Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب بَدْء الوَحْي
=
وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزى ابن عَمِّ خَدِيجَةَ)، إنما كان
ابن عمها: لأنها خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن
أسد، فـ(ابن عم) تابع لورقة لا لعبد العزى، فينصب ابن، ويكتب
بالألف لأنه بدل من ورقة. ولا يجوز جر ابن، ولا كتابته بغير ألف؛
لأنه يصير صفة لعبد العزى، فيكون عبد العزى ابن عمها وهو باطل،
كما نبه عليه النووي رحمه الله، ومثله عبد الله بن مالك ابن بحينة،
ومحمد بن علي ابن الحنفية، والمقداد بن عمرو ابن الأسود،
وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وإسحاق بن إبراهيم (ابن راهويه) (١)،
وعبد الله بن يزيد ابن ماجه؛ لأن بحينة أم عبد الله، وكذلك الحنفية،
والأسود ليس بجده، وراهويه لقب إبراهيم، وعُلية أم إسماعيل،
وماجه لقب يزيد، فكل ذَلِكَ يكتب بالألف ونعربه بإعراب الأول،
ومثل ذَلِكَ عبد الله بن أُبي ابن سلول ينون أبي ويكتب ابن سلول
بالألف ويعرب إعراب عبد الله؛ لأن سلول أم عبد الله، هذا هو
الصحيح، وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، ومقصودهم في
كل هذِه الأسماء تعريف الشخص بوصفه جميعًا ليكمل تعريفه، فقد
يكون الإنسان معروفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فإذا جمعا تم تعريفه
لكل أحد.
السابع بعد الأربعين: أسم أم ورقة هند بنت أبي كبير بن عدي بن
قصي ولا عقب له، وروينا في (مستدرك الحاكم)) من حديث عائشة رضي
الله عنها أن النبي ◌َ ﴿ قَالَ: ((لا تسبوا ورقة فإنه كان لَهُ جنة أو (جنتان)(٢)))
(١) جاء في هامش (ف) بعد كلمة ابن راهويه: راهويه لقب إبراهيم. ولعله من سبق
القلم، فسوف يأتي بعد قليل.
(٢) في الأصل: (جنتين) والمثبت هو الموافق للسياق والإعراب.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثمَّ قَالَ: هذا حديث صحيح عَلَى شرط الشيخينُ(١).
وفي كتاب الزبير من حديث عبد الله بن معاذ، عن الزهري، عن
عروة قَالَ: سُئِلَ النبيِ نَّهِ عن ورقة بن نوفل، كما بلغنا قَالَ: ((لقد
رأيته في المنام عليه ثياب بيض، فقد أظن أنه لو كان من أهل النار لم
أر عليه البياض)).
ورواه الترمذي في كتاب الرؤيا من ((جامعه)) من حديث عثمان بن
عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سُئِلَ رسول
الله وَُّ عن ورقة فقالت لَهُ خديجة: إنه كان صدقك ولكنه مات قبل
أن تظهر، فقال النبي ◌ُّل و: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو
(١) ((المستدرك)) ٦٠٩/٢، ولفظة: لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين)).
ورواه أيضًا البزار كما فى ((كشف الأستار)) (٢٧٥٠) من طريق عبد الله بن سعيد
-أبو سعيد الأشج- عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
مرفوعًا به.
ورواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٧٥١)، والرافعي في ((التدوين في أخبار
قزوين)) ١٩٨/٣ من طريقين عن هشام بن عروة عن عروة مرسلًا به.
قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
إلا أبو معاوية، ولا رواه عن أبي معاوية مسندًا إلا أبو سعيد.
وأورد الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) ١٣/٣ حديث عائشة المرفوع وقال:
هُذا إسناد جيد، وروي مرسلًا وهو أشبه.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٤١٥/٩: رواه البزار متصلًا ومرسلًا، ورجال المسند
والمرسل رجال الصحيح اهـ والحديث المرفوع صححه الحاكم على شرط
الشيخين - كما ذكر المصنف- ووافقه الذهبي، وقال الألباني في ((الصحيحة)) ١/
٧٦٢ (٤٠٥): وهو كما قالا اهـ
قال المناوي: قال الحافظ العراقي: هذا الحديث شاهد لما ذهب إليه جمع من أن
ورقة أسلم عند ابتداء الوحي اهـ ((فيض القدير)) ٦/ ٥٢٠ (٩٧٩٤).

٢٨٣
كتاب بَدْء الوَحْي
=
كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذَلِكَ)) ثمَّ قَالَ: حديث غريب،
وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي(١).
وقال السهيلي: في إسناده ضعف، لأنه يدور عَلَى عثمان هذا،
ولكن يقويه قوله وقيل: الرأيت القس - يعني: ورقة- وعليه ثياب
حرير؛ لأنه أول من آمن بي وصدقني))(٢) ذكره ابن إسحاق عن
أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل(٣) .
