Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
١٩ - بابُ لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة
كتاب الجمعة
وقالت طائفةٌ : لا يُكرَه التخطّي إلا بعدَ خروجِه ، كما دلَّ عليه حديثُ
الأرقم ، منهمُ : الثوريُّ، ومالكٌ ، والأوزاعيُّ - في روايةٍ - ، ومحمدُ بنْ
الحسن .
وذكرَ مالكٌ ، عنْ أبي هريرةَ ، قال : لأنْ يصلّي أحدُكم بظهرِةِ الحرةِ
خيرٌ له منْ أنْ يقعدَ حتى إذا قامَ الإمامُ يخطبُ جاءَ يتخطَّى رقابَ الناسِ يومَ
الجمعة .
فإن وجد فرجةً لا يَصِلُ إليها إلا بالتخطّي ، ففيه قولان :
أحدهما : يجوز لَهُ التخطّي حينئذٍ، وهوَ قولُ الحسنِ ، وقتادةَ ، والأوزاعيِّ
والشافعيِّ ، وكذا قال مالكٌ في التخطِّي قبل خروجِ الإمامِ ، وكذا روى معمرٌ عن
الحسنِ وقتادةً .
والثاني : أنه يُكرَه ، وهو قولُ عطاء ، والثوريِّ.
وعن أحمدَ روايتانِ في ذلك ، كالقولين .
وعنه روايةٌ ثالثةٌ : إن كان يتخطَّى واحدًا أو اثنينٍ جازَ ، وإن كان أكثرَ كُرِهِ .
وحمل بعضُ أصحابِنا روايةَ الجوازِ عن أحمدَ على ما إذا كانَ الجالسونَ قد
جلسُوا في مؤخَّر الصفوفِ ، وتركوا مقدمَها عمدًا، وروايةَ الكراهة على ما إذا
لم يكن منهم تفريطٌ .
وفي كلامِ الأوزاعيِّ وغيرِهِ ما يدل على مثلِ هذا - أيضًا -، وكذلك قالَ
الحسنُ ، قال : لا حرمةَ لهم.
ومتى احتاجَ إلى التخطِّي لحاجةٍ لابدَّ منها من وضوءٍ أو غيرِه ، أو لكونه لا
يجدُ موضعًا للصلاة بدونِه ، أو كان إمامًا لا يمكنه الوصولُ إلى مكانه بدونِ
التخطِّي ، لم يُكْرَه .

٤٤٢
حديث : ٩١٠
كتاب الجمعة
وقد سبق حديثُ عقبةَ بنِ الحارثِ في قيام النبيِّ ◌َِّ من صلاته مسرعًا ،
يتخطَّى رقابَ الناسِ.
وكذا لو ضاقَ الموضعُ وآذتهم الشمسُ ، فلهم - إذا أقيمت الصلاةُ - أن
يشقُّوا الصفوفَ و يدخلُوا لأذى الشمسِ ، نص عليه أحمدُ في روايةِ الأثرمِ .
وحكى ابنُ المنذرِ عن أبي نضرةَ : جوازَ تخطّيهم بإذنهم ، وعن قتادةَ :
يتخطاهم إلى مجلسه.
ثم قال ابن المنذر: لا يجوزُ شيءٌ مِن ذلك عندي ؛ لأن الأذى يحرم قليلُه
وكثيرُهُ، وهذا أذّى؛ لقول النبيِّ بَّ: ((اجلسْ، فقدْ آذيت)).
فظاهر كلامه : تحريمُهُ بكلِّ حالٍ ، والأكثرون جعلوا كراهتَه كراهةَ تنزيه.
ومتى كان بينَ الجالسَّيْن فرجةٌ ، بحيث لا يتخطاهُما ، جازَ له أن يمشي
بينهُما ، فإن تماسَّت ركبُهما بحيث لا يمشِي بينهما إلا بتخطّ ركبِهما كُرِه له ذلكَ،
فإن كانا قائمينِ يصليانِ ، فمشى بينهما ولم يدفعْ أحدًا ، ولم يؤذِه ، ولم يضيق
على أحدٍ جازَ ، وإلا فلاً .
قال ذلك كلَّه عطاءٌ -: ذكره عبدُ الرزَّاقِ (١)، عن ابنِ جريجٍ ، عنه.
الثاني - مما يدخل في التفريقِ بينَ اثنين - :
الجلوسُ بينهما إن كانا جالسَيْن، أو القيامُ بينهما إن كانا قائمَيْن في صلاة.
فإن كان ذلك من غيرِ تضييقٍ عليهِما ولا دفعٍ ولا أذّى ، مثلُ أن يكونَ بينهما
فرجةٌ ، فإنه يجوزُ ، بل يستحَبُّ ؛ لأنه مأمورٌ بسد الخللِ في الصفِّ ، وإلا فهو
منهيٌّ عنه ، إلا أن يأذَنا في ذلك.
وروى عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّ، أن رسول اللّه وَ لَه قال:
((لا يحلُّ للرجل أن يفرقَ بين اثنينٍ ، إلا بإذنهما)).
(١) (٢٤١/٣).

