Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب بَدْء الوَحْي
سويد)(١)، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن
المنذر، وعقبة بن مسلم -*-.
وسيأتي على الإثر عن الحفاظ أيضًا أنه لا يصح مسندًا إلا من
حديث عمر.
الوجه الثامن: هذا الحديث فرد غريب باعتبار، مشهورٌ باعتبارٍ
آخر، وليس بمتواتر بخلاف ما يظنه بعضهم، فإن مداره على يحيى بن
سعيد كما سلف، قال الحفاظ: لا يصح عن النبي ◌َّ إلا من جهة
عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة
إلا من جهة محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من جهة
يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى اشتهر. فرواه جماعات
لا يُحصون كما سلف وأكثرهم أئمة معروفون.
قلت: وقد توبع علقمة والتيمي ويحيى بن سعيد على روايتهم.
قال ابن منده الحافظ: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه
عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو
الكلاع، وعطاء بن يسار، وناشرة بن سُمَى. (وواصل بن عمرو)(٢)،
(١) كذا في (ف): هَزّال بن سويد ولم أقف على من اسمه: هَزّال بن سويد، ولعل
الصواب هزال بن يزيد الأسلمي، فقد أخرج الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) كما في
(تخريج أحاديث المختصر)) ٢٤٨/٢ في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه
من روايته عن محمد بن يونس، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن محمد بن
المنكدر، عن ابن هزال، عن أبيه، عن النبي ◌َّر قال :.. ثم ذكر حديث: ((إنما
الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) قال الحافظ: هزال هو ابن يزيد الأسلمي وهو صحابي معروف،
واسم ابنه نعیم وهو مختلف في صحبته.اهـ
(٢) كذا في (ف): واصل بن عمرو، ولم أقف له على ترجمة، وقد وقع في بعض
المصادر واصل بن عمر كما في ((نصب الراية)) ٢٤٢/١، ((تخريج أحاديث =

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الجُذامي ومحمد بن المنكدر.
ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسيب، ونافع مولى
ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيمي (محمد)(١) بن
علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق،
وحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن قيس الأنصاري.
الوجه التاسع :
ادعى الخليلي أن الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد
واحد، يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمردود وما كان عن ثقة
توقف فيه، ولا يحتج به(٢). وقال الحاكم: إنه ما انفرد به ثقة وليس له
(٣)
أصل يتابع(٣).
وما ذكراه يشكل بما ينفرد به العدل الضابط كهذا الحديث؛ فإنه
لا يصح إلا فردًا و(ليس له)(٤) متابع أيضًا كما سلف، ومثل هذا
الحديث النهي عن بيع الولاء وهبته الآتي في بابه تفرد به عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر، عن النبي وَل﴾(٥)، وقد قال مسلم في ((صحيحه)):
للزهري نحو من تسعين حديثًا يرويها عن النبي وَ ل # لا يشاركه فيها
أحد بأسانيد جياد(٦)، وما أبدع حد الشافعي رحمه الله للشاذ، حيث
= المختصر)) ٢٤٨/٢، ولم أقف له أيضًا على ترجمة، والله أعلم.
(١) في (ف) محمد بن محمد، والصواب ما أثتبناه كما في ((تهذيب الكمال)) ٢٦/
٢١٢.
(٢) ((الإرشاد)) للخليلي ١٧٦/١.
((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص١١٩.
(٣)
(٤) في (ف): وله، ولعل الصواب ما أثبتناه حتى يستقيم السياق والله أعلم.
(٥) سيأتي برقم (٢٥٣٥) كتاب: العتق، باب: بيع الولاء وهبته.
(٦) (صحيح مسلم)) عقب الرواية (١٦٤٧).

١٦٣
- كتاب بَدْء الوَحْي
قال هو وأهل الحجاز: الشاذ هو أن يروي الثقة مخالفًا رواية الناس،
لا أن يروي ما لا يروي الناس.
وهذا الحديث وأشباهه ليس فيه مخالفة، بل له شواهد من الكتاب
والسنة؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَذِينَ﴾
[البينة: ٥]، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا
وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآءَ﴾ [البقرة:
٢٦٤] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَخِيلٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ﴿مَن
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ الآية [الشورى: ٢٠].
أخبر تعالى أنه لا يكون في الآخرة نصيب إلا لمن قصدها بالعمل.
ومن الثاني: عدة أحاديث ستعلمها في موضعها منها: حديث:
((ولكن جهاد ونية))(١)، وحديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن
ينظر إلى قلوبكم))(٢)، وحديث: ((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا
فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)) (٣)، وحديث: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّ
أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيْ آَمْرَأَتِكَ)) (٤)، وحديث: ((يقول الله
رَّت: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً يشرك فيه غيري فأنا
(١) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة، (٣٠٧٧)
كتاب: الجهاد والسير، باب: لا هجرة بعد الفتح، (٢٧٨٣) كتاب: الجهاد
والسير، باب: فضل الجهاد والسير، (٢٨٢٥) كتاب: الجهاد والسير، باب:
وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية.
(٢) رواه مسلم (٢٥٦٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله، وابن
ماجه (٤١٤٣)، وأحمد ٢/ ٢٨٥، ٥٣٩ من حديث أبي هريرة.
(٣) سيأتي برقم (٥٥) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل امرئٍ
ما نوى، ورواه مسلم (١٠٠٢) كتاب: الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل.
(٤) سيأتي برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة،
(١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثاء النبي وهو سعد بن خولة، (٢٧٤٢) كتاب : =

