Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٢٥ - باب إذا هبت الريح
كتاب الاستسقاء
إن كنتَ أرسَلْتَها رحمةً فارحمْنِي فيمِنْ ترحَمُ ، وإن كنتَ أرسَلْتَها عذابًا فعافِني
فيمنْ تعافي .
وبإسنادِهِ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان يقولُ إذَا عصفتِ الريحُ : شدُّوا التكبيرَ ؛
فإنها تذهبُ .
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه لما وُلِيَ هبتْ رِيحٌ ، فدخلَ عليه رجلٌ وهو
مُنْتَقِعُ اللونِ ، فقال : مالكَ يا أميرَ المؤمنينِ ؟ قال : ويحَك ، وهل هلكتْ أمةٌ
إلا بالرِّيح ؟

٣٢٢
حديث : ١٠٣٥
كتاب الاستسقاء
٢٦ -بَابُ
قَوْلِ النَِّّ ◌َهُ: ((نُصِرْتُ بِالصِّبًا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)
١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ،
أَنَّالَِّّفَ قَالَ:((نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأَهْلِكَتْ عَادٌ بِالدِّبُورِ).
وخرجه مسلمٌ (١) من طريق شعبة - أيضًا .
ومن طريقِ الأعمشِ ، عن مسعودِ بنِ مالكٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َّ ـ بمثله.
وهذا مما يدلُّ على أن الريحَ تأتي تارةً بالرحمةِ ، وتارةً بالعذابِ .
وخرج الحاكمُ (٢) من حديث جابرٍ، عنِ النبيِّ وَّرْ، أَنَّه كان يدعو :
(اللهمَّ، أعوذُ بكَ مِن شرِّ الريحِ، ومن شرِّ ما تجيءُ به الريحُ، ومن ريحِ الشمالِ؛
فإنها الريحُ العقيم)) .
ومن حديثٍ (٣) سلمةَ بنِ الأكوعِ رفعه - إن شاء الله - ، أنه كان إذا اشتدت
الريحُ يقولُ : ((اللهمَّ، لقحًا لا عقيمًا)) .
وروِيْنَا عن شريحٍ ، قال: ما هاجتْ رِيحٌ قطُّ إلا لسقمٍ صحيحٍ أو برءٍ سقيمٍ.
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٤)، أن النبيَّ وَطِّ كانَ في سفرٍ، فهبتْ رِيحٌ شديدةٌ ،
فقال النبي ◌ِّه: ((هذه الريحُ لموتِ منافقٍ عظيمِ النفاقِ))، فوجدُوا قد ماتَ في
ذلك اليومٍ عظيمٌ منَ المنافقينَ . وهوَ رفاعةٌ بنُ التّابوت(٥).
(١) (٢٧/٣) .
(٢) (٤٦٧/٢) .
(٣) (٢٨٦/٤) .
(٤) (١٢٤/٨).
(٥) راجع: ((الإصابة)) (٤٨٨/٢).

٣٢٣
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
٢٧ - بَابُ
مَا قِيلَ فِي الزَّلاَزِلِ وَالآيَات
فيه حديثان :
الأولُ :
١٠٣٦ - نَا أُبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ: أَنَا أُبُو الزَّنَادِ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضََ العِلْمُ وَتَكْثُرَ
الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرُ الْفَتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ -،
[حَتَّى يَكْثُرَ فِيَكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ](١).
هذا قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ ، قد خرّجه بتمامه في ((كتاب الفتن)) (٢).
وقبضُ العلمِ ، قد سبقَ الكلامُ عليه بما فيه كفايةٌ .
وتقاربُ الزمانِ ، فُسر بقِصرِ الأعمارِ ، وفسر بقصرِ الأيامِ في زمن الدجَّل .
وقد رُوي في ذلك أحاديثُ متعددةٌ ، اللَّهُ أعلمُ بصحَتِها .
وأما كثرةُ الزلازل ، فهو مقصودُ البخاريِّ في هذا البابِ من الحديثِ .
والظاهرُ : أنه حملَه على الزلازلِ المحسوسَةِ ، وهي ارتجافُ الأرضِ
وتحرُگها .
ويمكن حملُهُ على الزلازلِ المعنويةِ ، وهي كثرةُ الفتنِ المزعجةِ الموجبةِ
الارتجافِ القلوبِ .
والأولُ أظهرُ ؛ لأن هذا يغني عنه ذكرُ ظهورِ الفتنِ .
وكأن البخاريَّ ذكرَ هذا البابَ استطرادًا لذكر الرياحِ واشتدادها ، فذكر بعدَه
(١) زيادة من ((اليونينية)) متفق عليها .
(٢) (٧١٢١) .