٤٤٣
١٩ - بابُ لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة
كتاب الجمعة
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ (١) .
وقال : حديثٌ حسنٌ (٢).
فإن كان الجالسانِ بينهما قرابةٌ ، أو كانا يتحدثانِ فيما يباحُ ، كان أشدَّ كراهةً.
وفي «مراسيلٍ أبي داودَ »(٣) عن المطَّلبِ بنِ حنطبٍ، قال: سمعتُ أنَّ
رسولَ اللّهِ وَّرْ قالَ: ((لا يفرقُ بينَ الرجلِ ووالدِه)) .
وخرجه الطبرانيّ (٤) من حديث سهلِ بنِ سعدٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال:
((لا يجلسُ الرجلُ بينَ الرجلِ وأبِيه في المجلسِ )) .
وفي إسناده نظرٌ .
ورُوي عن ابنِ عمر - مرفوعًا، وموقوفًا -: ((إذا كانَ اثنان يتناجيَان فلا
يدخلْ بينهما إلا بإذنهما)) (٥) .
قال الإمامُ أحمد في الرجل ينتهي إلي الصفِّ وقد تمَّ فيدخل بين رجلين :
إنْ عِلِم أنه لا يشقُّ عليهم.
قال القاضي أبو يعلى : إن شقَّ عليهم لم يجزْ ؛ لأنَّ فيه أذيَّةً لهم ، وشغلاً
لقلوبهم.
(١) أحمد (٢١٣/٢) وأبو داود (٤٨٤٥) والترمذي (٢٧٥٢).
(٢) في ((المطبوع)) من ((الجامع)): ((حسن صحيح)) وفي نسخة ((تحفة الأحوذي)) (٢٨/٨):
(( حسن)).
(٣) (٥١٣).
(٤) في (( الأوسط)) (٤٤٢٩) .
(٥) أخرجه أحمد (٤٤١/٢-١٣٨) بنحوه.

٤٤٤
حديث : ٩١١
كتاب الجمعة
٢٠ - بَابٌ
لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ مَكَانَهُ
٩١١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ: ثَنَا مَخْلَهُ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجِ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ:
سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى النَِّيُّ ◌َةَ أَنْ يُقِمَ [الرَّجُلُ﴾(١) الرَّجُلَ مِنْ مَفْعَدِهِ، ثُمَّ
يَجْلِسُ فِهِ)) .
قُلْتُ لِنَافِعِ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ : الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا.
وقد خرجَه البخاريُّ في مواضعَ متعددةٍ (٢)، وفي بعضِها زيادةُ: (( ولكنْ
تفسَّحُوا وتوسَّعُوا)) .
وخرج مسلمٌ (٣) من حديث أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عنِ النبيِّ ◌َِلِّ، قال:
(( لا يقيمنَّ أحدُكم أخاه يومَ الجمعةِ ليخالفَ إلى مقعده فيقعدُ فيه ، ولكن يقولُ :
افْسَحُوا)).
وخرج الإمامُ أحمدُ (٤) من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ، قال: ((لاَ
يُقِمِ الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلسُ فيه ، ولكن افسَحُوا يفسح اللّهُ لَكُمْ)).
وروى ابنُ أبي حاتمٍ (٥) بإسناده ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ ، قال : أُنزِلتْ هذه
الآيَةُ - يعني : قولَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ
فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١] - في يوم جمعةٍ، وكان رسولُ اللّهِ مَّل يومئذٍ في
(١) سقط من ((م))، واستدركناه من بعض نسخ البخاري، وفي بعضها: ((يقيم الرجل أخاه)).
(٢) (٦٢٦٩) (٦٢٧٠).
(٣) (١٠/٧).
(٤) (٢ / ٥٢٣).
(٥) ذكره ابن كثير في ((التفسير)" (٧١/٨).