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بريء منه، وهو للذي أشرك))(١) وفي رواية: ((تركته وشركه))، وحديث:
((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))(٢).
الوجه العاشر :
قول البخاري رحمه الله: (ثنا الحميدي)، وقول يحيى بن سعيد
(أخبرني) يتعلق به مسائل :
الأولى: في كتابة: نا وأنا، وقد أسلفنا الكلام عليه في القاعدة
الخامسة عشر في الفصل المعقود لها فرَاجِعْها منه.
الثانية: جرت العادة أن يقال فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ:
حَدَّثَني، ومع غيره: ثنا، وفيما قرأ عليه بنفسه: أخبرني، وفيما قرأ
عليه بحضوره: أنا، فإن شك هل كان وحده أو مع غيره؟ فيحتمل أن
يقال: يقول: حَدَّثَني أو أخبرني؛ لأن عدم غيره هو الأصل، واختاره
البيهقي، ولا يقول: ثنا، فإن كان حَدَّثَني أكمل مرتبة منها فيقتصر
= الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء، (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب:
قول النبي ◌َّير ((اللهم أمضٍ لأصحابي هجرتهم))، (٤٤٠٩) كتاب: المغازي،
باب: حجة الوداع، (٥٣٥٤) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل.
(٥٦٦٨) كتاب: المرض، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع،
(٦٣٧٣) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل، (٦٧٣٣) كتاب: الفرائض،
باب: ميراث البنات. ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية: باب الوصية بالثلث.
(١) رواه مسلم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله،
وابن ماجه (٤٢٠٢)، وأحمد ٢/ ٣٠١، وابن خزيمة ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٩٣٨) كلهم من
حديث أبي هريرة.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٥٨) كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا
لِعِبَادِنَا﴾، ورواه مسلم (١٩٠٤) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله
هى العليا فهو فى سبيل الله، عن أبي موسى الأشعري.

١٦٥
-- كتاب بَدْء الوَحْي
على الناقص، وهو ما قاله الإمام يحيى القطان فيما إذا شك أن الشيخ
قال: نا فلان أو حَدَّثَني، ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب، ويجوز
في حَدَّثَني: نا، وفي أخبرني: أنا، وذلك سائغ في كلام العرب.
الثالثة: أرفع الأقسام عند الجماهير السماع من لفظ المُسْمِع، قال
الخطيب: وأرفع العبارات: سمعت ثم نا، وحَدَّثَني، فإنه لا يكاد أحد
يقول في الإجازة والكتابة: سمعت لأنه يدلس ما لم يسمعه، وكان
بعضهم يستعمل ثنا في الإجازة(١).
وقال ابن الصلاح: نا، وأنا أرفع من سمعت؛ إذ ليس في سمعت
دلالة أن الشيخ خاطبه، بخلافهما كما وقع لأبي القاسم الآبندوني (٢)،
فإنه كان عسر الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم،
ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به، فكان يقول: سمعت،
ولا يقول: نا ولا أنا؛ لأن قصده الرواية للداخل عليه (٣).
قلت: ولك أن تقول: نا أيضًا، قد استعملها بعضهم في الإجازة
كما سلف، ولا شك في أنحطاط رتبتها عن السماع.
الرابعة: في إطلاق نا، وأنا في القراءة على الشيخ ثلاث مذاهب:
المنع، والجواز، والمنع في نا والجواز في أنا، والأول قول جماعة
(١) أنظر: ((الكفاية)) ص ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) هو أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الآبندوني الجرجاني، كان إمامًا
حافظًا زاهدًا ثقة مأمونًا ورعًا مكثرًا من الحديث، وكان من أقران أبي بكر
الإسماعيلي وأبي أحمد ابن عدي الحافظ، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله
الحافظ، وأبو بكر البرقاني الخوارزمي.
مات سنة ثمان أو سبع وستين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» ٤٠٨/٩، ((الأنساب)) للسمعاني ١/ ٩١ - ٩٢.
(٣) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ١٣٥ - ١٣٦.