٣٢٤
حديث : ١٠٣٦
كتاب الاستسقاء
الآياتِ والزلازلَ .
وقيل: إنه أشارَ إلى أن الزلازلَ لا يصلَّى لها؛ فإنَّ النبيَّ وَّ ذكرَ ظهورَها
وكثرتَها ، ولم يأمُرُ بالصلاةِ لها ، كما أمرَ به في كسوفِ الشمسِ والقمرِ ، وكما
أنه لم يكنْ يصلّي للرياحِ إذا اشتدتْ ، فكذلك الزلازلُ ونحوُها منَ الآيات .
وقد اختلف العلماءُ في الصلاةِ للآياتِ :
فقالت طائفة : لا يصلَّى لشيءٍ منها سوى كسوفِ الشمسِ والقمرِ ، وهو قولُ
مالك والشافعيِّ .
وقد زلزلتِ المدينةُ في عهدٍ عمرَ بنِ الخطابِ ، ولم ينقلْ أنه صلَّى لها ، هو
ولا أحدٌ منَ الصحابة .
وروى عبيدُ اللَّهُ(١) بنُ عمرَ ، عن نافعٍ ، عن صفية بنتِ أبي عبيدٍ ، قالت :
زلزلتِ الأرضُ على عهدِ عمرَ حتى اصطفقتِ السُّرُرُ ، وابنُ عمر يصلّي ، فلم يَدْرِ
بها ، ولم يوافق أحدًا يصلِّي فَدَرَى بها ، فخطب عمرُ الناسَ ، فقال : أحدثتُم ،
لقد عجِلْتُم . قالت : ولا أعلَمه إلا قالَ : لئنْ عادتْ لأخرجنَّ من بين
ظهرانيكم .
= (٢)
خرجه البيهقي
وخرجه حربٌ الكرمانيُّ ، من روايةٍ أيوبَ ، عنْ نافعٍ - مختصرًاً .
ورُوي أيضًا من روايةٍ ليثٍ ، عن شَهْرٍ ، قال : زلزلتِ المدينةُ علَى عهد
النبيُّ ◌َّه، فقال النبيُّنَّه: ((إن اللَّهَ يستعتبكُمْ فاعتبوه)).
وهذا مرسلٌ ضعيفٌ .
وقالت طائفةٌ، يُصَلَّى لجميعِ الآياتِ في البيوتِ فُرادَى ، وهو قولُ سفيانَ
(١) في الأصل: ((عبيد)) بدون إضافة.
(٢) (٣٤٢/٣) .

٣٢٥
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
وأبي حنيفةَ وأصحابِه .
وكذلك(١) إسماعيلُ بنُ سعيد الشالنجيُّ، عن أحمدَ ، قال : صلاةُ الآيات
وصلاةُ الكسوفِ واحدٌ .
كذا نقلَه أبو بكرِ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابه ((الشافي)) من طريقٍ
الجوزجانيِّ ، عن الشالنجيِّ ، عن أحمدَ .
ونقله - أيضًا - من طريقِ الفضلِ بن زيادٍ وحبيشِ بنِ مبشرٍ (٢)، عن أحمدَ -
أيضًا .
والذي نقله الجوزجانيُّ في كتابه ((المترجم)) ، عن إسماعيلَ بنِ سعيدٍ ،
قال : سألتُ أحمدَ عن صلاةٍ كسوفِ الشمسِ والقمرِ والزلازلِ ؟ قالَ : تصلَّى
جماعةٌ ، ثمانِ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ ، وكذلك الزلزلةُ .
قال: وبذلك قال أبو أيوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشمَّي - وأبو خيثمةَ.
وقال : ابنُ أبي شيبة يرى فيها الخطبة وجماعةً .
وقد نقلَ أبو بكرٍ في ((الشافي)) هذا - أيضًا - من طريقِ الجوزجانيِّ .
وخرج الجوزجانيُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ ، قال : صلى
بنَا ابنُ عباسٍ في زلزلةٍ كانت ، فصلَّى بنا ستَّ ركعاتٍ في ركعتين ، فلما انصرفَ
التفتَ إلينا وقال : هذه صلاةُ الآياتِ .
فالمنصوصُ عن أحمدَ إنما يدلُّ على الصلاةِ للزلزلةِ خاصةً ، وهو الذي عليه
عامةُ أصحابنا ، وخصوه بالزلزلةِ الدائمةِ التي يُتُمكنُ من الصلاةِ لها معَ وجودِها .
ورُوي عن ابنِ عباسٍ ، أنه صلَّى للزلزلة بعد سكونِها (٣) وانقضائها .
(١) لعل الصواب: ((وكذلك حكى)) أو ((نقل)) أو ما يشبهما.
(٢) اسم الأب غير واضح، هو مشتبه ، صورته : ((مسر"، والصواب ما أثبته .
وهو مترجم في ((المنهج الأحمد)» (١٣٩/١).
(٣) في الأصل: ((سكوتها)) بالتاء المثناة.