وقال المرزباني(٤): كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم، وكان
يدعى القس، وقال النبي وَله: (لرأيته وعليه حلة خضراء يرفل في
الجنة))، وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه، فمن ذَلِكَ قوله:
(١) الترمذي (٢٢٨٨)، ومن طريقه رواه الحاكم ٣٩٣/٤، وابن الأثير في ((أسد الغابة))
٤٤٧/٥- ٤٤٨.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه اهـ وتعقبه الذهبي بقوله: عثمان هو
الوقاصي متروك اهـ.
وقال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٧٩٢): موضوع.
ورواه أحمد ٦٥/٦ من طريق ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة، عن عائشة به،
قال ابن كثير في ((السيرة)) كما في ((صحيحها)) ص٩٣ : إسناده حسن.
(٢)
((الروض الأنف)) ٢١٧/١.
(سيرة ابن إسحاق)) ص ١١٢ - ١١٣ (١٥٧) ورواه أيضًا البيهقي في ((الدلائل)) ٢/
١٥٨ - ١٥٩ وقال: هذا منقطع.
(٣)
(٤) هو العلامة المتقن الأخباري، أبو عبيد الله، محمد بن عمران بن موسى بن عبيد
المرزباني البغدادي الكاتب، صاحب التصانيف، قال الأزهري: كان المرزباني
يضع المحبرة وقنية النبيذ، يكتب ويشرب، وكان معتزليًّا، صنف كتابًا في أخبار
المعتزلة وما كان ثقة. انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ١٣٥/٣، ((وفيات الأعيان))
٣٥٤/٤، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٤٧/١٦ (٣٣١)، ((الوافي بالوفيات)) ٢٣٥/٤،
((شذرات الذهب)) ١١١/٣.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أنا النذير فلا يغرركم أحد
لقد نصحت لأقوامٍ وقلت لهم
فإن دعوكم فقولوا بيننا جدد
لا تعبدن إلهًا غير خالقكم
سبحان ذي العرش سبحانًا يعود له
مسخر كل ما تحت السماء له
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
وقبله سبح الجودي والجمد
لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
يبقى الإله ويودى المال والولد
والخلد قَدْ حاولت عادٌ فما خلدوا
لم يغن عن هرمز يومًا خزائنه
والإنس والجن فيما بينها برد
ولا سليمان إذا تجري الرياح له
من كل أوبٍ إليها وافد يفد
لابد من ورده يومًا كما وردوا
أين الملوك التي كانت لعزتها
حوض هنالك مورود بلا كذب
نسبه أبو الفرج إلى ورقة، وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت،
ومن قوله أيضًا فيما خبرت به خديجة عن النبي ◌َلآر:
يا للرجال لصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غِيَرٍ
أمرًا أراه سيأتي الناس من أُخر
حتَّى خديجة تدعوني لأخبرها
فيما مضى من قديم الدهر والعُصُر
فخبرتني بأمر قَدْ سمعت به
جبريل: إنك مبعوث إلى البشر
بأن أحمد يأتيه فيخبره
لك الإله فرجِّي الخير وانتظري
فقلت: عَلَّ الذي ترجین ینجزه
وأرسلته إلينا كي نسائله
فقال حين أتانا منطقًا عجبًا
عن أمره ما يرى في النوم والسهر
يَقِفُّ منه أعالي الجلد والشعر
في صورة أكملت من أهيب الصور
إني رأيت أمين الله واجهني
ثمَّ استمر فكان الخوف يذعرني
مما يُسلم ما حولي من الشجر
أن سوف تبعث تتلو منزل السور
فقلت ظني وما أدري أيصدقني
من الجهاد بلا مُرِّ ولا كدر
وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم
ذكره بطوله الحاكم في ((مستدركه))، ذكره عقیب حديث ابن عباس

٢٨٥
= كتاب بَدْء الوَحْي
السالف، وقال: والغرض فيه ما حدثنيه ثمَّ ساقه بإسناده(١).
وقال ابن منده(٢): اختلف في إسلامه(٣)، وظاهر الحديث يدل عَلَى
إسلامه من قوله: (يا ليتني كنت فيها جذعًا). وما بعده، وذكر ابن إسحاق
أنه وَّ لما أخبره قَالَ له ورقة: إنك والذي نفسي بيده لنبي هُذِه الأمة،
ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وذكر الحديث، قَالَ: ثمَّ
أدنى رأسه منه فقبل يافوخه(٤).
الثامن بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ أَمْرَأْ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ). أي:
صار نصرانيا وترك عبادة الأوثان وفارق طرائق الجاهلية، والجاهلية:
ما قبل نبوة نبينا محمد صل*، سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش
الجهالات.
التاسع بعد الأربعين: قولها: (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ
مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) هكذا وقع هنا العبراني والعبرانية، ووقع
في موضع آخر من ((صحيح مسلم)): العربي، فيكتب بالعربية من
(١) ((المستدرك)) ٦٠٩/٢ - ٦١٠.
(٢) هو الإمام الحافظ الجوال، محدث الإسلام، أبو عبد الله محمد ابن المحدث
أبي يعقوب إسحاق ابن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده، قال الذهبي:
لم أعلم أحدًا كان أوسع رحلة منه، ولا أكثر حديثًا منه مع الحفظ والثقة، فبلغنا أن
عدة شيوخه ألف وسبعمائة شيخ، من مصنفاته كتاب ((الإيمان))، و((التوحيد))
و((التاريخ)) وهو كتاب كبير جدًا، و((معرفة الصحابة)).
