Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٢ - باب صلاة الخوف رجالاً ور کبانًا
کتاب صلاة الخوف
كما وقفَه سفيانُ ، عن موسى بن عقبةَ ، وجعلَه مُدرجًا في الحديث .
وقد ذكرَ البخاريُّ : أن ابنَ جريجٍ رفعَه عن موسَى ، وخرَّجه من طريقه
كذلك(١).
وأما قولُ مجاهد المشارُ إليه في روايةِ البخاريِّ : روى ابنُ أبي نَجيحٍ ، عن
مجاهد : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رَكْبَانَا﴾ [البقرة: ٢٣٩] إذا وقعَ الخوفُ صلَّى على
كلِّ وجهةٍ ، قائمًا أو راكبًا أَوْ ما قدرَ ، ويومِئُ برأسِهِ ، ويتكلَّمُ بلسانِهِ(٢) .
وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ ، عن ابنِ أبي أنيسةَ ، عن أبي الزبيرِ ، قالَ :
سمعتُ جابراً سُئلَ عن الصلاةِ عندَ المسايفةِ ؟ قال : ركعتين ركعتينِ ، حيث
توجهتَ على دابتكَ تومئُ إيماءً .
ابنُ أبي أنيسةَ ، أظنُّه : يحيى ، وهو ضعيفٌ .
وخرَّج الإسماعيليُّ في ((صحيحه)، وخرَّجه من طريقه البيهقيُّ (٣)، من
روايةٍ حجاجٍ بنِ محمدٍ ، عن ابن جريجٍ ، عن ابنِ كثيرٍ ، عن مجاهد ، قال :
إذا اختلطُوا(٤) ، فإنما هو التكبيرُ والإشارةُ بالرأسِ .
قال ابنُ جُريج: حدثني موسى بنُ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عُمر ، عن النبيُّ
وَُّ(٥) - بمثلِ قولِ مجاهدٍ: إذا اختلطُوا (٤)، فإنما هو التكبيرُ والإشارةُ بالرأسِ .
وزاد: عن النبيِّ وَّهِ: ((فإن كثرُوا فليصلُّوا ركبانًا أو قيامًا على أقدامهم)) -
يعني : صلاةَ الخوفِ .
وخرَّجه - أيضًا (٦) - من رواية سعيدِ بنِ يحيى الأمويُّ ، عن أبيه ، عن ابن
(١) (٩٤٣) .
(٢) ابن جرير (٥٥٤١).
(٣) (٢٥٥/٣).
(٤) في الأصل: ((اختلفوا) خطأ .
(٥) في هامش الأصل حاشية، نصها: ((فخطَّ البيهقي على قوله: عن النبي ◌ِّ)).
(٦) (٢٥٥/٣ - ٢٥٦) .

٢٢
حديث : ٩٤٣
كتاب صلاة الخوف
جريجٍ، ولفظُه : عن ابن عُمرَ - نحوًا من قول مجاهد : إذا اختلَطوا ، فإنما هو
الذكرُ وإشارةٌ بالرأسِ .
وزاد ابنُ عُمرَ: عن النبيِّ نَّهِ: ((وإن كانُوا أكثرَ من ذلك فليصلُّوا قيامًا
ور کیانًا» .
كذا قرأتُه بخط البيهقيِّ .
وخرَّجه أبو نعيمٍ في ((مستخرجه على صحيح البخاريِ)) من هذا الوجه،
وعندهَ : ((قيامًا وركبانًا))، وهو أصحُ (١).
وهذه الروايةُ أتُمُّ من روايةِ البخاريِّ .
ومقصودُ البخاريِّ بهذا : أن صلاة الخوف تجوزُ على ظهورِ الدوابِّ
للركبانِ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِ جَالاً أَوْ رَكْبَانَا﴾ ويعني: ((رجالاً)):
قيامًا على أرجلهم، فهو جمعُ راجلٍ ، لا جمعَ رجلٍ، و((الركبانُ»: على
الدوابٌ .
وقد خَرَّج فيه حديثًا مرفوعًا . وقد روي عن ابن عُمر وجابرٍ ، كما سبق .
وقال ابنُ المنذرِ (٢): أجمعَ أهلُ العلمِ على أن المَطْلُوبَ يصلِّي على دابتهِ -
كذلك قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ، والأوزاعيَّ ، والشافعيّ وأحمدُ ، وأبو ثورٍ - ،
وإذا كان طَالِبًا نزلَ فصلَّى بالأرضِ .
قال الشافعيَّ : إلا في حالٍ واحدة ، وذلك أن يقلَّ الطالبون عن المطلوبين،
ويُقْطَع الطالبونَ عن أصحابِهم ، فيخافون عودةَ المطلوبين عليهم ، فإذا كانُوا
هكذا كان لهم أن يصلُّوا يُومِنُون إيماءً . انتهى .
وممن قال : يصلّي على دابته ويومِئُ : الحسنُ والنخعَيُّ والضحاكُ ، وزاد:
(١) لا أدري ما وجه الفرق بين الروايتين ؟
(٢) (٤٢/٥) .