٣٢٦
حديث : ١٠٣٦
كتاب الاستسقاء
وحكى بعضُ أصحابِ الشافعيِّ قولاً له : أنه يصلِّى للزلزلة .
ومنهم مَن حكاه في جميع الآياتِ .
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ ، عن أحمدَ وإسحاقَ وأبي ثورِ : الصلاةَ للزلزلة
والطامَّةِ والريحِ الشديدةِ .
وهذا يدلُّ على استحبابِها لكلِّ آيَةٍ ، كالظلمةِ في النهارِ ، والضياءِ المشبهِ
للنهارِ بالليلِ ، سواءٌ كان في السماءِ أو انتثارِ(١) الكواكبِ ، وغير ذلك.
وهو اختيارُ ابنِ أبي موسى مِن أصحابنا ، وظاهرُ كلامٍ أبي بكرِ عبدِ العزيزِ في
((الشافي)) - أيضًا .
وممن رُويَ عنه ، أنه يصلّي في الآيات : ابنُ عباسٍ .
وفي ((المسند)) و((سنن أبي داودَ»(٢)، عنه، أنه سجدَ لموتِ بعضِ أزواجٍ
النبيِّ بَّه، وقال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((إذا رأيتُمْ آيَةً فاسجدُوا))(٣).
ورُوي عن عائشةَ ، قالت : صلاةُ الآيات ستُّ ركعاتٍ وأربعُ سجداتٍ .
ورُوي عنها - مرفوعًا .
٩٤
خرجه الجوزجانيّ من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ ، عن قتادةَ ، عنْ عطاءِ ، عن
عبيدِ بنِ عميرٍ، عنْ عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللّهِ وَ له يقومُ في صلاةِ
الآياتِ ، فيركعُ ثلاثَ ركعاتٍ ، ويسجدُ سجدتينِ ، ثم يقومُ فيركعُ ثلاثَ ركعاتٍ ،
ثم يسجدُ سجدتينِ .
(١) في الأصل: ((أو الأرض وانتثار))، ثم ضرب على ((الأرض))، فلزم حذف الواو بعدها ؛
ليستقيم المعنى .
(٢) أبو داود (١١٩٧). ولم أجده في («المسند» المطبوع.
(٣) في هامش الأصل :
((قال شيخنا - تغمده اللَّه تعالى برحمته - : قيل : إن حديث ابن عباس خرجه الترمذي ،
وحسنه وغرَّبه ، ولم أجده فيه إلى الآن . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم)).
قلت: هو فيه برقم (٣٨٩١) في ((كتاب المناقب)) ((باب: فضل أزواج النبي (وَّت)).

٣٢٧
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
واستدلَّ به على الصلاة للزلزلةِ .
ولكن رواه وكيعٌ ، عن هشامِ الدستوائيِّ ، عن قتادةَ ، فوقفه على عائشةَ ،
وهو الصوابُ .
وخرج ابنُ أبي الدنيا في ((كتاب المطرِ))، من روايةِ مكحولٍ ، عن أبي صخرٍ
زيادٍ بنِ صخرٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: كانَ النبيُّ ◌ََّ إذا كانتْ ليلةُ ريحٍ كان
مفزعُهُ إلى المسجدِ ، حتى تسكنَ الريحُ ، وإذا حدث في السماءِ حدثٌ من کسوفِ
شمسٍ أو قمرٍ كان مفزعهُ إلى الصلاةِ ، حتى ينجلِيَ .
وهو منقطعٌ ، وفي إسنادِهِ : نُعيم بنُ حمادٍ ، وله مناكيرٌ .
وخرج أبو داودَ (١) من رواية عبيدِ اللَّهِ بن النضرِ ، قال : أخبرني أبي ،
قال : كانت ظلمةٌ على عهدِ أنسِ بنِ مالكِ . قال : أتيت أنسَ بنَ مالك ، فقلتُ
يا أبا حمزة: هل كانَ يصيبكم هذا علَى عهد النبيِّ وَّ؟ فقال: معاذَ اللَّه، إن
كانتِ الريحُ تشتدُّ فنبادرُ المسجدَ مخافةَ القيامةِ .
وبوَّب عليه : ((بابُ: الصلاةِ عندَ الظلمةِ)) .
وهو دليلٌ على الصلاةِ عندَ اشتدادِ الريحِ - أيضًا .
وأبو داودَ ، من أجلٌّ أصحابِ الإمامِ أحمدَ .
ثم بوَّب على السجودِ عندَ الآياتِ ، وذكر فيه حديثَ ابنِ عباسٍ المتقدمَ .
وظاهرُهُ : يدلُّ على أن الآيات يُسجدُ عندها سجودًا مفردًا ، كسجودِ الشكرِ
من غيرِ صلاةٍ .
وذكر الشافعيّ ، أنه بلغَه عن عبادٍ ، عن عاصم الأحولِ ، عن فَزَعَة ، عن
عليٌّ، أنه صلَّى في زلزلةٍ ستَّ ركعاتٍ في أربعِ سجداتِ : خمسَ ركعات
وسجدتينٍ في ركعة، [وركعة](٢) وسجدتينٍ في ركعة .
(١) (١١٩٧) .
(٢) ساقط من الأصل.

٣٢٨
حديث : ١٠٣٦
كتاب الاستسقاء
قال الشافعي : ولو ثبتَ هذا الحديثُ عندنَا لَقُلْنا به .
قال البيهقي(١): هو ثابتٌ عن ابنِ عباسٍ .
ثم ذكرَ بنحوٍ مَا تقدَّم .
وله طرقٌ صحيحةٌ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ ، عن ابنِ عباسٍ .
وروى حربٌ : نا إسحاقُ : نَا جريرٌ ، عن الأعمشِ ، عن إبراهيمَ ، عن
علقمةَ ، قال : إذا فزِعتُم من أفقِ من آفاقِ السماءِ فافزعُوا إلى الصلاة .
وخرجه البيهقيُ(١) من روايةٍ حبيبِ بنِ حسانٍ ، عن الشعبيِّ ، عن علقمةَ ،
قالَ : قال عبدُ اللَّهِ: إذا سمعتم هادًا (٢) من السماءِ، فافزعُوا إلى الصلاة.
وخرجه ابنُ عديٌ (٣) من روايةِ حبيبِ بنِ حسانٍ ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ ،
عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ، عن النبيُّ بِّ، قال: ((إذا فزعتم من أفق من آفاق
السماء ، فافزعوا إلى الصلاة)) .
وقال : حبيبُ بنُ حسانٍ ، قد اتُّهمَ في دينه ، ولا بأس برواياته .
قلت : الصحيحُ : روايةُ الأعمشِ ، عنْ إبراهيمَ ، عن علقمةَ - من قوله .
واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم .
وروى حربٌ بإسنادِهِ ، عن أبي الجَبْرِ(٤)، قال : أظلمت يومًا نهارًا ، حتى
رأينا الكواكبَ، فقامَ تميمُ بنُ حَذْلَمٍ (٥)، فصلَّى، فأتاهُ هُنَيُّ بن نُويرةَ ، فسأله ما
(١) (٣/ ٣٤٣) .
(٢) ((الهدَّة)»: صوت يسمع من السماء.
(٣) (٨١١/٢).
(٤) في الأصل: ((أبي الخير)) بالخاء، وهو تصحيف، واسمه: ((عبد الرحمن بن تميم بن
حذلم)) ، وهو هنا يروي عن أبيه .
(٥) في الأصل: ((حزام)) تصحيف .
وهذا الأثر، أخرجه البخاري في ترجمة ((أبي جبر)) من ((الكنى)) (١٦٠).

