Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب بَدْء الوَحْي
=
أقرأه مفتتحًا باسم ربك مستعينًا به، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع
عنك علق الدم، ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل
إنسان. فالآيتان المتقدمتان والأخريان لأمته وهما قوله: ﴿الَّذِى عَلَّمَ
بِاَلْقَلِ ﴿﴿ عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ ﴾﴾ [العلق: ٤-٥]؛ لأنها كانت أمة أمية
لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم،
وتعلمه نبيهم تلقيًا (من)(١) جبريل نزله عَلَى قلبه (بإذن الله)(٢) ليكون
من المرسلين(٣).
العشرون: قوله: (((فَغَطَّنِي)) ) هو بغين معجمة، ثمَّ طاء مهملة
مشددة أي: عصرني وضمني، يقال: غطّني، وغتَّني، وضَغَطَني،
وعَصَرَني، وغَمَرَني، وخَنَقَني، كلَّه بمعنّى، قَالَ الخطابي: ومنه الغظُ
في الماء، وغطيط النائم، وهو: ترديد النفس إِذَا لم يجد مساغًا عند
أنضمام الشفتين(٤)، وقيل: الغت: حبس النفس مرة وإمساك (اليد أو
الثوب)(٥) عَلَى الفم والأنف. والغط: الخنق وتغييب الرأس في
الماء، (قَالَ)(٦): والغط في الحديث: الخنق.
قَالَ (الخطابي)(٧): وفي غير هذِه الرواية ((فسأبني)) والسأب:
الخنق.
(١) في (ج): عن.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) ((الروض الأنف)) ٢٧٠/١ - ٢٧١.
(٤) ((أعلام الحديث)) ١٢٨/١ - ١٢٩.
(٥) في (ج): الثوب أو الید.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) ساقطة من (ج).

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال السهيلي: ويروىُ أيضًا ((فسأتني)) فَهُذِه ثلاث روايات، قَالَ:
وأحسبه (يروى)(١) أيضًا: ((فذعتني)) وكلها بمعنى واحد وهو: الخنق،
والغم، ومن الذعْت حديثه الآخر أن الشيطان عرض لَهُ وهو يصلي
((فَذَعتّه حتَّى وجدت برد لسانه ثمَّ ذكرت قول (سليمان أخي)(٢): رب
هب لي ملكًا .. )) الحديث(٣)، قَالَ: وكان في ذَلِكَ إظهارًا للشدة والجد
في الأمر، وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة، فإنه أمر ليس بالهوينا.
قَالَ: وعلى رواية ابن إسحاق أن هذا الغط كان في النوم (٤)، يكون
في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولًا ثمَّ يأتي
الفرج والروح، وكذلك كان، لقي بَّر هو وأصحابه شدة من الجوع في
الشّعب حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم (ولا يصلوا إليهم)(٥) وشدة
أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل، وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب
الأوطان إليهم ثمَّ كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين(٦).
الحادي بعد العشرين: فيه المبالغة في التنبيه والحض عَلَى التعليم
ثلاثًا، وقد كان وَ لّ إِذَا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم عنه (٧)، وانتزع
بعض التابعين، وهو شريح القاضي من هذا الحديث ألا يضرب الصبي
إلا ثلاثًا عَلَى القرآن، كما غطّ جبريل محمدًاً وَِّ ثلاثًا.
(١) في اج): روي.
(٢) في (ج): أخي سليمان.
(٣) سيأتي برقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في
الصلاة، ورواه مسلم (٥٤١) كتاب: المساجد، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء
الصلاة ... من حديث أبي هريرة.
(٤) (سيرة ابن إسحاق)) ١٠١.
(٥) ساقطة من (ج).
(٦) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٧) حديث سيأتي برقم (٩٥) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه.

٢٦٣
كتاب بَدْء الوَحْي
=
الثاني بعد العشرين: قوله: ( ((حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ)) ) يجوز في
الجهد ضم الجيم وفتحها ونصب الدال ورفعها، ومعناه: الغاية
والمشقة، فعلى الرفع معناه: بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه، وعلى
النصب معناه: بلغ الملك مني الجهد، قَالَ في ((المحكم)) (١): الجَهْدُ
والجُهْدُ: الطاقة وقيل: الجَهد: المشقة، والجُهد: الطاقة، وفي
((الموعب)): الجهد: ما جهد الإنسان من مرض أو من مشاق،
والجهد (أيضًا بلوغك)(٢) غاية الأمر الذي لا يألو عن الجهد فيه
(وجهدته: بلغت مشقته وأجهدته)(٣) عَلَى أن يفعل كذا. وقال
ابن دريد(٤): (جهدته)(٥) (حملته)(٦) عَلَى أن يبلغ مجهوده. وقال
(١) مصنفه هو إمام اللغة، أبو الحسن علي بن إسماعيل المُرسي الضرير، أحد من
يضرب بذكائه المثل، قال الحميدي: هو إمام في اللغة والعربية، حافظ لهما،
على أنه كان ضريرًا وقد جمع في ذلك جموعًا، وله مع ذلك حظ في الشعر
وتصرف، وهو حجة في نقل اللغة، وله كتاب ((العالم في اللغة))، و((المحكم))
و((شواذ اللغة)».
أنظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٣٣٠/٣، ((سير أعلام النبلاء)) ١٤٤/١٨
(٧٨)، ((شذرات الذهب)) ٣٠٥/٣.
(٢) في (ج): بلوغك أيضًا.
(٣) في (ج): جهدت بلغت مشقّة فأجهده.
(٤) هو العلامة شيخ الأدب، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، الأزدي
البصري، صاحب التصانيف، تنقل يطلب الآداب ولسان العرب، ففاق أهل
زمانه، وكان آية من الآيات في قوة الحفظ، توفي في شعبان سنة إحدى وعشرين
وثلاثمائة، وله ثمان وتسعون سنة.
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ١٩٥/٢، ((وفيات الأعيان)) ٣٢٣/٤، ((سير أعلام
النبلاء)) ٩٦/١٥ (٥٦)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٣٩/٢.
(٥) في (ج): جهدت.
(٦) في (ج): حملت.