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
منهم: أحمد، وصححه الآمدي(١)، والغزالي(٢) من الأصوليين، وهو
مذهب المتكلمين.
والثاني: منسوب إلى معظم الحجازيين والكوفيين ومالك والبخاري
أيضًا، وصححه ابن الحاجب (٣) من الأصوليين، وعن الحاكم أنه مذهب
الأئمة الأربعة (٤).
والثالث: نسب إلى الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور
أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين أيضًا ومنهم ابن وهب(٥)،
وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب
على أهل الحديث(٦)، وقد أعاد أبو حاتم الهروي قراءة ((صحيح
البخاري)) كله؛ لأنه قرأه على بعض الشيوخ عن الفربري، وكان يقول
له في كل حديث: حدثكم الفربري، فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ
يذكر له إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاده وقال له في
جميعه: أخبركم الفربري(٧).
وقد ذكر البخاري في باب: العلم كما ستعلمه: عن الحميدي عن
(١) («الإحكام)) ٢/ ١٠٠.
(٢) (المستصفى)) ٣١٠/١.
(٣) ((منتهى الوصول)) ص٨٣.
((معرفة علوم الحديث)) ص٢٥٩ - ٢٦٠.
(٤)
(٥) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص١٣٢ - ١٣٧، ((المقنع في علوم الحديث)) ص٢٨٨-
٢٩٢.
(٦) انظر: ((علوم الحديث)) ص١٤٠، ثم قال ابن الصلاح: وهذا يدفعه أن ذلك مروي
عن ابن جريج والأوزاعي حكاه عنهما الخطيب، إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك
بمصر، والله أعلم.اهـ
(٧) أوردها الخطيب في ((الكفاية)) ص٤٣٦.

١٦٧
كتاب بَدْء الوَحْي
=
ابن عيينة أنه قال: نا وأنا وأنبأنا وسمعت واحد (١)، وقد أتى البخاري في
هذا الحديث بألفاظ، فقال: نا الحميدي، نا سفيان، وفي بعض نسخه،
وهي نسخة شيخنا قطب الدين عن سفيان، ثم قال: أخبرني محمد، ثم
قال سمعت عمر، فكأنه يقول: هذِه الألفاظ كلها تفيد السماع
والاتصال(٢).
الوجه الحادي عشر:
قام الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين أن
يأتي بلفظ: سمعت، أو بلفظ: عن، أو بلفظ: أن، أو بلفظ: قال. وقد
ذكر البخاري في هذا الحديث الألفاظ الأربعة، فذكره هنا وفي
الهجرة(٣) والنذور وترك الحيل بلفظ: سمعت رسول الله (صل﴾. وفي
باب: العتق بلفظ: عن. وفي؛ باب: الإيمان بلفظ: أنَّ، وفي النكاح
بلفظ : قال.
نعم. وقع الاختلاف فيمن دونه إذا قال: عن، فقيل: إنه من قبيل
المرسل والمنقطع حَتَّى يتبين أتصاله بغيره، والصحيح أنه من قبيل
المتصل بشرط أن لا يكون المُعَنعِنُ مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء
بعضهم بعضا. وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته
بالراوية عنه مذاهب :
(١) سيأتي قبل الرواية (٦١) كتاب: العلم، باب: قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا أو
أنبأنا.
(٢) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي قراءة على شيخنا
حافظ الإسلام المصنف، وسمعه الأئمة شيخنا شمس الدين محمد الصفدي
والبستاني الحاضري وأبو الحسن التيمي وابن بهرام وآخرون.
(٣) من كتاب: ((المناقب)) حديث رقم (٣٨٩٨).

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أحدها: لا يشترط شيء من ذَلِكَ، ونقل مسلم في مقدمة ((صحيحه))
الإجماع عليه (١).
وثانيها: يشترط ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين.
وثالثها: يشترط طول الصحبة.
ورابعها: يشترط معرفته بالرواية عنه، وقد أسلفنا كل ذَلِكَ في
القاعدة الخامسة السالفة أول الكتاب في المقدمات.
والحميدي مشهور بصحبة ابن عيينة، وهو أثبت الناس فيه، قال
أبو حاتم: هو رئيس أصحابه ثقة إمام(٢). وقال ابن سعد: هو صاحبه
وراويته(٣). والأصح أنَّ أنْ كعن بالشرط المتقدم. قلت: ولغة بني
تميم إبدال العين من الهمزة، وقال أحمد وجماعة: يكون منقطعًا
حَتَّى يتبين السماع.
الوجه الثاني عشر:
ذكر البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث: سمعت رسول الله
وَل10. وفي بعضها: سمعت النبي وَلّ. كما قدمناه. وتتعلق بذلك مسألة
مهمة وهي: هل يجوز تغيير قال النبي إلى قال الرسول أو عكسه؟
وقد سلفت أول الكتاب.
قال ابن الصلاح: والظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية
بالمعنى؛ لاختلاف معنى الرسالة والنبوة(٤). وسهل في ذَلِكَ الإمام
أحمد وحماد بن سلمة والخطيب، وصوبه النووي، فإنه لا يختلف به
(١) ((صحيح مسلم)) ١/ ٣٢.
((الجرح والتعديل)) ٥٧/٥.
(٢)
((الطبقات الكبرى» ٥٠٢/٥.
(٣)
((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٢٣٣.
(٤)