٢٣
٢ - باب صلاة الخوف رجالاً ور کبانًا
كتاب صلاة الخوف
أنه يصلّي على دابَّتِهِ طالبًا كانَ أو مطلوبًا، وكذا قال الأوزاعيُّ.
واخلفتِ الروايةُ عن أحمدَ : هل يصلّي الطالبُ على دابتهِ ، أم لا يصلّي إلا
على الأرضِ ؟ على روايتين عنه ، إلا أن يخافَ الطالبُ المطلوبَ ، كما قال
الشافعيّ ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ .
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرِ : أما المطلوبُ ، فلا يختلفُ القولُ فيه ،
أنه يصلّي على ظهرِ الدابةِ ، واختلفَ قولُه في الطالبِ ، فقالُوا عنه : ينزلُ
فيصلِّي على الأرضِ ، وإن خافَ على نفسِهِ صلَّى وأعادَ ، وإن أخرَّ فلا بأسَ ،
والقولُ الآخرُ : أنه إذا خافَ أن ينقطعَ عن أصحابِه أن يعودَ العدوّ عليه ، فإنه
يصلّي على ظهرِ دابتهِ ، فإنه مثلُ المطلوبِ لخوفِه ، وبه أقولُ . انتهى .
وما حكاه عن أحمدَ من أن الطالبَ إذا خافَ فإنه يصلِّي ويعيدُ ، فلم يذكر به
نصًا عنه ، بل قد نصَّ على أنه مثلُ المطلوبِ .
قال - في رواية أبي الحارث - : إذا كانَ طالبًا وهو لا يخافُ العدوَّ ، فما
علمتُ أحدًا رَخَّص له في الصلاةِ على ظهرِ الدابةِ ، فإن خافَ إِنْ نزلَ أن ينقطعَ
من الناسِ ، ولا يأمنُ العدوَّ فليصلِّ على ظهرِ دابتهٍ ويلحقُ بالناسِ ؛ فإنه في هذه
الحالِ مثلُ المطلوبِ .
ونَقَلَ هذا المعنى عنه جماعةٌ ، منهم : أبو طالبٍ والأثرمُ .
وله أن يصلّيَ مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلِها على حسبِ القدرةِ .
وفي وجوبِ استفتاحِ الصلاةِ إلى القبلةِ روايتانِ عن أحمدَ :
فمِن أصحابِنا مَنْ قال : الروايتانِ مع القدرةِ ، فأما معَ العجزِ فلا يجبُ روايةٌ
واحدةً .
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ عكسَ ذلك ، قال : يجبُ مع القدرةِ ، ومع عدمِ
الإمكانِ ، روايتانِ .

٢٤
حديث : ٩٤٣
کتاب صلاة الخوف
وهذا بعيدٌ جدًا - أعني : وجوبَ الاستفتاحِ إلى القبلةِ مع العجزِ ، ولعلَّ
فائدة(١) إيجابِ الإعادة بدونه .
ولهم أن يصلُّوا صلاةَ شدةِ الخوفِ رجالاً وركبانًا في جماعةٍ ، نصَّ عليه
أحمدُ ، وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ .
وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ: لا يصلونَ جماعةً ، بل فُرادَى؛ لأنَّ
المحافظةَ على الموقفِ والمتابعةِ لا تمكنُ .
وقال أصحابُنَا ومَن وافقهم : يُعْفَى عن ذلك هاهنا ، كما يُعْفَى عن استدبارِ
القبلةِ والمشِي في صلواتِ الخوفِ ، وإن كان معَ الانفرادِ يمكن تركُ ذلك .
قالوا : ومتى تَعَذَّرتِ المتابعةُ لم تصحّ الجماعةُ بلا خلاف .
(١) كذا، ولعل الصواب: ((فائدته)»، أو يكون سقط وقع .

٢٥
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
٣ - بَابٌ
يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ
٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةٌ بْنُ شُرَيْحٍ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنِ الزَُّيْدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُّدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَِّ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، قال: قَامَ النَِّيُّ ◌َخله
وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَرُوا مَعَهُ ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا
مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَنَتِ الطَّائِقَةُ الأُخْرَى
فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
وخرَّجه النسائيُّ (١) عن عمرو بن عثمانَ بنِ سعيدِ بنِ كثيرٍ ، عن محمدِ بنِ
حرب بهذا الإسنادِ ، وزاد فيه ألفاظًا بعد قوله : ((ثم قامَ إلى الركعةِ فتأخرَ الذين
سجدُوا معه وحرسُوا إخوانَهم» .
ورواه النعمانُ بنُ راشدٍ ، عن الزهريِّ بهذا الإسنادِ ، وزاد فيه زيادات كثيرةً،
ولفظُه: ((قامَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ وقمنا خلفه صَفَّيْنِ ، فَكَبَّر وركعَ وركعنَا جميعًا ،
الصفانِ كلاهما ، ثم رفعَ رأسَه ، ثم خرَّ ساجدًا ، وسجد الصَقُّ الذي يليه ،
وثبتَ الآخرون قيامًا يحرسون إخوانَهُم ، فلما فرغَ من سجودِهِ وقام خَرَّ الصفُّ
المؤخرُ سجودًا، فسجدَ سجدتين، ثم قامُوا فتأخَّر الصفُّ المقدمُ الذي بين
يَدَيه، وتقدمَ الصفُّ المؤخَّر، فركعَ وركعُوا جميعًا، وسجدَ رسولُ اللَّهِ وَه
والصفُّ الذي يليه، وثبتَ الآخرون قيامًا يحرسونَ إخوانَهم، فلما قَعَدَ رسولُ اللَّه
وَّه خَرَّ الصفُّ المؤخرُ سجودًا، ثم سلَّمَ النبيُّ وَِّ.
خرَّجه الدار قطنيُّ، ومن طريقه البيهقيُّ(٢).
(١) (٣ /١٦٩ - ٠ ١٧) .
(٢) الدار قطني (٥٨/٢ - ٥٩) والبيهقي (٢٥٨/٣).

٢٦
حديث : ٩٤٤
كتاب صلاة الخوف
وفي هذه الرواية : أن الصفينِ ركعوا معه ، وروايةُ الزبيديِّ تدلُّ على أن
بعضهم رک معه ، وبعضهم لم یرکم .
ورواه أبو بكرِ بنُ أبي الجَهْمِ ، عن عبيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عُتْبةَ ، عن ابنِ
عباسٍ ، أن النبيَّ نَّهِ صلَّى بِذِي قَرَدٍ، فصَفَّ الناسُ خلفه صَفَّيْنِ، صَفٌّ
خلفَه ، مُوَزِيَ العَدُوِّ ، فصلَّى بالذين خلفَه ركعةً، ثم انصرفَ هؤلاءِ إلى مكانٍ
هؤلاء ، وجاء أُولئكَ فصلَّى بهم ركعةً ، ولم يقضُوا .
خرَّجه النسائيُّ (١) من طريق سفيانَ ، عنه .
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢)، ولفظُه: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَّ صلاةَ الخوفِ بذي
فَرَدٍ - أرضٍ من أرضِ بني سُليمٍ - ، فصَفَّ الناسُ خلفَه صَفَّينِ ، صفًا موازي
العدوِّ، وصفًا خلفَه، فصلَّى بالذي يليه ركعةً، ثم نَكَصَ هؤلاءِ إلى مصافٍ
هؤلاءِ ، وهؤلاءِ إلى مصافِّ هؤلاءٍ ، فصلى بهم ركعةً أخرى .
وفي رواية أخرى له (٣): ثم سلَّم، فكانت للنبيِّوَّ ركعتين، ولكلِّ طائفة
ركعةٌ .
وهذه الزيادةُ مُدْرَجةٌ من قولِ سفيانَ ؛ كذلك هو في روايةِ البيهقيُّ (٤).
وخرّجِه ابنُ خُزيمةَ وابنُ حِبَّانَ في ((صحيحيهما))(٥).
وقال البخاريُّ في ((المغازي)(٦): ((وقال ابنُ عباسٍ: صلى رسولُ اللَّهِ وَيهل
الخوفَ بذي قَرَدٍ» - ولم يزدْ على ذلك .
(١) (١٦٩/٣) .
(٢) (١/ ٢٣٢) .
(٣) (٣٥٧/١).
(٤) (٢٦٢/٣) .
(٥) ابن خزيمة (١٣٤٤) وابن حبان (٢٨٧١) .
(٦) عقب حديث (٤١٢٥) .

