Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترًا
كتاب الوتر
فعلى هذه الرواية : تكونُ صلاتُه ركعتينٍ جالسًا قبل الوتر ، لا بعده .
وخرج أبو داودَ (١) - أيضًا - من روايةِ بهزِ بنِ حكيمٍ ، عن زرارةَ ، عن
عائشةَ ، أنَّ النبيَّ نَّهِ كان يوتِرُ بتسعٍ ، يسلم في التاسعة تسليمةً شديدةً ، ثم
يقرأ(٢) وهو قاعدٌ بأمِّ الكتابِ ، ويركع وهو قاعدٌ ، ثم يقرأُ في الثانيةِ ، فيركعُ
ويسجدُ وهو قاعد، ثم يدعُو ما شاءَ اللَّهُ أنْ يدعو ، ثُمَّ يسلِّمُ .
وهذه الروايةُ تخالفَ روايةَ أبي سلمةَ ، عن عائشةَ ، أنه كانَ إذَا أَراد أن
یرکعَ قامَ (٣).
وخرج أبو داودَ (٤) من روايةِ علقمةَ بنِ وقاصٍ ، عن عائشةَ، أن النبي وَل
كان يوتِر بتسعٍ ركعاتٍ ، ثم أوتر بسبعِ ركعاتٍ ، وركعَ ركعتينٍ وهوَ جالسٌ بعد
الوِتِرِ ، فقرأ فيهما ، فإذا أرادَ أن يركعَ قامَ فركع ثم سجدَ .
وخرجه مسلمٌ (٥)، ولفظه: عن علقمة، قال : قلتُ لعائشة : كيفَ كان
يصنعُ رسولُ اللَّهِ بَِّ في الركعتينِ وهو جالسٌ ؟ قالت: يقرأُ فيهما ، فإذا أراد أنْ
یرکعَ قام فركعَ .
وقد رُوي عن عائشة ، من وجوه أُخرَ .
وخرَّج النسائيُّ من حديثِ شعبةَ ، عنِ الحكمِ : سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ
يحدِّثُ، عنِ ابنِ عباسٍ ، أنَّ النبيَّ بَِّ صلَّى من الليلِ خمسَ ركعاتٍ ، ثم
ركعتينٍ ، ثم نام، ثم صلَّى ركعتين ، ثم خرجَ إلى الصلاة .
(١) (١٣٤٦) .
(٢) في الأصل: ((يقرأ في)).
(٣) أحمد (٥٢/٦ - ٨١) ومسلم (١٦٦/٢) وأبو داود (١٣٤٠) والنسائي (٢٥١/٣) وابن ماجه
(١١٩٦) .
(٤) (١٣٥١) .
(٥) (١٦٤/٢).

٢٦٢
حديث : ٩٩٨
کتاب الوتر
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه (١) من حديث ميمونِ المَرئيِّ ، عن الحسنِ ،
عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، أنَّ النبيَّ وَِّ كان يصلِّي بعد الوِترِ ركعتينِ خفيفتينٍ وهو
جالسٌ .
وخرجه الترمذي(٢) إلى قوله: ((ركعتين)).
وذكر العقيلي(٣) أن ميمونًا تفرَّد برفعه، وغيرُهُ يرويه موقوفًا على أمِّ سلمةَ .
وفيه - أيضًا - عن أبي أمامةَ وأنسٍ وثوبانَ وغيرِهم .
واختلف العلماءُ في الركعتينِ بعد الوتر ؟
فمنهم منِ استحبَّها وأمرَ بها ، منهم : كثيرُ بنُ ضمرةَ وخالدُ بنُ معدانَ .
وفعلها الحسنُ جالسًا .
وتقدمَ عن أبي مجلزٍ ، أنه كان يفعلُها .
ومِن أصحابنا من قال : هي من السننِ الرواتبِ .
وفي حديث سعدِ بنِ هشامٍ ما يدلُّ على مواظبةِ النبيِ وَّرِ عليهِما.
ومن هؤلاء مَن قال : الركعتان بعدَ الوتر سنةٌ له ، كسنةِ المغربِ بعدَها ،
ولم يَخرجْ بذلك المغربُ عنْ أن يكونَ وِتْرًا لها(٤).
ومن العلماءِ من رخَّص فيهما ، ولم يكرههما ، هذا قولُ الأوزاعيِّ وأحمدَ .
وقال : أرجو إنْ فعلَه أن لا يضيقَ، ولكنْ يكونُ ذلكَ وهو جالسٌ ، كما
جاء في الحديث . قيل له : تفعله أنت ؟ قال : لا .
وقال ابنُ المنذرِ : لا يُكرَه ذلك .
ومِنْ هؤلاء مَنْ قالَ: إنما فعلَ النبيُّ وَ﴿ ذلك أحيانًا لبيانِ الجوازِ فقطْ .
(١) أحمد (٢٩٨/٦) وابن ماجه (١١٩٥).
(٢) (٤٧١) .
(٣) (١٨٦/٤) .
(٤) كذا، ولعل الأشبه : ((عن أن يكون وتر النهار)).
١