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ابن الأعرابي (١): جهد في العمل وأجهد. وقَالَ أبو عمرو: وأجهد في
حاجتي وجهد، وقال الأصمعي(٢): جهدت لك نفسي، وأجهدت نفسي.
الثالث بعد العشرين: الحكمة في الغط شَغْلُه عن الالتفات إلى
شيء من أمور الدنيا، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله
(له)(٣)، وقيل: أراد أن يوقفه عَلَى أن القراءة ليست من قدرته، ولو
أكره، وكلما أمره بالقراءة فلم يفعل شدد عليه، فلما لم يكن عنده
ما يقرأ كان ذَلِكَ (تنبيهًا لَهُ عَلَى أن القراءة ليست من قدرته ولا من
طاقته ووسعه، فكان الغط)(٤) تنبيهًا لَهُ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ
﴾﴾ [طه: ١٧] لئلا يلحقه ريب عند انقلابها حية،
بِيَمِينِكَ یَمُوسَى
فكذلك (أراد جبريل)(٥) أن يعلمه أن ما ألقي إليه ليس في قدرته إذ قَدْ
عجز بعد الثلاث، وهي حَد (للإعذار)(٦)، (وقد روى)(٧) ابن سعد
(١) هو إمام اللغة، محمد بن زياد بن الأعرابي، أبو عبد الله الهاشمي، قال مرة في
لفظة رواها الأصمعي: سمعتها من ألف أعرابي بخلاف هذا، له مصنفات كثيرة
أدبية، وكان صاحب سنة واتباع، مات بسامرا في سنة إحدى وثلاثين ومائتين. أنظر
ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٢٨٢/٥، ((وفيات الأعيان)) ٣٠٦/٤، ((سير أعلام
النبلاء)) ٦٨٧/١٠ (٢٥٤)، ((الوافي بالوفيات) ٧٩/٣، ((شذرات الذهب)) ٧٠/٢.
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن
قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، الأصمعي، البصري، اللغوي الإخباري،
قال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وعن
ابن معين قال: كان الأصمعي من أعلم الناس في فنه، وقال أبو داود: صدوق،
توفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: سنة ست عشرة. انظر ترجمته في: ((التاريخ
الكبير)) ٤٢٨/٥، ((تاريخ بغداد)» ٤١٠/١٠، ((وفيات الأعيان)) ١٧٠/٣، ((سير
أعلام النبلاء)) ١٧٥/١٠ (٣٢)، ((شذرات الذهب)) ٣٦/٢.
(٣) ساقطة في (ج).
(٥)
في (ج): جبريل أراد.
في (ج): قال.
(٧)
(٤) ساقطة من (ج).
(٦) في (ج): الاعتذار.

٢٦٥
- كتاب بَدْء الوَحْي
بسنده أنه لو كان يقول: ((كان الوحي يأتيني عَلَى نحوين: يأتيني به
جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقى الرجل عَلَى الرجل، فذاك ينفلت مني،
ويأتيني في شيء مثل (صوت)(١) الجرس حتَّى يخالط قلبي، فذلك
(الذي)(٢) لا ينفلت مني))(٣) وقيل: سببه أن التخيل (والوهم) (٤)
والوسوسة إنما تقع بالنفوس لا بالجسم فوقع ذَلِكَ بجسمه؛ ليعلم أنه
من الله تعالى.
الرابع بعد العشرين: يؤخذ منه أنه ينبغي للمعلم والواعظ أن يحتاط
في تنبيه المتعلم، وأمره بإحضار قلبه.
الخامس بعد العشرين: قوله: ( ((فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾))) هذا
دليل الجمهور أنه أول ما نزل، وقول من قَالَ: إنما نزل ﴿بَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
١
﴾﴾ [العلق: ٥] عملًا
٥
[المدثر: ١] بعد ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ
بالرواية الآتية في الباب، فأنزل الله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ محمول
عَلَى أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، كما هو ظاهر إيراد الحديث.
وأَبْعَدَ من قَالَ: إن أول ما نزل الفاتحة. بل هو شاذ(٥)، وجمع
(١) في (ج): صلصة.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ١/ ١٩٧ - ١٩٨ عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمه.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) روى البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٥٨/٢ - ١٩ عن عمرو بن شرحبيل أن
رسول الله ﴾ قال لخديجة ..... الحديث. وفيه: فلما خلا ناداه: يا محمد قل:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حتى بلغ: ولا الضالين، قل:
لا إله إلا الله.
قال البيهقي: هذا منقطع، فإن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد
ما نزلت عليه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، و﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾، والله أعلم اهـ. قال ابن كثير
في («البداية والنهاية)) ١٣/٣ : هو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل.