٢٧
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
وقال الشافعيّ (١): هو حديثٌ لا يثبتُ أهلُ العلم بالحديث مثلَه . قال :
وإنما تركناه لاجتماع الأحاديث على خلافِه ؛ ولأنه لا يثبتُ عندنا مثلُه لشيءٍ في
بعضِ إسنادِه . انتهى .
وإذا اختلفَ أبو بكرِ بنُ أبي الجَهْمِ والزهريُّ ، فالقولُ قولُ الزهريِّ ، ولعل
مسلمًا تركَ تخريجَ هذا الحديثِ للاختلافِ في متنِهِ ، وقد صحح الإمامُ أحمدُ
إسناده .
قال - في رواية عليّ بنِ سعيدٍ في صلاة الخوفِ - : قد رُوي ركعةٌ وركعتان،
ابنُ عباسٍ يقولُ: ركعةً ركعةً، إلا أنه كانَ للنبيِّبَّهَ ركعتانِ وللقومِ ركعةٌ ، وما
يُروى عن النبيِّ وَّ كلُّها صحاحٌ .
وقال - في رواية حربٍ - : كلُّ حديثٍ رُويَ في صلاةِ الخوفِ فهو صحيحُ
الإسنادِ ، وكلَّ ما فعلتَ منه فهوَ جائزٌ .
وقد حَمَلَ بعضُهم معنى روايةِ أبي بكرِ بنِ أبي الجهمِ على معنَى روايةٍ
الزهريِّ، وقال: إنما المرادُ أن الصَفَّينِ صلَّوا مع النبيِّ وَّهِ، ثم حرسَ أحدُ
الصفينِ في الركعةِ الأولَى، والآخرُ في الثانية ، وإنما لم يَقضُوا بعدَ سلامِ النبيِّ
وَِّ لأنهم قَضَوا ما تخلَُّوا به عنه قبلَ سلامِه، كما في روايةِ النعمانِ بنِ راشدٍ ،
عن الزهريِّ .
وأما قولُهُ: ((فكانت للنبيِّ وَِّ ركعتانِ وللقوم ركعةٌ))، فهو من قولِ سفيانَ،
كما هو مصرَّحٌ به في رواية البيهقيِّ، وذلك ظنّ ظَنَّه، قد خالفَه غيرُه فيه .
ويشهد لهذا التأويلِ : أنه قد رُوي عن ابنِ عباسِ التصريحُ بهذا المعنَى من
وجهِ .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ (٢) من روايةِ ابنِ إسحاقَ : حدثنِي داودُ بنُ
(١) انظر: ((الأم)» (١٩٢/١).
(٢) أحمد (٢٦٥/١) والنسائي (١٧٠/٣).

٢٨
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
الحُصَيْنِ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ما كانتْ صلاةُ الخوف إلا
كصلاةٍ أَحْرَاسكم هؤلاءِ اليومَ خَلْفَ أَثْمَّتِكُمْ هؤلاءِ إِلا أَنْها كانت عُقْبًا ، قَامتْ
طائفةٌ منهم وهُمْ جميعًا مع رسولِ اللَّهِ وَله، وسجدتْ معه طائفةٌ، ثمَّ قَامَ
رسول اللَّهِ وَ ليهِ وسَجَد الذين كانُوا قِيَامًا لأنفُسِهِم، ثم قامَ رسولُ اللَّهِ وَله
وقامُوا معه جميعًا، ثم رَكَعَ وركَعوا معه جميعًا ، ثم سجدَ فسجدَ معه الذين
كانوا قِيامًا أَوَّلَ مرةٍ، فلما جلسَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ والذينَ سجدُوا معه في آخرِ
صلاتهم سجدَ الذين كانُوا قيامًا لأنفسِهم، ثم جلَسُوا فجمعَهم رسولُ اللَّهِ وَلَيه
بالتسليم .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) مِنْ رواية النَّصْرِ أبي عمرَ ، عن عِكْرمةَ ، عن ابنِ
عباسٍ قال: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ فِي غَزَةٍ فلقيَ المشركينَ بِعُسْفَانَ فأنزلَ اللَّهُ
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية، فلما صلَّى رسولُ اللَّهِ وَّ
العصرَ وكانُوا في القبلةِ صلَّى المسلمونُ خَلْفَه صَفَّيْنِ فَكَّرَ رسولُ اللهِ وَ طَهِ فِكَّروا
معه - فذكرَ صلاةَ الخوفِ - ، وفيه : تأخُّر الصفِّ الذين يَلُونَه في الركعةِ الثانيةِ
وتقدُّمُ الآخرين - وقال في آخرِ الحديثِ : فلما نظرَ إليهم المشركونَ يسجدُ
بعضُهم ويقومُ بعضُهم ينظرُ إليهم ، قالوا : لقد أُخبروا بما أردناهم .
(١) كذا، ولم نجده لا في («المسند»، ولا في ((أطرافه)).
ثم إن قول المؤلف في آخره يدل على أن صحة العزو إلى ((المستدرك)) للحاكم ، فإما أن
يكون ذكر أحمد هنا خطأ من الناسخ ، أو يكون سقط وقع ، كان يكون المؤلف ذکر روا ..
لأحمد قبل هذه ، وقال : ((وخرج الإمام أحمد من رواية ... ))، ثم عقبها برواية الحاكم ،
فقال: ((وخرج الحاكم من رواية ... ))، فانتقل نظر الكاتب. والله أعلم بالصواب.
والحديث في ((المستدرك)» (٣/ ٣٠).
ثم ظهر لي احتمال أن يكون الحديث في «المسند»، إلا أنه سقط من ((المطبوع)) كما وقع
لغيره ؛ لأن بعض ما ذكره المؤلف هنا ليس في ((المستدرك)). واللَّه أعلم.