قال الحافظ ابن عساكر: لابن منده في كتاب ((معرفة الصحابة)) أوهام كثيرة،
وقيل: إنه اختلط في آخر عمره. انظر ترجمته في: ((المنتظم)) ٧/ ٢٣٢، ((سير أعلام
النبلاء)) ٢٨/١٧ (١٣)، ((تذكرة الحفاظ)) ١٠٣١/٣، ((الوافي بالوفيات)) ١٩/٢،
((شذرات الذهب)) ١٤٦/٣.
(٣) نقله عنه ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٥/ ٤٤٧ وقد تقدم.
(٤) (سيرة ابن إسحاق)) ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠). واليافوخ: وسط الرأس.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الإنجيل(١)، وفي كتاب التعبير والتفسير من البخاري: يكتب الكتاب
العبراني، فيكتب (بالعربية)(٢) من الإنجيل. وكله صحيح، أي: كان
يكتب من الإنجيل ما شابهها لتمكنه من معرفة دينهم وكتابتهم، وقال
الداودي: يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي،
فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى الكريم
وقولها: (وَكَانَ قَدْ عَمِيَ) فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص
ولا يكون ذَلِكَ غيبة.
الخمسون: قولها: (يَا ابن عَمِّ) كذا وقع هنا، ووقع في مسلم:
(يا عم)(٣) والأول صحيح؛ لأنه ابن عمها كما سلف، والثاني
صحيح أيضًا سمته عمها مجازًا للاحترام وهُذِه عادة العرب يخاطب
الصغير الكبير بيا عم احترامًا له ورفعًا لمرتبته، ولا يحصل هذا
الغرض بقولها: يا ابن عم، فعلى هذا يكون تكلمت باللفظين(٤).
الحادي بعد الخمسين: قوله: (هذا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى
مُوسَى) كذا هو في الصحيحين، وغيرهما، وجاء في غير الصحيح:
(نزل الله عَلَى عيسى)(٥). وكلاهما صحيح. أما عيسى فلقرب زمنه،
(١) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢). كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٤) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٥/١: ووقع في مسلم: يا عم، وهو وهم، لأنه وإن كان
صحيحًا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، فلا يحمل على
أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة أهـ.
(٥) رواه ابن قانع في (معجم الصحابة)) ١٨١/٣ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن
ورقة بن نوفل: أنه سأل رسول الله وَّر كيف يأتيك الوحي؟ قال: ((يأتيني في
ضوء)»، قال: هذا الناموس الذي أنزل على عيسى القفيها.

٢٨٧
= كتاب بَدْء الوَحْي
وأما موسى فأبدى لَهُ السهيلي معنى آخر وهو أن ورقة قد تنصر والنصارى
لا يقولون في عيسى: إنه نبيٌّ يأتيه جبريل، وإنما يقولون: إن أقنومًا من
الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح عَلَى أختلافٍ بينهم في
ذَلِكَ الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم،
فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في
زعمهم الكاذب، فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى
إلى ذكر موسى لعلمه، ولاعتقاده أن جبريل كان ينزل عَلَى موسى،
قَالَ: لكن ورقة قَدْ ثبت إيمانه بمحمد بَّ ثمَّ ساق حديث الترمذي
السالف(١).
الثاني بعد الخمسين: (النَّامُوسُ) بالنون والسين المهملة وهو
(١) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٧٣، قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٦/١: وقوله (على موسى)
ولم يقل: (على عيسى) مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى التَّ مشتمل على أكثر
الأحكام، بخلاف عيسى. وكذلك النبي ◌َّله، أو لأن موسى بعث بالنقمة على
فرعون ومن معه، بخلاف عيسى. كذلك وقعت النقمة على يد النبي ◌َّ بفرعون
هذِه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر. أو قاله تحقيقًا للرسالة، لأن نزول
جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود
ينكرون نبوته. وأما ما تمحل له السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في
عدم نبوة عيسى ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرَّج عليه في حق ورقة
وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل ولم يأخذ عمن بدل. نعم في ((دلائل النبوة)) لأبي
نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذِه القصة أن خديجة أولًا أتت
ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي
لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم. فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس عيسى وتارة
ناموس موسى، فعند إخباره خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى بحسب
ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي ◌َّ له قال له: ناموس موسى للمناسبة
التي قدمناها، وكل صحيح. والله ثقة أعلم أهـ

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
صاحب السر كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء(١)، قَالَ صاحب
((المحكم)) و((المجمل)) وأبو عبيد(٢) في ((غريبه)): ناموس الرجل:
صاحب سره(٣)، وقال ابن سيده: الناموس: السر(٤). وقال صاحب
((الغريبين))(٥): هو صاحب سر الملك.
وقيل: إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد حكاه القزاز في
((جامعه)) وصاحب (الواعي))، وقال الخشني في ((شرح السيرة)): أصل
الناموس: صاحب سر الرجل في خيره وشره، وقال ابن الأنباري في
((زاهره)): الجاسوس: الباحث عن أمور الناس وهو بمعنى تحسس سواء.