٢٦٣
٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترًاً
کتاب الوتر
وحُكي عن طائفة كراهةُ ذلك ، منهم : قيسُ بنُ عبادةَ ومالكٌ والشافعيُّ .
فأما مالكٌ ، فلم يعرفْ هاتينِ الركعتينِ بعدَ الوِتِرِ - : ذكرَه عنه ابنُ المنذرِ .
وأما الشافعيُّ، فحُكي عنه أنه قال: أمرَ النبيُّ ◌َِّ أَنْ نجعلَ آخرَ صلاتنا
بالليلِ وترًا ، فنحنُ نَتَبع أمرَهَ ، وأما فِعلُه فقد يكونُ مختصًا بهِ .
وأشار البيهقيُّ إلى أن هاتين الركعتينِ تركهُمَا النَّبِي ◌َّرِ بعد فعلهما ، وانتهى
أمره إلى أنْ جعلَ آخر صلاتِه بالليلِ وترًاً .
وهذا إشارةٌ إلى نسخِهما ، وفيه نظرٌ.
وإذا كانَ مذهبُ الشافعيِّ أنه لا تُكرَه الصلاةُ بعد الوترِ بكلِّ حالٍ ، فكيف
تُكرَهُ هاتانِ الركعتانِ بخصوصِهما ، مع ورودِ الأحاديثِ الكثيرةِ الصحيحةِ بها ؟
وقد ذكرَ بعضُ الناسِ : أنَّ النبيَّ وََّ كان يصلِّي ركعتينِ بعد وِتِره جالسا ،
لما كانَ يوتِرِ منَ الليلِ ويجعلُ الركعتينِ جالسًا كركعةٍ قائمًا ، فيكون كالشفع
لوِتره ، حتى إذا قامَ ليصلِّيَ من آخر الليلِ لم يَحْتَجْ إلى نقضِهِ بعد ذلكَ .
وربما استأنسُوا لذلك بحديث ثوبانَ: كُنَّا مِعَ النبيِّ نَِّ في سفرٍ ، فقال :
((إن هذا السفرَ جهدٌ وثقلٌ، فإذا أوترَ أحدُكم فليركعْ ركعتين ، فإن استيقظَ ، وإلا
كانتا لهُ)) .
خرَّجه ابنُ حبانَ في «صحيحه)(١).
وهذا القولُ مردودٌ ؛ لِوَجهينِ :
أحدُهما: أنَّ حديثَ عائشةَ يدلُّ - لمَنْ تأمَّلَه - على أنَّ هذا كانَ النبيُّ ◌َهُ
يفعلُه في وِتره من آخر الليلِ ، لا مِنْ أوَلِهِ ، وكذلك حديثُ ابنِ عباسٍ .
وثانيهما : أن صلاتَه جالسًا لم تكن كصلاةٍ غيرِهِ من أمَّهِ على نصفٍ صلاةٍ
القائم .
(١) (٢٥٧٧) .

٢٦٤
حديث : ٩٩٨
کتاب الوتر
يدلُّ عليه : ما خرَّجه مسلمٌ (١) في ((صحيحه)) مِن حديثِ عبدِ اللَّه بنٍ عمرٍو،
قال: أتيتُ النبيَّ وََّ، فوجدتُّه يصلِّي جالسًا، فقلتُ: حُدِّثْتُ يا رسول اللَّه،
أنك قلتَ : ((صلاةُ الرجل قاعدًا على نصف الصلاة))، وأنت تصلِّ قاعدًا ؟
قال : ((أجلْ؛ ولكني لستُ كأحد منكمْ)) .
وأما حديثُ ثوبانَ ، فتأوَّله بعضُهم على أن المرادَ : إذا أراد أن يوتِرَ فليركعْ
ركعتينِ .
وكأنه يريدُ أنه لا يقتصرَ في وِتره في السفرِ على ركعةٍ واحدةٍ ، بل يركعُ
قبلَها (٣) ركعتينٍ ، فيحصلُ له بهما نصيبٌ من صلاةِ الليلِ ، فإن لم يستقظْ من آخرِ
الليلِ كان قد أخذ بحظٌّ من الصلاة، وإن استيقظَ صلَّى ما كُتبَ له ، وهذا
متوجَّهٌ . واللَّهُ سبحانه وتعالَى أعلم .
ورُوي عنِ النبيِّ وََّ، أنه كانَ يصلي في السفرِ صلاتَه من الليلِ قبلَ أن
ينامَ .
ففي ((المسندِ)(١) من حديثِ شُرَحْبِيل بنِ سعدٍ ، عنْ جابرٍ ، أنه كان معَ النبيِّ
وَّ في سفرٍ، فصلَّى العتمةَ - وجابر إلى جنبه -، ثم صلَّى بعدَها ثلاثَ عشرةً
سجدةً .
وشرحبيلُ ، مختلفٌ فيه .
(١) (٢ / ١٦٥).
(٢) في الأصل: ((قبلهما)).

