Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب الإيمان
=
-أبو صعصعة، بفتح الصادين المهملتين- سيد بني مازن بن النجار، قتله
برذع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر من الأوس غيلةً بدل قيس بن
الخطيم، وكان قتله قوم من بني النجار وبني سلمة، ثمَّ أسلم برذع
وشهد أحدًا(١).
قَالَ ابن سعد: أدرك مالك بن أنس أبا عبد الرحمن وروى عنه
( ... )(٢) وعن ابنيه عبد الرحمن ومحمد(٣) البخاري والنسائي وابن
ماجه(٤)، وروى أبو داود لعبد الله، وابنه عبد الرحمن، ولم يرو
(مسلم)(٥) عن أحد منهم شيئًا.
قَالَ النسائي: عبد الله ثقة وكذا ولده. وذكره ابن حبان أيضًا في
((ثقاته))(٦)، مات عبد الرحمن سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال مالك:
كان (لبني)(٧) أبي صعصعة حلقة في المسجد بين المنبر والقبر، وفيهم
رجال أهل علم ورواية ومعرفة كلهم كان يفتي(٨).
(١) أنظر ترجمته في: ((الإكمال)) ٢٤٣/١، ((أسد الغابة)) ٢٠٨/١ (٣٩٥)، ((الإصابة))
١٤٥/١ (٦٢٦).
(٢) بياض في (ف) وليس في (ج).
(٣) ((الطبقات الكبرى)) (القسم المتمم) (٣٨) وفيه: أدركه مالك - أي: عبد الله-
وروى عنه وعن ابنيه محمد وعبد الرحمن ابنى عبد الله.
(٤) هذا من كلام المصنف رحمه الله وكذا ما بعده أيضًا.
(٥) ساقطة من (ج).
(٦) ((الثقات)) ١٣/٥.
(٧) في (ج): لابن.
(٨) أنظر ترجمة عبد الرحمن في: ((التاريخ الكبير)) ٣٠٣/٥ (٩٩٠)، (الجرح
والتعديل)) ٢٥٠/٥ (١١٩٦)، ((تهذيب الكمال)) ٢١٦/١٧ (٣٨٧٠).
وانظر ترجمة أبيه عبد الله في: ((التاريخ الكبير)) ١٣٠/٥ (٣٨٦)، ((الجرح
والتعديل)) ٩٤/٥ (٤٣٠)، ((تهذيب الكمال)) ٢٠٨/١٥ (٣٣٨١).

٥٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما عبد الله: فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن (قعنب) (١)
القعنبي الحارثي المدني، سكن البصرة، كان (مجاب) (٢) الدعوة، سمع
مالكًا والليث وحماد بن سلمة، وخلائق لا يحصون من الأعلام، وسمع
من شعبة حديثًا واحدًا، وله معه قصة، وهو: (( إن مما أدرك الناس من
كلام النبوة الأولى إِذَا لم تستحي فاصنع ما شئت)) (٣).
وإمامته وإتقانه (وثقته) (٤) وجلالته وحفظه وصلاحه وورعه وزهده
مجمع عليه، قَالَ أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه.
وقال أبو حاتم: لم أر أخشع منه (٥). وقيل لمالك: إن عبد الله قدم،
فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال عبد الله: اختلفت إلى
(١) في (ج): القعنب.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) قال الذهبي: قال الحافظ أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري سمعت أبي يقول:
قلت للقعنبي: مالك لا تروي عن شعبة غير هذا الحديث؟ قال: كان شعبة
يستثقلني فلا يحدثني. يعني حديث: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)). اهـ ((سير أعلام
النبلاء)) ٢٦١/١٠. وذكر ذلك أيضًا في ((تاريخ الإسلام)) ٢٤٧/١٦.
قلت: أظن أن هذِه هي القصة التي أشار إليها المصنف. والحديث من طريق
القعنبي، عن شعبة رواه أبو داود (٤٧٩٧)، وعبد الله بن أحمد في ((زياداته على
المسند» ٢٧٣/٥ (٢٢٣٤٥)، وابن حبان (٦٠٧)، والطبراني ١٧ / ٦٥١،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٥٦)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ١٦/
١٤٢ - ١٤٣، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٢٥٩/١٠.
قال ابن حبان: ما سمع القعنبي من شعبة إلا هذا الحديث، وكذا قال المزي.
والحديث سيأتي برقم (٨٤٨٣، ٦١٢٠) حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا زهير،
حدثنا منصور، عن ربعي به، وبرقم (٣٤٨٤) حدثنا آدم: حدثنا شعبة، عن
منصور به.
(٤) من (ف).
(٥) ((الجرح والتعديل)) ١٨١/٥ (٨٣٩).