٤٤٥
كتاب الجمعة ٢٠ - بابٌ لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه
الصفةِ ، وفي المكان ضِيقٌ ، وكان يكرمُ أهلَ بدرِ من المهاجرين والأنصارِ ،
فجاء أناسٌ من أهل بدرٍ وقد سُبِقوا إلي المجالسِ، فقاموا حيالَ رسولِ اللّهِ وَّل ،
فسلّموا عليه ، ثم سلَّموا على القوم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يُوَسَّع
لهم، فلم يُفْسَحْ لَهمْ، فشقَّ ذلك على النبيِّ وََّ، فقال لِمن حوله من
المهاجرين والأنصارِ - مِنْ غير أهلٍ بدرَ - : ((قمْ أنتَ يا فلانُ، وأنت يا فلانٌ))،
فلم يزلْ يقيمُهم بِعدَّةِ النفرِ الذين هُمْ قيامٌ بين يديهِ ، فشقَّ ذلك علَى مَنْ أُقِيمَ مِن
مجلسه، وعَرَفَ النبيُّ بِّهِ الكراهةَ في وجوهِهم ، وتكلّم في ذلك المنافقونَ ،
فبلغَنَا أنَّ رسول اللّه وَلّ قال: ((رحمَ اللّهُ رجلاً فسحَ لأخيه))، فجعلُوا يقومونَ
بعدَ ذلك سِرَاعًا ، فيفسحُ القومُ لإخوانِهِم ، ونزلتْ هذهِ الآيةُ يومَ الجمعة .
فظاهر هذا : يدل على أن إقامة الجالسِ نُسِخَ بهذه الآيةِ ، وانتهى الأمرُ إلى
التفسحِ المذكورِ فيها.
وقال قتادةُ: كان هذا النبيِّ وََّ ومَنْ حولَه خاصةً.
يشير إلى إقامةِ الجالسينَ ليجلسَ غيرُهم؛ فإنه وَلِّ كان يفعلُ ذلك إكرامًا
لأهلِ الفضائِل والاستحقاقِ ، وغيرُهُ لا يُؤْمَن عليه أن يفعلَه بالهوى.
ويُستثنى من ذلك: الصبيُّ ، إذا كان في الصف ، وجاء رجلٌ ، فله أن
يؤخرَه ويقوم مقامَه ، كما فعله أبيّ بنُ كعبٍ بقيسِ بنِ عِبَادٍ ، وقد ذهب إليه .
الثوريُّ وأحمدُ ، وقد تقدم ذلك.
فإن كان الذي في الصفِّ رجلاً، وكان أَعرابيًا أو جاهلاً، لم يجز تأخيرُه
من موضعه.
قال أحمدُ : لا أرى ذلك.
وفي ((سنن أبي داود))(١)، عن النبي وَّر، قال: ((من سبقَ إلى ما لم
(١) (٣٠٧١).

٤٤٦
حديث : ٩١١
كتاب الجمعة
يسبق إليه أحدٌ فهو أحقٌّ به )).
واستثنى بعضُ الشافعية - أيضًا - ثلاثَ صورٍ ، وهي : أن يقعد في موضعٍ
الإمام ، أو طريقِ الناس ويمنعُهم الاجتيازَ ، أو بين يديِ الصفِّ مستقبلَ القبلةَ.
ويُستثنى من ذلك : أن يكونَ المتأخِّرُ قد أرسل من يأخذُ له موضعًا في
الصف ، فإذا جاء قام الجالس وجلسَ الباعثُ فيه . وقد ذكرَه الشافعيُّ وأصحابُنا
وغیرُهم.
ورُوي عن ابنِ سيرينَ ، أنه كان يفعله .
وأما إن قامَ أحدٌ منَ الصفِّ تبرعًا وآثر الداخلَ بمكانه ، فهل يُكرَه ذلك ،
أم لا ؟ إن انتقلَ إلى مكانٍ أفضلَ منه لم يُكرَه ، وإن انتقلَ إلى ما دونَه
فكرِهَهُ الشافعيةُ .
وقال أحمدُ فيمن تأخرَ عن الصفِّ الأول، وقدَّمَ أباه فيه : هو يقدرُ أن يبرَّ
أباه بغير هذا.
وظاهره : الكراهةُ ، وأنه يكره الإيثار بالقُرَب
وأم الموثَر ، فهلْ يُكرَه له أن يجلسَ في المكان الذي أوثر به ؟ فيه قولانِ
مشهوران .
أشهرُهما : لا يُكرَه ، وهو قولُ أصحابِنا والشافعيةِ وغيرِهم.
والثاني : يكره ، وكان ابنُ عمرَ لا يفعلُ ذلك ، وكذلكَ أبو بكرةَ.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) من حديثِ ابنِ عمرَ ، قال : جاء رجل
إلى رسول اللَّهِ وَ جّه، فقام له رجلٌ من(٢) مجلسه ، فذهب ليجلسَ فيه ، فنهاه
النبيُّ ◌َةٍ .
(١) أحمد (٨٤/٢) وأبو داود (٤٨٢٨).
(٢) في الأصل: (( عن)).

٤٤٧
كتاب الجمعة ٢٠ - بابٌ لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه
وخرج أحمدُ وأبو داودَ (١) من حديث أبي بكرة عن النبي ◌َّ معناه - أيضًا.
ولو بادر رجلٌ وسبق الموثَر إلى المكان ، فهل هو أحقٌّ به من الموثَر ،
أم لا ؟ فيه وجهانِ لأصحابنا وغيرِهم.
وأما مَنْ فُسِح له في مجلسٍ أو صفٌّ ، فلا يُكرَه له الجلوسُ فيه.
وفي مراسيلَ خالدِ بنِ معدانَ، أنَّ النبيَّ وَّ قالَ: ((إِذَا [جاءَ](٢) أحدُكم
إلى المجلسِ ، فَوُسِّع له، فليجلسْ؛ فإنها كرامةٌ )) .
خرجه حميدُ بنُ زَنْجَوَيْهِ(٣).
فإن كان في جلوسه تضييقٌ على الناس ، أو لم يصل إلى المكانِ إلا
بالتخطِّي ، فلا يفعلْ .
وقد روي عن أبي سعيد الخدري ، أنه أُوذنَ بجنازَة في قومه ، فتخلَّف حتى
جاء الناسُ وأخذوا المجالسَ ، ثم جاء بعدُ ، فلما رآه القومُ توسَّعوا له ، فقال :
لا؛ إني سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَه يقول: ((إن خيرَ المجالسِ أوسعُها))، ثم
تنحَّى فجلسَ في مجلس واسعٍ.
وخرج أبو داودَ (٤) منه المرفوعَ فقط.
وروى الخرائطيُّ - بإسناد فيه جهالةٌ - ، عن أبي هريرة - مرفوعًا - :
(( لا توسّع المجالسُ إلا لثلاثة : لذي علم لعلمه ، وذي سنَّ لسنّه، وذي سلطان
لسلطانه )).
ودخل خالدُ بنُ ثابتِ الفهميُّ المسجدَ يومَ الجمعةِ ، وقد امتلأَّ من الشمسِ ،
(١) أحمد (٤٤/٥-٤٨) وأبو داود (٤٨٢٧).
(٢) سقط من ((م)) وفي هامشه: ((لعله: جاء)).
(٣) قلت: أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٣٥٢/١/٤). عن مصعب بن شيبة مرسلاً.
(٤) (٤٨٢٠).