١٦٩
كتاب بَدْء الوَحْي
=
هنا معنى(١)، وهو كما قال. وبهذا يظهر ردُّ بحثِ مَن بحثَ، حيث قال:
لو قيل: يجوز تغيير النبي إلى الرسول دون عكسه لما بعد؛ لأن في
الرسول معنّى زائدًا على النبي وهو الرسالة.
قلت: وهذه المسألة من أصلها مبنية على أن الرسالة أخص من
النبوة، وهو ما عليه الجمهور.
وأما من قال: إنهما بمعنى، فلا يأبى هذا، وقد أوضحت الكلام
على ذَلِكَ في كتابنا المسمى بـ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) في
شرح الخطبة مع فوائد جمة متعلقة بذلك، وذكرت فيه أن من الغرائب
ما قاله الحليمي (٢): إن الإيمان يحصل بقول الكافر: آمنت بمحمد
النبي دون محمد الرسول، معللًا بأن النبي لا يكون إلا الله، والرسول
قد يكون لغيره. وقلت فيه: كأنه أراد أن لفظ الرسول يستعمل عرفًا في
غير الرسالة إلى الخلق، بخلاف النبوة فإنها لا تستعمل إلا في النبوة
الشرعية دون اللغوية(٣).
ثم أعلم أنه يتأكد الاعتناء بالجمع بين الصلاة والتسليم عند ذكره
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ٣٨/١.
(٢) الحليمي هو أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري،
الشافعي أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، كان
متفننا، سيّال الذهن، مناظرًا، طويل الباع في الأدب والبيان. ولد في سنة ثمان
وثلاثين وثلاثمائة، وله مصنفات نفيسة، توفي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث
وأربعمائة.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ١٣٧/٢، ١٣٨، ((سير أعلام النبلاء))
٢٣١/١٧ - ٢٣٤، ((الوافي بالوفيات)) ٣٥١/١٢، ((طبقات السبكي)) ٣٣٣/٤ -
٣٤٣.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٠٨/١.

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد نص العلماء على كراهة إفراد
أحدهما(١).
الوجه الثالث عشر :
اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين:
أحدهما: نعم، وهو مذهب أبي علي الفارسي في ((إيضاحه)) قال: لكن
لابد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا،
ولو قلت: سمعت زيدًا أخاك لم يجز(٢)، والصحيح أنه لا يتعدى
إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال،
أي: سمعته حال قوله كذا.
الوجه الرابع عشر:
(الْمِنْبَرٍ) -بكسر الميم- مشتق من النبر وهو الارتفاع، قاله أهل
اللغة (٣)، قال الجوهري: نبرت الشيء، أنْبُرُه نبرًا: رفعته. ومنه سمي
(٤)
المِنبر (٤).
الخامس عشر:
لفظة: ((إنما)) موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما عداه،
هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول وغيرهما. وعلى هذا
هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان حكاهما ابن الحاجب (٥)،
(١) أنظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ١٩٠، ((مسلم بشرح النووي)) ٤٤/١، ((المقنع)) ١/
٣٥٣.
(٢) ((الإيضاح)) ١٩٧/١.
(٣) (لسان العرب)) ١٨٨/٥، ((تاج العروس)) ٣٥١٠/١، مادة: (نبر).
(٤) ((الصحاح)) ٨٢١/٢، مادة: (نبر).
(٥) ((المنتهى)) لابن الحاجب ص١١٢.