٢٩
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
كتاب صلاة الخوف
وقال(١): صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ .
وليس كما قال ؛ والنَّضْرُ أبو عمرَ ، ضعيفٌ جدًّا .
وخرَّجه البزارُ - أيضًا(٢) .
وقد تقدمَ حديثُ أبي عيَّاشِ الزَّرَقَيِّ في صلاةِ النّبِيِّ ◌َّهِ بِعُسْفَانَ بهذا المعنَى.
ورُوي - أيضًا - من حديث جابرٍ ، من رواية عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ ،
عن عطاء، عن جابرٍ، قال: شهدتُ مع رسولِ اللهِ رَ له صلاةَ الخوف، وصَفَّنَا
صَفَّيْنٍ، صَفٌّ خَلْفَ رسولِ اللهِ وَ لَه، والعَدُوُّ بَيْتَنَا وبين القبلةِ، فكبرَّ النبيُّ ◌َيَّ
وكَّبَّرنا جميعًا ، ثم رَكَعَ ورَكَعْنا جميعًا ، ثم رفعَ رأسه من الركوعِ ورفعنا جميعًا ،
ثم انحدر بالسجودِ والصَفُّ الذي يَليهِ، وقامَ الصفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحِرْ العدوِّ ،
فلما قَضَى النبيُّ نَّهِ السجودَ، وقامَ الصَّفُّ الذي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ
بالسجودِ وقامُوا ، ثم تقدمَ الصفُّ المُؤخرُ وتأخرَّ الصفُّ المُقَدَّمُ ، ثم رَكَعَ
رسولُ اللهِ وَي ◌ْهِ وركعنَا جميعًا، ثم رَفَعَ رأسه من الركوعِ ورفعنا جميعًا ، ثم
انحدرَ بالسجودِ والصفِّ الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى ، وقام
الصفُّ المَؤَخَّرُ فِي نُحُورِ العدوِّ، فلمَّا قَضَى النبيُّ ◌َِّ السجودَ والصفُّ الذي يليه
انحدرَ الصفُّ المُوَخَّرُ بالسجودِ فسجدُوا، ثم سَلَّمَ النبيُّ نَلِّ وسلَّمْنا جميعًا .
قال جابرٌ : كما يصنع حرسُكم هؤلاء [ بأُمَرَائهمْ ] .
خرجه مسلمٌ (٣) .
وخَرَّجه - أيضًا (٤) - من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، قال : غزونا مع
رسول اللَّه وَال قومًا من جُهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً - ثم ذكره بمعناه.
(١) يعني : الحاكم ، كما تقدم .
(٢) (٦٧٩ - كشف) .
(٣) أخرجه مسلم (٢١٣/٢) وأحمد (٣١٩/٣) والنسائي (١٧٥/٣ - ١٧٦).
(٤) مسلم (٢١٣/٢ - ٢١٤) وكذا أحمد (٣٧٤/٣) والنسائي (١٧٦/٣).

٣٠
حديث : ٩٤٤
كتاب صلاة الخوف
ورُوي - أيضًا - من حديثٍ حُذيفةَ .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) من روايةِ أبي إسحاقَ ، عن سُلِيمٍ بنِ عَبدِ السلوليِّ ،
قال: كُنَّا معَ سعيدِ بنِ العاصِ بطبرستانَ، فقالَ: أَيُّكم صلَّى مع رسولِ اللهِ وَل
صلاةَ الخوفِ ؟ فقال حُذيفةُ: أنا ، فَأَخِرْ أصحابَك يقومون طائفتينِ ، طائفةٌ
خلفَك وطائفةٌ بإزاء العدوِّ ، فتكبرُ فيكبرونَ جميعًا ، ثم تركعُ فيركعونَ جميعًا ، ثم
ترفعُ فيرفعونَ جميعًا ، ثم تسجدُ ويسجدُ معك الطائفةُ التي تليكَ ، والطائفةُ التي
بإزاءِ العدوِّ قيامٌ بإزاءِ العدوِّ ، فإذا رفعتَ رأسَكَ من السجودِ [يسجدون](٢)، ثم
يتأخرُ هؤلاءٍ ويتقدمُ الآخرون ، فقامَوا مقامَهم(٣)، فتركعُ ويركعونَ جميعًا ، ثم
ترفعُ ويرفعونَ جميعًا ، ثم تسجدُ فتسجدُ الطائفةُ التي تِليك ، والطائفةُ الأخرى
قائمةٌ بإزاءِ العدوِّ ، فإذا رفعتَ رأسَك من السجودِ سجدُوا ، ثم سلمتَ ويسلِّمُ
بعضُهم على بعضٍ ، وتأمرُ أصحابَك إن هاجهم هيجٌ من العدوِّ ، فقد حلَّ لهم
القتالُ والكلامُ .
وسُليمُ بنُ عَبَدٍ ، ذكرَهَ ابنُ حبان في ((ثقاته)).
وقد رُوي حديثُ حذيفةُ بألفاظِ محتملة ، وهذه الروايةُ مفسرةٌ لما أجملَ فَي
تلك .
كما روى الأَسودُ بنُ هِلالِ ، عن ثعلبةَ بنِ زَهْدَمِ ، قالَ : كُنَّا مع سعيدِ بنِ
العاصِ بطبرستانَ، فقام، فقال: أيَّكم صلَّى مع رسولِ اللهِ وَّهِ صلاةَ الخوف ؟
فقال حذيفةُ : أنا ، فصلَّى بهؤلاء ركعةً، وبهؤلاءِ ركعةً، وانفضُّوا .
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٤)، وهذا لفظُه .
(١) (٤٠٦/٥) .
(٢) من ((المسند)).
(٣) في ((المسند)): ((في مصافهم)) .
(٤) أحمد (٣٨٥/٥ - ٣٩٩) وأبو داود (١٢٤٦).