وقَالَ بعض أهل اللغة: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس،
وبالحاء المهملة الاستماع لحديث القوم، وقيل: هما سواء، قَالَ
(١) سيأتي برقم (٣٣٩٢) باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى .. ﴾.
(٢) هو الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلام بن عبد الله، كان
أبوه سلام مملوكًا روميًّا لرجل هروي، من مصنفاته: ((الأموال)) و((الغريب))
و ((فضائل القرآن)) و((الناسخ والمنسوخ)) توفي سنة أربعة وعشرين ومائتين.
انظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٥٥/٧، ((التاريخ الكبير)" ١٧٢/٧
(فيات الأعيان)) ٦٠/٤، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٩٠/١٠ (١٦٤)، («شذرات
الذهب)) ٥٤/٢.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٨٨٦/٤، مادة: (نمس)، ((غريب الحديث)) ٣١٥/١.
(٤) «المحكم)) ٣٥٢/٨.
(٥) هو العلامة أبو عبيد، أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي،
الشافعي، اللغوي، المؤدب، أخذ علم اللسان عن الأزهري وغيره ويقال له
الفاشاني، صاحب كتاب ((الغریبین)).
قال ابن خلكان: سار كتابه في الآفاق، وهو من الكتب النافعة توفي سنة (٤٠١هـ).
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٩٠/١، ٩٦، ((الوافي بالوفيات)) ١١٤/٨،
١١٥، ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ١٤٦ - ١٤٧، ((شذرات الذهب)) ١٦١/٣.

٢٨٩
= كتاب بَدْء الوَحْي
ابن ظفر(١)، في ((شرح المقامات)): صاحب سر الخير: ناموس،
وصاحب سر الشر: جاسوس، وقد سوى بينهما رؤبة وهو الصحيح.
ونقل النووي في ((شرحه)) عن أهل اللغة والغريب الفرق بينهما وأن
الناموس في اللغة صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر،
قَالَ: ويقال: نمست السر -بفتح النون والميم - أنمسه - بكسر الميم-
نمسًا أي (كتمته) (٢)، ونمست الرجل ونامسته أي: ساررته، واتفقوا
عَلَى أن جبريل يسمى الناموس وعلى أنه المراد في هذا الحديث،
قَالَ الهروي: سُمِّي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي الذي
لا يطلع عليه غيره(٣).
قَالَ ابن الأعرابي فیما حكاه القاضي: لم يأت في الكلام فاعول لام
الكلمة فيه سين إلا الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس للشر،
والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحية، والبابوس: الصبي
الرضيع، والداموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس:
الجميل الوجه، والعاطوس: دابة يتشاءم بها، والفانوس: النمام،
والجاموس: ضرب من البقر، وقيل: أعجمي تكلمت به العرب،
(١) هو العلامة البارع، حجة الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن محمد بن
ظفر الصقلي، صاحب كتاب ((خير البشر»، وكتاب («سلوان المطاع في عدوان
الأتباع)) وكتاب ((شرح المقامات))، وكان قصيرًا لطيف الشكل، وكان فقيرًا
أخذ بنته زوجُها، فباعها في بعض البلاد، مات سنة خمس وستين وخمسمائة
بحماة.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٣٩٥/٤، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٢/٢٠
(٣٣٦)، ((الوافي بالوفيات)) ١٤١/١.
(٢) في الأصول: كتمه. والمثبت من ((شرح مسلم)) للنووي.
(٣) ((مسلم بشرح النووي)) ٢/ ٢٠٣.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقيل: الحاسوس بالحاء غير المعجمة (من تجسس بالجيم)(١)، وفي
((صحيح مسلم): إن كلماتك بلغن ناعوس البحر(٢).
الثالث بعد الخمسين: قوله: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا)، الضمير فيها
يعود إلى أيام النبوة ومدتها، قَالَ ابن مالك(٣): وأكثر الناس تظن
أن يا التي تليها [ليت](٤) حرف نداء. والمنادى (حُذف فتقديره)(٥)
يا محمد، ليتني كنت فيها حيًّا، وهذا الرأي عندي ضعيف؛ لأن
القائل: يا ليتني قَدْ يكون وحده ولا يكون معه منادى ثابت
ولا محذوف(٦)، ولأنه لم يقع ملفوظًا به حتى يؤنس بالتقدير.
الرابع بعد الخمسين: قوله: (جَذَعًا). يعني: شابًّا قويًّا حتَّى أبالغ
في نصرتك ويكون لي كفاية تامة لذلك، والجذع في الأصل للدواب،
وهو هنا استعارة، قَالَ ابن سيده: قيل: الجذع الداخل في السنة
الثانية، ومن الإبل: فوق الحِقّ، وقيل: الجذع من الإبل لأربع
(١) كذا بالأصل والذي في ((الإكمال)) وقيل: الحاسوس بالحاء غير معجمة من تحسس
وهو بمضي الجاسوس.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٨٧/١- ٤٨٨ والحديث في مسلم (٨٦٨) كتاب: الجمعة،
باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٣) هو العلامة الأوحد جمال الدين، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، أبو عبد
الله الطائي، الجياني، الشافعي، النحوي، أخذ العربية عن غير واحد، وصرف
همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على
المتقدمين، وكان إمامًا في القراءات وعللها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرًا
لا يجارى، وحبرًا لا يبارئ، توفي رحمه الله في ثاني عشر شعبان، وقد نيَّف على
السبعين انظر ترجمته في: ((تاريخ الإسلام)» ١٠٨/٥٠ (٨٣)، ((الوافي بالوفيات))
٣٥٩/٣، ((شذرات الذهب» ٢٩٥/٥.