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بعضهم بين القولين الأولين بأن قَالَ: يمكن أن يقال: أول ما نزل من
التنزيل في تنبيه الله عَلَى صفة خلقه: ﴿أَقْرأْ﴾، وأول ما نزل من الأمر
بالإنذار: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
وذكر ابن العربي عن كريب قَالَ: وجدنا في كتاب ابن عباس: أول
ما نزل من القرآن بمكة: اقرأ، والليل، ونون، ويا أيها المزمل، ويا أيها
المدثر، وتبت، وإذا الشمس، والأعلى، والضحى، وألم نشرح،
والعصر، والعاديات، والكوثر، والتكاثر، والدين، والكافرون، ثمَّ
الفلق، ثمَّ الناس، ثمَّ ذكر سورًا كثيرة، ونزل بالمدينة ثمان وعشرون
سورة، وسائرها بمكة، وكذلك یروى عن ابن الزبير.
وقال السخاوي(١): ذهبت عائشة (والأكثرون)(٢) إلى أن أول
ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثمَّ: ﴿نَّ وَالْقَلَمِ﴾
إلى قوله: ﴿وَيُصِرُونَ﴾ و﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾، والضحى، ثمَّ نزل باقي
سورة أقرأ بعد ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾﴾، و﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّوَّلُ ﴾﴾(٣).
السادس بعد العشرين: (قولها)(٤): (فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَه
(١) هو الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء والأدباء، علم الدين، أبو الحسن، علي بن
محمد بن عبد الصمد، الهمداني، المصري، السخاوي، كان إمامًا في العربية،
بصيرًا باللغة فقيهًا مفتيًا، عالمًا بالقراءات وعللها مجودًا لها، بارعًا في التفسير،
من كتبه ((شرح الشاطبية))، ((جمال القراء))، وبلغ في التفسير إلى الكهف، توفي في
ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. انظر ترجمته في: ((وفيات
الأعيان)) ٣/ ٣٤٠، ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٢/٢٣ (٩٤)، («شذرات الذهب» ٥٪
٢٢٢.
(٢) في (ج): والأكثر.
(٣) ((جمال القراء وكمال الإقراء)» للسخاوي ص ٥- ٧.
(٤) في (ج): قوله.

٢٦٧
- كتاب بَدْء الوَحْي
يَرْجُفُ فُؤَادُهُ). الضمير في (بها) يعود إلى الآيات: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ
بِأَسِّ رَبِّكَ﴾ إلى آخرهن.
ومعنى (يرجف): يخفق. والرَّجَفان: شدة التحرك والاضطراب. قَالَ
صاحب ((المحكم)): رَجَفَ الشيءُ يَرْجُفُ رجفًا ورُجُوفًا ورَجَفانًا
ورَجِيفًا، وأَرْجَفَ: خَفَقَ واضْطَرَبَ اضْطِرابًا شديدًا(١).
السابع بعد العشرين: الفؤاد: القلب عَلَى المشهور، وفي قولٍ: إنه
عين القلب، وفي قولٍ: باطنه. وفي قول: غشاؤه. فهذِه أربعة أقوال فيه.
وقال الليث: القلب مُضغةٌ من الفؤاد مُعَلَّقَةٌ بالنَّياط، سمي قلبًا
لتقلبه، وأنشدوا :
مَا سُمِّيَ القَلْبُ إلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ
(فاحذر على القلب من قلب وتحويل)(٢)
الثامن بعد العشرين: قوله وَلّ: (((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي))) هكذا هو في
الروايات بالتكرار، والتزمل: الاشتمال والتلفف، و(مثله)(٣) التدثر،
ويقال لكل ما يلقى عَلَى الثوب الذي يلي الجسد: دثار، وأصلهما
المتدثر والمتزمل، أدغمت التاء فيما بعدها، وجاء في أثرٍ أنهما من
أسمائه وَله، وقال ذَلِكَ بَّهِ؛ لشدة ما لحقه من هول الأمر، وشدة
(الضغط)(٤)، ولولا ما جبل عليه وَلله من الشجاعة والقوى ما استطاع
عَلَى تلقي ذَلِكَ؛ لأن الأمر جليل.
وللبخاري في التفسير من حديث جابر، ومسلم أيضًا: ((دثروني
وصبوا عليَّ ماءً باردًا فدثروني وصبوا عليَّ ماءً باردًا»، فنزلت:
(١) ((المحكم)) ٧/ ٢٧٤.
(٢) من (ج).
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) في (ج): والأكثر.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ (١).
التاسع بعد العشرين: ينعطف عَلَى ما مضىْ. قَالَ السهيلي: وفي
قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾: دليل من الفقه (وجوب)(٢) استفتاح
القراءة ببسم الله، غير أنه أمر مبهم لم يبين لَهُ بأي اسم من أسمائه
يستفتح حتَّى جاء البيان بعد (بقوله)(٣): ﴿بِسْمِ اللَّهِ يَجْرِبِهَا﴾ [هود:
٤١] ثم في قوله: ﴿وَإِنَُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ثمَّ بعد
ذَلِكَ كان (ينزل جبريل) (٤) ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة،
وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة عَلَى ذَلِكَ، وحين
نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ ﴾﴾ [الفاتحة: ١] سبحت
الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال(٥)، ذكره النقاش(٦)، وإن
(١) سيأتي برقم (٤٩٢٢) ورواه مسلم (١٦١/ ٢٥٧) كتاب: الإيمان، باب: بدء
الوحي إلى رسول الله وَله.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) في (ج): (في قوله).
(٤) في (ج): (جبريل ينزل).
(٥) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣١/١، والشوكاني في ((فتح القدير)) ٣٠/١ لأبي
نعيم والديلمي عن عائشة.
(٦) هو العلامة المفسر، شيخ القراء، أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد،
الموصلي ثم البغدادي، النقاش، له كتاب ((شفاء الصدور)) في التفسير، وكان
واسع الرحلة، قديم اللقاء، وهو في القراءات أقوى منه في الروايات، قال
طلحة بن محمد الشاهد: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص،
وقال أبو بكر البرقاني: كل حديث النقاش منكر، وقال الخطيب: في حديثه مناكير
بأسانيد مشهورة، قال الذهبي: أعتمد الداني في ((التيسير)) على رواياته للقراءات،
فالله أعلم، فإن قلبي لا يسكن إليه، وهو عندي متهم، عفا الله عنه اهـ أنظر ترجمته
في: ((تاريخ بغداد)) ٢٠١/٢، ((وفيات الأعيان)) ٢٩٨/٤، ((سير أعلام النبلاء))
٥٧٣/١٥ (٣٤٨)، ((الوافي بالوفيات)) ٣٤٥/٢، ((شذرات الذهب)) ٨/٣.