٣٢٩
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
صنع ؟ فأمره أن يرجعَ إلى بيتِه فيصلِّي .
واعلَم ؛ أنَّ الشغلَ بالصلاةِ في البيوتِ فُرادَى عندَ الآيات أكثرُ الناسِ على
استحبابِه ، وقد نصَّ عليه الشافعيُّ وأصحابُه .
كما يشرعُ الدعاءُ والتضرعُ عند ذلك ؛ لئلاً يكونَ عندَ ذلك غافلاً .
وإنما محل الاختلافِ : هل تصلَّى جماعةً، أم لا ؟ وهل تصلَّى ركعةً
بركوعين كصلاة الكسوف ، أم لا ؟
وظاهرُ كلامِ مالكٍ وأكثرِ أصحابنا : أنه لا تُسنَّ الصلاةُ للآيات جماعةً ولا
فرادَی .
وفي «تهذيبِ المدَوَّنَة)): أنكرَ مالكٌ السجودَ للزلزلةِ .
ولا وجه لكراهة ذلكَ ، إلا إذا نوى به الصلاةَ لأجلِ تلك الآيةِ الحادثةِ دون
ما إذا نوى به التطوعَ المطلقَ .
وقد رُويَ عن طائفةٍ من علماءِ أهلِ الشامِ ، أنهم كانوا يأمرون عندَ الزلزلة
بالتوبة والاستغفارِ ، ويجتمعونَ لذلكَ، وربما وعظَهم بعضُ علمائهم وأمرَهم
ونهاهم ، واسحسنَ ذلك الإمامُ (١).
ورُوي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كتبَ إلى أهلِ الأمصارِ : إن هذه الرجفةَ
شيءٌ يعاتبُ اللَّهُ به العبادَ ، وقد كنتُ كتبتُ إلى أهلِ بلدٍ كذا وكذا أن يَخْرُجوا يومَ
كذا وكذا ، فمن استطاعَ أن يتصدَّقَ فليفعلْ؛ فإن اللَّهَ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن
تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وقولوا كما قالَ أبوكم آدمُ: ﴿رَبَِّا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ
تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح:
﴿وَإِلَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قال موسى:
﴿رَبِّ إِنّي ظَلَمْتَ نَفْسِي فَاغْفِرَ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قال ذو (٢) النونِ:
(١) لعله سقط اسم ((أحمد))، وسيأتي قريبًا ما يؤيده.
(٢) في الأصل: ((ذو)).

٣٣٠
حديث : ١٠٣٦
كتاب الاستسقاء
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقال أبو بكرِ الخلالُ في ((كتاب العلل)): نا أبو بكرِ المرُّوذيُّ ، قال :
سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ - يعني : أحمدَ - يقولُ : سألني إنسانٌ عنِ الرجفةِ ، فكتبتُ
له هذا الحديثَ - وقال : ما أحسَنه - : أنا أبو المغيرةَ ، قال : أصاب الناسَ
رجفةٌ بحمصٍ ، سنة أربعٍ وتسعينَ ، ففزع الناسُ إلى المسجدِ ، فلما صلَّى أيفع
بنُ عبدِ الكلاعيُّ صلاةَ الغداةِ ، قام في الناسِ ، فأمرَهم بتقوَى اللَّهِ ، وحذَّرهم
وأنذرَهم ، ونَزَع القَوَارِعَ من القرآنِ ، وذكر الذينَ أُهلِكوا بالرجفةِ قبلَنا ، ثم
قال : واللَّهِ، ما أصابتْ قومًا قطُّ قبلكم إلا أصبحُوا في دارِهم جائمينَ ،
فاحمدوا اللَّهَ الذي عافاكمْ ودفعَ عنكم، ولم يُهلكُّم بما أهلكَ به الظالمينَ قبلكم،
وكان أكثر دعائه: لا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ ، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللَّهِ ،
ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللّه، واستغفروا اللَّهَ ، ويقول : يا أيها الناسُ ، عليكم
بهؤلاءِ الكلماتِ ؛ فإنهنَّ القرآن ، وهي الباقياتُ الصالحاتُ .
ثمَّ إن أيفع قال لأبي ضمرةَ القاضي : قم في الناسِ ، فقام فصنعَ كما صنع،
أيفعُ ، فلما قضى موعظتَه انصرف ، ثم صنع ذلك دُبرَ الصلواتِ ثلاثةَ أيامٍ ،
فاستحسنَ ذلك المسلمونَ .
ومما يتعلقُ بالزلزلة : هل يجوزُ الخروجُ منها والهربُ إلى الصحراءِ ؟
قال الأوزاعي : لا بأس به ؛ كلٌّ يعلَم أنه ليس يسبقُ قدرَ اللَّهِ مَن فَرَّ ومَن
جلَس ، قالَ : والجلوسُ أحبُّ إلي .
خرَّجه حربٌ ، من روايةِ الوليدِ بنِ مسلمٍ ، عنه .
قال حربٌ : وسألتُ إسحاقَ بنَ راهَوَيَه ، عنِ الرجلِ يكونُ في بيتِهِ ،
فتصيبُهُ الزلزلةُ : هل يقومُ فيخرجُ منَ البيتِ ؟ قال : إن فعلَ فهو أحسنُ .
وقد صنَّف في هذه المسألةِ أبو القاسمِ ابنُ عساكرِ الحافظُ الدمشقيُّ مصنفًا ،