٣١
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
وخَرَّجه النسائيُّ (١)، ولفظُه: فقامَ حُذيفةُ، فصفَّ الناسُ خلفَه صَفَّينِ ،
صفًا خلفَه، وصفًا مُوازي العدوِّ، فصلَّى بالذين خلفَه ركعةً، ثم انصرفَ هؤلاءِ
إلى مكان هؤلاءِ ، وجاء أولئكَ فصلَّى بهم ركعةً ولم يقضُوا .
وفي روايةٍ(٢): قال له حذيفةُ: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَ لِّ صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ
ركعةً ، صفٌّ خلفَه، وأخرى بينَه وبينَ العدوِّ ، فصلى بالطائفةِ التي تليه ركعةً ،
ثم نَكَصَ هؤلاءِ إلى مصافِّ أولئكَ ، فصلَّى بهم ركعةً .
وروى أبو رَوْقٍ ، عن مُخْمِل بن دَمَاث(٣)، قالَ : غَزَونا مع سعيدِ بنِ
الحارثِ، فقالَ: مَنْ شَهِد منكم صلاةَ الخوفِ مع رسولِ اللهِ اَلَه؟ فقال
حُذيفةُ : أنا، صلَّى بإحدى الطائفتين(٤) ركعةً؛ والأخرَى مستقبلةَ العدوِّ ، ثم
ذهبت هذه الطائفةُ فقامت مقامَ أصحابهم ، وجاءتِ الطائفةُ الأخرى فصلى بهم
رسولُ اللّهِ وَّهِ ركعةَ، فصار لرسولِ اللّهِ بَ لَه ركعتانِ، ولكلِّ طائفة ركعةٌ ركعةٌ.
وقد خرّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه - أيضًا(٥).
فهذا الاختلافُ في حديث حذيفة يُشبِهِ الاختلافَ في حديثِ ابنِ عباسٍ ،
وبعضُهُ مُحتملٌ ، وبعضُهُ مُفُسَّرٌ، فَيُرَدَ المُحتملُ إلى المُفْسَِّ المُبِينِ ، كما قلنا في
حديثِ ابنِ عباسٍ . واللَّهُ - سبحانه وتعالى - أعلمُ .
وقد ذَهَبَ أكثرُ العلماءِ إلى صحةِ الصلاةِ على وجه الحرسِ ، على ما في
حديث أبي عَيَّاشِ الزَّرَقَيِّ وما وافقه من رواية جابرٍ وابن عباسٍ وحذيفةَ ، وقد أَمَرَ
بها حذيفةُ كما سبق .
(١) (١٦٨/٣).
(٢) (١٦٧/٣ - ١٦٨).
(٣) في الأصل : ((محمد بن دحاث)) تصحيف واضح - وكذا صحف عند الطحاوي ، ضبطه ابن
حجر في ((التعجيل))، ولم أجده عند ابن ماكولا .
(٤) في الأصل: ((الطائفة)).
(٥) أحمد (٣٩٥/٥) والطحاوي (١/ ٣١٠).

٣٢
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
وروى حطَّنُ بنُ عبدِ اللهِ، أن أبا موسى صلاها في بعضِ حروبِهِ (١)،
واستحبَّها طائفةٌ منهم إذا كانَ العدوَّ في جهة القبلةِ ، منهم : سفيانُ وإسحاقُ
وأبو يوسفَ .
ورُوي عن أبي حنيفةَ : أنه لا يجوزُ الصلاةُ بها ، ولا يجوزُ إلا على حديثٍ
ابنِ مسعودٍ وما وافقَه ، كما سبقَ .
والصلاةُ بهذه الصفةِ والعدوُّ في جهةِ القبلةِ إذا لم يخشَ لهم كَمِينٌ حَسَنٌ ؛
فإنَّ أكثرَ ما فيها تأخرُ كلِّ صَفِّ عن متابعةِ الإمامِ في السجدتينِ وقضاؤهما في
الحالِ قبل سلامِه ، وتكون الحراسةُ في السجودِ خاصةً ، هذا قولُ الشافعيِّ
وأصحابه .
والشافعية وجهٌ آخرُ : أنهم يحرسونَ في الركوعِ معَ السجودِ ، وقد سبقَ في
رواية البخاريِّ لحديث ابنِ عباسٍ ما يدلُّ عليه .
واعلم ؛ أن البخاريَّ لم يخرجْ في ((أبوابِ صلاةِ الخوفِ)) مما وردَ عن النبيِّ
حَلّ في أنواعِ صلاةِ الخوفِ سوى حديثِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وخرَّج في
((المغازي)) حديثَ جابرٍ وسهلِ بنِ أبي حَثْمةَ ، وذكرَ حديث أبي هريرة - تعليقًا .
فأما حديثُ جابرٍ ، فقال(٢).
((وقال أبانُ : نا يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمةَ ، عن جابر ، قال : كنا
مع النبيِّ نَِّ بذاتِ الرقاعِ - فذكرَ الحديثَ إلى أن قالَ - : وأقيمتِ الصلاةُ،
فصلَّى بطائفة ركعتينٍ، ثم تأخَّروا وصلَّى بالطائفةِ الأخرى ركعتينِ ، وكان للنبي
وَله أربعُ ركعاتٍ وللقومِ ركعتينٍ)) .
هكذا ذكره تعليقًا .
(١) البيهقي (٢٥٢/٣).
(٢) (٤١٣٦) .