٥٦٣
= كتاب الإيمان
مالك ثلاثين سنة، ما من حديث في ((الموطأ)) إلا لو شئت قُلْتُ: سمعته
مرارًا من مالك، ولكني (اقتصرت)(١) عَلَى قراءتي عليه؛ لأن مالكًا كان
يذهب إلى أن القراءة عَلَى الشيخ أثبت من قراءة العالم(٢).
(١) في (ج): اختصرت.
(٢) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص٤٠١.
والقراءة على الشيخ وقراءة العالم، هما قسمان من أقسام طرق نقل الحديث
وتحمله، وهي ثمانية أقسام:
أما القسم الأول: وهو قراءة العالم ويسمى أيضًا السماع من لفظ الشيخ،
وصورته: أن يقرأ الشيخ، والطالب يسمع سواء قرأ الشيخ من حفظه أو من كتابه،
وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير، وصيغ أداء هذا القسم أن يقول السامع
أو الطالب: حدثنا أو حدثني أو سمعت.
وأما القسم الثاني: وهو القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها: عرضًا،
وصورته: أن يجلس الشيخ ويقوم أحد الطلاب بالقراءة عليه، سواء قرأ هو أو
غيره، وسواء تابعه الشيخ من حفظه أو من كتابه.
وصيغ الأداء في هذا القسم أن يقول الطالب: أخبرنا، وهُذِه كانت تستعمل في
القسم الأول، قبل أن يشيع تخصيص هُذِه الألفاظ، فصارت تستخدم فقط مع
القراءة على الشيخ، ويجوز أن يقول الطالب أيضًا: قرأت على فلان كذا، أو قرئ
على فلان كذا وأنا أسمع، ولا خلاف أنها راوية صحيحة إلا ما حكي عن بعض
من لا يعتد بخلافه.
واختلفوا في أن هذا القسم مثل، السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه
على ثلاث مراتب: الأولى: أنهما سواء وهذا مروي عن مالك، وقيل: إنه مذهب
معظم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب البخاري وغيرهم.
الثانية: أن هذا القسم دون السماع من لفظ الشيخ، وهو الصحيح، وقد قيل: إن
هذا مذهب جمهور أهل المشرق.
الثالثة: أن هذا القسم فوق السماع من لفظ الشيخ، وهو مروي عن أبي حنيفة وابن
أبي ذئب وغيرهما، ورواية عن مالك. والأقسام الأخرى وهي الإجازة والمناولة
والمكاتبة والإعلام والوصية والوجادة.
=

٥٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أبو سبرة الحافظ: قُلْتُ للقعنبي: حدثتَ ولم تكن تحدث!
قَالَ: رأيتُ كأن القيامة قَدْ قامت فصيح بأهل العلم فقاموا، فقمتُ
معهم، فصيح بي: اجلس، فقلتُ: إلهي، ألم أكن معهم أطلب؟
قَالَ: بلى ولكنهم نشروا وأَخْفَيْتَه؛ فحدثتُ.
روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، ومسلم عن عبد بن حميد عنه
حديثًا واحدًا في الأطعمة(١)، والترمذي (والنسائي)(٢) عن رجل عنه.
مات سنة إحدى وعشرين ومائتين(٣).
فائدة :
هذا الإسناد فيه لطيفة مستطرفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون.
الوجه الرابع: في ضبط ألفاظه ومعانيه:
قوله: ((يُوشِك)) هو -بكسر الشين وبضم الياء - أي: يسرع ويقرب،
ويقال في ماضيه: أوشك، ومن أنكر استعماله ماضيًا فغلط، فقد كثر
استعماله.
قَالَ الجوهري: أَوْشَكَ فلانٌ، يُوشِكُ إيشَاكًا أي: أسرع(٤).
قَالَ جریر:
= انظر: ((الكفاية في علم الرواية)) ص٣٩٨ - ٤٠٣، ((علوم الحديث)) ص١٣٢ -
١٨١، (المقنع)) ٢٩٢/١ - ٣٣٦، ((فتح المغيث)) ١٨/٢ - ١٩٢، ((تدريب الراوي))
١٥/٢ - ١٠٤.
(١) مسلم (١٤٣/٢٠٤٠) كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره ....
(٢) من (ف).
(٣) أنظر ترجمة القعنبي في: ((التاريخ الكبير)) ٢١٢/٥ (٦٨٠)، ((الجرح والتعديل)) ٥٪
١٨١ (٨٣٩)، (تهذيب الكمال)) ١٣٦/١٦ (٣٥٧١)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٠/
٢٥٧ (٦٨).
(٤) في ((الصحاح)): أسرع السير.