٣٣١
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
ولم يذكرْ في ذلك أثرًا عمَّن تقدَّم من العلماء ، لكنه حكى عَن بعض مَن في
زمانه ، أنه استحبَّ الفرارَ منها .
واستدل بحديثٍ مرورِ النبيِّ وَّلَهَ بحائطٍ مائلٍ، فأسرع، وقال: ((أكره موتَ
الفوات)) .
وهذا حديثٌ مرسلٌ ، خرجه أبو داودَ في ((مراسيله))(١).
وقد رُوي مسندًا ، ولا يصحُ (٢).
ورد أبو القاسم على هذا القائلِ قولَه ، وألحقَ الفرارَ منها بالفرارِ منَ
الطاعُون(٣).
وفي ذلك نظر ؛ لأن الفرارَ من الطاعون لا يتيقنُ به النجاةُ ، بل الغالبُ فيه
عدمُ النجاة ، وأما الخروجُ منَ المساكنِ التي يُخْشَى وقوعُها بالرجفةِ فيغلبَ على
الظنِّ منه السلامةُ ، فهو كالهربِ من النارِ والسيلِ ونحوِهما .
والحديثُ المرسلُ الذي ذكرناه يشهدُ له . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
وإنما جاء النهيُ عن الخروجِ منَ الرجفةِ إلى الدجالِ ، إذا حاصرَ المدينة ،
فترجفُ المدينةُ ثلاثَ رجفاتٍ ، فيخرجُ إليه كلُّ منافقٍ ومنافقةٍ .
الحديثُ الثانِي :
١٠٣٧ - نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: نَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ: نَا ابْنُ عَوْنِ ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنٍ عُمَرَ ، قَالَ: اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمِنَا. قَالُوا: وَفَي نَجْدِنَا. قَالَ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمِنَا. وَقَالُوا: وَفِي نَجْلِنَا. قَالَ: هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفَتَنُ،
وَيَهَا يَطْلُحُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ .
(١) (٤٧٧) .
(٢) قاله أبو داود عقبه .
(٣) في الأصل: ((الطاغوت)).

٣٣٢:
حديث : ١٠٣٧
کتاب الاستسقاء
هكذا خرجه البخاريُّ هاهنا موقوفًا .
وحسين بنُ الحسنِ بصريَّ ، من آل مالكِ بنِ يسارِ ، أثنى عليه الإمامُ أحمدُ،
وقال : كان يحفظُ عن ابنِ عونٍ .
وخرجه البخاريُّ في ((الفتن)) (١) من روايةِ أزهرَ السمانِ - مرفوعًا .
وكذا رواه عبدُ الرحمنِ بنُ عطاءٍ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا -
أيضًاً .
خرج حديثَه الإمامُ أحمدُ (٢) .
وكذا رواه أبو فروة الرُّهاويُّ يزيدُ بنُ سنانٍ - على ضعفِه - : نا أبو رَزِيْنٍ ،
عن أبي عبيدٍ - صاحبٍ سليمانَ - ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرً - مرفوعًا .
وقد رُوي - أيضًا - عن سالمٍ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن أبيه ، عن النبيُّ
. 醬
ذكره الترمذيُّ في آخر ((كتابه))(٣) - تعليقًا .
ورواه - أيضاً - بشرُ بنُ حربٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيّ ◌َّد .
خرجه الإمامُ أحمدُ - أيضًا (٤).
والاستدلالُ بهذا الحديثِ علَى أنْ لا صلاةَ للزلزلةِ بعيدٌ ، والاستدلالُ
بالحديثِ الذي قبلَه - أيضًا - ؛ لأن هذا إنما سيقَ لذمِّ نجد وما يحدث فيه(٥)، كما
أن الذي قبلَه سِيقَ لذمُ آخرِ الزمانِ ، وما يحدث فيه ، دون أحكامٍ ما ذُكرَ مِن
(١) (٧٠٩٤) .
(٢) (٢/ ٩٠) .
(٣) (٣٩٥٣) .
(٤) (١٢٤/٢ - ١٢٦) .
(٥) في الأصل : ((منه)).

٣٣٣
٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات
كتاب الاستسقاء
قبض العلمِ وتقاربِ الزمانِ وكثرةِ الهرجِ .
وأحكامُ هذه الحوادثِ مذكورةٌ في مواضعَ أخرَ .
فلا يدلُّ السكوتُ عنه هاهنا على شيءٍ مِن أحكامِها بنفي ولا إثباتٍ ، فكذلك
يقالُ في أحكامِ الزلازلِ . واللهُ أعلمُ .