٢٦٩
= كتاب بَدْء الوَحْي
صح ما ذكره (فلذلك)(١) معنى وذلك أنها آية أنزلت عَلَى آل داود العَّ،
وقد كانت الجبال تسبح معه بنص القرآن العظيم (٢).
الثلاثون: ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) أن جبريل العليا أتاه بنمط (٣)
من ديباج فيه كتاب(٤)، وهو دليل - كما قَالَ السهيلي-، وإشارة إلى أن
هذا الكتاب به يفتح عَلَى أمته ملك الأعاجم ويسلبونهم الديباج والحرير
الذي كان زينتهم (وزيَّهم)(٥) وبه يُنال أيضًا ملك الآخرة، إذ لباس أهل
الجنة فيها الحرير والديباج.
وفي (سير) (٦) موسى بن عقبة، و(سليمان) (٧) بن المعتمر(٨): وأتاه
بدُرْنُوك(٩) من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عليه غير أن
موسى بن عقبة قَالَ: ببساط. ولم يقل: بدُرْنُوك. وقال ابن المعتمر:
فمسح جبريل العفيفى صدره وقال: اللهم اشرح صدره، وارفع ذكره،
وضع عنه وزره. ويصححه قوله تعالى: ﴿أَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (
الآيات، كأنه يشير إلى ذَلِكَ الدعاء الذي كان من جبريل(١٠).
(١)
في (ج): فذلك.
(٢)
((الروض الأنف)) ١/ ٢٧١.
(٣) النمط: ضرب من البسط لها خمل رقيق. (لسان العرب)) ٤٥٤٩/٨
(٤) رواه ابن إسحاق كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢٥٤/١ - ٢٥٥، ورواه
الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٨٦/٤- ٨٧ (٢٤٢٠) بسنده عن ابن إسحاق.
(٥) ساقطة من (ج).
(٦) في (ج): سيرة.
(٧) في (ج): سلمان.
(٨) ستأتي ترجمته.
(٩) نوع من البسط لها خمل. أنظر ((تهذيب اللغة)) ١١٨١/٢، و((اللسان)) ١٣٦٩/٣.
(١٠) ((الروض الأنف)) ١/ ٢٧١.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فائدة :
قَالَ بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿الَّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا
رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ١-٢]: إنه إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل
حين قَالَ له: أقرأ.
الحادي بعد الثلاثين: قولها: (فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ)
(الروع)(١) هو بفتح الراء: وهو الفزع: قَالَ صاحب ((المحكم)):
الرَّوْعُ والرُّوَاعُ والتَّرَوُّعُ: الفَزَعُ. (٢) وقال الهروي: هو بالضم: موضع
الفزع من القلب. (٣)
الثاني بعد الثلاثين: كونه لم يخبر بشيء حتَّى ذهب عنه الروع،
يؤخذ منه أن الفازع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتَّى يزول عنه فزعه،
حتَّى قَالَ مالك: إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره (٤).
الثالث بعد الثلاثين: قوله وَلِ: (((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)) ) ليس
معناه الشك في أن ما أتاه من الله تعالى، كما قَالَ القاضي، لكنه خشي
(أن)(٥) لا يقوى عَلَى مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي،
فتزهق نفسه وينخلع قلبه؛ لشدة ما لقيه أولًا عند لقاء الملك (أو يكون
هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء
الملك)(٦)، وتحققه رسالة ربه، فيكون خاف أن يكون من الشيطان،
(١) من (ج).
(٢) ((المحكم)) ٢/ ٢٥٠
(٣) ((غريب الحديث))١/ ١٨٠.
(٤) انظر: ((التاج والإكليل)) ٣١٠/٥، ((مواهب الجليل)) ٣٥/٦، ٢١٦/٧، ((شرح منح
الجلیل)» ٣٩٤/٣.
(٥) في (ف): أنه.
(٦) ساقط من (ج).