٥٦٥
- كتاب الإيمان
إِذَا جَهِلَ الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ ببعض الأمر أَوْشَكَ أن يُصَابا
قَالَ: والعامة (تقول)(١): يُوشَكْ -بفتح الشين وهي لغة رديئة- قال
أبو يوسف -يعني: ابن السكيت: وَاَشَك يُواشِكُ وِشَاكًا، مثل أَوْشَكَ،
ويقال: إنه مُواشِكٌ، أي: مسارع(٢).
ويوشك أحد أفعال المقاربة، يطلب اسمًا مرفوعًا وخبرًا (منصوب
المحل)(٣) لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن، وقد يسند إلى أن
والفعل المضارع فيسد ذَلِكَ مسد اسمها وخبرها، كما جاء في هذا
الحديث. ومثله قول الشاعر:
يُوشك أن يبلغ منتهى الأجل فالبر لازم برجاءٍ (ووجل) (٤)
وقوله: ( ((خَيْرَ مَالِ المُسْلِم غَنَمٌ)) ) يجوز فيه وجهان:
أحدهما: نصب ((خير)) وهو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون
مقدمًا ولا يضر كون الأسم -وهو ((غنم))- نكرة؛ لأنها وصفت باليتبع
(بها)(٥) .
وثانيهما: رفعه عَلَى أن (يكون في)(٦) (يكون)) ضمير الشأن؛ لأنه
كلام تضمن تحذيرًا وتعظيمًا لما يتوقع. ويكون: ((خَيْرُ مَالِ المُسْلِم
غَنَمٌ)) مبتدأ وخبرًا، وقد روي: ((غنمًا))(٧) بالنصب وهو ظاهر، وقوله:
(١) في (ب): يقولون.
(٢) ((الصحاح)) ١٦١٥/٤، مادة: (وشك).
(٣)
في (ج): منصوبًا.
في (ج): ورجل.
(٤)
(٥) من (ف).
(٦) ساقطه من (ج).
(٧) رواه أبو داود (٤٢٦٧)، ومالك في ((الموطأ)) ص٦٠١، وأحمد ٣٠/٣، وابن عبد
البر في «التمهيد)) ٢٢١/١٩ - ٢٢٢.

٥٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(يَتَّبع))(١) هو بتشديد التاء، وقوله: ((شعف الجبال)) هو بشين معجمة
مفتوحة ثمَّ عين مهملة، وهي رءوس الجبال، وشَعَفُ كل شيء:
أعلاه، والواحدة: شَعَفَة.
وقوله: ( (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)) ) أي: من (فساد ذاتِ البين)(٢)
وغيرها، وخصت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة - وقد
رعاها الأنبياء والصالحون صلوات الله عليهم وسلامه- مع أنها سهلة
الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع.
وقال أبو الزناد: إنما خص الغنم حضًّا عَلَى التواضع والخمول
وترك الاستعلاء.
وقد قَالَ الَّهِ: ((مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ)) (٣)
وقال: ((السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ))(٤).
وقال غيره: إنما ذكر شعف الجبال لفراغها من الناس غالبًا، وشبهها
مثلها، وقد ذكر في حديث مسلم بطن الوادي معه كما سلف(٥).
الوجه الخامس: في فوائده:
وهي كثيرة منها:
فضل العزلة في أيام الفتن؛ لإحراز الدين؛ ولئلا تقع عقوبة فتعم،
(١) في (ج): ((يتبع بها)).
(٢) في (ج): قتال ذات الدين.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٦٢) في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط. عن أبي هريرة.
(٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٣٣٠١) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم
غنم يتبع بها شعف الجبال، ورواه مسلم (٨٥/٥٢ - ٨٧، ٨٩) كتاب: الإيمان،
باب: تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه. من حديث أبي هريرة.
(٥) مسلم (١٦١/ ٢٥٧).