١٧١
كتاب بَدْء الوَحْي
ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق(١)، واختار الآمدي أنها
لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات (٢)، وهو الصحيح عند
النحويين(٣)، وقيل: تفيده وضعًا لا عرفًا، حكاه بعض المتأخرين،
ومحل بسط المسألة كتب الأصول والعربية فلا نطول به.
فائدتان: الأولى: (أنما) -بفتح الهمزة- كإنما قاله الزمخشري(٤) في
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الأنبياء:
١٠٨].
وعُدَّ ذَلِكَ من أفراده(٥)، ومنع بعض شيوخنا الحصر هنا لاقتضائه أنه
لم يُوحَ إليه غير التوحيد(٦). وفيما ذكره نظر، فإن الخطاب مع
المشركين، فالمعنى: ما أُوحِي إِلَيَّ في أمر الربوبية إلا التوحيد
لا الإشراك(٧).
الثانية: للحصر أدواتٌ أُخَرُ منها: حصر المبتدأ في الخبر نحو:
العالم زيد(٨)، ومنها: تقديم المعمولات على ما قاله الزمخشري(٩)
وجماعة نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ومنها إلا، على اختلاف
(١) ((التمهيد)) للإسنوي ص٢١٨، (الإبهاج)) ٣٥٦/١.
(٢) ((الإحكام)) ١٠٦/٣.
(٣) أنظر: ((مغني اللبيب)) ص٤٠٦.
(٤) «الكشاف)» ٢٠٨/٣
(٥) قاله أبو حيان، أنظر: ((مغني اللبيب)) ص٥٩، ((القواعد والفوائد الأصولية)) للبعلي
ص١٤٠.
(٦) وهو منقول أيضًا عن أبي حيان، أنظر المصادر السابقة.
(٧) انظر: ((مغني اللبيب)) ص٥٩، ((القواعد والفوائد الأصولية)) ص١٤٠.
(٨) قلت: المسألة خلافية، فقد ذهب الحنفية والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين
إلى أنه لا يفيد الحصر، واختاره الآمدي، وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من
الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر. انظر: ((الإحكام)) ١٠٦/٣.
(٩) («الكشاف)) ٤/١، ٧.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فيها، ومنها لام كي، كقوله تعالى: ﴿وَالْخَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا
وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، قاله الباجي(١)، ومنها السبر والتقسيم(٢) نحو: إن
لم یکن زید متحرگًا فهو ساكن.
السادس عشر:
في الحديث مع (إنما)) صيغة حَصْرٍ أخرى، وهي المبتدأ والخبر
الواقع بعده، وقد أسلفنا عن البخاري أنه رواه مرة بإسقاط ((إنما))
فكل منهما إذا انفرد يفيد ما أفاده الآخر واجتماعهما آكد.
السابع عشر:
((الأَعْمَال)) حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس، وعبَّر بها
دون الأفعال؛ لئلا تتناول أفعال القلوب، ومنها النية ومعرفة الله تعالى،
فكان يلزم أن لا يصحّان إلا بنية، لكن النية فيهما محال؛ أما النية فلأنها
لو توقفت على نية أخرى لتوقفت الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو
الدور، وهما محالان. وأما معرفة الله تعالى؛ فلأنها لو توقفت على
النية، -مع أن النية قصد المنوي بالقلب- لزم أن يكون عارفًا بالله قبل
معرفته وهو محال. ولأن المعرفة وكذا الخوف والرجاء مميزة لله
تعالى بصورتها- وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة، لا يحتاج
شيء منها إلى نية التقرب به بل إلى مجرد القصد له، ولهذا لما كان
الركوع والسجود في الصلاة غير ملتبس بهما لم يجب فيهما ذكر،
(١) ((المنتقى)) ١٣٢/٣.
(٢) السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإبطال ما لا يصلح
بدليل فيتعين أن يكون الباقي علة، والسبر لغة: الاختبار ومنه الميل الذي يختبر به
الجرح، فإنه يقال له: المسبار، وسمي هذا به؛ لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر
كل واحدٍ منها، هل تصلح للعلية أم لا؟
=

١٧٣
= كتاب بَدْء الوَحْي
بخلاف القيام والقعود في التشهد فإن كلَّا منهما ملتبس بالعادة، فوجب
في القيام القراءة وفي القعود التشهد ليتميزا عن العادة.
ثم أعلم أن الأعمال ثلاثة: بدني، وقلبي، ومُرَكَّب منهما :
فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية: كرد الغصوب، والعواري،
والودائع، والنفقات، وكذا إزالة النجاسة على الصواب وغير ذَلِكَ.
والثاني: كالاعتقادات، والتوبة، والحب في الله، والبغض فيه، وما
أشبه ذَلِكَ.
والثالث: كالوضوء، والصلاة، والحج، وكل عبادة بدنية، فيشترط
فيها النية قولًا كانت أو فعلًا كما سيأتي. وبعض الخلافيين يخصص
العمل بما لا يكون قولًا، وفيه نظرٌ؛ لأن القول عمل جارحي أيضًا،
أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال. ولا شك أن هذا الحديث
يتناول الأقوال.
الوجه الثامن عشر:
((النِّيَّاتِ)): جمع نية -بالتشديد والتخفيف-، فمن شدد -وهو
المشهور- كانت من نوى ينوي إذا قصد وأصله نوية، قلبت الواو ياء
ثم أدغمت في الياء بعدها لتقاربهما، ومن خفف كانت من ونى يني
إذا أبطأ وتأخر؛ لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء
وتأخر(١). ويقال: نويت فلانًا وأنويته بمعنّی.
= انظر: ((المختصر في أصول الفقه)) لابن اللحام ص١٤٨، ((المنخول)) ص ٣٥٠،
((شرح الكوكب المنير)) ١٤٢/٤، ((إرشاد الفحول)) ٢/ ٨٩٢.
(١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٦/١: وهذا بعيد لأن مصدر ونى يني وَنْيًا، قال
الجوهري: يقال: ونيت في الأمر أني ونّى ووَنيًا، أي: ضعفت فأنا وانٍ. اهـ
وانظر: ((الصحاح)) ٢٥٣١/٦.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الوجه التاسع عشر: الباء في قوله: ( ((بِالنِّيَّاتِ)))، يحتمل أن تكون
باء السببية، ويحتمل أن تكون باء المصاحبة (١)، ويتخرج على ذَلِكَ أن
النية جزءٌ من العبادة أم شرط، وستعلم ما فيه قريبًا.
الوجه العشرون:
وجه إفراد النية على رواية البخاري في الإيمان كونها مصدرًا،
وجمعت هنا، لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت
أنواعه جُمع، فمتى أُريد مطلق النية -من غير نظر لأنواعها - تعين
الإفراد، ومتى أريد ذَلِكَ جُمعت.
الوجه الحادي بعد العشرين :
أفردت أيضًا وجمعت الأعمال؛ لأن المفرد المُعَرَّف عام، والمراد
أن كل عمل على أنفراده تعتبر فيه نية مفردة، ويحتمل أن العمل الواحد
يحتاج إلى نيات إذا قُصِدَ كمال العمل، كمن قصد بالأكل دفع الجوع،
وحفظ النفس، والتقوي على العبادة، وما أشبه ذَلِكَ، وبسبب تعدد
النيات يتعدد الثواب.
الوجه الثاني بعد العشرين :
أصل النية: القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي: قصدك
الله بحفظه، كذا نقله عنهم جماعة من الفقهاء، واعترض ابن الصلاح
(١) باء السببية هي التي يَصلح غالبًا في موضعها اللام وقد يصلح موضعها لفظ (بسبب)
ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتِخَذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. أما باء المصاحبة فلها
علامتان: إحداهما: أن يحسن في موضعها (مع)، والأخرى: أن يغني عنها وعن
مصحوبها الحال. كقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ أي مع الحق أو
محقًا، وقوله: ﴿يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ﴾ أي: مع سلام أو مسلمًا عليك. ولصلاحية
وقوع الحال موقعها سماها كثير من النحويين باء الحال.