٤٤٨
حديث : ٩١١
كتاب الجمعة
فرآه بعضُ مَن في الظلِّ ، فأشار إليه ليوسعَ له ، فكرهَ أن يتخطَّى الناسَ إلى ذلك
الظلِّ، وتلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمورِ﴾ [لقمان: ١٧]،
م م
ثُمَّ جلس في الشمس.
خرجه حُميدُ بنُ زَنْجَویه .

٤٤٩
٢١ - بَابُ الأذان يوم الجمعة
كتاب الجمعة
٢١ - بَابُ
و ور
الأَذَان يَوْمَ الْجُمْعَة
٩١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ،
قَالَ : كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، عَلَى عَهْد
رَسُولِ اللّهِوَ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، وَكَثُرُ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالثَ
عَلَى الزُّوْرَاءِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ: الزَّوْرَاءُ : موضعٌ بالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ .
الأذانُ يومَ الجمعةِ قد ذكرَه اللّهُ تعالَى في كتابه، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقد
ذهب طائفةٌ من العلماء إلى وجوبِه، وإنْ قيل (١): إن الأذان سنةٌ ، وهو الذي
ذكره ابنُ أبي موسى من أصحابِنا، وقاله طائفةٌ من الشافعية - أيضًا .
وقد دلَّ الحديثُ على أن الأذانَ الذي كان على عهدِ رسولِ اللّهِ الَّله وأبي
بكرٍ وعمرَ هو النداءُ الذي بين يديِ الإمامِ عند جلوسِه على المنبرِ ، وهذا لا
اختلافَ فيه بين العلماءِ .
ولهذا قال أكثرُهم : إنه هو الأذانُ الذي يَمْنع البيعَ ، ويوجبُ السعيَ إلى
الجمعة ، حيث لم يكن على عهد النبيّ ◌َّ سواه.
وما ذكره ابنُ عبد البرِّ عن طائفة من أصحابِهم ، أن هذا الأذانَ الذي يمنع
البيعَ لم يكن على عهد النبي ◌َّهِ وإنما أحدثه هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، فقد بَيَّن ابنُ
عبد البرِّ أن هذا جهلٌ من قائله ؛ لعدم معرفته بالسنةِ والآثارِ .
فإن قال هذا الجاهلُ : إنه لم يكن أذانٌ بالكلِّية في الجمعة ، فقد باهتَ ،
(١) كأن ((إنْ)) هنا مقحمة.

٤٥٠
حديث : ٩١٢
كتاب الجمعة
ويكذِّبُه قولُ اللّه عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا نُودِيَ الصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَاسْعَوْا﴾ .
وإنْ زعمَ أن الأذانَ الذي كان في عهد النبيِّ نَِّ وأبي بكرٍ وعمرَ هو الأذانُ
الأولُ الذي قبلَ خروجِ الإمامِ ، فقد أبطلَ ، ويكذّبُه هذا الحديثُ واجتماعُ
العلماء على ذلكَ.
وقولُهُ في هذه الرواية: ((أولُه إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ))، معناه : أن
هذا الأذانَ كانَ هو الأولَ ، ثم تليه الإقامةُ، وتسُمَّي: أذانًا ، كما في الحديثِ
المشهورِ : ((بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ)(١) .
وخرجه النسائيّ (٢) من رواية المعتمرِ، عن أبيه، عن الزهريِّ، ولفظُه :
كان بلالُ يؤذن إذا جلسَ رسولُ اللّهِ وَّهِ على المنبرِ يومَ الجمعةِ، فإذا نزلَ أقامَ،
ثم كان كذلك في زمنٍ أبي بكرٍ وعمرَ ، فلما زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ صار هذا
الثالثُ هو الأولَ ، وصار الذي بين يدي الإمامِ هو الثاني.
وقد خرج أبو داودَ (٣) هذا الحديثَ من طريق ابن إسحاقَ ، عنِ الزهريِّ ،
عن السائبِ ، قال: كان يؤذَّن بين يديْ رسولِ اللّهِ بَ لوَ إذا جلسَ على المنبرِ يومَ
الجمعةِ على بابِ المسجدِ ، وأبي بكرٍ وعمرَ.
ففي هذه الروايةِ : زيادةٌ: أنَّ هذا الأذانَ لم يكنْ في نفسِ المسجدِ ، بل
على بابِه ، بحيث يسمعه مَنْ كان في المسجدِ ومَن كان خارجَ المسجدِ ، ليترك
أهلُ الأسواقِ البيعَ ويسرعُوا إلى السعي إلى المسجدِ .
وقولُهُ: ((فلما كان عثمانُ)) - يريد: لما وليَ عثمان ــ «وكثر الناسُ في
زمنه زادَ النداءَ الثالثَ على الزوراءِ»، وسمَّه : ثالثًا ؛ لأنَّ به صارت النداآت
للجمعة ثلاثةً ، وإنْ كان هو أولها وقوعًا.
(١) تقدم برقم (٦٢٤) (٦٢٧).
(٢) (١٠١/٣).
(٣) (١٠٨٨) (١٠٨٩).