٥٦٧
كتاب الإيمان
=
إلا أن يكون الإنسان ممن لَهُ قدرة عَلَى إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه
السعي في إزالتها، إما فرض عين، وإما فرض كفاية(١) بحسب
(الحال) (٢) والإمكان.
وأما في غير أيام الفتنة (فاختلف)(٣) العلماء أيها أفضل: العزلة أم
الاختلاط؟
فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب
الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم
ولو بعيادة (المرضى) (٤)، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون عَلَى البر والتقوى، وإعانة
المحتاج، وحضور (جماعاتهم)(٥)، وغير ذَلِكَ مما يقدر عليه كل
أحد. فإن كان صاحب (علم) (٦) أو سليك في الزهد ونحو ذَلِكَ تأكد
فضل اختلاطه.
وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة لمن
(١) فرض العين: هو الأفعال الواجبة على المسلمين المكلفين فردًا فردًا، فإذا قام بها
فرد لا تسقط عن الباقين، فهي واجبة على الأعيان، كالصلاة المكتوبة وصوم
رمضان والحج. أما فرض الكفاية: فهو ما يجب أن يقوم به من يكفي، فإذا قام به
من يكفي سقط وجوبه عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أثموا جميعًا، وذلك كغسل
الميت والصلاة عليه ودفنه.
للاستزادة ينظر: ((مجموع الفتاوى)) ٨/٢٠، ((شرح الكوكب المنير)) ٣٧٤/١-
٣٨٤، ((إرشاد الفحول)) ٧٣/١، ((المسودة)) ١٦٩/١ - ١٧١.
(٢) في (ف): المآل.
(٣) في (ج): فقد اختلف.
(٤) في (ج): المريض.
(٥) في (ج): جماعتهم.
(٦) ساقطة من (ج).

٥٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا يغلب عَلَى ظنه الوقوع في المعاصي، ومنها الاحتراز من الفتن.
وقد أخرج البخاري في الفتن: حديث سلمة بن الأكوع، أنه لما قتل
عثمان خرج سلمة إلى الربذة، فتزوج هناك امرأة وولدت لَّهُ أولادًا، فلم
يزل بها حتَّى كان قبل أن يموت بليالٍ؛ فنزل المدينة(١).
وفي حديث آخر: أنه دخل عَلَى الحجاج فقال له: يا ابن الأَكْوَع،
أَرْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وتَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولكن رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَذِنَ لِي
فِي البَدْوِ (٢).
(١) سيأتي برقم (٧٠٨٧) باب: التعرب في الفتنة.
(٢) هو الحديث السالف (٧٠٨٧) واعتبر المصنف - رحمه الله - هذا الحديث حدیثین.

٥٦٩
كتاب الإيمان
١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَّ: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللِهِ))
وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ
◌ِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
هو بفتح الهمزة من (أن) أي باب كذا، وباب بيان أن المعرفة من
فِعل القلب، (فلا يجوز قوله باب على غير الإضافة كما صرَّح به
الكرماني، فقال: هذا الباب متعين أن يُقرأ مضافا إلى قول النَّبِي وَلّ
لا غير وأنا أعلمهم بالله و(أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ)) مقول القول)(١).
وأول واجب على المكلف المعرفة ثم القصد ليتوصل به إلى
المعارف ... كما تقرر في الأصول).
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَّا يُطِيقُونَ، قَالُوا:
إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.
فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا)).
[فتح: ٧٠/١]
نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّنَّهِ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ،
قَالُوا : إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنِْكَ
وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ
وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَّ)».
(١) ليست في (ج). وانظر: ((شرح الكرماني)) ١/ ١١١.

٥٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
هذا الحديث (أخرجه البخاري هنا وأخرج .. ) (١).
الوجه الثاني: في التعريف (برواته)(٢).
أما عائشة وعروة وهشام فسلف ذِكْرهُم في أول الكتاب.
وأما عبدة: فهو أبو محمد عبدة (ع) -بسكون الباء- بن سليمان بن
حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن (سُمير)(٣) بن (مليل) (٤) بن
عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد
في ((طبقاته)) (٥). وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب.
سمع جماعة من التابعين منهم: هشام والأعمش، وعنه: الأعلام:
أحمد وغيره، قَالَ أحمد: ثقة (ثقة)(٦). وزيادة مع صلاح، وقال
العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن (يقرئ)(٧)(٨).
توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة.
قاله (الترمذي)(٩). وقال البخاري: سنة سبع (١٠).
(١) هُذِه الجملة ساقطة من (ج) ومثبتة من (ف) وفيها بعد كلمة (وأخرج) بياض بمقدار
ثلاث كلمات. والحديث ليس له روايات أخرى في البخاري.
(٢) في (ج): برجاله.
(٣) في (ج): تیم.
في (ج) مليكة، والمثبت من (ف) ومن ((طبقات ابن سعد))، وهو الصواب.
(٤)
(٥) ((الطبقات الكبرى)) ٣٩٠/٦ - ٣٩١، وليس فيه: الكلابي الكوفي.
(٧) من (ف).
(٦) من (ف).
(٨) ((معرفة الثقات)) ١٠٨/٢ (١١٤٨).
(٩) في (ج): النسائي.
(١٠) ((التاريخ الكبير)) ١١٥/٦ (١٨٧٩). وانظر تمام ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ١٨/
٥٣٠ - ٥٣٤ (٣٦١٣).

