيما قاله
نظر كما تقدم.
السابعة: هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء (من)(١) الأحاديث
المطلقة، ومنها مناظرة عمر للصديق في شأن (قتال)(٢) مانعي الزكاة،
إذ فيه: فقال عمر لأبي بكر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ وَلَهُ: (( أُمِرْتُ
أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ فَقَدْ
عَصَمَ مِنِّي دمه ومَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهمُ عَلَى اللهِ؟» فقال الصديق: والله
لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (٣). فانتقاله إلى القياس واعتراض
الفاروق عليه أولًا دليل عَلَى أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما
حديث ابن عمر (٤) وأبي هريرة(٥)، كما خفي عليهم حديث جزية
المجوس(٦)، وشأن الطاعون(٧)، وهذا وأمثاله مما يرجح به مأخذ
(١) في (ج): في.
(٢) من (ف).
(٣) سيأتي هذا الحديث برقمي (١٣٩٩ - ١٤٠٠) كتاب: الزكاة، باب: وجوب
الزكاة، ووراه مسلم (٢٠) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى
يقولوا ... من حديث أبي هريرة.
(٤) هو حديث الباب (٢٥)، ورواه مسلم (٢٢).
(٥) سيأتي برقم (١٣٩٩ - ١٤٠٠)، ورواه مسلم (٢٠).
(٦) سيأتي برقم (٣١٥٦- ٣١٥٧) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة
مع أهل الذمة والحرب.
(٧) سيأتي هذا الحديث برقم (٥٧٢٩) كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطب،
ورواه مسلم (٢٢١٩) كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها.
قال النووي: اجتمع في هذِه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر =

٦١٥
= كتاب الإيمان
الشافعي في أنه إِذَا صح الحديث لا يعدل عنه؛ لجواز خفائه عَلَى
(١)
البعض (١).
الثامنة: الحكم بالظاهر كما سلف.
التاسعة: أن الاعتقاد الجازم كافٍ في النجاة، وأبعد من أوجب
تعلم الأدلة وجعله شرطًا للإسلام، والأحاديث الصحيحة متظاهرة
عَلَى ذَلِكَ، ويحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم
كاف.
العاشرة: عدم تكفير أهل البدع.
= بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس ... ((صحيح مسلم بشرح
النووي)) ١/ ٢٠٣.
وسيأتي مزيد تفصيل في هذه المسألة - إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي برقم
(١٣٩٩ - ١٤٠٠).
(١) دخول (ال) على (بعض) مما اعترض عليه كثير من النحاة واللغويين.

٦١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
١٨ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ
[الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْم
تَعْمَلُونَ اللَّ
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَشْشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (49) عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]: عَنْ قَوْلٍ: لا إلهُ إِلَّ اللهُ.
وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ ﴾﴾ [الصافات: ٦١].
٢٦ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ
سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِ اللهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ)). [١٥١٩ - مسلم: ٨٣ - فتح: ١ /٧٧]
نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ نا ابن
شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ه، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّلـ
سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟
قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجِّ مَبْرُورٌ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها :
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا هنا (١). ويأتي في الحج إن شاء الله (٢).
ثانيها: (في)(٣) التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا ابن المسيب، وأحمد بن يونس.
(١) مسلم (٨٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(٢) سيأتي برقم (١٥١٩) باب: فضل الحج المبرور.
(٣) من (ج).