زيادة يقتضيها السياق، من ((شواهد التوضيح)).
: (٤)
(٥)
في (ج): حرف تقديره.
(٦) ((شواهد التوضيح)) لا بن مالك ص٤.

٢٩١
- كتاب بَدْء الوَحْي
سنين، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة والجمع جُذعان وجِذعان
وجِذاع(١).
قَالَ الأزهري(٢) في ((تهذيبه)): والدهر يسمى جذعًا؛ لأنه جديد
الدهر(٣). وقيل معناه: يا ليتني أدرك أمرك، فأكون أول من يقوم
بنصرك، كالجذع الذي هو أول الأسنان، قَالَ صاحب ((المطالع)):
والقول الأول أبین.
الخامس بعد الخمسين: قوله: (جَذَعًا). هكذا الرواية المشهورة
هنا، وفي ((صحيح مسلم)) بالنصب (٤)، ووقع للأصيلي، هنا ولابن
ماهان(٥) في ((صحيح مسلم)): (جذع)، بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال،
وفي النصب اختلفوا في وجهه عَلَى ثلاثة أوجه:
(١) ((المحكم)) ١٨٥/١.
(٢) هو العلامة، أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي
اللغوي الشافعي، كان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتا دينا، من كتبه ((تهذيب اللغة)»
المشهور، و((التفسير)) و((علل القراءات)) و(الروح))، توفي في ربيع الآخر سنة
سبعين وثلاثمائة، عن ثمان وثمانين سنة. أنظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٤/
٣٣٤، ((سير أعلام النبلاء)» ٣١٥/١٦ (٢٢٢)، (الوافي بالوفيات)) ٤٥/٢،
(«شذرات الذهب)) ٧٢/٣.
(٣) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٥٦٧، مادة: (جذع).
(٤) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٥) هو الإمام المحدث، أبو العلاء، عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن
عيسى بن ماهان الفارسي، ثم البغدادي، حدث بمصر بـ((صحيح مسلم)) عن
أبي بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الشافعي، عن أحمد بن علي القلانسي،
عن مسلم سوى ثلاثة أجزاء من آخره، فرواها عن الجلودي. وثقه الدارقطني،
توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» ٥٣٥/١٦ (٣٩٢)، ((تاريخ الإسلام)» ٢٧/
١٦٠، ((شذرات الذهب)) ١٢٨/٣.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أحدها: نصبه عَلَى أنه خبر (كان) المقدرة، تقديره: ليتني أكون
جذعًا، قاله الخطابي(١) والمازري وابن الجوزي في ((مشكله))، وهي
تجيءٍ عَلَى مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًاً
ج
لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم، ومذهب البصريين
أن ﴿خَيْرًا﴾ في الآية منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿أَنَهُواْ﴾ تقديره:
أنتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا أنتهاءً خيرًا لكم.
وضعف هذا الوجه بأنَّ كان الناصبة لا تضمر إلا إِذَا كان في الكلام
لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير.
ثانيها: أنه منصوب عَلَى الحال وخبر ليت قوله: فيها، والتقدير:
ليتني كائن فيها. أي: مدة الحياة في هذا الحال شبيبة وصحة وقوة
لنصرتك، إذ (قَدْ كان)(٢) أسن وعمي عند هذا القول، ورجح هذا
القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر(٣)، وقال النووي: إنه الصحيح
الذي اختاره المحققون(٤).
ثالثها: أن تكون ليت عملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قَالَ
الكوفيون وأنشدوا :
يا لَيْتَ أَيامَ الصِّبا رَواجِعَا
السادس بعد الخمسين: قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). استعمل فيه إذ
في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح كما نبه عليه ابن مالك، وقال:
غفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
اُلْأَمْرٌ﴾ [مريم: ٣٩] وقوله: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر: ١٨]
(١) ((أعلام الحديث)) ١٣٠/١ - ١٣١.
(٢) في (ج): كان قد.
(٤) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٣/٢ - ٢٠٤.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤٨٩/١.

٢٩٣
كتاب بَدْء الوَحْي
==
ج
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْظَلُ فِىَ أَعْنَفِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
٧١
[غافر: ٧٠-٧١] قَالَ: وقد استعمل كل منهما في موضع يعني: إذ وإذا،
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]،
﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً﴾ [الجمعة: ١١]، و﴿إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾(١)
[التوبة: ٩٢].