٣٣٤
٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم كتاب الاستسقاء
٢٨ - بَابُ
٢٨٢
قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : شُكْرَكُمْ
قالَ آدمُ بنُ أبي إياسِ في ((تفسيره)) : نا هشيمٌ ، عن جعفرِ بنِ إياسٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، في قولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي : شكركم
﴿ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ قال : هو قولُهم: مُطرنَا بنوءِ كذا وكذا .
قال ابنُ عباسٍ : وما مُطِرَ قومُ إلا أصبحَ بعضُهَم به كافرًا ، يقولونَ : مُطرِنَا
بنوء كذا وكذا .
ثمَّ خرَّج في سببِ نزولِها من روايةِ الكلبيِّ ، عن أبي صالحٍ ، عن ابنِ
عباسٍ .
وقد خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(١) من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ : حدثني
أبو زميلٍ: حدثني ابنُ عباسٍ، قال: مُطْرَ الناسُ علَى عهد رسولِ اللهِ وَلَه،
فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ : ((أصبحَ مِنَ الناسِ شاكرٌ، ومنهم كافرٌ، قالوا : هذه رحمة
وضعَها اللَّهُ، وقال بعضهم: لقد صدقَ نَوْءُ كذا وكذا)) ، فنزلتْ هذه الآيةُ ﴿فَلا
أَقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ - حتَّى بلغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ .
وروى عبدُ الأعلَى الثعلبيُّ ، عن أبي عبد الرحمنِ السلميِّ، عن عليٍّ ، عنِ
النبيِّنَّهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: ((شكر كم، تقولُون : مُطرْنا
بنوْء كذا وكذا، ونجمٍ كذا وكذا)) .
خرجه الإمام أحمدُ والترمذي(٢).
(١) (١ / ٠ ٦) .
(٢) أحمد (٨٩/١ - ١٠٨) والترمذي (٣٢٩٥) .

٣٣٥
٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم
كتاب الاستسقاء
وقال : حسنٌ غريبٌ ، لا نعرفه - مرفوعًا - إلا من حديث إسرائيلَ ، عن
عبد الأعلى .
ورواه سفيانُ عن عبدِ الأعلَى - نحوَهَ - ، ولم يرفَعْه .
ثم خرَّجه من طريقِ سفيانَ - موقوفًا على علَيٌّ (١).
وكان سفيانُ ينكرُ علَى مَن رفعَهَ(٢).
وعبدُ الأعلى هذا، ضعَّفَه الأكثرونَ . ووثقه ابنُ معينٍ .
وخرج القاضي إسماعيلُ في كتابه ((أحكامُ القرآنِ» كلامَ ابنِ عباسٍ بالإسنادِ
المتقدمِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرؤها : ﴿وتجعلون
شكركم﴾، تقولونَ: على ما أنزلْتُ منَ الغيثِ والرحمةِ، تقولونَ: مُطْرْنا بنوْءِ
كذا وكذا . قال : فكان ذلك كفرًا منهم لِمَا أنعمَ اللَّهُ عليهم .
قال البخاريُّ - رحمه الله - :
١٠٣٨ - نَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْد الله بْن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا
رَسُولَ اللَّهِوَ صَلَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيَّةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا
انْصَرَفَ النَِّيُّ ◌َ﴿ أَقَْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَلْ تَدْرُّونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ؟(٢)
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ:
مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : بِنَوءِ
كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» .
قولُهُ : ((على إثرِ سماء))، أي: مطرٍ كانَ منَ الليلِ .
(١) («المسند» (١٠٨/١).
(٢) في هامش الأصل زاد: ((الليلة))، وأشار إلى أنه كذلك في إحدى النسخ، وليس ذلك في
((اليونينية)).

٣٣٦
حديث : ١٠٣٨
كتاب الاستسقاء
والعربُ تسمِّي المطرَ سماءً ؛ لنزولِه منَ السماءِ ، كما قال بعضهم(١):
رَعَيْنَاهُ ، وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
إِذَا نَزَلَ (٢) السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ
وقولُهُ وَلِّ: ((هَلْ تدرونَ ماذَا قالَ ربكمْ؟)) - وفي بعضِ الرواياتِ:
(الليلةَ))، وهي تدلُّ على أن اللَّه تعالى يتكلَّمُ بمشيئَتِهِ واختيارِه.
كما قالَ الإمامُ أحمدُ : لم يزلِ اللَّهُ متكلّمًا إذا شاءَ .
وقولُهُ : ((أصبحُ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ ، فمَن قال: مُطرنا بفضل اللَّه
ورحمته ، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب ، ومَن قال : بنْوء كذا وكذا ، فذلكَ
كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب» .
يعني : أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالِه إلى الأرضِ إلى الله عز وجل
وفضله ورحمته ، فهو مؤمنٌ باللَّه حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواء ، كما كانت
الجاهليةُ تعتادُه ، فهو كافرٌ باللّهِ ، مؤمنٌ بالكوكبِ .
قال ابنُ عبدِ البرِّ : النوءُ في كلامِ العربِ : واحدُ أنواءِ النجومِ ، وبعضُهم
يجعلُه الطالعَ ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ ، وقد تسمَّى منازلُ القمرِ كلُّها أنواءً ،
وهي ثمانيةٌ وعشرونَ .
وقال الخطابيُ (٣)، النوْءُ واحدُ الأنواءِ ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونُ
التي هي منازلُ القمرِ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ مُطِروا،
فجعل النبيُّ ◌َّمِ سقوطَ المطرِ مِن فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِهِ ، وأبطل قولَهم . انتهى .
وقال غيره : هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلاً تطلع كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ
صلاة الغداةِ بالمشرقِ ، فإذا طلعَ رقيبُهُ منَ المغربِ ؛ فسمِّيتْ أنواءً لهذا المعنى .
(١) هو : معوِّد الحكماء معاوية بن مالك .
والبيت في ((لسان العرب)). وكذا في ((معالم السنن)) للخطابي (٣٩٠٦).
(٢) في ((اللسان)): و((المعالم)): ((سقط)).
(٣) في (شرح البخاري)) (٥٥٣/١ - ٥٥٤) و((معالم السنن)) (٣٩٠٦).