٤٥١
٢١ - بَابُ الأذان يوم الجمعة
كتاب الجمعة
وخرَّجه ابن ماجه (١)، وعنده - بعد قوله: ((على دارٍ في السوقِ ، يقال لها:
الزورَاءُ)) -: ((فإذا خرجَ أذَّنَ، وإذا نَزَلَ أقامَ )).
وهو من روايةٍ : ابنِ إسحاقَ ، عن الزهريِّ .
وروى الزهريُّ ، عن ابنِ المسيبِ : مَعْنَى حديثه عن السائبِ بن يزيدَ ، غيرَ
أنه قال: ((فلمَّا كان عثمانُ كثرَ الناسُ ، فزاد الأذانَ الأولَ ، وأرادَ أن يتهيأ الناسُ
للجمعة)).
خرجه عبدُ الرزَّقِ في ((كتابه))(٢) عن معمرٍ ، عنه.
وقد رواه إسماعيلُ بنُ يحيى التميميُّ - وهو ضعيفٌ جدًا - ، عن مِسْعَرِ ،
عنِ القاسمِ ، عنِ ابن المسيبِ ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ ، قال : ما كان الأذانُ
على عهدِ النبيِّ وَّهِ يوم الجمعة إلا قُدََّمَ النبيِّ وَّرَ، وهو على المنبرِ، فإذا نزلَ
أقامُوا الصلاةَ ، فلما ولي عثمان أُمرَ أن يؤذَّن على المنارَةَ لُيُسمعَ الناسَ .
خرجه الإسماعيليُّ في (( مسند مِسْعَرٍ)) ، وقال في القاسمِ : هو مجهولٌ .
قلت : والصحيحُ : المرسلُ .
وقد أنكر عطاءٌ الأذانَ الأولَ ، وقال : إنما زادَه الحجاجُ . قال : وإنما كان
عثمانُ يدعو الناسَ دعاءً.
خرجه عبد الرزاقِ(٣).
وقال عمرُو بنُ دينارِ : إنما زادَ عثمانُ الأذانَ بالمدينةِ ، وأما مكةُ فأوَّلُ من
زادَه الحجاجُ. قال : ورأيت ابنَ الزبيرِ لا يؤذَّن له حتى يجلسَ على المنبرِ ، ولا
يؤَذَّن له إلا أذانٌ واحدٌ يوم الجمعة .
(١) (١١٣٥).
(٢) (٢٠٦/٣).
(٣) (٢٠٥/٣-٢٠٦).

٤٥٢
حديث : ٩١٢
كتاب الجمعة
خرجه عبد الرزََّقِ - أيضًا (١) .
وروى مصعبُ بن سلامٍ ، عن هشامٍ بنِ الغازِ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمرَ ،
قال: إنما كانَ رسولُ اللّهِ وَ له إذا قعدَ على المنبرِ أذنَ بلالُ، فإذا فرغَ النبيُّ نَله.
من خطبته أقام الصلاةَ ، والأذانُ الأولُ بدعةٌ (٢).
وروى وكيعٌ في ((كتابه)»(٣) عن هشامِ بنِ الغازِ ، قال : سألتُ نافعًا عن
الأذانِ يوم الجمعة ؟ فقال : قال ابنُ عمرَ : بدعةٌ ، وكلُّ بدعة ضلالةٌ ، وإن رآه
الناسُ حسناً.
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ: لم يكن في زمانِ النبيِّ وَّ إلا
أذانَان : أذانٌ حين يجلسُ على المنبرِ ، وأذانٌ حين تُقَامُ الصلاةُ . قال : وهذا
الأخيرُ شيءٌ أحدثه الناسُ بعدُ.
خرجهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
وقال سفيانُ الثوريُّ: لا يُؤَذَّن للجمعَةِ حتى تزولَ الشمسُ، وإذا أَذنَ
المؤذِّن قام الإمامُ على المنبرِ فخطبَ ، وإذا نزل أقامَ الصلاةَ . قال : والأذان
الذي كان على عهدِ رسولِ اللّهِ لَ ﴿ل وأبي بكرٍ وعمرَ أذانٌ وإقامةٌ، وهذا الأذانُ
الذي زادوه محدَثٌ.
وقال الشافعيُّ - فيما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ - : أحبُّ إليَّ أن يكون الأذانُ يومَ
الجمعةِ حين يجلسُ الإمامُ على المنبرِ بينَ يديْهِ ، فإذا قعد أخذَ المؤذنُ في
الأذان ، فإذا فرغَ قام فخطبَ . قال : وكان عطاءٌ ينكرُ أن يكونَ عثمانُ أحدثَ
الأذانَ الثاني ، وقالَ : إنما أحدثَه معاويةُ .
(١) (٢٠٦/٣).
(٢) الجملة الأخيرة عند ابن أبي شيبة (١/ ٤٧٠) من طريق شبابة ، عن هشام.
(٣) وعنه ابن أبي شيبة (١/ ٤٧٠).