٢٧١
كتاب بَدْء الوَحْي
=
فأما بعد أن جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز الشك عليه ولا يخشى
تسلط الشيطان عليه. وعلى هذا الطريق يحمل كل ما ورد من مثل
هُذا في حديث المبعث (١)، وضعف النووي هذا الاحتمال؛ لأنه جاء
في الحديث مبينًا أنه كان بعد غط الملك وإتيانه بـ: ﴿اقْرَأْ بِأَسِْ رَّكَ﴾(٢).
(قَالَ)(٣): ويحتمل أن يكون معنى الخشية: الإخبار بما حصل لَهُ
أولًا من الخوف لا أنه في الحال خائف، وجزم بما ضعفه النووي
ابن الجوزي (٤) في ((كشف مشكل الصحيحين)) فقال: كان ◌َله يخاف
في (بداءة)(٥) الأمر أن يكون ما يراه من قبل الشيطان؛ لأن الباطل قَدْ
(١) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ٢/ ٢٠٠.
(٣) ساقط من (ج).
(٤) هو الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الإسلام، فخر العراق، جمال
الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله،
البغدادي الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف، كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة،
يقول النظم الرائق والنثر الفائق بديهًا، ويسهب ويعجب ويطرب ويطنب، لم يأت
قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ والقيم بفنونه، مع الشكل الحسن
والصوت الطيب، والوقع في النفوس، حسن السيرة، كان بحرًا في التفسير،
علامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا
بالإجماع والاختلافِ، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ
واستحضار، وإكبابٍ على الجمع والتصنيف، مع التصون والتجمل، وحسن
الشارة، ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة
عند الخاص والعام، توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ١٤٠/٣، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٦٥/٢١
(١٩٢)، ((تاريخ الإسلام)) ٢٨٧/٤٢ (٣٧١)، ((الوافي بالوفيات)) ١٨٦/١٨
(٢٣٥)، ((شذرات الذهب)) ٣٢٩/٤.
(٥) في (ج): بدو.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يلتبس بالحق وما زال يستقريء الدلائل، (ويسبر)(١) الآيات إلى أن
وضح لَهُ الصواب، وكما يجب عَلَى أحدنا أن يسبر صدق الرسول
إليه وينظر في دلائل صدقه من المعجزات، فكذلك الرسل يجب عليها
أن تسبر حال المرسل إليها هل هو ملك أو شيطان؟ فاجتهادها في
تمييز الحق من الباطل أعظم من اجتهادنا، ولذلك عَلَت منازل الأنبياء
لِعِظَمِ ما ابتُلوا به من ذَلِكَ.
قَالَ: وكان نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قَدْ نفر في بدايته من
جبريل. ونسب الحال إلى الأمر المخوف، وقال لخديجة: ((قَدْ
خشيت عَلَى نفسي)) إلى أن بان له أن الأمر حق، ثمَّ استظهر بزيادة
الأدلة حتَّى بان لَهُ الیقین، ثمَّ ساق بإسناده من حديث حماد بن زيد،
عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر قَالَ: كان النبي وَّل
بالحجون فقال: ((اللَّهُمَّ أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها من قريش»
فقيل له: أدع هذِه الشجرة فدعاها، فأقبلت عَلَى عروقها فقطعتها، ثمَّ
أقبلت تخد الأرض حتَّى وقفت بين يديه وَ ﴿ ثمَّ قالت: ما تشاء؟
ما تريد؟ قَالَ: ((ارجعي إلى مكانك)) فرجعت إلى مكانها، فقَالَ:
((والله ما أبالي من كذبني من قريش))(٢).
(١) في (ج): ويتبين.
(٢) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٣٠/٤ (٢٣٣٠)، والبزار في ((البحر الزخار)) ١/
٤٣٨ (٣٠٩ - ٣١٠)، وأبو يعلى في «مسنده)) ١٩٠/١ - ١٩١ (٢١٥) وأبو نعيم في
((دلائل النبوة)) (٢٩٠)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٣/٦، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ٣٦٤/٤، من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن
عمر به. قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر عن النبي ◌َّ إلا بهذا
الإسناد اهـ
قلت: بل رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ٢٩/٤ - ٣٠ (٢٣٢٩) من طريق حماد بن =