١٧٥
كتاب بَدْء الوَحْي
فقال: هُذِه عبارة منكرة؛ لأن المقصود مخصوص بالحادث، فلا يضاف
إلى الله تعالى.
قال: وفي ثبوت ذَلِكَ عن العرب نظر؛ لأن الذي في ((الصحاح)):
نواك الله، أي: صحبك في السفر وحفظك(١)، وقال الأزهري: يقال:
نواه الله، أي: حفظه(٢)، وهذا الذي أنکره عليهم غیر منکر بل صحيح،
وقد قال: هو في القطعة التي شرحها من أول(٣) ((صحيح مسلم))، وقد
ورد عن العرب: نواك الله بحفظه. هذا كلامه، ومعلوم أن من أطلق
القصد لم يرد القصد الذي هو من صفة الحادث بل أراد الإرادة، إذا
تقرر هذا، فالمراد هنا قصد الشيء المأمور تقربًا إلى الله تعالى مقترنًا
بقصده. فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم. وجعل الحافظ أبو الحسن
علي بن المفضل المقدسي (٤) في ((أربعينه)) النيةَ، والإرادةَ، والقصد،
والعزم بمعنّى، قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، قال:
وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها مما (ذكرنا)(٥).
(١) ((الصحاح)) ٢٥١٦/٦.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٤/ ٣٦٨٢ مادة: نوى.
(٣) هنا تبدأ النسخة: (ج).
(٤) هو علي بن المفضل بن علي بن مفرج بن حاتم بن حسن بن جعفر، الشيخ الإمام،
المفتي، الحافظ، الكبير، المتقن، شرف الدين، أبو الحسن، ولد في سنة أربع
وأربعين وخمسمائة، كان ذا دِيْنٍ وَوَرع وتصون وعدالة وأخلاق رضيّة، توفي في
مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة ودفن بسفح المقطم.
انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٢٩٠/٣ - ٢٩٢، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢/
٦٦ - ٦٩، ((العبر)) ٣٨/٥- ٣٩.
(٥) في (ج): ذكرناه. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في ((معجم المناهي اللفظية))
ص٣٢٤: النية لا يجوز إطلاقها على الله، فلا يقال: ناو، ولكن يقال يريد، طردًا
لقاعدة التوقيف على ما ورد به النص .اهـ