٤٥٣
٢١ - بَابُ الأذان يوم الجمعة
كتاب الجمعة
قال الشافعيُّ: وأيُّهما كانَ، فالأذانُ الذي كان على عهد النبيِّ وَِّ، وهو
الذي يُنْهَى الناسُ عنده عن البيع .
ولأصحابه في أذان الجمعة - على قولهم : الأذانُ سنةٌ - وجهان :
أحدُهما : أنه سنةٌ - أيضًا .
والثاني : أنه للجمعة خاصةً فرضُ کفایة
فعلى هذَا : هل تسقط الكفايةُ بالأذان الأول ، أوْ لا تسقطُ إلا بالأذان بين
يديِ الإمامِ ؟ على وجهينِ - أيضًا .
ومنْ أصحابنا من قالَ : يسقط الفرضُ بالأذان الأول ، وفيه نظرٌ .
والله أعلم.
وقال القاضي أبو يعلَى: المستحبُّ أن لا يؤذَّن إلا أذانٌ واحدٌ ، وهو بعدَ
جلوسِ الإمامِ على المنبرِ ، فإن أذِّنَ لها بعدَ الزَّوالِ وقبلَ جلوسِ الإمامِ جازَ ،
ولم يُكْرَه.
ثم ذكرَ حديثَ السائبِ بنِ يزيدَ هذا.
ونقل حربٌ ، عن إسحاقَ بنِ راهَويه : أن الأذانَ الأولَ للجمعة محدثٌ ،
أحدثه عثمانُ ، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيدَ في المؤذنين ، ليُعْلِمِ الأبْعَدِينَ
ذلك ، فصار سنةً : لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناسِ .
وهذا يفهم منه أن ذلك راجعٌ إلى رأي الإمام ، فإن احتاج إليه لكثرةِ الناس
فعلَه ، وإلا فلاَ حاجةَ إليه.

٤٥٤
حديث : ٩١٣
كتاب الجمعة
٢٢ - بَابُ
الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِئُونُ ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّالَّذِيِ زَادَ النَّذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنَ
عَقَّنَ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِنَّبَِِّّ غَيْرُ مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ النَّذِينُ
يَوُمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ - يَعْنِي: عَلَى الْمِنْبَرِ .
قولُه: ((ولم يكن للنبيِّ نَّلَهَ إلا مؤذنٌ واحد)) - يعني: في الجمعة؛ [فإنّ
في غيرِ الجمعةِ كانَ له مؤذنانٍ ، كما سبقَ في ((الأذانِ)) .
وقد قيل: إنه يحتملُ أن يكون مراد السَّائب: أنه لم يكن للنبيِّ وَِّ يومَ
الجمعة إلا تأذينٌ واحد ، فعَبَّر بالمؤذن عن الأذان - : ذكره الإسماعيلي .
وهذا يرده قوله : ((فزادَ عثمانُ النداءَ الثالثَ))، فإنَّه يدلُّ على أنه كان للنبي
وَجِ* أذانانِ - يعني: الأذان والإقامة](١) - والمؤذنُ الواحدُ (٢) في الجمعةِ .
وقد تقدم في رواية النسائيّ (٣) لحديث السائب بن يزيدَ ، ويفهم من حديث
ابنِ عمرَ - أيضًا (٤).
وخرج ابنُ ماجة(٥) من رواية عبدِ الرحمنِ بن سعدِ بنِ عمارٍ : حدثني أبي ،
عن أبيه ، عن جده - وهو: سعدُ القرظُ - ، أنه كان يؤذِّن يومَ الجمعةِ على عهد
(١) ما بين المعقوفين موضعه في الأصل سقيم جدًا، وقد اجتهدنا في قراءته ، ونستطيع أن نجزم
بصحة ما أثبتناه كله ، واللَّه أعلم .
(٢) كذا في الأصل : ((والمؤذن الواحد)).
(٣) (١٠٠/٣) .
وقد تقدم تحت رقم (٩١٢) .
(٤) عند أبي داود (١٠٩٢) .
(٥) (١١٠١) .