السابع بعد الخمسين: قوله وَلَهُ: (((أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟))) هو بفتح
الواو وتشديد الياء آخره وهو جمع مخرج، ويجوز تخفيف الياء عَلَى
وجه، والصحيح التشديد، وبه جاءت الرواية، ويجوز في الياء
المشددة الفتح والكسر وهو نحو قوله تعالى: ﴿بِنُصْرِفِىٌ﴾ [إبراهيم:
٢٢] وقرئ بهما في السبعة(٢) فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير
المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا تجتمع الكسرة ویاءان بعد كسرتین،
وقال ابن مالك: الأصل فيه: أومخرجوني هم(٣)، سقطت نون الجمع
بالإضافة، واجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت
الواو ياء وأدغمت، ثمَّ أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة
تكميلًا للتخفيف، وفتحت الياء في ((مُخْرِجِيَّ)) للتخفيف (٤). لئلا تجتمع
الأمثال الكثيرة وياءان بعد كسرتين، وقال السهيلي: لابد من تشديد
الياء في: ((مُخْرِجِيَّ)) لأنه جمع(٥).
(١) (شواهد التوضيح)) لابن مالك ص ٩ - ١٠.
(٢) بكسر الياء الثانية قرأ حمزة وبفتحها قرأ الباقون، وروى إسحاق الأزرق عن
حمزة: (بمصرخيَّ) بفتح الياء الثانية. انظر ((الحجة للقراء السبعة)) ٢٨/٥.
(٣) الذي في ((شواهد التوضيح)) ص١٣: أومخرجوي هم؟ ولم يذكر شيئًا عن سقوط
نون الجمع، والله أعلم.
(٤) ((شواهد التوضيح)) ص١٣.
(٥) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٧٤.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثُمَّ ههنا أمران:
أحدهما: وهو الثامن بعد الخمسين: الأصل تقديم حرف العطف
عَلَى الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، كما نبه عليه ابن مالك نحو :
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨]،
﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، ﴿فَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] فالأصل
أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثل، وهي معطوفة عَلَى ما قبلها من
الجمل ومثله: فأتطمعون لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام
فيقال: (وأمخرجي) (١) والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، لكن
خصت الهمزة بتقدمها عَلَى حرف العطف؛ تنبيهًا عَلَى أنها أصل
أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام لَهُ صدر الكلام، فقال تعالى:
﴿أَفَظْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، ﴿أَثُمَّ إِذَا
مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١].
وقال الزمخشري (٢): بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة
ومعطوف عليها بالعاطف ما بعده تقديره: أكفروا بالآيات البينات،
وكلما عاهدوا؟ وكذلك يقدر بقية المثل ما يحسن فيها، وفيه من
التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى كما نبه عليه ابن مالك(٣).
(١) في الأصل: وأومخرجي، والمثبت هو المناسب للسياق.
(٢) هو العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري
الخوارزمي النحوي، صاحب ((الكشاف)) و((المفصل)) كان رأسًا في البلاغة
والعربية والمعاني والبيان، وله نظم جيد، وكان داعية إلى الاعتزال- الله يسامحه-
توفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة. انظر ترجمته في: ((المنتظم)) ١١٢/١٠،
(وفيات الأعيان)) ١٦٨/٥، ((سير أعلام النبلاء)) ١٥١/٢٠ (٩١)، («شذرات
الذهب)» ١١٨/٤.
(٣) (شواهد التوضيح)) ص ١٠ - ١٢.

٢٩٥
=
كتاب بَدْء الوَحْي
الثاني: وهو التاسع بعد الخمسين: ( ((مُخْرِجِيَّ))) خبر مقدم و(هم))
مبتدأ ولا يجوز العكس كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن ((مُخْرِجِيَّ)) نكرة فإن
إضافته غير محضة، وهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال فيؤدي إلى الإخبار
بالمعرفة عن النكرة من غير مصحح(١). ويجوز أن يكون ((هم)) فاعلًا سد
مسد الخبر، و((مُخْرِجِيّ)) مبتدأ عَلَى لغة: أكلوني البراغيث. ولو روي
((مُخْرِجِيَّ)) بسكون الياء أو فتحها مخففة عَلَى أنه مفرد. وقد سلف
جوازه؛ لصحَّ جعله مبتدَأ ومَا بعدهَ فاعلًا سد مسد الخبر كما تقول:
أومخرجي بنو فلان؟ لاعتماده عَلَى حرف الاستفهام كقوله ◌ِّ:
((أحيٍّ والداك؟))(٢) والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه
قول الشاعر:
أمنجز أنتم وعدًا وثِقْتُ به أم أَقْتَفَيْتُم جميعًا نهج عُرْقُوب(٣)
وجزم السهيلي بأنه خبر مبتدأ مقدم، قَالَ: ولو كان المبتدأ اسمًا
ظاهرًا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأ (٤).
الستون: إنما قَالَ: (((أو مُخْرِجِيَّ هم؟)))؛ لأنها حرم الله، وجوار بيته
وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه، فأتى بهمزة الاستفهام عَلَى
وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم، وقد ذكر ابن إسحاق في ((السيرة))
عن ورقة أنه قَالَ بعد قوله: ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء
(١) ((شواهد التوضيح)) ص ١٣.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٠٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ورواه
مسلم (٢٥٤٩) كتاب: البر والصلة، باب: بر الوالدين. من حديث عبد الله بن
عمرو.