٦١٧
كتاب الإيمان
أما الأول: فهو أبو محمد سعيد (ع) بن المسيب بن حزن بن (أبي
وهب)(١) بن (عمرو بن)(٢) عايذ -بالذال المعجمة- بن عمران بن
مخزوم بن يقظة -بفتح الياء المثناة تحت، وبالقاف والظاء المعجمة-
ابن مرة القرشي المخزومي المدني. إمام التابعين، وفقيه الفقهاء،
ووالده وجده صحابيان أسلما يوم الفتح(٣).
(١) في (ف): وهب، والمثبت من مصادر الترجمة.
(٢) من (ف).
(٣) أما والده المسيب بن حزن، فهاجر مع أبيه حزن، وكان المسيب ممن بايع تحت
الشجرة. رواه سفيان عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه،
قال: شهدت بيعة الرضوان تحت الشجرة معهم، ثم أنسوها من العام المقبل.
أنظر: ((الاستيعاب)) ٤٥٧/٣ (٢٤٣٦). وانظر تمام ترجمته في: ((معجم الصحابة))
١٢٦/٣ (١٠٩٩)، ((معرفة الصحابة)) ٢٥٩٨/٥ (٢٧٧٦)، («أسد الغابة)) ١٧٧/٥
(٤٩٢١)، ((الإصابة)) ٤٢٠/٣ (٧٩٩٦). وترجمنا للمسيب هنا؛ لأن المصنف
رحمه الله لم يترجم له في أول حديث ذكر في سنده المسيب، وهو الحديث الآتي
برقم (١٣٦٠) كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله.
وأما جده حزن بن أبي وهب، فكان من المهاجرين، ومن أشراف قريش في
الجاهلية، وهو الذي أخذ الحجر الأسود من الكعبة حين أرادت قريش أن تبني
الكعبة، وقيل: الذي رفع الحجر، أبو وهب والد حزن. («أسد الغابة)) ٤/٢
(١١٥٢)، وانظر تمام ترجمته في ((معجم الصحابة)) للبغوي (١١٥٢)، ((معجم
الصحابة)) لابن قانع ١٩٦/١ (٢٢٤)، ((معرفة الصحابة)) ٨٦٩/٢ (٧٣٦)،
((الإصابة)) ٣٢٥/١ (١٧٠١).
أما قول المصنف: أسلما يوم الفتح. قاله مصعب الزبيري، وقد رده غیر واحد ممن
ترجم لهما، منهم الحافظ في ((الإصابة)).
وقال النووي: المسيب وأبوه صحابيان هاجرا إلى المدينة، وكان المسيب ممن
بايع تحت الشجرة في قول، وقال مصعب: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه
من مسلمة الفتح، قال أبو أحمد العسكري: أحسب مصعبًا وهم؛ لأن المسيب
حضر في بيعة الرضوان، وشهد اليرموك. اهـ ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٩٥/٢.

٦١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
والمسيِّب: بفتح الياء عَلَى (الصحيح)(١) المشهور، وقاله أهل
المدينة بكسرها، وحُكي عنه كراهة الفتح(٢)، ولا خلاف في فتح الياء
من المسيب بن رافع(٣). وولده العلاء بن المسيب (٤).
(١) من (ج).
(٢) قال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار))٣٩٩/١: سعيد بن المسيَّب كذا أشتهر
اسمه بفتح الياء وذكر لنا شيخنا القاضي أبو علي، عن ابن المديني، ووجدته بخط
مكي بن عبد الرحمن القرشي كاتب أبي الحسن القابسي، وهو لنا عنه رواية بسنده
عن ابن المديني أن هذا قول أهل العراق وأما أهل المدينة فيقولون: المسيِّب بكسر
الياء، قال القاضي أبو علي: وذكر لنا أنه يكره من يفتح اسم أبيه، وغيره بفتح الياء
بغیر خلاف.اهـ
وانظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٩٥/٢.
(٣) قاله القاضي في ((المشارق)) ٣٩٩/١، وانظر: ((مسلم بشرح النووي)) ١/ ٧٧.
والمسيب بن رافع هو الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، روى عن
البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص.
روى عنه الأعمش، وابنه العلاء، وأبو إسحاق السبيعي.
قال يحيى بن معين: لم يسمع المسيب من أحد من أصحاب النبي ◌ّ إلا من البراء
ابن عازب، وأبي إياس عامر بن عبدة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (٦٦٧٥): ثقة.
انظر تمام ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٦/ ٢٩٣، ((ثقات ابن حبان)) ٤٣٧/٥،
((تهذيب الكمال)) ٥٨٦/٢٧ (٥٩٧٠)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٠٢/٥.
(٤) روى العلاء، عن إبراهيم النخعي، وعكرمة مولى ابن عباس.
وروى عنه: جرير بن عبد الحميد وحفص بن غياث وحمزة الزيات.
قال ابن معين: ثقة مأمون.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ثقة يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم:
صالح الحدیث.
انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٤٨/٦، ((ثقات ابن حبان)) ٢٦٣/٧،
((تهذيب الكمال)) ٥٤١/٢٢ (٤٥٨٨)، ((سير أعلام النبلاء)» ٣٣٩/٦.