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
ثم أعلم بعد ذَلِكَ أن محلها القلب عند الجمهور لا اللسان؛ لقوله
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص
إنما يكون بالقلب، وقال تعالى: ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: ((التقوى هاهنا)) ويشير إلى صدره ثلاث
مرات(١).
إذا تقرر أن محلها القلب، فإن اقتصر عليه جاز(٢) إلا في الصلاة
على وجه شاذٍّ لأصحابنا لا يُعْبَأ به. وإن أقتصر على اللسان لم
يجز (٣) إلا في الزكاة على وجه شاذٌّ أيضًا(٤)، ومثله قول الأوزاعي:
لا تجب النية في الزكاة(٥) وإن جمع بينهما فهو آكد (٦). واشترطه
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم، وأبو داود
(٤٨٨٢)، والترمذي (١٩٢٧)، وابن ماجه (٣٩٣٣)، وأحمد ٢٧٧/٢، والبيهقي
في ((الشعب)) ٥٠٧/٧، ٥٠٨ (١١١٥١) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: ((المعونة)) ٩١/١، ((المهذب)) ٢٣٦/١، ((العزيز)) ٤٧٠/١، ((الكافي)) لابن
قدامة ٢٧٥/١.
(٣) انظر: ((الحاوي)) ٩١/٢، ((التهذيب)) ٧٢/٢، ((البيان)) ١٦٠/٢.
(٤) انظر: ((المجموع)) ٣٥٩/١، ((فتاوى السبكي)) ١٩٩/١.
(٥) انظر: ((المجموع)) ١٥٧/٦، ((المغني)) ٨٨/٤.
(٦) وقال بعضهم: يستحب، وقال آخرون: إنه أكمل الأحوال أنظر: ((الحاوي)) ٢/
٩١، ((الوسيط)) ٢٠٩/١، ((المغنى)) ١٣٢/٢، والصواب أن التلفظ بالنية سرًّا
بدعة، قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)» ٢٣٣/٢٢: الجهر بالنية في الصلاة
من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لم يقل
أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب، ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف
سنة الرسول ◌َلة، وإجماع الأئمة الأربعة، وغيرهم، وقائل هذا يستتاب فإن تاب
وإلا عوقب بما يستحقه، وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرًا هل يستحب أم
لا؟ على قولين: والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبي ◌َّيّ وأصحابه لم
يكونوا يتلفظون بها لا سرًا ولا جهرًا، والعبادات التي شرعها النبي ◌َّ لأمته ليس =

١٧٧
= كتاب بَدْء الوَحْي
أبو عبد الله الزبيري كما أشار إليه الماوردي(١)، وحكاه الروياني(٢)
أيضًا، واقتضى كلامه طرده في كل عبادة. ومشهور مذهب مالك أن
الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه؛ إذ اللسان ليس
محلًّا للنية على ما مر (٣).
تنبيهات :
أحدها: جميع النيات المعتبرة يشترط فيها المقارنة إلا الصوم
لأحد تغييرها، ولا إحداث بدعة فيها.اهـ
==
وقال في ٢١٩/٢٢ - ٢٢٠: والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن يفعله فلابد أن
ينويه، فإذا علم المسلم أن غدًا من رمضان، وهو ممن يصوم رمضان، فلابد أن
ينوي الصيام، فإذا علم أن غدًا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة. ثم قال: والنية تتبع
العلم والاعتقاد أتباعًا ضروريًا، إذا كان يعلم ما يريد أن يفعله فلابد أن ينويه، فإذا
كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر، وقد علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر، امتنع أن
يقصد غيرها .اهـ
وقال في ((شرح العمدة)) ٢/ ٥٩١: لأن النية محض عمل القلب فلم يشرع إظهارها
باللسان لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ
اُلْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ [الحجرات: ١٦] وفاعل ذلك يُعلم الله بدينه
الذي في قلبه.اهـ.
(١) ((الحاوي)) ٩١/٢ - ٩٢.
(٢) هو القاضي العلامة، فخر الإسلم، شيخ الشافعية، أبو المحاسن عبد الواحد بن
إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الطبري، الشافعي، ولد في آخر سنة خمس
عشرة وأربعمائة، من مصنفاته: ((البحر)) في المذهب، طويل جدًّا، غزير الفوائد،
((مناصيص الشافعي))، ((حلية المؤمن))، ((الكافي)). قتل بجامع آمل يوم الجمعة
حادي عشر سنة إحدى وخمسمائة، قتلته الإسماعيلية، ورويان بلدة من أعمال
طبرستان. انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان)) ١٩٨/٣ - ١٩٩، ((سير أعلام
النبلاء)) ٢٦٠/١٩ - ٢٦٢، ((العبر)) ٤/٤-٥، ((طبقات السبكي)) ١٩٣/٧ - ٢٠٣.
(٣) أنظر: ((المعونة)) ٩١/١، ((التاج والإكليل)) ٢٠٧/٢، ((حاشية الدسوقي)) ٢٣٤/١.