(٣) ((شواهد التوضيح)، ص ١٣ - ١٤.
(٤) ((الروض الأنف)) ٢٧٤/١.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
موسى: وليكذبنه وليؤذينه وليخرجنه (١). لما قال: ليكذبنه وليؤذينه، ولم
يقل شيئًا فلما قَالَ (الثالثة)(٢) قَالَ ذَلِكَ، فاستبعد ◌َّ إخراجه من غير
سبب فإنه لم يكن منه فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذَلِكَ،
بل كان منه أنواع المحاسن والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو
لائق بمحله - أنفسنا لَهُ الفداء- لكن العادة أن كلما أتي للنفوس بغير
ما تحب وتألف وإن كان ممن تحب وتعتقد تعافه وتطرده، وقد
قَالَ تعالى حكاية عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ
يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
الحادي بعد الستين: قوله: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطْ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ
إِلَّا عُودِيَ) يعني: أن أهل الحق لا يخلو من أهل باطل يعادونه، وذكره
في التفسير بلفظ: أوذي(٣)، من الأذى، وقوله: (وإن يدركني يومك)
أي: وقت (إخراجك)(٤) أو وقت انتشار نبوتك (أنصرك نصرًا مؤزرًا)
هو بضم الميم ثمَّ بهمزة مفتوحة ثمَّ زاي مفتوحة، أي: قويًّا بالغًا من
الأزر وهو: القوة والعون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَازَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]
أي: قوَّاه، وفي ((المحكم)): آزره ووازره: أعانه عَلَى الأمر، الأخير
عَلَى البدل وهو شاذ(٥). وقال ابن قتيبة: مما يقوله العوام بالواو وهو
بالهمز آزرته عَلَى الأمر، أي: أعنته فأما وازرته فبمعنى: صرت له
وزيرًا(٦).
(١) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠).
(٢)
في (ج): الثانية.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٥٣). كتاب: التفسير، سورة العلق، باب: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِكَ الَّذِى
خَلَقَ ﴾﴾.
(٤)
في (ج): إخراجه.
((أدب الكاتب)) ص (٢٨٤).
(٦)
(٥) ((المحكم)) ٩/ ٦٥.

٢٩٧
- كتاب بَدْء الوَحْي
الثاني بعد الستين: وقع في ((السيرة)): إن أدرك ذَلِكَ اليوم أنصرك
نصرًا مؤزرًا (١)، وما في البخاري هو القياس؛ لأن ورقة سابق
بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء ((أشقى
الناس من أدركته الساعة وهو حي))(٢) نبه عَلَى ذَلِكَ السهيلي قَالَ:
ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى: إن أر ذَلِكَ اليوم فسمى رؤيته
إدراكًا، وفي التنزيل: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي:
لا تراه عَلَى أحد القولين(٣).
الثالث بعد الستين: قولها: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ
الوَحْيُ) أما ينشب فبياء مفتوحة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ شين معجمة مفتوحة
ثمَّ موحدة، ومعناه: لم يلبث، كأن المعنى فجئه الموت قبل أن
ينشب في فعل شيء، وهُذِه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة
والعجلة. وفتر معناه: احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول، قَالَ
ابن سيده: فتر الشيء يفتُر ويفتِر فتورًا وفتارًا : سكن بعد حدة ولان
بعد شدة و(فتر) (٤) هو، والفتر الضعف(٥)، ولعل الحكمة في إبطائه
ذهاب ما حصل لَهُ من الروع والتشوف إلى عوده كما سيأتي، ففي
((السيرة)) أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم وقال: لئن
(١) ((سيرة ابن اسحاق)) ص١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠) بلفظ: لأنصرك نصرًا يعلمه الله.
(٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ٢٠٧/١ (٢١٣) من حديث عبد الله بن جراد
مرفوعًا، بلفظ: ((الشقي كل الشقي من أدركته الساعة حيًّا لم يمت)).
قال الألباني في ((الضعيفة)) (٣٧٦٠): حديث موضوع.
(٣) ((الروض الأنف)) ٢٧٣/١ - ٢٧٤.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((المحكم)).
(٥) ((المحكم)) ١٠/ ١٧٠.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قتلتموه لأتّخِذَنّه حنانا(١)، وفي هذا مخالفة (لقولها)(٢). (فلم ينشب
ورقة أن توفي)، فتأمله.
الرابع بعد الستين: لم يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديث
مسند كما أفاده السهيلي أنها كانت سنتين ونصفًا، وبهذا يجمع بين قول
أنس أنه أقام بمكة عشرًا(٣) وقول ابن عباس أنه أقام ثلاث عشرة سنة (٤)،
وكان قَدْ أبتدئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر فمن عد مدة الفترة وأضاف
إليها الأشهر الستة كان كما قَالَ ابن عباس، ومن عدها من حين حمي
الوحي وتتابع كما في حديث جابر (٥) كانت عشر سنين، ووجه ثان:
وهو أن الشعبي قَالَ: وُكِّلَ إسرافيل بنبوة محمد بَِّ ثلاث سنين ثمَّ
جاءه جبريل بالقرآن، وقد أسلفنا ذَلِكَ ورواه أبو عمر في ((استيعابه))(٦)
وإذا صح فهو أيضًا وجه (من)(٧) الجمع بينهما(٨).