٣٣
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
وخرَّجه مسلمٌ (١) مسَنَدًا من حديث أبانَ ، ولفظُه : قال : فُنُودِي بالصلاةِ -
وذكره .
في الحديث : دليلٌ على أن صلاةَ الخوف يُنادي لها بالأذان والإقامة كصلاة
الأمنِ ، ولا أعلمُ في هذا خلافًا ، إلا ما حكاه أصحابُ سفيانَ الثوريِّ في
كتبهم ، عنه ، أنه قال : ليس في صلاة الخوفِ أذانٌ ولا إقامةٌ في حَضَرٍ ولا
سَفَرِ .
وخرَّج الدارقطنيُّ (٢) من حديث الحسن، عن جابرٍ، أن النبيّ وَّ كان
يحاصرُ بني مُحاربِ بِنَخْلِ ، ثم نُودِي في الناسِ : أن الصلاة جامعةٌ (٣)- وذكر
معنى حديثِ أبي سلمةَ، وصرَّح فيه بأن النبيَّ وََّ سَلَّم بين كلِّ ركعتينِ .
وقد خرَّجه النسائيُ (٤)- مختصرًا - من روايةٍ حمادِ بنِ سلمةً ، عن قتادةَ ،
عن الحسنِ ، عن جابرٍ - بذكر السلامِ - أيضًا - ، وليس فيه : ذكرُ الصلاةُ
جامعةٌ .
ورواه قتادةُ - أيضاً - ، عن سُليمانَ اليشكريِّ، عن جابرٍ - بذكرِ السلامِ بين
كلِّ ركعتينٍ ، وفيه : أن يومئذٍ أنزلَ اللَّهُ في إِقْصارِ الصلاةِ ، وأمر المؤمنينَ بأخذٍ
السلاحِ ، وفي الحديثِ أن ذلك كان بنَخْلِ (٥).
والحسنُ ، لم يسمعْ من جابرٍ . وقتادةُ ، لم يسمعْ من سُليمانَ اليشكريِّ .
وقد رواه أَشْعتُ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، أنه صلَّى
(١) (٢١٤/٢ - ٢١٥) .
(٢) (٢/ ٦٠) .
(٣) في الأصل: ((جماعة)).
(٤) (٣/ ١٧٨) .
(٥) ابن حبان (٢٨٨٢) والطبري في ((التفسير)) (١٠٣٢٥) والطحاوي (٣١٧/١).
ورواه - أيضًا - أبو بشر ، عن سليمان :
أخرجه أحمد (٣٦٤/٣ - ٣٩٠) والطحاوي (٣١٥/١).

٣٤
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
في خوف ثقيف(١) ركعتين ، ثم سَلَّم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتينٍ ، ثم
سَلَّم، فكانت للنبيِّ وَِّ أربعًا، ولأصحابِه ركعتين ركعتين.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ حبان في ((صحيحه)(٢).
وعند أبي داودَ : وبذلك كان يفتي الحسنُ .
وصلاةُ الخوفِ على هذه الصفةِ : أن يصلِّي الإمامُ أربعَ ركعاتٍ ويصلِّي كلُّ
طائفة خلفَه ركعتين ، لها صورتان :
إحداهما : أن يسِّلِّمَ الإمامُ من كل ركعتين ، فهو جائزٌ عن الشافعيِّ
وأصحابه .
واختلفوا : هل هي أفضلُ من صلاةِ ذاتِ الرقاعِ - التي يأتي ذكرُها ؟ على
وجهين لهم .
وكذلك اختارَ الجُوزِجَانيَّ هذه الصلاةَ على غيرِها من أنواعٍ صلواتِ الخوفِ؛
لما فيها من تكميلِ الجماعةِ لكلِّ طائفة .
واختلفَ أصحابُنا في ذلك :
فمنهم من أجازَها في صلاةِ الخوفِ دون غيرِها ، وهو منصوصُ أحمدَ ،
وهو قولُ الحسنِ البصريِّ - أيضًا - ، واختاره طائفةٌ من أصحابنا .
ومِنْ أصحابنا مَنْ قال : هي مُخرجةٌ على الاختلافِ عن أحمدَ في صحةِ
ائتمامِ المفترضِ بالمتنفلِ ، كما سبقَ ذكرُه .
ومنع منها أصحابُ أبي حنيفةً ؛ لذلك .
والصورةُ الثانيةُ : أن لا يسلِّم الإمامُ ، ويكون ذلك في سفرٍ ، فَيَنْبني على
أنه : هل يصحُّ أن يقتديَ القاصرُ بالمتمِّ في السفرِ ؟
(١) كذا ، وليس هذا لفظ أحد من المذكورين .
(٢) أحمد (٣٩/٥) وأبو داود (١٢٤٨) والنسائي (١٧٨/٣ - ١٧٩) وابن حبان (٢٨٨١).

٣٥
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
والأكثرونَ على أنه إذا اقتدى المسافرُ بمن يتمّ الصلاةَ فأدركَ معه ركعةً
فصاعدًا ، فإنه يلزمُهُ الإتمامُ .
فإنْ أدركَ معه دون ركعةٍ ، فهل يلزمُهُ الإتمامُ ؟
قال الزهريُّ وقتادةُ والنخَعِيُّ ومالكُ : لا يلزمه ، وهو روايةٌ عن أحمدَ .
والمشهورُ ، عنه: أنه يلزمه الإتمامُ بكل حالٍ، وهو قولُ الثوريِّ وأبي حنيفة
وأصحابه والأوزاعيِّ والليثِ والشافعيُ (١) وأبي ثورٍ .
وقالت طائفةٌ : لا يلزمه الإتمامُ ، وله القصرُ بكل حالٍ ، وهو قولُ الشعبْيِّ
وطاوسَ وإسحاقَ .
فعلى قولِ هؤلاء : لا تردّدَ في جوازِ أن يصليَ الإمامُ أربعَ ركعاتٍ في السفرِ،
وتصلي معه كلُّ طائفة ركعتين .
وعلى قولِ الأولين : فهل يجوزُ ذلكَ في صلاة الخوف خاصةً ؟ فيه
لأصحابِنا وجهان .
ومن منعَ ذلك قال: ليس في حديث جابرٍ تصريحٌ بأن النبيَّ وَِّ لم يسلّم
بین كلِّ ركعتين .
بل قد ورد ذلك صريحًا في روايات متعددة ، فتحملُ الرواياتُ المحتملةُ على
الرواياتِ المفسرةِ المبينةِ .
ثم قال البخاريُّ (٢).
((وقال أبو الزبيرِ، عن جابرٍ: كنَّا مع رسولِ اللّهِ بِّهِ بِنَخْلِ، فصلَّى
الخوف)» .
وقال - أيضًا (٣) - :
(١) في الأصل: ((الشافي)).
(٢) (٤١٣٧) .
(٣) (٤١٣٠) .