٢٦٥
٥ - باب الوتر على الدابة
کتاب الوتر
٥ - بَابُ
الوِثْرِ عَلَى الدَّبَةِ
٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ عَبّدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارِ ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِرُ مَعَ
عَبّدِ اللهِبْنِ عُمَرَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ
لَحِقْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ : خَشِيتُ الصُّبْحَ فَزَلْتُ
فَأَوْتَرْتُ . قَالَ عَبْدُاللَّهِ: أَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ: ﴿ه ◌ُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى؛
وَللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ بُونِرُ عَلَى الْبَعِيرِ .
هذا الحديثُ قد رُويَ عنِ ابنِ عمرَ من وجوهِ متعددةٍ ، قد خرجاه في
(الصحيحينٍ)) منْ هذا الوجهِ ، ومن حديثِ الزهريِّ ، عن سالمٍ ، عن أبيهِ .
وخرجه البخاريُّ من حديثِ نافعٍ ، ومسلمٌ (١) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ.
وهذا مما استُدلَّ به على أنَّ الوتر غيرُ واجبٍ ، وأنَّه ملتحِقٌ بالنوافلِ ؛ فإنَّه
لو كانَ واجبًا لأُلحقَ بالفرائضِ، ولم يُفْعَل عَلَى الدَّابة جالسًا ، مع القدرة على
القيامِ .
وقد اختلفَ العلماءُ في جوازِ الوِتِرِ على الراحلةِ :
فذهبَ أكثرُهم إلى جوازِهِ ، ومنهمُ : ابنُ عمرَ ، ورُويَ عن عليٍّ وابنٍ
عباسٍ ، وهو قولُ سالمٍ وعطاءِ والشافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ . .
وقال الثوريُّ: لا بأسَ بهِ ، وبالأرضِ أحبُّ إليَّ .
وكذا مذهبُ مالك :
(١) (١٤٩/٢) .

٢٦٦
حديث : ٩٩٠
کتاب الوتر
في ((تهذيبِ المدوَّنَة: إنَّ المسافرَ إذا كان له حزبٌ ، فليوتِر على الأرضِ ،
ثم يتنفلُ في المحمَلِ بعد الوتر .
وهذا يدلُّ على أنَّ تقديمَ الوِتِرِ على الأرضِ على قيامِ الليلِ أفضلُ مِنْ تأخيرِه
مع فعلِه على الراحلةِ .
ومنعَ مِنَ الوِتِر على الراحلةِ مَن يرى أنَّ الوتر واجبٌ، وهو قولُ أبي حنيفةً.
وقال النخعيُّ : كانوا يصلُّونَ الفريضةَ والوِتِرَ بالأرضِ .
وحكى ابنُ أبي موسى - من أصحابنا - ، عن أحمدَ في جواز صلاة ركعتي
الفجرِ على الراحلةِ روايتينِ ، دونَ الوتر .
وحكي عن بعضِ الحنفيةِ ، أنه لا يُفْعلُ الوترُ ولا ركعتا الفجرِ على الراحلةِ.
وروى الإمامُ أحمدُ (١): ثنا إسماعيلُ : ثنا أيوبُ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنّ
ابنَ عمرَ كان يصلِّي على راحلته تطوعًا، فإذا أرادَ أنْ يوتِر نزلَ فأوترَ على
الأرضِ .
ولعله فعله استحبابًا ، وإنما أنكر [على](٢) من لا يراه جائزًا .
وروى محمدُ بنُ مصعبٍ : ثنا الأوزاعيُّ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، عنْ
محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن ثَوْبان، عن جابرٍ، قال: كان النبيِّ وَّةٍ يصلِّي على
راحلته حيثُ توجَّهت به تطوعًا، فإذا أرادَ أنْ يصليَ الفريضةَ أو يوتِرَ أناخَ فصلَّى
بالأرضٍ (٣).
قال ابن جوصا في ((مسند الأوزاعيِّ مِن جمعه)): لم يقلْ أحدٌ من أصحابٍ
الأوزاعيِّ: ((أَوْ يُوتِرَ) غير محمدِ بنِ مصعبٍ وحدَه .
(١) (٤/٢) .
(٢) في الأصل: ((عن)).
(٣) («المسند» (٣٧٨/٣).

٢٦٧
٥ - باب الوتر على الدابة
کتاب الوتر
وخرجه من طرقٍ كثيرةٍ عنِ الأوراعيِّ ، ليس في شيءٍ منها : ذكرُ الوِتِرِ .
ومحمدُ بنُ مصعبٍ ، قال يحيى : ليس حديثُهُ بشيءٍ . وقال ابنُ حبانَ :
ساءَ حفظُه فكانَ يقلِبُ الأسانيدَ ويرفعُ المراسيلَ ، لا يجوز الاحتجاجُ به .