الخامس بعد الستين: زاد البخاري في هذا الحديث عند ذكره لَهُ في
(١) ((سيرة ابن إسحاق)) ص١٧ (٢٣٤).
(٢) في (ج): لقولنا.
(٣) سيأتي برقم (٣٥٤٧) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ◌َّ، ورواه مسلم
(٢٣٤٧) كتاب: الفضائل، باب: صفة النبي ◌ٍَّ، ومبعثه، وسِنِّهِ.
(٤) سيأتي برقم (٣٨٥١) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مبعث النبي ◌َّر، ورواه مسلم
(٢٣٥١) كتاب: الفضائل، باب: كم أقام النبي ◌َّله بمكة والمدينة.
(٥) الحديث الآتي (٤) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله
وَي، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَله.
(٦) ((الاستيعاب)) ١٤٠/١.
ورواه أيضًا: الطبري في ((تاريخه)) ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، وقال القرطبي في تفسيره))
١٠/ ١٧٧: إسناده صحيح.
(٧) في (ج): مع.
(٨) ((الروض الأنف)) ٢٨١/١.

٢٩٩
كتاب بَدْء الوَحْي
التعبير عن معمر قَالَ: وفتر الوحي فترة حتَّى حزن النبي بَّ فيما بلغنا
[حزنا](١) غدا منه مرارًا كي يتردئ من رؤوس الجبال، فكلما أوفى
بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى لَهُ جبريل الشَّه فقال: يا محمد
إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه حتَّى يرجع، فإذا
طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذَلِكَ فإذا أوفى بذروة جبل يتراءى لَهُ
جبريل فقال لَهُ مثل ذَلِكَ(٢). وهذا من بلاغات معمر، ولم يسنده
ولا ذكر راويه ولا أنه ◌َّ قاله، ولا يعرف هذا إلا من النبي وَلّ مع
أنه قَدْ يحمل عَلَى أنه كان في أول الأمر قبل رؤية جبريل كما جاء
مبينًا عن ابن إسحاق عن بعضهم (٣)، أو أنه فعل ذَلِكَ لما أحرجه
تكذيب قومه كما قَالَ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] أو
خاف أن الفترة لأمر أو سبب فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل
ذَلِكَ بنفسه، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذَلِكَ فيُعترض به، ونحو
هُذا فرار يونس حين تكذيب قومه، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي عياض(٤).
السادس بعد الستين: فيه جواز تزكية الرجل بما فيه من الخير
للأوصاف السالفة التي ذكرتها خديجة، وليس بمعارض لحديث:
((احثوا في وجوه المداحين التراب)»(٥) فإن ذَلِكَ إذا مدح بباطل وبما
ليس في الممدوح.
(١) زيادة يقتضيها السياق من البخاري.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٨٢). كتاب: التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله وَظهر من
الوحي الرؤيا الصالحة.
(٣) (سيرة ابن إسحاق)) ص١٠١.
(٤) ((الشفا تعريف حقوق المصطفى)) للقاضي عياض ١٠٤/٢ - ١٠٥.
(٥) رواه مسلم (٣٠٠٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير. من
حديث المقداد.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تتمات :
أحدها: في جبريل تسع لغات جمعها ابن الأنباري قرئ ببعضها،
أفصحها: جبرئيل، وبها قرأ أهل الكوفة واسمه بالعربية عبد الله،
واسم ميكائيل (عبيد)(١) الله كذا رواه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن
عكرمة(٢)، وقال السهيلي: هو سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو
عبد العزيز كذا جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح،
وأكثر الناس عَلَى أنه آخر الاسم منه هو الله تعالى وهو إيل، وذهبت
طائفة إلى أن الإضافة في هذِه الأسماء مقلوبة. وإيل هو العبد وأوله
أسم من أسمائه تعالى، والجبر عند العجم هو (إصلاح)(٣) ما وَهَى
فوافق معناه من جهة العربية فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر
ما وهَى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة ولا بأرض
العرب؛ ولهذا (أنه)(٤) يلي لما ذكره لخديجة انطلقت لتسأل من عنده
علم من الكتاب كعَدّاس ونسطور الراهب فقالا: قدوس قدوس ومن
أين هذا الاسم (بهذِه)(٥) البلاد(٦).
ثانيها: ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) رؤيته لجبريل عليهما السلام
عند قوله: ((اقرأ)) وهو صاف قدميه (٧)، وفي حديث جابر أنه رآه عَلَى
(١) في (ج): عبد.
(٢) أورد السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٧٦/١ نحوه عن ابن عباس وعزاه لابن
أبي حاتم والبيهقي في ((الشعب)) والخطيب في ((المتفق والمفترق)).
(٣) في (ج): الصلاح.
(٤) كذا بالأصل، ولعل الصواب: فإنه.
(٥) في الأصل هذا، والمثبت هو الصواب.
(٦) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٧) (سيرة ابن إسحاق)) ص ١٠٢ (١٤٠).