٣٦
حديث : ٩٤٤
كتاب صلاة الخوف
((وقال معاذٌ: ثنا هشامٌ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ: كنا معَ النبيِّ وَل
بنخلٍ - فذكر صلاةَ الخوف)) .
وقد خرّجه النسائيّ(١) من رواية سفيانَ ، عن أبي الزبير ، عن جابرٍ ، قال :
كنَّا مع رسولِ اللَّهِ بَلَهَ بِنَخْلِ، والعدوُّ بينَنَا وبين القبلةِ، فَكَبَّرَ النبيُّنَّهِ فِكْبَّروا
جميعًا، ثم ركعَ فركعوا جميعًا، ثم سَجَدَ النبيُّ وَّرَ والصفُّ الذي يَليهِ ،
والآخرون قيامُ يَحْرُسُونَهُمْ ، فلمَّا قاموا سجدَ الآخرون مكانَهُمُ الذي كانوا فيه ،
ثم تقدمَ هؤلاء إلى مَصَافِ هؤلاء ، ثم ركعَ فركعوا جميعًا ، ثم رفعَ فرفعوا
جميعًا، ثم سَجَدَ النبيُّ وَّهِ والصفُّ الذين يَلُونَهُ، والآخرون قيامٌ يحرسونَهم ،
فلما سجدوا وجلسوا سَجَدَ الآخرون مكانَهم ، ثم سَلَّمَ .
قال جابرٌ : كما يفعلُ أُمَرَاؤُكُمْ.
وخرَّجه مسلم(٢) - بمعناه - من رواية زُهير بن معاوية، عن أبي الزبير ، وليس
عنده : ((بَخْلِ)) .
, كر البخاري - أيضًا - تعليقًا، عن جابر من طريقين آخرين، فقال(٣):
((وقال بَكْرُ بن سَوَادَةَ : حدثني زِيادُ بن نَافِع ، عن أبي موسى ، أن جابرًاً
حدثهم: صَلَّى النبي ◌َّ بهم يوم مُحَارِبٍ وثَعْلَبَةِ .
وقال ابن إسحاق: سَمِعْتُ وهبَ بنَ كَيْسَانَ : سمعتُ جابرًاً : خَرَجَ النبيّ
وَ﴾ [إلى] ذَاتِ الرَّفَاعِ من نَخْلٍ، فَلَفِيَ جمعًا من غَطَفَانَ ، فلم يكن قِتالٌ،
وأَخَافَ الناسُ بعضُهُمْ بعضَا، فصلى النبيُّ نَّهِ ركعِتِي الخوفِ)). انتهى.
وأبو موسى ، ليس هو الأشعريَّ، بل تابعيٌّ ، ذكرَه أبو داودَ ، وذكر في
حديثه: أنه كانَ للنبيِّ وَِّ ركعتانِ ، ولكلِّ طائفةٍ ركعةٌ .
(١) (٣/ ١٧٦) .
(٢) (٢١٣/٢ - ٢١٤) .
(٣) (٤١٢٦) (٤١٢٧) .

٣٧
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
وقد رواه ابنُ وهبٍ ، عن عَمرو بنِ الحارثِ ، عن بكرِ بنِ سَوَادَةَ بهذا
الإسنادِ ، أن النبيَّ وَّهِ صلَّى صلاةَ الخوفِ يومَ مُحَارِبٍ وثَعْلَبَةَ، بكلِّ طائفةٍ ركعةً
وسجدتین(١).
وذكر أبو مسعود الدمشقيُّ وغيرُهُ : أن أبا موسى هذا هو عُلَيُ بنُ رَبَاحٍ
اللَّخِميُّ ، وقيلَ : إنه أبو موسى الغَافقيُّ، واسمه : مالكُ بنُ عُبادةَ ، وله
صُحبةٌ .
قال صاحبُ ((التهذيب))(٢): والقولُ الأولُ أولَى. واللَّهُ سبحانه وتعالى
أعلم .
وأما حديثُ سَهلِ بنِ أبي حَثْمةً :
٤ (٣) .
فقال البخاري
(ثنا قُتَّةُ، عن مالك، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ، عن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ ، عمَّن
شَهِدَ [مَعَ] رسولِ اللَّهِ وَلِّ يومِ ذاتِ الرِّقَاعِ صلاةَ الخوفِ: أن طائفةٌ صَفَّت معه ،
وطائفةً وُجَاه العدوِّ، فصلَّى بالتي(٤) معه ركعةً، ثم ثبتَ قائمًا وأتمُّوا لأنفسِهِم ،
ثم انصرفُوا فصَقُّوا وُجَاه العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأخرَى ، فصلَّى بهم الركعةَ
التي بقيتْ من صلاته ، ثم ثَبَتَ جالسًا وأتموا لأنفسهم ، ثم سلَّم بهم .
قال مالكٌ : وذلك أحسنُ ما سمعتُ في صلاةِ الخَوْفِ .
حدثنا(٥) مُسَدَّدٌ : ثنا يحيى ، عن يحيى بن سعيدِ الأنصاريِّ ، عن القاسمِ بنِ
محمدٍ ، عن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةً ، قال : يَقُومَ الإمامُ
(١) أخرجه ابن جرير (١٠٣٣٠).
(٢) ((تهذيب الكمال)) (٣٣٤/٣٤ - ٣٣٥).
(٣) (٤١٢٩).
(٤) في الأصل: ((بالذي)).
(٥) (٤١٣١) .
W