٢٦٨
حديث : ١٠٠٠
کتاب الوتر
٦ - بَابُ
الوثْر في السفر
١٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا جُوَّرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ النَِّيَُّ﴿ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِىٌّ
إِمَاءً، صلاةَ اللَّيْلِ، إِلَّالْفَرَائِضَ، وَبُوتِرُ عَلَى رَاحِلِتِهِ.
الوِتْرُ في السفرِ مستحبُّ كالوتر في الحضرِ ، وقد كان ابن عمرَ يوتِر في
سفره .
وروى وكيعٌ ، عن شريكٍ ، عن جابرٍ ، عن عامرٍ ، عن ابنِ عباسٍ وابنٍ
عمرَ، أنهما قالاً: الوِترُ في السفرِ سنةٌ (١).
وقال مجاهد : لا يَتْرِكُ الوِتر في السفرِ إلا فاسقٌ .
وروى وكيعٌ - أيضًا - عن خالدِ بنِ دينارٍ ، عن شيخٍ ، قال : صحبتُ ابنَ
عباسٍ في سفرٍ ، فلا أحفظُ أنه أوترَ (٢).
وهذا إسنادٌ مجهولٌ .
وقوله : ((لم أحفظْ)) لا يدلُّ على أنه لم يوتِرِ .
والوِتْرُ تابعٌ لصلاة الليلِ، وقد كانَ النّبِيُّ ◌َّهِ يصلّي صلاته بالليلِ وِتِراً .
وإنما اختلفَ العلماءُ في فعل السننِ الرواتبِ في السفرِ ؛ لأنها تابعةٌ
للفرائضِ ، والفرائضُ تُقْصَرُ في السفرِ تخفيفًا ، فكيف يحذفُ شطرَ المفروضةِ
ويحافظُ على سننِها ؟
(١) ابن أبي شيبة (٩٦/٢).
(٢) ابن أبي شيبة (٩٦/٢).
١

٢٦٩
٦ - باب الوتر في السفر
كتاب الوتر
ولهذا قال ابنُ عمرَ : لو كنتُ مسبحًا لأتممتُ صلاتي(١).
وقد رُوي(٢)، أنه ◌َّ كان يصلّي في السفرِ ركعتي الفجرِ والمغربِ ؛ لأن
فريضتَهما لا تُقْصَرُ .
وهو من مراسيلٍ أبي جعفرَ محمدٍ بن عليٍّ .
ونصَّ عليه أحمدُ - في رواية المرُّوذيِّ - ، أنه لا يدعُ في السفرِ ركعتي الفجرِ
والمغربِ .
(١) عبد الرزاق (٢/ ٥٥٧).

٢٧٠
حديث : ١٠٠١
کتاب الوتر
٧ - بَابُ
الْقُنُوتِ قَبّلَ الرُُّوعِ وَبَعْدَهُ
لَم یبوبِ البخاري على القنوتِ إلا في عقبِ أبوابِ الوِتِر ، وهذا يدلُّ على أنه
يرى القنوتَ في الوتر ، إما دون غيرِهِ منَ الصلواتِ أو معَ غيرِه منها .
وخرَّجَ فيه حديثَ أنسِ بنِ مالكٍ من طرُقٍ أربعةٍ .
الطريق الأولُ :
١٠٠١ - ثَنَا مُسَدَّدٌ: نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ أَّوبَ، عَنْ مُحَمَّد، قَالَ : سُئِلَ
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: أَقَنَتَ النَّبِيُّ ◌َ فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ: أَوَ قَبْلَ (١) الرُّكُوعِ؟
قَالَ : بَعْدَ الرُُّوعِ يَسِيرًاً .
هذا الحديثُ - بهذا اللفظِ - : يدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َِّ قنتَ في الصبحِ ، وأنه
قنتَ بعدَ الركوعِ ، وأنه قنت يسيراً .
وقوله : ((يسيرًا)) يُحتملُ أن يعودَ إلى القنوتِ ، فيكون المرادُ : قنتَ قنوتًا
يسيراً(٢)، ويحتمل أنه يعودُ إلى زمانه ، فيكون المعنى: قنوتُه زمانًا يسيرًا، فيدلُّ
على أنه لم يدُمْ عليهِ ، بل ولا كانَ غالبَ أمرِهِ ، وإنما كان مدَّةً يسيرةً فقطْ .
ويدل عليه : ما روَى عليّ بنُ عاصمٍ : أخبرني خالدٌ وهشامٌ ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ: حدثني أنسٌ، أنَّ النبيَّ وَِّ قنتَ شهرًا في الغداةِ ، بعد الركوعِ ،
يدعو .
وقد خرَّجه أبوداودَ (٣)، وعنده: بدلَ ((يسيرًا)): ((يسرًا)) أو (يسر)).
(١) في ((اليونينية)): ((أوقنت قبل ... )) أو ((أقنت قبل ... )).
(٢) في هامش الأصل :
((في رواية البيهقي (٢٠٦/٢) بعد قوله: ((يسيرًا)): ((ولا أدري القيام أو القنوت)).
(٣) (١٤٤٤)، لكن عنده: ((بيسير)).