٥٧١
كتاب الإيمان
==
وأما محمد (خ) بن سلام: فهو أبو عبد الله محمد بن سلام (بن
الفرج)(١) السلمي، مولاهم البخاري البيكندي -بباء موحدة مكسورة
ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمَّ كاف مفتوحة ثمَّ نون ساكنة- ويقال:
الباكندي، ويقال: بالفاء، نسبة إلى بيكند: بلدة من بلاد بخاری عَلَى
مرحلة منها خربت (٢).
وينسب إليها ثلاثة أنفس، أنفرد البخاري بهم عن مسلم هذا
أحدهم، وثانيهم: محمد بن يوسف (٣)، وثالثهم: يحيى بن جعفر (٤).
وسلام والد محمد -بالتخفيف- عَلَى الصواب، وبه قطع
المحققون، منهم الخطيب وابن ماكولا (٥).
وهو ما ذكره غنجار في ((تاريخ بخارى)) (وهو)(٦) أعلم ببلاده،
وحكاه أيضًا عنه. فقال: قَالَ سهيل بن المتوكل: سمعت محمد بن
سلام يقول: (أنا)(٧) محمد بن سلام - بالتخفيف- ولست بمحمد بن
سلَّام، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وأما صاحب ((المطالع))
فادعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخه أو نحو ذَلِكَ.
(١) في (ج): الفرجي.
(٢) أنظر: ((معجم البلدان)) ٥٣٣/١.
(٣) هو: محمد بن يوسف البخاري أبو أحمد البيكندي انظر ترجمته في: ((تهذيب
الكمال)» ٦٣/٢٧ (٥٧١٨).
(٤) هو: يحيى بن جعفر بن أعين الأزدي البارقي، أبو زكريا البخاري البيكندي. أنظر
ترجمته في: ((ثقات ابن حبان)) ٢٦٨/٩، ((تهذيب الكمال)) ٢٥٤/٣١ (٦٨٠٢)
((سير أعلام النبلاء)) ١٠٠/١٢ (٣٠).
(٥) ((الإكمال)) ٤٠٥/٤ - ٤٠٦، ((تلخيص المتشابه)» ١٢٧/١ (١٩٨).
في (ج): من هو.
(٦)
(٧) في (ج): حدثنا.

٥٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
قَالَ (النووي)(١): لا نوافق عَلَى هذِه الدعوى فإنها مخالفة
للمشهور (٢)، سمع محمدُ بنُ سلام ابنَ عيينة وابن المبارك وغيرهما
(من الأعلام)(٣)، وعنه الأعلام الحفاظ البخاري، وانفرد به من بين
سائر الكتب الستة، وآخرون.
أنفق في العلم أربعين ألفًا ومثلها في نشره، ويقال: إن الجن كانت
تحضر مجلسه، وقال: أدركت مالگا ولم أسمع منه، وكان أحمد
يعظمه، وعنه: أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة
ومصنفات في أبواب (من) (٤) العلم، وانكسر قلمه في مجلس (شيخ
فأمر أن ينادى)(٥): قلم بدينار، فطارت إليه الأقلام، مات سنة خمس
وعشرين ومائتين(٦).
(١) في (ج): الثوري.
(٢) المشهور أنه بالتخفيف، وإليه ذهب الخطيب وابن ماكولا وغنجار والذهبي
والنووي وابن ناصر الدين والعراقي والحافظ ابن حجر.
وذهب إلى التشديد ابن قرقول وابن أبي حاتم وأبو عليّ الجياني.
انظر: ((تلخيص المتشابه)) ١٢٧/١، ((علوم الحديث)) ص٢٤٥، ((تقييد المهمل))
٢٩٠/٢-٢٩١، ((التقريب)) ٤٢٩/٢، ((الإكمال)) ٤٠٥/٤ - ٤٠٦، ((المشتبه)» ١/
٣٧٨، ((توضيح المشتبه)) ٢١٧/٥ - ٢٢١، ((فتح الباري)) ٧١/١.
وللمعلمي اليماني في هذه المسألة بحث نفيس رائع في تعليقه على ((الإكمال)) ٤/
٤٠٥ - ٤١٠ فليراجع.
(٣) في (ج): من الأعيان.
(٤) من (ف).
(٥) في (ج): شيخه فنادى فأمر أن ينادى.
(٦) أنظر ترجمة محمد بن سلام في: ((التاريخ الكبير)) ١١٠/١ (٣١٤)، ((الجرح
والتعديل)) ٢٧٨/٧ (١٥٠٨)،((الثقات)) ٧٥/٩، (تهذيب الكمال)) ٣٤٠/٢٥
(٥٢٧٨)، ((تهذيب التهذيب)) ١٩٨/٩.