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
للمشقة، وإلا الزكاة؛ فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل:
والكفارات؛ فإنه يجوز تقديمها قبل الفعل والشروع.
ثانيها: ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات أن يستحضر النية، فينوي
به وجه الله تعالى. وهل يشترط ذَلِكَ أول كل عمل وإن قَلَّ وتكرر فعله
مقارنًا لأوله؟ فيه مذاهب: أحدها: نعم . وثانيها: يشترط ذَلِكَ في أوله
ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي أول كل عمل، ولا يشترط
تكرارها فيما بعد ولا مقارنتها ولا الاتصال . وثالثها: يشترط المقارنة
دون الاتصال. ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة.
وكأن هذِهِ المذاهب راجعة إلى أنَّ النية جزء من العبادة أو شرط
لصحتها، والجمهور على الأول، ولأصحابنا وجه بالثاني، والشرط
لا (يجب)(١) مقارنته ولا أتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد
ما يرفعه أو ينفيه وجب فعله، وقال الحارث بن أسد المحاسبي(٢):
الراجح عند أكثر السلف الاكتفاء بنية عامة، ولا يحتاج إليها في كل
جزء لما فيه من الحرج والمشقة.
الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة وقد تكون
مقصودة وقد يجتمعان.
(١) خرق بمقدار كلمة في (ج).
(٢) هو الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو عبد الله، الحارث بن أسد البغدادي،
المحاسبي، صاحب التصانيف الزهدية، قال الخطيب: له كتب كثيرة في الزهد
وأصول الديانة والرد على المعتزلة والرافضة، وقال الذهبي: المحاسبي كبير
القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنُقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى
على حال المحاسبي من وجه وحذر منه، مات سنة ٢٤٣.
وانظر ترجمته في: ((حلية الأولياء)) ٧٣/١٠، ١٠٩، (تاريخ بغداد)) ٢١١/٨،
٢١٦، ((وفيات الأعيان)) ٥٧/٢، ٥٨، ((سير أعلام النبلاء)) ١١٠/١٢ - ١١٢.

١٧٩
كتاب بَدْء الوَحْي
الرابع: الغرض المهم من النِّيّة تمييز العبادات عن العادات، وتمييز
رتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء، والغسل،
والإمساك عن المفطرات، ودفع المال إلى الغير. ومن أمثلة الثاني:
الصلاة.
الخامس: قد أسلفنا أن معنى النّة القصد، وذلك لا يؤثر إلا إذا كان
جازمًا بالمقصود بصفته الخاصة، وإلا لم يكن قصدًا، فلو كان شاكًّا في
وجود شرط ذَلِكَ الفعل، أو علق النية على شرط لم يصح المنوي، نعم
لو كان جازمًا بالوجوب ناسيًا صفته، كمن تحقق أن عليه صومًا ولم يَدْرِ
أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة، فقد حكى صاحب ((البيان)) عن
(الصيمري)(١) أنه يصح إذا نوى الصوم الواجب عليه، قياسًا على من
نسي صلاة من الخَمس ولم يعرف عينها، فإنه يعذر في جزم النية
للضرورة(٢). ولو علق كما إذا قال: أصوم غدًا إن شاء الله. فالأصح
أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح، وإن قصد التبرك أو تعليق
الحياة على مشيئة الله تعالى وتمكينه صح(٢)، ثم في عدم الجزم بالنية
صورٌ محل الخوض فيها كتب الفروع.
(١) في (ف): الصميري، وما أثبتناه من (جـ) وهو الصواب، والصيمري هو: شيخ
الإسلام، القاضي أبو القاسم، عبد الواحد بن الحسين الصيمري، من أصحاب
الوجوه.
من مصنفاته: ((الإيضاح في المذهب))، ((القياس والعلل))، ((الكفاية)). توفي
الصيمري بعد سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: ((معجم البلدان)) ٤٣٩/٣، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٦٥/٢،
((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ١٤.
(٢) ((البيان)) ٤٩٢/٣.
(٣) انظر: ((البيان)) ٤٩٢/٣ - ٤٩٣، ((المجموع)) ٣١٥/٦.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الوجه الثالث بعد العشرين :
قوله بَّهِ: ( ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .. ))) هو متعلق بالخبر المحذوف،
ولا جائز أن نقدر وجودها لوجود العمل ولا نية، فتعين أن نقدر نفي
الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛
لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإطلاق، فالحمل عليه أَوْلَى،
وقد يقدرونه بالاعتبار، أي: اعتبار الأعمال بالنيات، وقرب ذَلِكَ
بمثل قولهم: إنما الملك بالرجال -أي: قوامه ووجوده- وإنما
الرجال بالمال، وإنما الرعية بالعدل، وكل ذَلِكَ يراد به أن قوام هذِه
الأشياء بهذه الأمور. وقدَّر بعض المحدثين القبول وهو راجع إلى
ثواب الآخرة، وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة
عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة
أو الكمال وقع اختلاف الفقهاء، فذهب الشافعي ومالك وأحمد
وداود وجمهور أهل الحجاز إلى تقدير الصحة، أي: الأعمال مجزية
أو معتبرة بالنيات، أو: إنما صحتها أو اعتبارها بالنيات. فيكون قد
حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فلا يصح وضوء ولا غسل
ولا تيمم إلا بنية، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى تقدير الكمال،
أي: كمال الأعمال بالنيات. فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح
التيمم إلا بنية، وذهبت طائفة ثالثة إلى أنه يصح الكل من غير نية،
حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وغيره(١)، ومحل الخوض في هذِه
المسألة كتب الخلافيات، وقد أوضحتها في ((شرح عمدة الأحكام))،
فليراجع منه(٢).
(١) ((الأوسط)) ٣٦٩/١ - ٣٧٠.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٨٣/١.