٢٧١
٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده
کتاب الوتر
وهذه الروايةُ إنْ كانتْ محفوظةً فإنما تدلُّ على أنه أسرَّ بالقنوتِ ، ولم
يجهر به .
الطريقُ الثاني :
١٠٠٢ - ثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ الْوَاحد: ثَنَا عَاصمٌ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنْسَ بْنَ مَالك
عَنِ الْقُنُوتِ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْقُنُوُتُ. قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ : قَبْلَهُ .
قُلتُ: فَإِنَّ فُلاَنَا أَخْبَنِي عَنْكَ، أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ
رَسُولُ اللَّهِوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أُرَهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا ، يُقَالُ لَهُمُ : الْقُرَّاءُ، زُهَاءَ
سَبْعِينَ رَجُلاً إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَينَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّوَ عَهْدٌ،
فَقْنَتَ رسولُ اللَّهِهِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ .
وخرجهُ - أيضًا - في ((المغازي))(١) عن موسى بنِ إسماعيلَ، عن عبدِ الواحدِ،
[ عن ] عاصمٍ، بأتمَّ مِن هذَا.
وخرجه في أواخرِ «الجهادِ))(٢) من طريقِ ثابتِ بنِ يزيدَ ، عن عاصمٍ : سألتُ
أنسًا عن القنوت، [ قالَ ] : قبلَ الركوعِ ، فقلتُ: إن فلانًا يزعم أنكَ قلت: بعد
الركوع؟ قال: كذبَ، ثمَّ حدثَ عنِ النبيِّ نَِّ، أنه قنتَ شهرًا بعدَ الركوعِ - فذكره.
وخرَّجه في ((الأحكام))(٣) من طريق عبادِ بنِ عبادٍ ، عن عاصمٍ . وفي
((الدعاء)»(٤) من طريق أبي الأحوصِ، عن عاصمٍ - مختصراً، في القنوتِ شهراً ،
ولم يذكر فيه ((قبل)) .
وخرَّجه مسلمٌ (٥) من رواية أبي معاويةَ ، عن عاصم ، عن أنسٍ ، قال :
(١) (٤٠٩٦) . وفي الأصل: ((عبد الواحد بن عاصم)) خطأ.
(٢) (٣١٧٠) . والزيادة منه .
(٣) (٧٣٤١) .
(٤) (٦٣٩٤) .
(٥) (١٣٦/٢) .

٢٧٢
حديث : ١٠٠٢
کتاب الوتر
سألته عن القنوبِ قبلَ الركوعِ ، أو بعدَ الركوعِ ؟ فقال : قبلَ الركوعِ . قلتُ :
فإنَّ ناسًا يزعمونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ قنتَ بعدَ الركوعِ؟ فقالَ: إنما قنتَ رسولُ اللَّه
وَّه شهرًا، يدعو على أُناسٍ قتلُوا أُناسًا من أصحابِه، يقال لهم: القراءُ.
وخرجه(١) من طرق أخرَى، عن عاصمٍ، عن أنسٍ - في قنوتِ النبيِّ ◌َّل
شهراً فقط .
وليس في شيء من هذه الروايات : مدوامةُ القنوتِ ، كما في روايةٍ
عبدِ الواحدِ بن زيادِ الَّتي خرجها البخاريُّ ، مع أنه لا دلالةَ فيها على ذلكَ - على
تقديرٍ أن تكونَ محفوظةً - ؛ فإنه ليس فيها تصريحٌ بأن النبيِّ وَّ هو الذي كان
يقنتُ قبلَ الركوعِ، فيحتملُ أن يريدَ أنَّ مدةَ قنوتِ النبيِّ نَلِّ كانت شهرًا بعدَ
الركوعِ ، وكان غيرُهُ منَ الخلفاءِ يقنتُ قبلَ الركوعِ ، ولعلَّه يريدُ قنوتَ عمرَ ، لما
كان يبعث الجيوشَ إلى بلاد الكفارِ ، فكان يقنتُ ويستغفرُ لهم .
ولكن روى الطبرانيُّ ، عن الدبريِّ ، عن عبدِ الرزاقِ ، عن أبي جعفرَ
الرازيِّ، عن عاصمٍ، عن أنسٍ، قال: قنتَ رسولُ اللَّهِ بِّهِ في الصبحِ يدعو
على أحياء من أحياءِ العربِ ، وكانَ قنوتُه - قبلَ ذلك وبعدَه - قبلَ الركوعِ .
ولكن هذه الرواية شاذةٌ منكرةٌ ، لا يعرَّج عليها .
وأبو جعفر الرازيُّ ، اسمُهُ : عيسى بنُ ماهانَ ، قد وثقه يحيى وغيره ؛ فإنه
من أهلِ الصدقِ ولا يتعمدُ الكذبَ ، ولكنه سيِّئُ الحفظ ؛ فلذلكَ نسبَه ابنُ معينٍ
إلى الخطإ والغلطِ مع توثيقهِ له .
وقال ابنُ المدينيِّ : هو يخلِّط مثلَ موسى بنٍ عُبيدةَ . وقال أحمدُ والنسائيّ:
ليسَ بالقويِّ في الحديثِ . وقالَ أبو زرعة : يهمُ كثيرًا . وقال الفلاس : فيه
ضَعْف، وهو منِ أهلِ الصدقِ سيِّئُّ الحفظِ . وقال ابنُ خِرَاشِ : سيِّئُ الحفظ
صدوقٌ . وقال ابنُ حبان : ينفردُ بالمناكيرِ عن المشاهيرِ .
(١) (١٣٦/٢) .

٢٧٣
٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده
کتاب الوتر
وقد روى أبو جعفر هذا ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ ، عن أنسٍ ، قال : ما زالَ
النبيُّ وَلِّ يقنتُ حتى فارقَ الدنيا .
خرجه الإمام أحمدُ وغيرُه(١)
.
وهذا - أيضًا - منكرٌ .
قال أبو بكرِ الأثرمُ : هو حديثٌ ضعيفٌ ، مخالفٌ للأحاديث .
يشير إلى أنَّ ما ينفردُ به أبو جعفرَ الرازيُّ لا يُحتجَّ به ، ولا سيما إذا خالفَ
الثقات .
وقد تابعه عليه : عمرُو بنُ عبيدِ الكذابُ المبتدعُ ، فرواه عن الحسنِ ، عن
أنسٍ - بنحوه (٢).
وتابعه - أيضًا - : إسماعيلُ بنُ مسلمٍ المكيُّ ، وهو مجُمَعٌ على ضعفِهِ ،
فرواه عن الحسنِ ، عن أنسٍ .
وقد خرَّج حديثَه البزارُ، وبيَّن ضعفَهَ(٣).
ورُويَ - أيضًا - ذلك عن أنسٍ من وجوهٍ كثيرةٍ ، لا يثبتُ منها شيءٌ ،
وبعضُها موضوعةٌ .
وروى خليدُ بن دعلجٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ ، أن رسولَ اللَّهِ وَلِ قنتَ في
صلاة الفجرِ بعدَ الركوعِ ، وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ صدرًا مِن خلافته ، ثم طلبَ
إليه المهاجرونَ والأنصارُ تقديمَ القنوتِ قبلَ الركوعِ(٤).
خليدُ بن دعلجٍ ، ضعيفٌ ، لا يُعتمدُ .
(١) أحمد (١٦٢/٣) وابن أبي شيبة (١٠٤/٢) وعبد الرزاق (١١٠/٣) والطحاوي (٢٤٤/١)
والدارقطني (٣٩/٢) والبيهقي (٢/ ٢٠١).
(٢) البزار (٢٦٩/١ - كشف) .
(٣) (٢٦٩/١ - كشف).
(٤) البيهقي (٢٠٩/٢) .

٢٧٤
حدثنا : ١٠٠٢
کتاب الوتر
وقد روى مصعبُ بنُ المقدامِ ، عن سفيانَ ، عن عاصمِ الأحوالِ ، عن
أنسٍ، قال: قنتَ رسولُ اللَّهِ بَ لهِ شهرًا قبلَ الركوعِ.
وروى الحسنُ بنُ الربيعِ ، عن أبي الأحوصِ ، عن عاصمٍ ، عن أنسٍ ، أنَّ
النبيَّ بَِّ قِنتَ شهراً في صلاةِ الفجرِ ، يدعو على خيبرَ .
قال عاصمٌ : سألتُ أنسًا عن القنوتِ ؟ قال : هو قبلَ الركوعِ .
وهاتان الروايتان : تدلُّ على أنَّ القنوتَ قبلَ الركوعِ كان شهرًا ، بخلاف
روايةِ عبدِ الواحدِ ، عن عاصمٍ .
وروى قيسُ بنُ الربيعِ ، عن عاصمٍ ، قال : قُلنا لأنسٍ : إنَّ قومًا يزعمونَ
أن النبيَّ وَّهِ لم يزلْ يقنتُ بالفجرِ؟ قال: كذبوا؛ إنما قنتَ رسولُ اللَّهِ وَل
شهرًا واحدًاً ، يدعو على حيٍّ مِن أحياءِ المشركينَ .
فهذه تعارضُ روايةَ أبي جعفرَ الرازيِّ ، عن عاصمٍ ، وتصرحُ بأن مدةَ القنوتِ
كلَّها لم تزد على شهرٍ .
وليسَ قيسُ بنُ الربيعِ بدونِ أبي جعفرَ الرازيِّ ، وإن كانَ قد تُكُلِّمَ فيه ؛ لسوء
حفظه - أيضًا - ، فقد أثنى عليه أكابرُ ، مثلُ : سفيانَ الثوريِّ وابن عيينةَ وشريكٍ
وشعبةَ وأبي حصينٍ .
وأنكرَ شعبةُ على القطَّنِ كلامَه فيه ، وأنكر ابنُ المباركِ على وكيعٍ كلامَه
فيه .
وقال محمدٌ الطنافسيُّ : لم يكن قيسٌ عندنا بدونٍ سفيانَ ، إلا أنه استعمل ،
فأقام على رجلٍ حدًا ، فمات ، فَطُفْئَ أمرهُ .
وقال يعقوبُ بنُ شيبةَ : هو عند جميع أصحابِنا صدوقٌ و کتابُه صالحٌ ، إنما
حفظه فيه شيءٌ .
وقال ابنُ عديٌّ : رواياتُه مستقيمةٌ ، وقد حدَّث عنه شعبةُ وغيرُهُ من الكبار ،