٣٣٧
٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم
كتاب الاستسقاء
وهو من الأضدادِ ، يقال: ناءَ إذا طلعَ ، وناء إذا غربَ ، وناءَ فلانٌ إذا
قربَ ، وناء إذا بعدَ .
وقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيءِ المطر عند طلوعٍ كلِّ منزلٍ منها ، كما أجرى
العادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف ، والبردِ في الشتاءِ .
فإضافةُ نزولِ الغيثِ إلي الأنواءِ ، إنِ اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك ،
المدبرةُ له دونَ اللَّهِ عز وجل، فقدْ كفرَ باللَّهِ ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةٍ
الإسلامِ ، ويصيرُ بذلك مرتدًا، حكمُهُ حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ ، إن كان قبل
ذلك مسلمًا .
وإن لم يعتقدْ ذلكَ ، فظاهرُ الحديث يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّهِ .
وقد سبقَ عنِ ابنِ عباسٍ ، أنه جعلَه كفرًا بنعمة اللَّهِ عزَّ وجلَّ .
وقد ذكرنا في ((كتابِ: الإيمان)) أن الكفرَ كفرانِ : كفرٌ ينقلُ عن الملةِ ،
وكفرٌ دون ذلكَ ، لا ينقلُ عن الملة ، وقد بوَّب البخاريُّ عليه هنالك .
فإضافةُ النِّعَم إلى غيرِ المنعمِ بها بالقولِ كفرٌ للمنعمِ في نعمِهِ ، وإن كان
الاعتقادُ يخالفُ ذلك .
والأحاديثُ والآثار متظاهرةٌ بذلك .
وفي (صحيحٍ مسلمٍ) (١)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((ألمْ تروا
إلى ما قالَ ربُّكم ؟ قال : ما أنعمتُ علَى عبادي من نعمة إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها
کافرین ، یقولون : الکو کب وبالکو کب» .
وروي من وجهٍ آخرَ (٢)، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قال: ((إن اللَّه
عزَّ وجل لِيُبَيِّتُ القوم بالنعمة ، ثم يُصبحُونَ وأكثرهم بها كافرٌ ، يقولون : مُطرنا
(١) (٥٩/١) .
(٢) أخرجه أحمد (٥٢٥/٢).

٣٣٨
حديث : ١٠٣٨
کتاب الاستسقاء
بنوء كذا وكذا)) .
وروى أبو سعيد الخدريُّ، عن النبيِ رَله، قال: ((لو أمسكَ اللَّهُ القَطْرَ عن
الناسِ سبعَ سنينَ ، ثم أرسلَه ، كفرتْ طائفةٌ منهم ، فقالوا : هذا من نوء
المِجْدَحِ»(١).
وروى [أبو] الدرداء، قال: مُطِرْنا على عهد رسول اللّه وَلَّ ذات ليلة،
فأصبحَ رسولُ اللَّهِ وَلَه ورجلٌ يقولُ: مُطرْنا بنوء كذا وكذا، فقال رسولُ اللَّه
وَّ: ((قَلَّمَا أنعمَ اللَّهُ علَى قومٍ نعمةً، إلا أصبحَ كثيرٌ منهم بِها كافرين)(٢).
وفي ((صحيح مسلمٍ) (٣)، عن أبي مالك الأشعريِّ، عن النبيِّ وَّ، قال:
((أربعٌ في أمتِي مِن أمر الجاهلية ، لا يتركونَهنّ: الفَخْر في الأحساب، والطعنُ في
الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحةُ)) .
وخرج البخاريُّ في «صحيحه) (٤)، من روايةِ ابنِ عيينةَ ، عن عبيدِ اللَّهِ :
سمعَ ابنَ عباسٍ يقول : ((خلالٌ من خلالِ الجاهليةِ : الطعنُ في الأنسابِ ،
والنياحةُ))، ونَسِيَ الثالثةَ. قال سفيان: ويَقُولون (٥): إنها «الاستسقاءُ بالأنواء)).
وروي عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - من وجه آخر ضعيفٍ .
وخرج ابنُ حبانَ في ((صحيحه)) (٦) - معناه - من حديث أبي هريرةَ - مرفوعًا .
وروى ابنُ عيينَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، أنَّ النبي ◌َِّ سمع رجلاً في
بعضِ أسفارِهِ يقول: مُطِرْنا ببعضِ عَثَانين(٧) الأسدِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَآل
:
(١) أحمد (٣/ ٧٠) والنسائي (١٦٥/٣).
(٢) عزاه في ((الكنز)) للطبراني.
(٣) (٤٥/٣) .
(٤) (٣٨٥٠) .
(٥) في الأصل: ((ويقول))، والمثبت من البخاري.
(٦) (٣١٤١) .
(٧) ((العثانين)): المطر بين السحاب والأرض، مثل السَّبَل.
1