٤٥٥
٢٢ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة
كتاب الجمعة
رسول اللّهِ وَ لَّ إذا كانَ الفيءُ مثلَ الشراكِ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ ؛ ضعفه ابنُ معينٍ وغيرُهُ .
وإنما كان سعدٌ يؤذن بقباءَ في عهدِ النبي ◌ِِّ، ولم يكن بقباء جمعةٌ .
وقد حكى ابن عبد البرِّ (١) اختلافًا بين العلماء في الأذان يوم الجمعة بين
يديِ الإمامِ : هل يكون من مؤذنٍ واحدٍ ، أو مؤذنين ؟
فذكر من رواية ابنِ عبدِ الحكمِ ، عن مالك ، أنه قال : إذا جلس الإمامُ
على المنبرِ ، ونادى المنادي مُنْعَ الناسُ من البيع .
قال : وهذا يدلُّ على أن النداءَ عنده واحدٌ بين يدي الإمام .
وفي ((المدونةِ)) من قول ابن القاسمِ ، وروايتهِ ، عن مالك : إذا جلس
الإمامُ على المنبرِ ، وأخذ المؤذنون في الأذان حرمَ البيعُ .
ھ
فذكر ((المؤذنين)) بلفظ الجماعة .
قال: ويشهد لهذا حديث مالك(٢)، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بنِ أبي مالكٍ،
أنهم كانوا في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ يصلُّون يوم الجمعةِ حتى يخرج عمر ، فإذا
خرج وجلس على المنبر وأخذ(٣) المؤذنون .
هكذا بلفظ الجماعة .
قال : ومعلومُ عند العلماء أنه جائزٌ أن يكون المؤذنون واحدًا وجماعةً في
كل صلاة ، إذا كان ذلك مترادفًا ، لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها .
وذكر من كلام الشافعيِّ ، أنه قال : إذا قعد الإمامُ أخذَ المؤذنون في
الأذان .
(١) ((التمهيد)) (٢٤٧/١٠ - ٢٥٠).
(٢) ((الموطأ)) (ص ٨٥).
(٣) في ((الموطإِ): ((وأذن)).

٤٥٦
حديث : ٩١٣
كتاب الجمعة
ومن كلام الطحاويِّ في ((مختصره)) : حكاية قول أبي حنيفة وأصحابه : إذا
جلس الإمامُ على المنبرِ ، وأذن المؤذنون بين يديه - بلفظ الجمعِ .
ووقع في كلام الخِرَقي من أصحابنا : وأخذ المؤذنون في الأذان - بلفظ
الجمع .
وقال مكحولٌ : إن النداء كان في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ حين يخرجُ الإمامُ ،
ثم تقام الصلاةُ ، فأمر عثمانُ أن ينادَى قبل خروجِ الإمامِ حتى يجتمعَ الناسُ .
خرجه ابن أبي حاتمٍ .
ء
قال حربٌ : قلت لأحمدَ : فالأذان يومَ الجمعة إذا أذَّن على المنارة عدَّةٌ ؟
قال: لا بأسَ بذلك، قد كان يُؤَذِّن للنبيِ نَِّ بلالُ وابْنُ أمِّ مكتومٍ ، وجاء
أبُو محذورةَ وقد أذن رجلٌ قبله ، فأذن أبو محذورةَ .
وظاهر هذا : أنه لو أذن على المنارِة مؤذنٌ بعد مؤذنٍ جازَ ، وهذا قبلَ
خروجِ الإمامِ .
وقال القاضي أبو يعلى: يستحبُّ أن يكون المؤذنُ للجمعة واحدًا ، فإن أذن
أكثرُ من واحدٍ جاز ، ولم يُكْره .
ومرادهُ : إذا أذنوا دفعةً واحدةً بين يديِ الإمامِ ، أو أذنوا قبل خروجه
تترى ، فأمَّا إن أذنوا بعد جلوسه على المنبرِ ، مرةً بعد مرةٍ ، فلا شك في
كراهته ، وأنه لم يعلم وقوعها في الإسلام قطُّ .
وكذا قال كثيرٌ من أصحاب الشافعيِّ : إنه يستحبُّ أن يكون للجمعة أذانٌ
واحدٌ عند المنبر ، ويستحبُّ أن يكون المؤذن واحدًا ؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة
للنبيِّ وَّ إلا بلالُ.
ونقل المحاملي هذا الكلام عن الشافعي ، والذي نقله البويطيّ عن الشافعيِّ
يخالف ذلك ؛ فإنه نقل عنه ، أنه قال : النداء للجمعة هو الذي يكونُ والإمام