٢٧٣
كتاب بَدْء الوَحْي
=
وقيل: إن الخشية كانت من قومه أن يقتلوه. حكاه السهيلي، ولا غرو
أنه بشر يخشى من القتل والأذى، ثمَّ يهون عليه الصبر في ذات الله كل
خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة(١)، وقيل: إنها كانت
(خوف)(٢) أن لا ينهض بأعباء النبوة ويضعف عنها، ثم أذهب الله
خشيته ورزقه الأيد والقوة والثبات، حكاه السهيلي أيضًا، وقال قبل
ذَلِكَ: تكلم العلماء في معنى هذِه الخشية بأقوال كثيرة، منها ما ذهب
إليه أبو بكر الإسماعيلي أنها كانت منه قبل أن يحصل لَهُ العلم
الضروري بأن (الذي)(٣) جاءه ملك من عند الله تعالى، وكان أشق
شيء عليه أن يقال عنه شيء أو أنه خشي عَلَى الناس، - يعني: من
وقوعهم فيه- ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدأ الأمر؛ لأن
العلم الضروري لا يحصل دفعة واحدة، وضرب مثلًا بالبيت من
الشعر تسمع أوله ولا تدرى (أنثر هو أم نظم؟) (٤) فإذا استمر الإنشاد
عَلِمْتَ قطعًا (أنه قُصِدَ به)(٥) قَصْدُ الشعر، فكذلك لما استمر الوحي
واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي حصل العلم القطعي، وقد
أثنى الله عليه بهذا العلم، فقال: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾
[البقرة: ٢٨٥] إلى قوله: ﴿وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ﴾ فإيمانه ◌َّهِ بالله
= سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠/٩ : رواه
البزار وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى حسن، وقال المتقي الهندي في ((الكنز)) ١٢/
٣٥٥ (٣٥٣٦٤): سنده حسن اهـ.
(١) ((الروض الأنف)) ٤١١/١.
(٢)
في (ف): خوف.
(٣) في (ج): إذًا.
(٤) في (ج): أشعر أم نظم.
(٥) في (ج): أنَّ قصده.

٢٧٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وملائكته إيمان كسبي، موعود عليه بالثواب الجزيل كما وعد عَلَى سائر
أفعاله المكتسبة، كانت من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح (١).
[وقال سيدي أبو عبد الله بن أبي جمرة: يحتمل أن تكون خشيته من
الوعك الذي أصابه من قبل الملك(٢). والأظهر أنها من الكهانة لكثرتها
في زمنه، ثمَّ ظهر لَهُ الحق بعد ذَلِكَ وأمر بالإنذار(٣)، وفي ((السيرة)) من
حديث عمرو بن شرحبيل أنه رَّ قَالَ لخديجة: ((إني إِذَا خلوت وحدي
(١) ((الروض الأنف)) ٢٧٥/١.
(٢) (بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة ١٨/١.
(٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٤/١، اختلف العلماء في المراد بها - أي الخشية- على
آثني عشر قولًا :
أولها: الجنون وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحا به في عدة طرق،
وأبطله أبو بكر بن العربي وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك
حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله
تعالى.
ثانيها: الهاجس، وهو باطل أيضًا لأنه لا يستقر وهذا أستقر وحصلت بينهما
المراجعة.
ثالثها : الموت من شدة الرعب.
رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبي جمرة.
خامسها: دوام المرض.
سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة.
سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب.
ثامنها: عدم الصبر على أذى قومه.
تاسعها: أن يقتلوه.
عاشرها: مفارقة الوطن.
حادي عشرها: تكذيبهم إياه.
ثاني عشرها: تعبيرهم إياه. وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب
الثالث، واللذان بعده، وما عداها فهو معترض. والله الموفق. اهـ

٢٧٥
كتاب بَدْء الوَحْي
سمعت نداءً، وقد خشيت والله أن يكون هذا أمرًا)) فقالت: معاذ الله
ما كان الله ليفعل ذَلِكَ، إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق
الحديث(١)] (٢).
الرابع بعد الثلاثين(٣): قولها: (فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّ والله .. ) إلى
آخره، معنى كلا (هنا)(٤): النفي والإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد
تكون بمعنى: حقًّا، وبمعنى: ألا، التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام،
وقد جاءت في القرآن عَلَى أقسام، جمعها ابن الأنباري في باب من
کتاب «الوقف والابتداء)» له.
الخامس بعد الثلاثين: قولها: (والله مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا). هو بضم
الياء وبالخاء المعجمة، وكذا رواه مسلم في صحيحه)) من رواية يونس
وعقيل، عن الزهري(٥)، وهو من الخزي، وهو الفضيحة والهوان،
وأصل الخزي عَلَى ما ذكره ابن سيده: الوقوع في بلية وشهرة تذله(٦).
وأخزى الله فلانًا: أبعده، (قاله)(٧) في ((الجامع)).
ورواه مسلم من رواية معمر عن الزهري: يحزنك(٨)، بالحاء
المهملة وبالنون من الحزن، ويجوز عَلَى هُذا فتح الياء وضمها.
(١) ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص ١١٢ (١٥٧).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في الأصل: الخامس بعد الثلاثين. وورد بالهامش: يكتب الرابع بدل الخامس،
وكذا ما بعده.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢، ٢٥٤).
(٦) ((المحكم))١٥١/٥.
(٧) في (ج): قال.
(٨) مسلم (١٦٠/ ٢٥٣) كتاب: ((الإيمان))، باب: بدء الوحي.