٢٧٥
٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده
کتاب الوتر
والقولُ فيه ما قال شعبةُ : إنه لا بأس به .
وقد تُوبع قيسٌ على روايته هذه :
فروى أبو حفصِ ابنُ شاهينَ : ثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ - هو : ابنُ
عقده الحافظُ ـ : ثنا الحسنُ بنُ عليٍّ بنِ عفانَ: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّاني ، عن
سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ وَِّ لم يقنتْ إلا شهرًا واحدًا حتى
مات .
٠٠
وابن عقدة، حافظٌ كبيرٌ ، إنما أُنكرَ عليه التدليسُ ، وقد صرَّح في هذا
بالتحديث .
وعبدُ الحميد الحمانيُّ، وثَّقه ابنُ معينٍ وغيرُهُ ، وخرَّج له البخاريّ .
وخرَّج البيهقيُّ (١) من حديثٍ قَبيصةَ ، عن سفيانَ ، عن عاصمٍ ، عن أنسٍ ،
قال: إنما قنتَ النبيُّ بَّهِ شهرًا. فقلت : كيف القنوتُ؟ قال: بعد الركوعِ .
وهذه تخالف روايةَ منَ روى عنه القنوتَ قبلَ الركوعِ .
وأما القنوت شهرًا ، فقد سبق أن البخاريَّ خرَّجه من روايةِ عبادِ بنِ عبادٍ .
وخرجه مسلمٌ (٢) مِن رواية ابن عيينة ، وغيرٍ واحدٍ ، كلّهم عن عاصمٍ .
٩
وهو المحفوظُ عن سائرِ أصحابِ أنسٍ .
فتبيَّن بهذَاً : أنَّ روايةَ عاصمِ الأحولِ عنْ أنسٍ - في محلِّ القنوتِ ،
والإشعارِ بدوامهِ - مضطربةٌ متناقضةٌ .
وعاصمٌ نفسُهُ ، قد تكلّم فيه القطانُ ، وكان يستضعفُه ، ولا يحدِّث عنه .
وقال : لم يكن بالحافظ .
(١) (٢٠٨/٢) .
(٢) (١٣٦/٢).
ـي

٢٧٦
حديث : ١٠٠٢
كتاب الوتر
وقد حدَّث عاصمٌ ، عن حميد بحديث ، فسئلَ حميدٌ عنه ، فأنكرَه ولم
يعرفه .
وحينئذٍ ؛ فلا يقضَى برواية عاصمٍ ، عن أنسٍ ، مع اضطرابِها على رواياتٍ
بقيةٍ أصحابِ أنسٍ ، بل الأمر بالعكسِ .
وقد أنكر الأئمةُ على عاصمٍ روايتَه عن أنسِ القنوتَ قبلَ الركوعِ :
قال الأثرمُ : قلت لأبي عبدِ اللَّه - يعني : أحمدَ بنَ حنبلٍ - : يقول أحدٌ في
حديثٍ أنسٍ: إنَّ النبيَّ وَِّ قنتَ قبلَ الركوعِ غيرُ عاصمِ الأحولِ ؟ قالَ : ما
علمتُ أحداً يقولُه غيرُه: قال أبو عبد اللَّه: خالفَهم عاصمُ كلَّهم .
يعني : خالفَ أصحابَ أنسٍ .
ثم قال: هشامٌ، عن قتادة، عن أنسٍ، أن النبيَّ نَ ◌ّهِ قنتَ [بعدَ](١)
الركوعِ ، والتيميَّ ، عن أبي مِجْلَزِ ، عن أنسٍ . وأيوبُ ، عن محمد : سألتُ
أنسًا . وحنظلةُ السدوسيَّ ، عن أنسٍ - : أربعةُ أوجه .
وقال أبو بكرِ الخطيبُ في ((كتابِ القنوتِ)) : أما حديثُ عاصم الأحولِ ، عن
أنسٍ ، فإنه تفرَّد بروايته ، وخالفَه الكافةُ من أصحاب أنسٍ ، فروَوْا عنه القنوتَ
بعدَ الركوعِ ، والحكمُ للجماعةِ على الواحدِ .
كذا قالَه الخطيبُ في القنوتِ قبلَ الركوعِ ، فأما في دوام القنوتِ ، فإنه جعله
أصلاً اعتمدَ عليه ، ويقالُ له فيه كما قالَ هو في محلِّ القنوتِ ، فيقال : إنَّ
أصحابَ أنسٍ إنما روَوْا عنه إطلاقَ القنوتِ أو تقييدَه بشهرٍ ، ولم يَرْوِ عِنْ أنسٍ
دوامَ القنوتِ مَن يُوثَقُ بحفظه .
وأما القنوتُ قبلَ الركوعِ ، فقدْ رواهُ عبدُ العزيزِ بنُ صهيبٍ ، عن أنسٍ ، كما
(١) في الأصل: ((قبل))، والسياق يأباه. وقد أخرجه البخاري (٤٠٨٩) على الصواب .