٣٣٩
٢٨ - باب قول الله عز وجل: وتجعلون رزقكم
کتاب الاستسقاء
((كذبتَ، بل هو سقي اللَّه عزَّ وجلَّ، ورزقُم))(١) .
وذكر مالكٌ(٢)، أنه بلغَه عن أبي هريرةَ ، أنه كانَ يقولُ : مُطِرْنا بنوْءِ الفتحِ ،
ثم يتلو هذه الآيةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] .
وذكر الشافعيُ (٣)، أنه بلغه، أن عمرَ سمع شيخًا يقول - وقد مطرَ الناسُ - :
أَجَادَ مَا أَقْرَى المِجْدَحَ(٤) الليلةَ، فأنكر ذلك عمرُ عليه .
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ ، عن سلمٍ العلويِّ ، قال : كنا عند أنسٍ ،
فقال رجل : إنها لمخيلة للمطرِ . فقال أنس : إنها لربِّها لمطيعةٌ .
يشير أنسٌ إلى أنه لا يضافُ المطرُ إلى السحابِ ، بلْ إلى أمرِ اللَّهِ ومشيئته .
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ ، عن الحسنِ ، أنه سمعَ رجلاً يقولُ : طلع سهيلٌ ،
وبردَ الليلُ ، فكره ذلكَ ، وقال : إن سهيلاً لم يأت قطُّ بِحَرٍّ ولا بردٍ .
قال : وكره مالكٌ أن يقولَ الرجلُ للغيمِ والسحابة : ما أخلقَها للمطرِ .
قال : وهذا يدلُّ على أن القومَ احتاطُوا ، فمنعوا الناسَ منَ الكلامِ بما فيه
أدنى متعلَّق مِن كلامِ الجاهليةِ في قولِهم : مُطرنا بنوءِ كذا وكذا . انتهى .
واختلف الناسُ في قول القائل: ((مُطِرْنا بنوْءِ كذا وكذا)) مِن غيرِ اعتقادِ أهلِ
الجاهليةِ : هل هو مكرُوه ، أو محرَّمٌ ؟
فقالت طائفةٌ : [هو] (٥) محرمٌ ، وهو قولُ أكثرِ أصحابنا ، والنصوصُ تدلُّ
عليه ، كما تقدم .
(١) أخرجه ابن جرير الطبري (١٢٠/٢٧).
(٢) ((الموطأ)) (ص ١٣٦).
(٣) ((الأم)) (١/ ٢٢٣).
(٤) في الأصل: ((المجيدح)). والمثبت من ((الأم)).
(٥) هنا علامة لحق، ولم يظهر في مصورتنا شيءٌ، فلعل الساقط: ((هو))، كما يأتي نظيره
قريبًا .

٣٤٠
حديث : ١٠٣٨
کتاب الاستسقاء
وقال طائفة : هو مكرُوه ، وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِهِ ، وبعضِ أصحابِنا .
فأما إن قالَ : ((مُطِرْنا في نوء كذا وكذا)) ، ففيه لأصحابنا وجهان :
أحدهما : أنه يجوزُ ، كقوله : ((في وقت كذا وكذا)» ، وهو قولُ القاضي
أبي يعلَى وغيرِه .
ورُوي عن عمرَ - رضي اللّه عنه - ، أنه قال للعباس - رضي اللَّه عنه - ،
وهو يستسقي : يا عباسُ ، كم بقيَ مِن نوْءِ الثريًّا ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين ، إن
أهلَ العلمِ بها يزعمونَ أنها تعترض بالأفقِ بعدَ وُقُوعِهَا سبعًا ، فما مضتْ تلك
السبعُ حتى أغيثَ الناسُ .
رواه ابنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن ابنِ المسيبِ ،
قال : حدثني من لا أتهمُ ، عن عمرَ - فذكره .
والوجهُ الثاني: أنه يُكْرَه ، إلا أن يقولَ مع ذلك: ((برحمةِ اللَّه عزَّ وجلَّ)،
وهو قولُ أبي الحسن الآمديِّ مِن أصحابِنا .
واستدلَّ للأول بما ذكرَ مالكٌ في ((الموطٍ)(١)، أنه بلغَه، أنَّ النبيَّ وَّ كانَ
يقولُ: ((إذا نشأتْ بحريَّتُها فَشَاءَمَتْ (٢)، فتلك عينٌ غَديقةٌ) .
وهذا من البلاغاتِ لمالكِ التي قيل(٣)، إنه لا يعرَفُ إسنادُها.
وقد ذكرَه الشافعيُّ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ بنِ
عبدِ اللهِ، عنِ النبيِّ وَّهِ - مرسلاً -، قال: ((إذا نشأتْ بحريةٌ، ثم استحالتْ
شامیةً، فهو أمطرُ لها)) .
قال ابنُ عبدِ البرِّ : ابنُ أبي يحيى ، مطعونٌ عليه متروكٌ .
(١) (ص ١٣٦) .
(٢) نصُّ ((الموطأ): ((إذا أنشأت بحرية، ثم تشاءَمت)).
(٣) ((التمهيد)) (٣٧٧/٢٤).
(٤) ((الأم) (١ / ٢٢٥) .