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يقال: حزنه وأحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع. قَالَ
اليزيدي(١): أحزنه لغة تميم، وحزنه لغة قريش، قَالَ تعالى: ﴿لَا
يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] من حزن، وقال: ﴿لَيَحْزُنُنِىّ
أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] من أحزن عَلَى قراءة من قرأ بضم الياء
وهو الحزن(٢)، والحزن وهو خلاف السرور يقال: حزن -بالكسر-
يحزن حزنا إِذَا أَغتم وحزنه غيره وأحزنه، مثل شكله وأشكله، وحكي
عن أبي عمرو أنه قَالَ: إِذَا جاء الحزن في موضع نصب فتحت
الحاء، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت، وقرأ: ﴿وَأَتْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ اُلْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]، وقال: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾
[التوبة: ٩٢].
قال الخطابي: وأكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما عَلَى
اختلافهما يتقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون عَلَى أمر قَدْ
وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولا يكون بعد(٣)، وقولها: (أبدًا). هو
منصوب عَلَى الظرف.
(١) هو شيخ القراء، أبو محمد، يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري
النحوي، عرف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزيد بن منصور خال المهدي، يؤدب
ولده، وقد أدَّب المأمون، وعظم حاله، وكان ثقة، عالمًا حجة في القراءة،
لا يدري ما الحديث، لكنه أخباري نحوي علامة، بصير بلسان العرب، ألف
كتاب ((النوادر))، وكتاب، ((المقصور والممدود)»، وكتاب ((النحو)). توفي ببغداد
سنة اثنتين ومائتين، عن أربع وسبعين سنة. انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ١٤/
١٤٦، (وفيات الأعيان)) ١٨٣/٦، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٦٢/٩ (٢١٩)،
(«شذرات الذهب)) ٤/٢.
(٢) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٩٩/٣.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٣٩٤/٢.

٢٧٧
كتاب بَدْء الوَحْي
=
السادس بعد الثلاثين: قولها: (إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) هو بكسر الهمزة
من: إنك عَلَى الابتداء، وكذا الرواية وهو الصواب، قَالَ القزاز: يقال:
وصل رحمه صلة، وأصله: وصلة، فحذف الواو، وكما قالوا: زنة من
وزن، كذا أصل صلة من وصل، ومعنى: (لتصل الرحم): تحسن إلى
قراباتك، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان كيفية صلة الرحم في بابها
وبيان اختلاف طرقها.
السابع بعد الثلاثين: قولها: (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) هو بفتح الكاف وأصله
الثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ [النحل: ٧٦] وأصله من
الكلال وهو الإعياء ويدخل في حمل الكل الإنفاق عَلَى الضعيف واليتيم
والعيال وغير ذَلِكَ، والمعنى: إنك تنفق عَلَى هؤلاء وتعينهم، وقال
الداودي: الكَلُّ: المنقطع.
الثامن بعد الثلاثين: قولها: (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ) هو بفتح التاء المثناة
فوق عَلَى الصحيح المشهور في الرواية والمعروف في اللغة، وروي
بضمها، وفي معنى المضموم قولان: أصحهما: معناه: تكسب غيرك
المال المعدوم. أي: تعطيه له تبرعًا . ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه
عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: أكسبت مالًا
وأكسبتُ غيري مالًا، وفي معنى المفتوح قولان أصحهما: أن معناه
كمعنى المضموم يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالا، والأول
أفصح وأشهر، ومنع القزاز الباقي وقال: إنه حرف نادر وأنشد عَلَى
الثانى :
وأكسبني مالًا وأكسبته حمدًا (١)
(١) القائل ابن الأعرابي كما نسبه إليه في ((اللسان)) مادة (كسب).