٥٧٣
- كتاب الإيمان
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:
٢٢٥]: بما قصدتموه، وعزمت عليه قلوبكم، فكَسْبُ القلب عزمه
ونيته، فسمي الاعتقاد فعلًا للقلب.
وأخبر تعالى أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما أعتقدته
قلوبهم، فثبت أن (العقد)(١) من صفات القلوب خلافًا للكرامية(٢)،
(١) في (ج): العقل.
(٢) قال فخر الدين الرازي: الكرامية هم أتباع أبي عبد الله محمد بن کرام، كان من
زهاد سجستان واغتر جماعة بزهده، ثم أخرج هو وأصحابه من سجستان، فارين
حتى أنتهوا إلى غرجة، فدعوا أهلها إلى اعتقادهم فقبلوا قولهم، وبقي ذلك
المذهب في تلك الناحية، وهم فرق كثيرة: الطرائقية، الإسحاقية، الحماقية،
العابدية، اليونانية، السومرية، الهيصمية، وأقربهم الهيصمية، وفي الجملة فهم
كلهم يعتقدون أن الله تعالى جسم وجوهر ومحل للحوداث، ويثبتون له جهة
ومكانًا، إلا أن العابدية يزعمون أن البعد بينه وبين العرش متناه، ولهم في الفروع
أقوال عجبية، ومدار أمرهم على المخرقة والتزوير وإظهار التزهد، ولأبي عبد الله
بن كرام تصانيف كثيرة إلا أن كلامه في غاية الركة والسقوط. اهـ. ((اعتقادات فرق
المسلمين والمشركين)) ص ٦٧.
وترجم الذهبي في ((السير)) ٥٢٣/١١ (١٤٦) لمحمد بن كرَّام فقال: السجستاني
المبتدع، شيخ الكرَّامية، كان زاهدًا عابدًا ربانيًّا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب،
ولكنه يروي الواهيات كما قال ابن حبان، خذل حتى التقط من المذاهب أرداها،
ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجويباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مائة
ألف حديث، وقد سجن، ثم نفي، كان ناشفًا عابدًا، قليل العلم، قال الحاكم:
مكث في سجن نيسابور ثماني سنين، ومات بأرض بيت المقدس سنة خمس
وخمسين ومائتين.اهـ
وترجمه أيضًا في ((تاريخ الإسلام)) ٣١٠/١٩ (٤٨٢) فقال: محمد بن كرام بن
مراق بن حزابة بن البراء، الشيخ الضال المجسم، أبو عبد الله السجستاني، شيخ
الكراميين، ثم ساق له ترجمة، قل أن يوجد مثلها.
=

٥٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وبعض المرجئة (١)؛ حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقده
بالقلب، وفي الآية دلالة للمذهب الصحيح المختار الذي عليه
الجمهور أن أفعال القلوب إِذَا استقرت (يؤاخذ بها) (٢)، وأما قوله
وقال الحافظ في «اللسان» ٣٥٦/٥: قال أبو بكر محمد بن عبد الله: سمعت جدي
=
العباس بن حمزة وابن خزيمة والحسين بن الفضل البجلي يقولون: الكرامية كفار
يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
(١) الإرجاء على معنيين:
أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١].
أي: أمهله وأخره.
والثاني: إعطاء الرجاء.
أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا
يؤخرون العمل على النية والعقد.
وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا
تنفع مع الكفر طاعة.
وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه
بحكم. ((الفرق بين الفرق)) ص ٢٥، ((الملل والنحل)) ص١٣٩.
وقد رويت عدة أحاديث في ذمهم، منها ما رواه الترمذي (٢١٤٩)، وابن ماجه
(٦٢)، وابن عدي ٦/ ٣٣٢ عن ابن عباس مرفوعًا: ((صنفان من أمتي ليس لهما في
الإسلام نصيب المرجئة والقدرية». قال الترمذي: حديث حسن غريب، وضعفه
الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (١٠).
ومنها مارواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢/ ١٢٣، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٩٤٩)
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((صنفان من
أمتي لا يردان على الحوض القدرية والمرجئة)). صححه الألباني في ((الصحيحة))
(٢٧٤٨).
وفي الباب عن سهل بن سعد وابن عمر وأبي سعيد الخدري وجابر وأبي أمامة.
ولكن أغلبها أحاديث ضعاف.
(٢) في (ج): يؤخذ بها.