٤٥٧
٢٢ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة
كتاب الجمعة
على المنبرِ ، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملةً حين يجلسُ
الإمامُ على المنبرِ ، ليسمعَ الناسُ فيؤبُون إلى المسجد .
وهذا تصريحٌ بأنهم يكونون جماعةً ، وأنهم يؤذنون على المنارة لإسماع
الناس ، لا بَيْن يدي المنبر في المسجد .
وقد خرج البخاري في ((صحيحه) (١) هذا في ((باب: رجم الحُبلى))، من
حديث ابن عباسٍ ، قال : جلس عمرُ على المنبرِ يومَ الجمعة ، فلما سكتَ
المؤذنونَ قامَ ، فأثنى على اللَّه - وذكر الحديثَ .
ورُوي عن المغيرةَ بنِ شعبةَ ، أنه كان له في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ .
وخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من روايةابنِ إسحاقَ ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ وََّ، قال: «إذا كانَ يومُ الجمعة
قعدت الملائكةُ على أبواب المسجد ، يكتبونَ مَن جاءَ ، فإذا أُذِّن وجلس الإمامُ
على المنبر طوَوا الصحفَ، ودخلوا المسجدَ يستمعون الذكرَ)).
وهذا لفظ غريب .
وروى عبد الرزاقِ (٣) بإسناده ، عن موسى بن طلحةَ قال: رأيتُ عثمانَ بنَ
عفانَ جالسًا على المنبرِ في يوم الجمعة ، والمؤذنون يؤذنون يوم الجمعة ، وهو
يسأل الناسَ عن أسعارِهم وأخبارِهم .
ويحتمل أن يكون مراد من قال: ((المؤذن)) - بلفظ الإفراد - : الجنس ، لا
الواحد ، فلا يبقَى فيه دلالة على كونه واحداً .
(١) (٦٨٣٠) .
(٢) (٣/ ٨١) .
(٣) (٢١٥/٣) .

٤٥٨
حديث : ٩١٤
كتاب الجمعة
٢٣ - بَابٌ
يُجِيبُ(١) الإِمَامُ عَلَى الْمِنْرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
٩١٤ - ثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حٍُّ،
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْف ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالسٌ
عَلَى الْمِنْبَرِ، أَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ». قَالَ مُعَاوِيَّةٌ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ
أَكْبَرُ. فَقَالَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ)). فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: ((وَأَنَا)) قَالَ: ((أَشْهَدَ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه)). قَالَ مُعَاوِيَّةُ: ((وَأَنَ)) ، فَلَمَّا قَضَى النََّذِينَ قَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ،
إِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوََّ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَنَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ
مِنِّي مِنْ مَقَالٍِ(٢).
المقصودُ من هذا الحديثِ في هذا البابِ : أن الإمامَ يجيب المؤذنَ على
المنبر إذا أذن بين يديه ، كما يجيبه غيره من السامعين ، وليس في ذلك خلافٌ ؛
فإن الإمام من جملة السامعين للمؤذن ، فيدخل في عموم قوله : ((إذا سمعتم
و
المؤذن فقولوا مثلَما يقولُ» .
وقد سبق في ((الأذان))(١) الكلام على إجابة المؤذن مستوفَّى .
وفي حديث معاويةً : دليل على أن من سمع مخبرًا يخبر عن نفسِه بشيءٍ ،
فقال هو - مجيبًا له -: ((وأنا))، أنه يصير مقرًا بمثل ما أقر به .
وعلى هذا: فلو سمعَ الكافرُ مؤذنًا يؤذن ، فقالَ - مجيبًا له - : وأَنَا ، فهل
يصيرُ مسلمًا ؟
(١) في نسخة: ((يؤذِّن)).
(٢) في ((اليونينية)): ((مقالتي)).
(٣) برقم (٦١١) وكذا مسلم (٤/٢).

٤٥٩
٢٣ - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء
کتاب الجمعة
وقد قال أحمد في ذِمِّيٌّ مرّ بمؤذن ، يؤذن ، فقال له : كذبت : إنه يقتلُ .
وكذا لو سمع رجل رجلاً قال لامرأته : أنت طالق ، أو قال : امرأتي طالق،
فقال : وأَنَا ، ونوى الطلاق ، فهل تطلق امرأته ؟
وقد حكى القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) فيما إذا قال رجل لرجل : يا زان ،
فقال له : لا ، بل أنت . فهل يُحَدُّ الثاني ؛ لكونه قاذفًا ، أم لا ؟ على
وجهين .

٩
٤٦٠
حديث : ٩١٥
كتاب الجمعة
٢٤ - بَابُ
الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْرِ عِندَ الَّذِينِ
٩١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهَاب ، أَنَّ
السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَهُ، أَنَّ النَّذِينَ الثَّانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّنَ حِينَ
كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ التَّذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ.
إنما سماه ((الثاني)) باعتبار الأذانِ عند الجلوسِ على المنبر ، فهما أذانان بهذا
الاعتبار، و((الإقامة)) لا تسمى أذانًا عند الإطلاق.
وجلوسُ الإمام على المنبرِ يومَ الجمعة إذا رقى المنبرَ حتى يفرغ من الأذان
سنةٌ مسنونةٌ ، تلقاها الأمة بالعملِ بها خلفًا عن سلفٍ .
إلا أن ابنَ عبدِ البرِّ حكى عن أبي حنيفة : أنه غيرُ مسنون . ولا خلاف أنه
غیرُ واجبٍ .
١