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقول الآخر:
يُعاتِبُني في الدَّيْنِ قَوْمي وإِنما دُيونيَ في أَشياءَ تَكْسِبُهم حَمْدا
روي بفتح التاء وضمها (١)، والثاني: أن معناه تكسب المال وتصيب
منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم،
وكانت العرب تتمادح بذلك وعرفت قريش بالتجارة، وضعف هذا بأنه
لا معنى لوصف التجارة بالمال في هذا الموطن إلا أن يريد أنه يبذله
بعد تحصیله، وأصل الکسب طلب الرزق، يقال: کسب یکسب كسبًا
وتکسب واكتسب.
وقال سيبويه(٢) فیما حكاه ابن سیده:
(كسب)(٣): أصاب، و(اكتسب) (٤): تصرف واجتهد (٥).
(١) أي: تكسبهم، وتُكسبهم، وانظر: ((لسان العرب)) ٧/ ٣٨٧١ مادة: (كسب).
والبيت للمقنع محمد بن ظفر بن عمير الكندي كما نسبه إليه صاحب ((الأغاني))،
وذكر قبله:
وبين بني عمي لمختلف جدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
فما أحمل الحقد القديم عليهم
دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
وليسوا إلى نصري سراعًا وإن هم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم
(٢) هو إمام النحو، حجة العرب، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم
البصري، طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل
العصر، وألف فيها كتابه الذي لا يدرك شأوه فيه، قيل: كان فيه مع فرط ذكائه
حُبسة في عبارته. وانطلاق في قلمه، سمي سيبويه؛ لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين
بديع الحسن قيل: مات سنة ثمانين ومائة، وقيل: سنة ثمان وثمانين ومائة. أنظر
ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ١٩٥/١٢، ((وفيات الأعيان)) ٤٨٧/١، ((سير أعلام
النبلاء)) ٣٥١/٨، ((شذرات الذهب)) ٢٥٢/١.
(٣)(٤) في الأصل: تكسب، والمثبت من ((المحكم)).
(٥) ((المحكم)٦٩/ ٤٥٢.

٢٧٩
كتاب بَدْء الوَحْي
-
وقال صاحب ((المجمل)): يقال: كسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا
مما جاء عَلَى فعلته ففعل (١).
التاسع بعد الثلاثين: (الْمَعْدُومَ) كما قاله صاحب ((التحرير)): عبارة
عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، وسماه معدومًا لكونه کالميت؛
حيث لم يتصرف في المعيشة، وذكر الخطابي أن صوابه (المعدم) بحذف
الواو، أي: تعطي العائل وتَرْفُده؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت
الأفعال (٢)، وفيه نظر لا جرم. قَالَ النووي: ليس كما قَالَ الخطابي
بل ما رواه الرواة صواب (٣).
الأربعون: قولها: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) هو بفتح الياء تقول: قريت
الضيف أقريه، قرى بكسر القاف والقصر، وقراء بفتح القاف والمد،
ويقال للطعام الذي (يضيف) (٤) به: قرئ بالكسر والقصر، وفاعله قارٍ
كقضى فهو قاض، وقال ابن سيده: قَرى الضيف قِرى، وقراء:
أضافه، واستقراني واقتراني (وأقراني) (٥) طلب مني القِرى، وإنه لقري
للضيف، والأنثى قَرِيّة عن اللحياني، وكذلك إنه لمقرّى للضيف،
ومِقراء، والأنثى مقراة، الأخيرة عن اللحياني (٦). وفي ((أمالي
الهجري)): ما اقتريت الليلة يعني: لم آكل من القرى شيئًا، أي: لم
آكل طعامًا.
الحادي بعد الأربعين: قولها: (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) أي: تعين
بما تقدر عَلَى من أصابته نوائب حق أعنته فيها، والنوائب جمع نائبة :
وهي الحادثة والنازلة، ناب الأمر نوبة: نزل، وهي النوائب والنوب،
(١) «المجمل)) ٣/ ٧٨٥.
(٣) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٢/٢.
(٥) ساقطة من (ج).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٢٩/١.
(٤) في (ج): يضيفه.
(٦) ((المحكم)) ٣٠٨/٦.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
وإنما قالت: نوائب الحق؛ لأنها تكون في الحق والباطل، قَالَ لبيد تُ:
فلا الخير ممدود ولا الشر لازب نوائب من خير وشر كلاهما
الثاني بعد الأربعين: معنى كلام خديجة رضي الله عنها: إنك
لا يصيبك مكروه لما جعله الله 98 فيك من مكارم الأخلاق، وجميل
الصفات، ومحاسن الشمائل. وذكرت ضروبًا من ذَلِكَ، وفي هذا أن
مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء
والمكاره، فمن كَثُرَ خيره حسنت عاقبته، ورجي لَهُ سلامة الدين
والدنيا، وفيه مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وشرطه في غير
الأنبياء انتفاء الفتنة أيضًا.
الثالث بعد الأربعين: ذكر البخاري في كتاب التفسير من («صحيحه))
خصلة أخرى، وهي: وتَصْدُقُ الحديث(١) وذكرها مسلم هنا (٢)، وهي
من أشرف خصاله وكان يُدْعى بها من صغره، وفي ((السيرة)) زيادة:
(إنك لتؤدي الأمانة) ذكرها من حديث عمر بن شرحبيل(٣)، وقد سلفت.
الرابع بعد الأربعين: فيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت لَّهُ مخافة من
أمر وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له، وأنّ من نزلت به نازلة لَهُ أن
يشارك فيها من يثق بنُصْحِهِ ورأيه.
الخامس بعد الأربعين: فيه أيضًا أبلغ دليل وأظهر حجة عَلَى كمال
خديجة، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وعظيم فقهها.
السادس بعد الأربعين: قولها: (فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ
(١) سيأتي برقم (٤٩٥٣). كتاب: التفسير، سورة العلق، باب (١).
(٢) مسلم (١٦٠/ ٢٥٢). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٣) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ١١٢ - ١١٣ (١٥٧).