٥٧٥
كتاب الإيمان
=
عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ
تَعْمَلْ به أَوْ تَتَكَلَّمْ)) (١) فمحمول عَلَى ما إِذَا لم يستقر، وذلك معفو عنه
بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار، وستأتي
المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى
وقولها: (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ)، أي: يطيقون الدوام
عليه. وقال لهم ◌َّلي ذلك؛ لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزوا، وخير
العمل ما دام وإن قل(٢). وإذا حُمّلوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه
بعد ذَلِكَ، وصاروا في صورة ناقضي العهد، والراجعين عن (عادة
جميلة)(٣)، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء عَلَى حاله؛
ولأنه إِذَا أعتاد من الطاعة بما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح
واستلذاذ لها ونشاط، ولا (يلحقه)(٤) ملل ولا سآمة. والأحاديث بنحو
هذا كثيرة في الصحيح مشهورة(٥).
وقد ذم الله تعالى من أعتاد عبادة ثمَّ فرط فيها بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
[الحديد: ٢٧].
(١) سيأتي برقم (٥٢٦٩) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره. من
حديث أبي هريرة.
(٢) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على
الحصير ونحوه، ورواه مسلم (٧٨٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضيلة
العمل الدائم من قيام الليل وغيره. عن عائشة أن النبي ولو كان يحتجر حصيرًا
بالليل فيصلي، وفي آخره قال وَّه: ((وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل)).
(٣) في (ج): العادة الجميلة.
(٤) في (ج): تلحقهم.
(٥) منها الحديث السالف، وأيضًا أحاديث ستأتي في كتاب: الرقاق، باب: القصد
والمداومة على العمل (٦٤٦١ - ٦٤٦٧).

٥٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقولهم: (لسنا كهيئتك يا رسول الله)، قالوه رغبة في الزيادة في
الأعمال؛ لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم، وغفران ما تقدم لَهُ
وما تأخر، (فعند ذَلِكَ) (١) غضب وَ لّ إذ كان أولى منهم بالعمل؛
لعلمه بما عند الله، (وعظيم) (٢) خشيته له.
(قَالَ) (٣) تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [فاطر: ٢٨] وقيل: قالوه
لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنهم أنه لا ينجيهم إلا بلوغ الغاية
في العبادة.
وفي الحديث جمل من الفوائد والقواعد:
(إحداها)(٤): ما قررناه من القصد في العبادة وملازمة ما يمكن
الدوام عليه والرفق بالأمة، فالدين يسر.
ثانيها: أن الصالح ينبغي لَهُ أن لا يترك (جده)(٥) في العمل؛
(اعتمادًا) (٦) عَلَى صلاحه.
ثالثها: لَهُ الإخبار بحاله إِذَا دعت إليه حاجة وينبغي أن يحرص عَلَى
کتمانها ؛ خوف زوالها من (إشاعتها)(٧).
رابعها: الغضب عند ردِّ أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال غضبه.
خامسها: بيان ما كانت عليه الصحابة من الرغبة التامة في الطاعة
والزيادة في الخيرات.
(١) في (ج): فحينذٍ.
(٣) ساقطة من (ج).
(٥) في (ب): الجد.
(٧) في (ج): إضاعتها.
(٢) في (ج): وعظم.
(٤) في (ج): أحدها.
(٦) في (ج): لاعتماده.

٥٧٧
كتاب الإيمان
١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ
كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ.
٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ
عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ
وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا له، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ
يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)). [انظر: ١٦ -
مسلم: ٤٣ - فتح: ١/ ٧٢]
نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ لَهـ
قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ خَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا له، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ
يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)).
هذا الحديث تقدم شرحه في باب: حلاوة الإيمان قريبًا (١) وكذا
رجاله إلا سليمان، وهو أبو أيوب سليمان بن حرب بن بَچيل
-بموحدة مفتوحة، ثمَّ بجيم مكسورة، ثمَّ مثناة تحت، ثمَّ لام- الأزدي
الواشِچي -بكسر الشين المعجمة، ثمَّ حاء مهملة مكسورة- البصري.
وواشح بطن من الأزد، سكن مكة وكان قاضيها، سمع: شعبة
والحمادين وغيرهما، وعنه أحمد والذهلي والحميدي والبخاري،
وهؤلاء شيوخه، وقد شاركهم في الرواية عنه، وهذا أحد ضروب
علو روايته.
وروى عنه أبو داود أيضًا، وروى مسلم والترمذي وابن ماجه عن رجل
عنه، وجلالته وإمامته وحفظه وورعه وصيانته وإتقانه وثقته مجمع عليها.
(١) سلف برقم (١٦).