٦١٩
- كتاب الإيمان
ولد لسنتين (مضتا)(١) من خلافة عمر، وقيل: الأربع.
سمع عمر وعثمان وعليًّا وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة، وهو زوج
ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وخلقًا من الصحابة. وعنه خلائق من
التابعين وغيرهم، واتفقوا عَلَى جلالته وإمامته وتقدمه عَلَى أهل عصره
في العلم والفتوى.
قَالَ ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وإذا قَالَ:
(مضت السنة) فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين، قَالَ أبو عبد الله بن
خفيف (٢): أهل البصرة يقولون: أفضل التابعين أويس القرني(٣)، قُلْتُ:
أي: في الزهد. ففي مسلم من حديث عمر مرفوعًا: ((إن خير التابعين
رجل يقال لَّهُ: أويس، وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم)) (٤).
(١) في (ج): بقيتا.
(٢) أبو عبد الله هذا هو: الشيخ الإمام العارف الفقيه القدوة، ذو الفنون، أبو عبد الله
محمد بن خفيف بن إسكفشار الضبي الفارسي الشيرازي، شيخ الصوفية، قال أبو
العباس الفسوي: صنف شيخنا ابن خفيف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وانتفع به
جماعة صاروا أئمة يقتدى بهم، وعمَّر حتى عم نفعه البلدان.
انظر: تمام ترجمته في: ((حلية الأولياء)) ٣٨٥/١٠، ((الأنساب)) ٤٥١/٧،
((المنتظم)) ١١٢/٧، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٤٢/١٦ (٢٤٩)، ((الوافي بالوفيات))
٤٢/٣، ((شذرات الذهب)) ٧٦/٣.
(٣) خلاصة الأمر أن أفضل التابعين ثلاثة، أهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب،
وأهل الكوفة يقولون: أويس القرني، وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري،
وقيل: إن أفضل التابعين على الإطلاق هو سعيد.
وقال أبو بكر بن أبي داود: سيدتا التابعين من النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة
بنت عبد الرحمن، وثالثتهما وليست مثلهما - أم الدرداء.
انظر: ((علوم الحديث)) ص٣٠٢ - ٣٠٧، ((المقنع)) ٥٠٦/٢ - ٥١٧، ((تدريب
الراوي)» ٣٣٥/٢ - ٣٥٢.
(٤) مسلم (٢٥٤٢) في فضائل الصحابة، باب: من فضائل أويس القرني.
=

٦٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أما سعيد فأفضل في العلم، وكان لا يأخذ العطاء، كانت لَهُ
أربعمائة دينار يتجر فيها في الزيت، وقد سلف الكلام في الفصول
أول الكتاب في مرسله، وأن بعضهم قَالَ: إن مرسله حجة مطلقًا؛
لأنها فتشت فوجدت مسندة، وليس كما قَالَ؛ فإنه وجد فيها ما ليس
بمسند بحال، كما ذكره البيهقي والخطيب وغيرهما(١).
مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وتسعين، سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات
فيها منهم. وأراد وَّر تغيير اسم جده فقال: ((أنت سهل)) فقال: لا أغير
أسمي فما زالت الحزونة في ولده(٢)، ففيهم سوء خلق(٣).
= وأويس هو: ابن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني، أبو عمرو،
الإمام القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، وأويس أدرك النبي ټّټ لكنه لم يره،
قال أصبغ بن زيد: إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي وَ لّ بره بأمه، وحكي عنه أنه
كان يتصدق بثيابه حتى يجلس عريانًا لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة.
وروى هشام بن حسان، عن الحسن قال: يخرج من النار بشفاعة أويس أكثر من
ربيعة ومضر.
وانظر: ((طبقات ابن سعد) ١٦١/٦، (حلية الأولياء)) ٧٩/٢، ((أسد الغابة»١/
١٧٩ (٣٣١)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٩/٤ (٥)، ((الإصابة)) ١١٥/١ (٥٠٠).
(١) قاله الخطيب في ((الكفاية)) ص٥٧١ - ٥٧٢، وانظر: ((معرفة السنن والآثار))
للبيهقي ١٦٤/١، ١٦٧، ((علوم الحديث)) ص٥١ - ٥٦، ((المقنع)) ١٢٩/١-
١٤٠، ((تدريب الراوي)) ٢٤١/١ - ٢٥٩.
(٢) سيأتي برقم (٦١٩٠) كتاب: الأدب، باب: اسم الحزن.
(٣) أنظر تمام ترجمة سعيد في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٧٩/٢، ١١٩/٥، ((حلية
الأولياء)) ١٦١/٢، (وفيات الأعيان)) ٣٧٥/٢، (تهذيب الكمال)) ٦٦/١١
(٢٣٥٨)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٧/٤ (٨٨)، ((تاريخ الإسلام)» ٣٧١/٦ (٢٧٩)،
((شذرات الذهب)) ١/ ١٠٢.