٢٧٧
٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده
کتاب الوتر
خرج البخاريّ (١) عنه من طريقه في ((السير))، وسنذكرُه - إن شاءَ اللَّه سبحانه
وتعالى .
وقد حمل بعضُ العلماءِ المتأخرينَ حديثَ عاصمٍ ، عن أنسٍ في القنوت قبلَ
الركوعِ على أنَّ المرادَ به : إطالةُ القيامِ ، كما في الحديثِ : ((أفضلُ الصلاة طولُ
القنوت)) .
والمرادُ: أن النبيَّ وَّ كانَ يطيلُ القيامَ قبلَ الركوعِ للقراءةِ، وإنما أطالَ
القيامَ بعدَ الركوعِ شهراً حيث دعا علَى مَن قتلَ القراءَ ، ثم تركَه .
وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك .
وروى ابنُ أبي شيبةَ (٢): ثنا ابنُ نميرٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ ، عن نافعٍ ،
عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان لا يقنتُ في الفجر ، ولا في الوتر ، وكان إذا سُئلَ عن
القنوت ، قال : ما نعلمُ القنوتَ إلا طولَ القيامِ وقراءةَ القرآنِ .
ورواه يحيى بنُ سعيد، عنْ عبيدِ اللَّهِ - أيضًا .
الطريقُ الثالثُ :
١٠٠٣ - ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : ثَنَا زَائِدَةَ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عن أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِوَ شَهْرًا، يَدْعَوَ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ .
وخرَّجه في ((المغازي))(٣) من روايةِ ابنِ المباركِ ، عن سليمانَ التيميِّ ، وزاد
فيه : ((بعدَ الركوع)) .
وزاد - أيضًا - فيه : ((وَيَقُولُ: عُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)).
وكذلكَ خرَّجه مسلمٌ (٤) من روايةِ المعتمرِ بنِ سليمانَ التيميِّ ، عن أبيه ،
(١) (٤٠٨٨) .
(٢) (٢ /٩٩) .
(٣) (٤٠٩٤) .
(٤) (٢ / ١٣٦) .

٢٧٨
حديث : ١٠٠٤
کتاب الوتر
وزاد فيه : ((في صلاة الصبحِ)) .
الطريقُ الرابعُ :
١٠٠٤ - ثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا إِسْمَاعيلُ: أَنَا خَالدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَلك ، قَالَ : كَانَ الْقُنُوتِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ .
وخرَّجه - فيما تقدمَ - في ((بَابِ: فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) (١)، عن
عبدِ اللهِ بنِ أبي الأسودِ ، عن إسماعيلَ - وهو: ابنُ عليةَ - ، بهِ - أيضًا .
وليس في هذا الحديثِ أنَّ ذلك كانَ مِن فعلِ النبيِّ وَِّ، ولا في عهدِه ،
فيحتمل أنَّه أخبر عمَّا كانَ في زمن بعضِ خلفائِهِ . واللهُ أعلمُ .
وقد رُويَ حديثُ القنوتِ عن أنسٍ من طرقٍ أُخرى ، وقد خرجه البخاريّ في
((السيرِ)) و((المغازي)) من بعضها.
طريقٌ آخرَ :
قال البخاريُّ (٢): ثنا أبو معمرٍ: ثنا عبدُ الوارثِ : ثنا عبدُ العزيزِ ، عنْ أنسٍ ،
قال: بعثَ النبيِّ وََّ سبعينَ رجلاً لحاجة، يقالُ لهم: القراءُ ، فعرض لهم
حَيَّن من بني سليم : رِعْلٌ وذَكوانُ ، فقتلوهم، فدعَا النبيَّ ◌َّ شهرًا عليهم في
صلاة الغداةِ ، وذلك بدءُ القنوتِ ، وما كنا نقنتُ .
قال : وسأل رجلٌ أنسًا عن(٣) القنوتِ: بعدَ الركوعِ أو عندَ فراغٍ منَ القراءةِ؟
قال : بل عند فراغٍ منَ القراءةِ .
ولكن؛ ليس في هذه الروايةِ تصريحٌ بأن قنوتَ النبيِّ ◌َّ كانَ قبلَ الركوعِ ،
إنَّما هو مِن فُتيا أنسٍ . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
(١) (٧٩٨) .
(٢) (٤٠٨٨) .
(٣) في الأصل: ((عند)).
١

٢٧٩
٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده
كتاب الوتر
وقد تقدم عنه ما يخالفُ ذلك ، وما يوافقه ، فالروايات عن أنسٍ في محلٌ
القنوت مختلفةٌ .
وفي هذه الرواية التصريحُ بأن هذا كان بدأ القنوتِ ، وأنهم لم يقنتُوا قبله ،
والتصريحُ بأن القنوتَ كان شهرًا، ولا شكَّ أن هذا القنوتَ تُركَ بعدَ ذلكَ . ولم
يقلْ أنسُ : إنه استمر القنوت بعد الشهر . واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
طريقٌ آخرُ :
قال البخاريُ (١) : ثنا يحيى بن بكير: ثنا مالك، عن إسحاق(٣) [ بنِ عبدِ الله
ابنِ أبي طلحةَ، عن أنس بن مالكِ، قال: دَعَا النبيُّ نَّهُ عَلَى لادينَ قَتَلُوا
أصحابَه ببئرٍ مَعَونَةَ ثلاثينَ صَبَاحًا حينَ يدعُوا على رِعْلَ وَلَحْيَان ، وعُصَّةٌ عَصَتِ
الله ورسولَه ◌َلھد .
قال أنسُ : فَأَنزِلَ الله تعالى لنبيِّه في الذين قُتلوا - أصحابٍ بئر مَعُونَ -
قرآنًا، حتَّى نُسخَ بعدُ: بلِّغوا قَوْمَنَا، فَقَد لَقَيْنَا رَبَّنَا، فَرضَى عنَّا ورَضَيْنَا عَنْهُ ]
(١) (٤٠٩٥) .
(٢) وقع هنا خرم كبير، يبدأ من هنا حتى أثناء الباب رقم (١٦) من كتاب ((الاستسقاء)) وقد
أكملت نصَّ الحديث المذكور من البخاري .

1