Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة ثم قالَ : ٩٢٥ - نَا أَبُو الْيَمَانِ: أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ أَبِي حُمَّدٍ السََّعِدِيِّ، أَنَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَتَشَهَّدَ وَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّ بَعْدُ) . تَبَعَهُ: أَبُو مُعَاوِيَّةً وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ، عَنِ النَِّّنَّهِ، قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ) . وَقَبَعَهُ: الْعَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ . هذا قطعةٌ من حديثِ بعثِ ابنِ اللُّتِيَّةِ علَى الصدقةِ ، وقد خرّجه في مواضعَ تأتي - إن شاء اللَّهُ سبحانه وتعالى(١). وخرَّجه في ((الأحكامِ))(٣) بتمامِة من طريقِ عبدةَ ، عن هشامٍ ، وفيه : فقامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ يخطبُ الناسَ، فحمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قالَ: ((أما بعدُ، فإني أستعملُ رجالاً منكم)) - وذكر الحديثَ . وقد ذكرَ أن هذه اللفظةَ ذكرَها في الحديثِ : أبو معاويةَ وأبو أسامةَ . وقد خرّجه في ((الزكاةِ))(٣) من طريقِ أبي أسامةَ، فاختصرَه ولم يتمه . وخرجه مسلمٌ (٤) من طريقِ أبي أسامةَ بتمامِه ، وفيه: ((أمَّا بعدُ». وخرجه مسلمٌ - أيضًا (٥) - من رواية أبي معاويةَ ، ولم يسُقْ لفظَ حديثه بتمامه . وكذلك خرجه عن العدني ، عن سفيان ، ولم يسقه بلفظه . (١) مواضعه: (١٥٠٠) (٢٥٩٧) (٦٦٣٦) (٦٩٧٩) (٧١٧٤) (٧١٩٧). (٢) (٧١٩٧) . (٣) (١٥٠٠) . (٤) (٦ / ١١ - ١٢) . (٥) (٦/ ١٢) . ٤٨٢ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة ثم قالَ : ٩٢٦ - نَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي عَلَيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدًا. تَبَعَهُ : الزَُّيدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. والحديثُ مختصرٌ من قصةِ خطبةٍ عليٍّ لابنةِ أبي جهلٍ، وقيامِ النبيِّ وَّه خطيبًا ، فذكر فضلَ فاطمةَ عليها السلامُ . وقد خرَّجه بتمامِه في ((مناقب فاطمة)(١). وذكْرُهُ لمتابعةِ الزبيديِّ ؛ لأن جماعةً من أصحابِ الزهريِّ روَوْاً الحديثَ ، فلم يذكرُوا فيه : لفظةً: ((أما بعدُ) . وللمِسْوَرِ حديثٌ آخرُ في المعنى ، في قصةِ قدومِ هوازنٍ وإسلامِهِم ، وردِّ سبيهِم عليهم : خرجهُ البخاريُّ في ((الهبة))(٢) من رواية الزهريِّ، عن عروة(٣)، عن المِسْوَرِ ابْنِ مَخْرَمَةَ، أن النبيَّ ◌َهَ حين جاءَه وفدُ هوازنِ قامَ في الناسِ ، فأثْنَى على اللَّهِ بما هوَ أهلُهُ، ثم قالَ: ((أما بعدُ؛ فإنَّ إخوانَكُمْ جاءُونَا تائبينَ)) - الحديثَ . ثم قالَ : ٩٢٧ - ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ - هُوَ : الْوَرَّقُ -: نَا ابْنُ الْغَسِيلِ - واسمُهُ: عبد الرحمنِ بنُ سليمانَ -: نَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَعَدَ النَِّيُّ ◌َ﴾ الْمِنْبَرَ - وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ - مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبِهِ، قَدَ عَصَبَ رَأْسَهُ (١) (٣١١٠) (٣٧٢٩) . (٢) (٢٦٠٧) (٢٦٠٨) . (٣) في الأصل : ((عبدة)) تصحيف . ٤٨٣ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة بعصَابَة دَسمَةٍ ، فَحَمْدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَيَّ) ، فَثَبُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : ((أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقُلُّونَ وَيَكْثَرُ النَّاسُ ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةٌ مُحَمَّد ◌َِّ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فيه أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحدًا ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ و مَحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسيئهِمْ)) . وفي البابِ أحاديثُ آخرُ . وقد خرج