٥٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ أبو حاتم: هو إمام من الأئمة، لا يدلّس، ويتكلم في الرجال
والفقه، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف ما رأيت في يده كتابًا قط،
وحُزِرَ مجلسه (أربعين) ألفا (١). ولد سنة أربعين ومائة، ومات سنة
أربع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سبع، والأول أصحُّ.
قَالَ الخطيب: حدث عنه يحيى بن سعيد القطان، وأبو خليفة
الفضل بن الحباب الجمحي، وبين وفاتيهما مائة وسبع (سنين) (٢).
قَالَ أبو الشيخ الحافظ: توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة وتوفي
القطان سنة ثمان وتسعين ومائة(٣).
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٠٨/٤ - ١٠٩ (٤٨١).
(٢) في (ج): وستين. وانظر: ((السابق واللاحق)) ص٢٠٩ (٨٠).
(٣) أنظر تمام ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٠/٧، ((التاريخ الكبير)) ٨/٤ - ٩
(١٧٨٢)، ((تاريخ بغداد)) ٣٣/٩، ((تهذيب الكمال)) ٣٨٤/١١ (٢٥٠٢)، ((سير
أعلام النبلاء» ٣٣٠/١٠.
#

٥٧٩
كتاب الإيمان
١٥ - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى المَازِّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رضى الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ
الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ أَسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا -
أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا
تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟)). قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو ((الْحَيَاة)). وَقَالَ: ((خَرْدَلٍ مِنْ
خَيْرِ)). [٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - مسلم: ١٨٣، ١٨٤ - فتح: ١ / ٧٢]
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ
ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَ لَه : ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ
النُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ
يَجُرُّهُ)). قَالُوا: فَمَا أَوَلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)). [٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩ -
مسلم: ٢٣٩٠ - فتح: ٧٣/١]
ذكر فيه حديثين من طريق أبي سعيد الخدري # وإسنادهما جميعًا كلهم
مدنيون، وهو من الطرف اقتران إسنادين مدنيين من طريقة راوٍ واحدٍ.
نا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيٌّ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ،
وَأَهْلُ النَّارِ الثَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ أَسْوَدُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ
الحَيَا -أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبٍ
السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟)). قَالَ وُهَيْبٌ: نَا عَمْرٌو
((الْحَيَاة)). وَقَالَ: ((خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ)).

٥٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم أيضًا. وفيه بعد
ذِكْرٍ مَرِّ المؤمنين عَلَى الصراط: ((فَتَاجِ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي
نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَّ النَّارِ فيقول المُؤْمِنِونَ : يَا رَبَّنَا
كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًّا كَثِيرًا فيَقُولُونَ: مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا فَيَقُولُ:
أَرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرِ فَأَخْرِ جُوهُ فَيُخْرِجُونَ
خَلْقًا كَثِيرًا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ:
أَرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرِ فَأَخْرِجُوهُ
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَّرْتَنَا أَحَدًا.
ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرِ فَأَخْرِجُوهُ
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أحداً، ثم يَقُولُ
اللهُ: شَفَعَتْ المَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًّا (١).
وذكر الحديث وسيأتي -إن شاء الله- في كتاب: التوحيد حيث
ساقه البخاري (٢)، وقد أخرجه هنا عن إسماعيل، عن مالك،
وفي صفة الجنة والنار عن موسى عن وهيب بن خالد (٣)، ورواه
مسلم في الإيمان أيضًا عن هارون عن ابن وهب، عن مالك، وعن
أبي بكر، عن عفان، عن وهيب، وعن حجاج بن الشاعر، عن
عمرو بن عوف، عن خالد (بن) (٤) عبد الله ثلاثتهم عن عمرو بن
(١) مسلم (١٨٣) في الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. بأطول وأتم من هذا اللفظ.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٣٩) باب: قول الله تعالى: ﴿رُبُرٌ يَدٍ تَاضِرً ﴾﴾.
(٣) سيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار.
(٤) في (ج): عن، وهو خطأ.