٣٨
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
مُستقبلَ القبلةِ، وطائفةٌ منهم معه ، وطائفةٌ من قِبَلِ العَدُوِّ ، ووجوهُهُم إلى
العدوِّ ، فيصلي بالذين معه ركعةً، ثم يقومون فيركعونَ لأنفسِهم ركعةً ،
ويسجدون سجدتين في مكانِهم ، ثم يذهبُ هؤلاءِ إلى مقامٍ أولئكَ ، فيجيءُ
أولئكَ فيركعُ بهم ركعةً ، فله ثِنْتَانِ ، ثم يركعونَ ويسجدونَ سجدتين .
حدثنَا مُسَدَّدٌ : ثنا يحيى، عن شُعبةَ ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ ، عن
أبيه، عن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ بن أبي حَتْمَةَ، عن النبيِّ وَّد .
حدثنا محمد بن عُيد اللَّه : ثنا ابنُ أبي حازِمٍ ، عن يحيى : سَمِع القاسمَ :
أخبرني صالح بنُ خَوَّاتٍ ، عن سَهْلٍ، حَدَّثْه ◌ِ قَوْلَهُ)) .
حاصلُ الاختلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ الذي خَرَّجه البخاريُّ هاهنا : أن
يزيدَ بنَ رُومانَ رواه عن صالح بنِ خَوَّاتٍ، عمن شهدَ النبيّ ◌َ ﴿ يوم ذاتِ الرقاعِ،
ولم يسمِّه .
ورواه القاسمُ بنُ محمدٍ ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ ، عن سهلِ بنِ أبي حَثْمةً ،
واختُلفَ عليه في رفعهِ ووقفِه :
فرواه يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ ، عن القاسمِ ، فوقفَه على سهلٍ .
وقد خَرَّجه البخاريُّ هاهنا من طريق يحيى القطانِ وابنُ أبي حازم(١)، عن
یحیی الأنصاريِّ .
كذلك رواه شعبةُ ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ ، عن أبيه ، فرفعَه إلى النبيِّ
قال الإمامُ أحمدُ : رفعَه عبدُ الرحمنِ ، ويحيى لم يرفَعْه . ثم قالَ: حَسْبُكَ
بعبدِ الرحمنِ ، هو ثقةٌ ثقةٌ ثقةٌ . قيلَ له : فرواه عن عبد الرحمنِ غيرُ (٢) شعبةَ ؟
(١) تصحف في الأصل إلى: ((ابن أبي حاتم)).
(٢) في الأصل: ((عن)).

٣٩
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
قال : ما علمتُ . ثم قال : قد رواه يزيدُ بنُ رُومانٍ ، عن صالحِ بنِ خَوَاتٍ ،
عمن صلَّى مع النبيِّ وَّ، فهذا يشدُّ ذاكَ.
يريد : أنه يقويَّ رفعه .
ونقل الترمذيُّ في «علله)» (١) عن البخاريِّ، أنه قال : حديثُ سهلِ بنِ
أبي حَثْمةً هو حديثٌ حسنٌ ، وهو مرفوعٌ ، رفعَه شعبةُ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
القاسم . انتهى .
ولكن رواه حَرْبٌ الكرمانيُّ ، عن إسحاقَ بنِ رَاهوَيَه ، عن الثقفيُّ ، عن
يحيى الأنصاريِّ، وقال في حديثه: ((من السنةِ)).
وهذا - أيضًا - رَفْعٌ له .
وهو غريبٌ عن الأنصاريِّ .
ورواه عبدُ اللَّهِ العمريُّ (٢)، عن أخيه عبيدِ اللَّهِ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ،
عن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّرِ .
وأخطأً في قوله: ((عن أبيه))، إنما هو: ((عن سهلٍ)) - : قاله أبو زرعةً
وأبو حاتم الرازيَّانِ .
وقالا - أيضًا - : رواه أبو أُويسٍ ، عن يزيد بنِ رُومانٍ ، عن صالحٍ بن
حَوَّاتٍ ، عن أبيه - أيضاً -، وأخطأ - أيضًا - في قوله: ((عن أبيه)).
وقد ذكرَ أبو حاتم الرازيُّ وغيرُه : أن الذي قال صالحُ بنُ خَوَّات في رواية
يزيدَ بنِ رُومانٍ ، عنه: ((حدثني من شَهِدَ النبيَّ ◌َِّه))، هو سهلُ بنُ أبي حَثْمةً ،
كما قالَه القاسمُ ، عن صالحٍ .
قال أبو حاتمٍ : وسهلُ بنُ أبي حَثْمَةَ بايعَ تحتَ الشجرةِ ، وكان دليلَ النبيِّ
(١) (ص ٩٨).
(٢) في الأصل: ((النمري)).
(٣) ((العلل) لابن أبي حاتم (٢٠٩) (٣٥٢).

٤٠
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
﴿َ * ليلةَ أُحدٍ، وشَهِد المشاهدَ كلَّها إلا بدرًاً .
قال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حاتم : سمعتُ رجلاً من ولدِهِ ، سألهَ أبي عن
ذلك ، فأخبره به .
ولكن ذكر أكثرُ أهلِ السيرِ كالواقديِّ والطبريِّ وغيرِهما : أن سهلَ بنَ
أبي حَثْمَةَ تُوفي النبيُّ وَّهِ وهو ابنُ ثمانِ سنينَ .
قال الواقديُّ والطبريُّ: وقد حفظَ عنه، وقيل: إن الذي كانَ دليلَ النبيِّ وَّـ
إلى أُحد وشَهِد معه المشاهدَ هو أبو حَثْمَةَ والدُ سهلِ . واللَّهُ سبحانه أعلمُ .
وقد ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ أن روايةً يحيى بنَ سعيدٍ ، عن القاسمِ
تخالفُ روايةَ يزيدَ بنِ رُومانٍ في السلامِ ؛ فإنَّ في رواية يزيدَ بنِ رُومانِ : أن
النبيَّ وَّهِ سلَّم بالطائفةِ الثانيةِ ، وفي رواية يحيى بنِ سعيدٍ: أنهم قضَوا الركعةَ
بعد سلامه .
وقد خرَّجه أبو داودَ (١) من رواية مالك ، عن يحيى بنِ سعيدٍ كذلك ، وفي
حديثه : فركعَ بهم وسجدَ بهم ويسلِّم ، فيقومون فيركعونَ لأنفسهم الركعةَ
الباقيةَ ، ثم يسلمون .
وقد رَوَى يحيى القطانُ الحديثَ ، عن يحيى الأنصاريِّ، ورواه عن شعبةَ ،
عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ ، عن أبيه ، وقال : لا أحفظُ حديثَه ، ولكنه مثلُ
حدیث یحیی .
كذا خَرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه (٢) .
وكذلكَ في رواية البخاريِّ (٣): أن يحيى القطانَ رواه عن شُعبةَ مثلَ حديثٍ
یحیی بنِ سعیدٍ .
(١) (١٢٣٩) .
(٢) الترمذي (٥٦٥) وابن ماجه (١٢٥٩) .
(٣) (٣١٣١) .