البخاريُّ في ((المغازي)) (١) حديثَ عائشةَ في قصة الإفكِ بطولِها ، وفيه: فتشهَّدَ رسولُ اللَّهِ بَلَّ حِينَ جلسَ ثُمَّ قَالَ: ((أما بعدُ، يا عائشةُ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا)» ــ الحديثَ . وخرّجه في موضعٍ آخرَ (٢)، وليس فيه: ((أما بعدُ)). وخرج مسلمٌ في ((صحيحه)) (٣) من حديثِ جريرِ البجليِّ ، قال : كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ نَّةِ، فأتاه قومٌ مجتابي النمارِ، فصلَّى الظهرَ، ثم صعدَ منبرًا صغيرًاً ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قالَ : ((أما بعدُ ؛ فإن اللَّهَ أنزلَ في كتابه : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [النساء: ١] - وذكر الحديثَ في الحثِّ على الصدقةِ . وخرَّجه من طريقٍ أخرى ، ليس فيها لفظةُ: ((أما بعدُ)) . وخَرَّج - أيضًا (٤) - من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، أن ضِمادًا قدمَ على النبيِّ وَّ، فقال: يا محمدُ ، إني أرقِي من هذهِ الريحِ ، وإن اللَّهَ يشفِي على يدَي مَن يشاءُ، فهلْ لكَ؟ فقالَ رسولُ اللَّه ◌َةُ: «الحمدُ لله (١) (٤١٤١) . (٢) (٢٦٦١) . (٣) (٨٧/٣). (٤) (١١/٣ - ١٢) . ٤٨٤ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة نستعينُهُ، من يهده اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ». فدلَّت هذه الأحاديثُ كلُّها على أن الخطبَ كلَّها ، سواءً كانت للجمعةِ أو لغيرِها، وسواءٌ كانت على المنبرِ أو على الأرضِ ، وسواءٌ كانت من جلوسٍ أو قيامٍ ، فإنها تُبتدأُ بحمدِ اللَّهِ والثناءِ عليه بما هو أهلُه، ثم يذكرُ بعدَ ذلك ما يحتاجُ إلى ذكرِهِ مِن موعظةٍ أو ذكرٍ حاجةٍ يحتاجُ إلى ذكرِها ، ويفصلُ بينَ الحمد والثناءِ ، وبينَ ما بعدَه بقولِه : أمَّا بعدُ . وقد قيلَ : إن هذه الكلمةَ فضلُ الخطابِ الَّذي أُوتيه داودُ - عليه السلام - ، وقد سبقَ ذكرُ ذلك في أولِ الكلامِ في الكلام(١) على حديثِ كتابِ النبيِّ بَِّ إلى هرقل: ((أما بعدُ؛ فإنِّي أدعوكَ بدعايةِ الإِسلامِ» . والمعنى في الفصل بأمَّا بعدُ: الإشعارُ بأنَّ الأمورَ كلَّها وإن جلَّتْ وعظُمَتْ فهي تابعةٌ لحمدِ اللَّهِ والثناءِ عليهِ ، فذاكَ هو المقصودُ بالإضافةِ ، وجميعُ المهماتِ تبعٌ لهُ مِن أمورِ الدينِ والدنيا . ولهذا قال النبيُّ ◌ِِّ: ((كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأُ بالحمد لله فهوَ أقطعٌ) ، وفي رواية : ((أجزمٌ) . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه(٢) من حديث أبي هريرةَ . وقد رُوي مرسلاً (٣). فالحمدُ للَّهِ متقدِّمٌ على جميعِ الكلامِ ، والكلامُ كلُّه متأخِر عنه وتبعٌ له . (١) الأشبه : ((في أولِ الكتاب))، وقد تقدم برقم (٧). (٢) أحمد (٣٥٩/٢) وأبو داود (٤٨٤٠) وابن ماجه (١٨٩٤). (٣) أشار إليه أبو داود عقب الحديث . والصواب : المرسل . ورجحه الدارقطني . راجع "إرواء الغليل)) (٢). ٤٨٥ ٢٩ - باب من قال فى الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة ولا يُسْتَثْنى مما ذكرنَاهُ من الخطبِ إلا خطبةُ العيدِ ، فقد قيلَ : إنها تُستَفْتَحُ بالتكبيرِ . وقد روي عن أبي موسى الأشعريِّ (١)، أنه استفتحَ خطبتي العيدينِ بالحمدِ ، ثم كَبَّرَ بعد الحمدِ . وهو الأظهرُ . وكذا قيل في خطبةِ الاستسقاء . ومِن الناسِ مَن قال: تُستفتحُ بالحمدِ - أيضًا . وقد ذكرَ بعضُ أئمةِ الشافعيةِ : أن الخطبَ كلَّها تسُتُفتحُ بالحمدِ بغيرِ خلافٍ ، وإنما التكبيرُ في العيدِ يكونُ قبلَ الخطبةِ، وليسَ منها ، وأن ذلكَ نصَّ الشافعيِّ . وكذا ذكرَ طائفةٌ مِن أصحابِنا : أن ظاهرَ كلامٍ أحمدَ أنه يكبِّرُ إذا جلسَ على المنبرِ قبلَ الخطبةِ ، وأنه ليس من الخطبةِ ، فإذا قامَ استفتحَ الخطبةَ بالحمد . وذكروا : قولَ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ: يكبرُ الإمامُ على المنبرِ يومَ العيدِ قبلَ الخطبةِ تسعًا ، وبعدها سبعًا . فأما خطبة الجمعة ، فلا خلافَ أنها تُسْتَفْتَح بالحمدِ . وخرجَ مسلمٌ في ((صحيحه))(٣) من حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ، قالَ: كانَ رسولُ اللّهِ وَّ إذا خطبَ أحمرتْ عينَاه، وعلاَ صوتُه ، واشتدَّ غضَبُهُ، حتَّى كأنه منذرُ جيشٍ ، يقولُ: ((صبَّحَكُمْ ومسَّاكُمْ))، ويقولُ: (بُعثْتُ أنا والساعةُ كهاتين))، ويقرنُ بين أصبُعَيْهِ: السبابة والوسطَى ، ويقولُ : ((أما بعدُ ؛ فإن خيرَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ ، وخيرَ الهدِي هديُ محمدٍ ، وشرّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٌ))، ثم يقولُ: ((أنا أولَى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِهِ ، من تركَ مالاً فلأهله، ومَن تركَ دينًا أو ضياعًا فإليَّ و(٣) عليَّ). (١) انظر: ما سيأتي تحت شرح الحديث (٩٧١) . (٢) (١١/٣). (٣) في الأصل: ((أو))، والمثبت من ((الصحيح)). : ٤٨٦ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة وفي رواية له - أيضًا - بهذا الإسناد: كانتْ خطبةُ النبيِّ وَلَّ يومَ الجمعةِ يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ ، ثم يقولُ علَى إِثرِ ذلكَ ، وقد علا صوتُه - ثم ساقَ الحديثَ بمثله . وفي رواية لهُ - أيضًا -: كانَ النبيُّ ◌َِّ يخطبُ الناسَ، يحمدُ اللَّهَ ويثِي عليه بما هوَ أهلُه، ثم يقولُ: ((مَن يهده اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ ، ومن يضلل فلا هادي لهُ، وخيرُ الحديث كتابُ اللَّه)) - ثم ساقَ الحديثَ بمثلِ الروايةِ الأولَى. وقد كانَ النبيُّ ◌َِّ يأمرُ بهذِهِ الخطبةِ لكلِّ من له حاجةٌ ، أَن يبدأ بها قبلَ ذكرِ حاجته ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه (١) من حديثِ ابنِ مسعودٍ ، قال: علَّمنا رسولُ اللَّهِ وَلّ خطبةَ الحاجة: ((إنَّ الحمدَ لله نستعينُهُ ونستغفِرُهُ، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، من يهده اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ، ومَنَ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (٢) اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ - إلى قوله - : ﴿فَوْزَا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وهذا لفظُ أبي داودَ . وفي رواية له : ((الحمدُ للَّه))، بغير ((إن))، وهي روايةُ الأكثرينَ . وفي رواية له : ((في خطبة الحاجةِ في النكاحِ وغيرِه)). وعند ابن ماجه : «الحمدُ لله نحمده، ونستعينُه ونستغفرُهُ ، ونعوذُ بالله من (١) أحمد (٣٩٢/١ - ٣٩٣) وأبو داود (٢١١٨) والترمذي (١١٠٥) والنسائي (١٠٤/٣) (٨٩/٦) وابن ماجه (١٨٩٢). (٢) كذا في الأصل، وكذا في ((السنن)) لأبي داود: ((يا أيها الذين آمنوا)»، وهو خلاف ما في ((المصحف)) . ١ ٤٨٧ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)) - وذكرَ الحديثَ، وفيه: زيادةُ: ((وحدَه لا شريكَ لهُ)) . وحسَّنَ الترمذيُّ هذا الحديثَ، وصحَّحَه جماعةٌ ، منهم : ابنُ خِرَاشٍ ٩ وغيره وخرَّج النسائيُّ في ((اليوم والليلة)(١) من حديث أبي موسى، عن النبيِّ وَّ: ((فإنْ شئتَ أن تَصلَ خطبتَكَ بآي منَ القرآنِ)) - فذكرَ الآياتِ الثلاثَ ، ثم قالَ : (أمَّا بعدُ، ثم يتكلّمُ بحاجته)). وخرَّجه أبو داودَ (٢) من وجه آخرَ، عن ابن مسعودٍ (٣)، عن النبيِّ وَّ، أنه كانَ إِذَا تشهَّدَ (٤) قالَ: ((الحمدُ للَّه)) - فذكرَه كما تقدمَ، زاد فيه - بعدَ قولِه: ((وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه)) -: ((أرسلَه بالحقِّ بشيراً ونذيراً بينَ يدي الساعة، منْ يطع اللَّهَ ورسولَهُ فقد رشدَ، ومن يعصهما فإنَّه لا يضرُّ إلا نفسَه ، ولا يضرُّ اللَّهَ شيئًا)). وروى أبو مالك الأشجعيَّ ، عن نُبَيْطِ بنِ شريطٍ ، أنه سمعَ النبيّ مَلَى اللّهـ يخطبُ عند الجمرة فقال : ((الحمدُ لله نحمده، ونستعينه ونستغفرُهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أوصيكم بتقوَى اللَّه)) - وذكرَ الحديثَ. وخرج أبو داودَ في («مراسيلِهِ»(٥) من روايةِ يونُس ، عنِ ابنِ شهابٍ ، أنه سألَه عن تشهدِ النبيِّ نَِّ يومَ الجمعةِ ؟ فقالَ ابنُ شهابٍ: ((إنَّ الحمدَ للَّه أحمدُه وأستعينُه وأستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، من يهده اللَّهُ فلا مضلَّ له ، (١) (٤٩٦) . (٢) (٢١١٩) . (٣) في ((م)): ((عن أبي مسعود» خطأ. (٤) في ((م)): ((شهد)). (٥) (٥٧) . ٤٨٨ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، أرسلَه بالحقِّ بشيرًاً ونذيراً بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشدَ ، ومن يعصِ اللَّهَ فقدْ غوَى ، نسألُ اللَّهَ ربََّا أن يجعلنا ممن يطيعُهُ ، ويطيعُ رسولَه ، ويتبعُ رضوانَه ، ويجتنبُ سخطَه ؛ فإنما نحنُ به ولَه)) . وخرَّجه في ((السننِ)) مختصراً . وخرَّجه في ((المراسيلٍ)»(١) - أيضًا - من روايةِ عقيلٍ ، عن ابن شهاب، قال : كان صدرُ خطبةِ رسولِ اللَّهِ وَّ: «الحمدُ لله نحمده، ونستعينُه ونستغفرُه)) - فذكرهُ بمثله . ومن روايةٍ يونُس(٢)، عن ابن شهابٍ، قال: بلغَنا عنْ رسول اللَّهِ وَلَّهِ، أنه كانَ يقولُ إذا خطبَ : ((كلُّ ما هوَ آت قريبٌ، لا بُعْدَ لما هو آت، لا يُعَجَّلَ اللَّهُ فيعجِّلُهُ أحدٌ ، ولا يَخفُّ لأمر الناس ، ما شاءَ اللَّهُ لا ما شاءَ الناسُ ، يريد الناس أمرًا، ويريدُ اللَّهُ أمرًا، ما شاءَ اللَّهُ [كان](٣)، ولو كره الناسُ ، ولا مُبَعِّدَ لما قَرَّبَ اللَّهُ، ولا مقرِّب لمَا بعَّدَ اللَّهُ، لا يكونُ شيءٌ إلا بإذنِ اللَّهِ عزَّ وجَلّ). ومن طريقِ هشامٍ بنِ عروةَ (٤)، عن أبيهِ ، أنه قالَ : كانَ أكثرَ ما كانَ رسولُ اللَّهِ وَله يقولُ على المنبرِ: ((اتَّقُوا اللَّهَ وقولوا قولاً سديدًا)). وفي خطبِ النبيِّ وَِّ أحاديثُ أخرُ مرسلةٌ ، يطولُ ذكرُها . فظهرَ بهذا : أنَّ خطبةَ النبيِّ نَّهِ كانتْ تشتملُ على حمد الله والثناء عليه بمَا هو أهلُه ، وعلى الشهادة للَّهِ بالتوحيدِ ، ولمحمدٍ بالرسالةِ . (١) (٥٦) . (٢) (٥٨). (٣) ألحق ولم يظهر، فاستدركته من ((المراسيل)). (٤) (٦٠) . ٤٨٩ ٢٩ - باب من قال فى الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة وقد خرَّجَ أبو داود والترمذيُّ (١) من حديث أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ وَّر، أنه قالَ : ((كلُّ خطبة ليس فيهَا تشهدٌ فهي كاليد الجذمَاء)». ورجاله ثقاتٌ (٢). وأنه وَلِّ كانَ يعظُ الناسَ ويذكرُهم باللّهِ وبوحدانيتِهِ ، وتفردِهِ بالربوبيةِ والمشيئة ، ويحثُّهم على تقواهُ وطاعته . وكان - غالبًا - يفصلُ بينَ التحميدِ وتوابعِه من الشهادتين ، وما بعدَ ذلك مِنَ الوعظِ والأمرِ والنهِي ، بقولِه : ((أما بعدُ» . وكان - أيضًا - يتلُو منَ القرآنِ في خطبته . وفي ((الصحيحينٍ)) (٣) عن يعلى بن أميةَ، أنه سمعَ النبيَّ وَلّ يقرأُ على المنبرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٤)، أن النبيَّ وَِّ كانَ يقرأُ كلَّ جمعةٍ على المنبرِ، إذَا خطب الناسَ : ﴿قَ وَالْقُرْأَنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]. وفيه - أيضًا - ، عن جابرِ بنِ سمُرَةً، أن النبيَّ بَّوْ كانتْ له خطبتان، يجلسُ بينهما ، يقرأ القرآنَ ، ويذكِّرُ الناسَ . وخرجه النسائيُ (٥)، ولفظه: (( كانَ النبيُّ ◌َِّ يخطبُ قائمًا، ثم يجلسُ ، ثم يقومُ، ويقرأُ آيَاتٍ(٦)، ويذكرُ اللَّه)). وترجم عليه : ((القراءةُ في الخطبةِ الثانيةِ والذكرُ فيها)) . (١) أبو داود (٤٨٤١) والترمذي (١١٠٦). (٢) انظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - (١٦٩). (٣) البخاري (٣٢٣٠) (٣٢٦٦) (٤٨١٩) ومسلم (١٣/٣). (٤) (٣ / ١٣) . (٥) (١١٠/٣) . (٦) في الأصل: ((آية))، والمثبت من النسائي ٤٩٠ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة وخرَّجه ابنُ ماجه (١)، ولفظه: ((ثم يقومُ فيقرأُ [آيات](٢)). فإن كان ذلك محفوظًا فهو صريحٌ فيما بوَّب عليه النسائيّ . وظاهرُ كلامِ الخِرَفيِّ من أصحابِنا يدل على مثلِه - أيضًا . وفي القراءةِ في الخطبة أحاديثُ كثيرةٌ : وروى ابنُ لهيعةً : حدثني أبو صخرِ - وهو : حميدُ بنُ زيادٍ - ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أن النبيَّ وََّ لم يكنْ يدَعُ قراءةَ سورة الأعرافِ في كلِّ جمعةٍ . خرَّجَهَ ابنُ عديٍّ (٣). فإن كان هذا محفوظًا فلعلَّه كان يواظبُ على ذلكَ ؛ لما فيها من قولِه : ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فيكونُ مقصودُه : الأمرَ بالاستماعِ والإنصاتِ للخطبةِ والموعظةِ . وقد قال الإمامُ أحمدُ : أجمَعُوا أن هذه الآيةَ نزلت في الصلاة ، وفي الخطبة . وكان عثمانُ بنُ عفانَ يأمرُ في خطبِهِ بالإنصاتِ ؛ ولهذا اعتادَ الناسُ في هذه الأزمان أن يذكرُوا(٤) قبل الخطبةِ بينَ يدِي الخطيبِ بصوتٍ عالٍ يُسمِعُ الناسَ حديثَ أبي هريرة في الأمر بالإنصافِ ، كما سيأتي ذكرُهُ(٥) - إن شاءَ اللَّهُ سبحانهُ وتعالى . وكان مع ذلك مقتصِدًاً في خطبته ولا يطيلُها ، بل كانت صلاتُهُ قصدًا وخطبتُهُ قصداً . (١) (٠٦ ١١) . (٢) في الأصل رسمت هكذا: ((باليا))، والمثبت من ((السنن)) لابن ماجه. (٣) (٦٨٥/٢). (٤) في الأصل ((م)): ((يذكر)). (٥) (٩٣٤) . ١ ٤٩١ ٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد كتاب الجمعة خَرَّجه مسلمٌ (١) من حديث جابرِ بن سَمُرَةَ . وخرَّج - أيضًا(٢) - من حديثِ عمارٍ، عن [النبيِّ بَّ، قال]: ((إن طولَ صلاة الرجلِ وقِصَر خطبته مئنةٌ من فقهه ، فأطيلُوا الصلاةَ واقصرُوا الخطبةَ ؛ فإن من البيان سحرًا)). ولم يُنقَلْ عنه وَّ أنه كان يصلي على نفسِه في الخطبة، بل كانَ يشهدُ لنفسِه بالعبودية والرسالة ؛ ولكن رُوي عنه الأمرُ بالإكثارِ من الصلاةِ عليه في يوم الجمعةِ وليلةِ الجمعةِ ، وأن الصلاةَ عليه معروضَةٌ عليه . وقد رُوي في حديثٍ مرسلٍ ، رواهُ ابنُ إسحاقَ (٣)، عن المغيرةَ بنِ عثمانَ ابنِ محمد بنِ الأخنسِ ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال : أولُ خطبة خطبَها رسولُ اللّهِ بَ لَهَ بالمدينةِ، أن قامَ فيهمْ، فحمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه بما هُوَ أهلُه، ثم قال : ((أمَّا بعدُ، أيها الناسُ، فقدِّمُوا لأنفسِكُمْ، تَعْلَمُنَّ واللَّهِ، لَيُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثمَّ ليدَعَنَّ غنمَه، ليس لها راعٍ، ثمَّ ليقولَنَّ له ربُّه - ليسَ له ترجمانٌ ، ولا حاجبٌ يحجبُه دونَه -: ألم يأتكَ رسولي، فيبلِّغُك، وآتَيْتُكَ مالاً، وأفضلْتُ، فما قدَّمتَ لنفسك؟ فينظرُ يمينًا وشمالاً ، فلا يرى شيئًا، ثم ينظرُ قُدَّامَهُ، فلا يرى غيرَ جهنّم ، فمنِ استطاعَ أن يقيَ وجهَهَ من النار ولو بشقِّ تمرة فليفعلْ ، ومن لم يفعلْ فبكلمة طيبة ؟ فإنَّ بها تجزى الحسنةُ عشرَ أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام ـو على رسول الله ورحمتُه وبر كاتُه)) . فالصلاةُ والسلامُ عليه في الخطبة يومَ الجمعةِ حسنٌ متأكدُ الاستحبابِ ، لكن لا يظهرُ أنه تبطلُ الخطبة بتركِهِ ، بل الواجبُ الشهادتانِ معَ الحمدِ والموعظةِ . وأما القراءةُ ، فالأكثرونَ على وجوبِها في الخطبةِ ، وهو المشهور عن (١) (٣/ ١١) . (٢) (٣/ ١٢) . (٣) ((السيرة)) لابن هشام (١/ ٥٠٠). ٤٩٢ حديث : ٩٢٦ - ٩٢٧ كتاب الجمعة أحمدَ . وحُكيَ عنه روايةٌ ، أنها مستحبةٌ غيرُ واجبة . وأكثرُ أصحابِنا على إيجابِ الصلاةِ على النبيِّ وَّ، ومنهم مَن قالَ: الواجبُ الشهادةُ له بالرسالة والعبودية . وفي وجوب ذلك كلِّه ــ في كلِّ واحدةٍ من الخطبتينِ - نظرٌ ، والأشهرُ عندَ أصحابنا : وجوبُه . وظاهرُ كلامِ الخرقيِّ : أن الموعظةَ تكونُ في الخطبةِ الثانيةِ . ولأصحابِنا وَجْهٌ في القراءةِ ، أنها تجبُ في إحدى الخطبتينِ . والمنصوصُ عن أحمدَ : ما نقلَه عنه محمدُ بنُ الحكم ، وقد سألَه عن الرجلِ يخطبُ يومَ الجمعةِ، فيكبِّرُ، ويصلِّي على النبيِّ نَّهِ، ويحمدُ اللَّهَ، تكونُ خطبةً؟ وقلتُ لهُ: إنَّ أصحابَ ابنِ مسعودٍ يقولونَ : إذا كَبَّر ، وصلَّى [على] (١) النبيِّنَّه، وحمدَ اللَّهَ، تكونُ خطبةً؟ قال : لا تكونُ خطبةً، إلا كما خطبَ النبيُّ نَّهِ، أو خطبةً تامةٌ . وهذا يدلُّ على أنه لا بدَّ مع ذلك من موعظةٍ . وقد صرَّح به في رواية حثيلٍ، فقالَ: كَانَ النبيُّ ◌َ ◌ّ إذا خطبَ وعظَ فأنذرَ وحذَّر الناسَ . فهذا تفسيرُ قولِه: لا تكونُ خطبةً إلا كما خطبَ النبيُّ ◌َلِّ . ومذهبُ الشافعيِّ وأصحابِهِ : لا يصحُ (٢) ٠ (١) زيادة مني . (٢) في الأصل ((م)) خرم كبير يبدأ من هنا، ويمتد حتى أواخر شرح الباب رقم (٣٥). ٤٩٣ ٣٥ - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة كتاب الجمعة [٣٥ - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهيمُ بْنُ الْمُنْذِر: ثَنَا الْوَلِيدُ: ثَنَا أَبُو عَمْرو: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ : أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْد النَِّيََِّّ، فَبََّ النَِّيُّ:﴿ يَخْطُبُ فِي ◌َوْمٍ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَبِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَلَنَا، فَرَفَعَ يَدَيّهِ - وَمَا تَرَى فِي السَّمَاءِ فَزَعَةً -، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنبَرِهِ حَتَّى رَأيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْتِهِوَهِ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ - أَوْ قَالَ : غَيْرُهُ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيَّهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ، حَوَيْنَا، وَلَاَ عَلَيْنَ)). فَمَا يُشِرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي - قَنَةُ - شَهْرًاً ، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةِ إِلَّ حَدَّثَ بِالجَوْهِ)](١). باهرة من آيات النبوة ومعجزاتها . و((الجَوْبَةُ)) - بفتح الجيم - : الفجوةُ بينَ البيوتِ، والفجوةُ متسعٌ في الأرضِ - وغَيْرِهَا - فارغٌ . وقال الخطابيُّ (٣): المراد بالجَوبة: التُّرسُ. قال : وفي حديث آخر : (١) سبق وأن ذكرت في التعليق السابق أن سقطًا وقع، وامتد إلى هذا الموضع ، فرأيت أن أثبت نص كلام البخاري في هذه الترجمة وحديثه الذي خرجه فيها ، ليسهل المتابعة مع البقية الباقية من شرح هذا الباب . (٢) في ((شرح البخاري (٥٨٥/١) . ٤٩٤ حديث : ٩٣٣ كتاب الجمعة ((فبقيت المدينةُ كالتَّرس))، والمراد : أنها بقيت في استدارتها غيرَ ممطورة . ورواه بعضُهم : ((الجونة)) - بالنون - ، وهو تصحيفٌ . والمرادُ : أن السحابَ انكشطَ عن المدينة وبقي على ما حولَها . وهذا يدلُّ على أن القائمَ إليه في الجمعة الثانية كان من أهلِ المدينة ، وأنه شَكا ضررَهم ؛ ولذلك لم يدعُ برفع المطرِ عن غيرِهم . و((قناة)): اسم وادٍ بالمدينة ، تجري عند السيولِ و ((الجَود)) - بفتح الجيم - : المطرُ العظيمُ . ٤٩٥ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب كتاب الجمعة ٣٦ - بَابُ الإِنصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لصَاحِبه: ((أَنصتْ))، فَقَدْ لَغَا وَقَالَ سَلْمَانُ، عَنِ النََِّّّهُ: ((وَيُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ) . حديثُ سلمانَ ، خرجه البخاريُّ فيما تقدمَ في موضعينٍ (١). ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ بُكَيْرٍ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيّلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ) . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أَنَا مِالِكٌ، عَنْ أَبِي الزََّادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ) . هذا الحديثُ الثاني ، يوجدُ في بعضِ رواياتِ هذا الكتابِ ، ولا يوجدُ في. أكثرِها . الفضلُ في الجمعة ، وحصولُ التكفيرِ بها مشروطٌ بشروط ، منها : أن يدنُوَ مِنَ الإِمامِ ، ويستمعَ وينصتَ ، ولا يلغُو . وقد وردَ ذلك في أحاديثَ متعددة ، قد ذكرنا بعضَها فيما تقدمَ . و («اللغوُ»: هو الكلامُ الباطلُ المُهْدَر ، الذي لا فائدةَ فيه . ومنه : لغوُ اليمينِ ، وهو مالاً يُعبأُ به ولا ينعقدُ . ومنه : قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقولُه: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ﴾ [النبأ: ٣٥]. (١) (٨٨٣) (٩١٠). ٤٩٦ حديث : ٩٣٤ كتاب الجمعة وقد جعلَ النبيَّ نَّهِ في هذا الحديثِ الأمرَ بالإنصاتِ في حالِ الخطبةِ لغواً ، وإن كان أمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكرٍ ، فدلَّ على أن كلَّ كلامٍ يشغلُ عن الاستماعِ والإنصاتِ فهو في حكمِ اللغوِ ، وإنما يُسكِتُ المتكلمَ بالإشارةِ . وكان ابنُ عمُرَ يشير إليه ، وتارةً يحصبُهُ بالحصى(١). وكرِهِ علقمةُ رميه بالحصى(١). ولا خلافَ في جوازِ الإشارةِ إليه بينَ العلماءِ ، إلا ما حُكيَ عن طاوُسٍ (١) وحدَه، ولا يصحُّ؛ لأن الإشارةَ في الصلاةِ جائزةٌ ، ففي حال الخطبةِ أولَى . وروى أنسٌ، أن رجلاً دخلَ المسجدَ والنبيُّ نَّهِ يخطبُ يومَ الجمعةِ، فقال : يا رسولَ اللَّهِ، متى الساعةُ ؟ فأشار الناسُ إليه أن اسكتْ ، فسألَه ثلاثَ مراتٍ، كلَّ ذلك يشيرون إليه أن اسكُتْ، فقال له رسولُ اللَّهُ وَّهِ: ((ويحَكْ، ما أعددتَ لها)) - وذكرَ الحديثَ . خرَّجه البيهقيُّ (٢) وغيرُه . ولا يُسْتثنى من ذلك إلا ما لا بدَّ منه ، مما يجوزُ قطعُ الصلاةِ لأجله ، كتحذير الأعمىَ من الوقوعِ في بئرٍ ونحوِه . فأما ردُّ السلامِ وتشميتُ العاطسِ ، ففيه اختلافٌ سبقتِ الإشارةُ إليه ، وكذلك حكمُ كلامِ الإمامِ ومن يكلِّمُه لمصلحة . وأجمعَ العلماءُ على أن الأفضلَ لمن سمعَ خطبةَ الإمامِ أن ينصتَ ويستمعَ ، وأنه أفضلُ ممن يشتغلُ عن ذلك بذكرِ اللَّهِ في نفسِهِ ، أو تلاوةِ قرآن أو دعاءِ . قال عبدُ الرزاقِ(٣)، عن ابن جريجٍ، قلتُ لعطاءٍ: أُسبِّحُ في يومِ الجمعةِ (١) ابن أبي شيبة (٤٥٢/١). (٢) (٢٢١/٣) . (٣) (٢١٢/٣) . ٤٩٧ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب كتاب الجمعة وأهلِّلُ ، وأنا أعقلُ الخطيبَ ؟ قالَ : لا ، إلا الشيءَ اليسيرَ ، واجعلْهُ بينَك وبين نفسك . وروى(١) بإسناده ، عن طاوُسِ ، قالَ: إذا كانَ الإمامُ على المنبرِ فلا يَدْعُ أحدٌ بشيء ، ولا يذكرُ اللَّهَ ، إلا أن يذكرَ الإمامُ . وقولُ مالكِ كقولِ عطاءٍ - : ذكرَهَ في ((تهذيبِ المدونةِ)) . وروى حربٌ بإسناده ، عن سفيانَ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، قال : سألتُ علقمةَ : متى يُكرَهَ الكلامُ يومَ الجمعةِ ؟ قال: إذَا خرجَ الإمامُ ، وإذا خطبَ الإمامُ . قلت : فكيف ترى في رجلٍ يقرأُ في نفسِهِ ؟ قال : لعلَّ ذلك لا يضرُّه، إن شاءَ اللَّهُ . قال سفيانُ : ذاك إذا لم يسمعِ الخطبةَ . ورُويَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ والنخَعيِّ : الرخصةُ في القراءةِ والإمامُ يخطبُ . ولعله إذا لم يسمعِ الخطبةَ أو إذا تكلمَ الإمامُ بما لا يجوزُ استماعُهُ . وكرِهِ الأوزاعيَّ لمن سمعَ الخطبة أن يتشهدَ ، وقال : قد جهلَ ، ولم تذهبْ ورو جمعتُه . واختلفوا : في الإمامِ إذا صلَّى على النبيِّ ◌َ ﴿ يومَ الجمعة: هل يوافقُه المأمومُ ؟ فقالت طائفةٌ: يصلي المأمومُ على النبي ◌َِّ في نفسِهِ، وهو قولُ مالك وأبي يوسفَ وأحمدَ وإسحاقَ . واستدلُّوا: بأن الصلاةَ على النبيِّ وَّ﴿ خصوصًا يومَ الجمعةِ متأكدةُ الاستحبابِ ، ومختلفٌ في وجوبِها كلما ذكر ، فيشرعُ الإتيانُ بها في حالِ الخطبةِ عند ذكره ؛ لأن سببَها موجودٌ ، فهو كالتأمينِ على دعاء الإمامِ ، وأولَى . (١) (٢١٤/٣) . ٤٩٨ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب كتاب الجمعة وقال بعضُ الشافعية: إذا قرأَ الإمامُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] - الآية، جازَ للمأمومِ أن يصلِّيَ على النبيِّ ◌َِّ، ويرفعَ بها صوتَه. وقالت طائفةٌ : بل ينصتُ ، وهو قولُ سفيانَ وأبي حنيفةَ ومحمدٍ واللیثِ بنِ سعدٍ ومالكٍ - في روايةٍ - والشافعيِّ . وقال الأوزاعيُّ: ينبغي للإمام إذا صلَّى على النبيِّ نَّهِ يومَ الجمعةِ أن يسكتَ حتَّى يصِليَ الناسُ، فإن لم يسكتْ فأنصت (١)، وأمَّن على دعائه . واختلَفُوا فيمن لم يسمع الخطبةَ لِبُعْدِهِ : هل يذكرُ اللَّهَ ويقرأُ القرآنَ في نفسه ، أو ينصتُ ؟ على قولين : أحدُهما : يذكرُ اللَّهَ في نفسِه ويقرأ ، وهو قولُ علقمةَ وعطاءِ وسعيدِ بنِ جبيرٍ والنخَعيِّ والشافعيِّ والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ . وقولُهم هذا شبهُ قولِ الأكثرينَ في قراءةِ المأمومِ إذا لم يسمعْ قراءتَه . والثاني : أنه ينصتُ ولا يتكلمُ بشيءٍ ، وهو قولُ الزهريِّ والأوزاعيِّ ومالكِ وأبي حنيفةَ . واستدلُّوا : بقول عثمانَ : إن للمنصتِ الذي لا يسمعُ مثلَ ما للسَّامعِ المنصت . خَرَّجه مالكٌ في ((الموط))(٢). وقالت طائفةٌ : من لا يسمعُ لا إنصاتَ عليه ، بل يباحُ له الكلامُ ، وهو قولُ عروةَ بنِ الزبيرِ . وطائفةٍ من أصحابِ الشافعيِّ . وأومأً إليه أحمدُ ، فإنه قالَ : يشرب الماءَ إذا لم يسمعِ الخطبةَ . واختاره القاضي أبو يعلى مِن أصحابنا . (١) في الأصل: ((وأنصت)). (٢) (ص ٨٥) . م ٤٩٩ ٣٦ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب كتاب الجمعة وقال ابنُ عقيلٍ منهم : له أن يُقُرئَ القرآنَ ، ويذاكرَ بالعلمِ . وهو بعيدٌ ؛ فإنَّ رفعَ الصوتِ ربما منعَ مَنْ أقربُ منه إلى الإمامِ ممَّن يسمعُ من السماعِ ، بخلافِ الذكرِ في نفسِهِ والقراءةِ . واختلفُوا : هل إنصاتُ مَن سمعَ الخطبةَ واجبٌ ، وكلامُه في تلك الحالِ محرَّمٌ ، أو هو مكروهٌ فقط ، فلا يأثمُ به ؟ على قولينِ : أحدُهما : أنه محرمٌ ، وهو قولُ الأكثرينَ ، منهم : الأوزاعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ ومالكٌ والشافعيُّ - في القديم - وأحمدُ - في المشهورِ عنه . والمنقولُ عن أكثر السلفِ يشهدُ له . وقال عطاءٌ ومجاهدٌ : الإنصاتُ يومَ الجمعةِ واجبٌ . وقد أمرَ ابنُ مسعودٍ بقرعٍ رأسِ المتكلمِ بالعَصَى ، وكان ابنُ عمرَ يحصبه بالحصباء . ورُويَ عنه ، أنه قال : المتكلمُ لا جمعةً له ، ولمَنْ أجابَه : أنت حمارٌ . وقال ابنُ مسعودٍ وغيرُه لمن تكلّمَ في جمعه : هذا حظُّك من صلاتك . ويدل على تحريمِه : قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقد تقدمَ قولُ الإمامِ أحمدَ: أجمعُوا أنها نزلتْ في الصلاة والخطبة . ولأن الخطبةَ وجَبَتْ في الجمعةِ تذكيرًا للناسِ وموعظةً لهم ، فإذا لم يجبِ استماعُها لم تبقَ فائدةٌ في وجوبِها في نفسِها ؛ فإن إيجابَ المتكلمِ بما لا يجبُ استماعُه يصيرُ لغواً لا فائدة له . وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ))(١) من حديث مجالد ، عن الشعبيُّ ، عن ابنِ (١) (١/ ٠ ٢٣) . ٥٠٠ حديث : ٩٣٤ كتاب الجمعة عباسٍ، عن النبيِّ نَِّ، قال: ((مَن تكلمَ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ فهو كمثلٍ الحمار يحملُ أسفارًا ، والَّذي يَقولُ له: أنصتْ، لا جمعةَ له)) . وإنما شبهَهُ بالحمارِ يحملُ أسفارًاً ؛ لأن الحمارَ لا ينتفعُ مِن حمِلِهِ الأسفارَ بشيءٍ ، فكذلك مَن لم يستمعِ الإمامَ يومَ الجمعةِ . وهذا المثلُ ضربَه اللَّهُ لليهودِ الذين لم ينتفعوا بشيءٍ مِن علمِهم ، وليس لنا مَثَل السوء، ولا التشبه بمن ذمَّه اللَّهُ من أهلِ الكتابِ قبلَنا ، فيما ذُمُّوا عليه . وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) من حديث عليٍّ، عن النبيِّ وََّ، قال : ((من دنا مَن الإمامِ فلغا ، ولم يستمعْ ولم ينصتْ، كان له كِفْلٌ من الوزرِ ، ومَن قال له : مَهْ فقد لغا، ومن لغا فلا جمُعَةَ له)) والقولُ الثاني : أنه مكروهٌ غيرُ محرمٍ ، وهو قولُ الشافعيِّ - الجدیدُ ۔ وحكي روايةً عن أحمدَ . واختلَفَ مَن قال بتحريمِه : هل تبطلُ به الجمعةُ ؟ فحُكي عن طائفةِ أنه تبطلُ به الجمعةُ . قال عطاءُ الخراسانيُّ وعكرمةُ : من لغا فلا جمُعَةً له . وقال الأوزاعيُّ : من تكلَّمَ عمدًا صارتْ جمعتُه ظهرًا، ومن تكلّم ساهيًا لم(٢) يَتِره اللَّه فضلها، إن شاء اللّه تعالى. وزعمَ بعضُهم أن قول الأوزاعيِّ هذا يخالفُ الإجماعَ ، وليس كذلك ، ولم يُرِدِ الأوزاعيُّ أنه يصلِّي ظهراً، إنما أرادَ أن ثوابَ جمُعَتَه يفوتُه ، ويبقى له فضلُ صلاةِ الظهرِ ، وتبرأ ذمَّتُه منها . وكذلك قالَ فيمن قال(٣) كتابًا والإمامُ يخطبُ ، قال : ذاك حظُّه من جمعته ، (١) أحمد (٩٣/١) وأبو داود (١٠٥١). (٢) الأشبه : ((لن)). (٣) كذا، ولعله: ((قرأ)).