Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
١٦٦ - بَابُ اسْتِئْذَانِ المَرَأَةِ زَوْجَهَا بِالخرُوجِ
کتاب الأذان
خرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) من حديث حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، عن ابنِ
عمرَ، عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((لا تمنعُوا نساءَكم المساجدَ، وبيوتهُنَّ خيرٌ لهنَّ».
وخرج الإمامُ أحمدُ وابنُ خزيمةَ وابنُ حبان في (( صحيحَيْهما))(٢) من حديث
أمُّ حميدٍ - امرأةٍ أبي حميدٍ - ، أن النبيَّ وَّهِ قالَ لها: «صلاتُك في بيتك خيرٌ
من صلاتك في حجرتك ، وصلاتُك في حجرتك خيرٌ من صلاتك في دارك ،
وصلاتُك في دارِك خيرٌ مِن صلاتِك في مسجدِ قومِك ، وصلاتُك في مسجدٍ
قومك خيرٌ من صلاتك في مسجدي )) . قال: فأَمرتْ، فَبُنِيَ لها مسجدٌ في
أَقْصَى شيءٍ من بيتِها وأَظْلَمِهِ ، فكانت تصلِّي فيه حتي لقيتِ اللهَ عزَّ وجلَّ .
وخرج أبو داودَ (٣) معناه من حديثِ ابنِ مسعودٍ .
والبيهقيُّ (٤) معناه - أيضًا - من حديث عائشةَ .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والحاكمُ (٥) من حديثٍ أمِّ سلمةَ، عن النبيِّ بَّارِ، قال:
(( خيرُ مساجد النساء قعرُ بيوتهن )) .
وخرَّجه الطبرانيُ (٦) من وجهٍ آخرَ عن أمِّ سلمة، بمعنى الأحاديثِ التي قبلَه.
وقد تقدَّم عن ابنِ مسعودٍ ، أن صلاتَها في مسجدٍ مكةَ والمدينةِ أفضلُ من
صلاتِها في بيتِها .
(١) أحمد (٧٦/٢) وأبو داود (٥٦٧).
(٢) أحمد (٣٧١/٦) وابن خزيمة (١٦٨٩) وابن حبان (٢٢١٧) .
(٣) (٥٧٠) .
(٤) (٣ / ١٣٣) .
(٥) أحمد (٢٩٧/٦) والحاكم (٢٠٩/١) .
(٦) في ((الكبير)) (٢١٣/٢٣ - ٢١٤).

كِتَابُ الجُمعَّة

.

٣٢٥
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
١١
كِتَابُ الْجُمُعَةِ
١ - بَابُ
فَرْضِ الجُمُعَةِ
لِقَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى
ذِكْرِ اللّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآيةَ.
صلاةُ الجمعة فريضةٌ من فرائض الأعيانِ على الرجالِ دونَ النساءِ ، بشرائطَ
أُخَرَ ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، ومنهم مَن حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ .
وشدَّ مَن زعم أنها فرضُ كفايةٍ من الشافعيةِ ، وحكاهُ بعضُهم قولاً للشافعيِّ،
وأنكر ذلك عامةُ أصحابه ، حتى قال طائفةٌ منهم: لا تحلُّ حكايتُه عنه .
وحكاية الخطابيِّ(١) لذلك عن أكثرِ العلماءِ وَهْمٌ منه، ولعله اشتبَه عليه
الجمعةُ بالعیدِ .
وحكي عن بعضِ المتقدمينَ: أن الجمعةَ سنةٌ .
وقد روى ابنُ وهبٍ ، عن مالكِ ، أن الجمعةَ سنةٌ .
وحملَها ابنُ عبدِ البرِّ على أهل القرى المختلَفِ فىِ وجوب الجمعةِ عليهم
خاصةً ، دون أهلِ الأمصارِ .
ونقلَ حنبلٌ ، عن أحمدَ ، أنه قال: الصلاةُ - يعني: صلاةَ الجمعةِ -
فريضةٌ ، والسعيُ إليها تطوعٌ ، سنةٌ مؤكدةٌ .
(١) في ((معالم السنن)) (١/ ٦٤٤ - هامش أبي داود) .

٣٢٦
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
وهذا إنما هو توقفٌ عن إطلاقِ الفرضِ على إتيانِ الجمعة ، وأما الصلاة
أنفسُها ، فقد صرَّح بأنها فريضةٌ ، وهذا يدلُّ على أن ما هو وسيلةٌ إلى الفريضة
ولا تتمَّ إلا به لا يطلق عليه اسمُ الفريضةِ؛ لأنه وإنْ كان مأمورًا به فليسَ مقصودًا
لنفسِهِ ، بل لغيرهِ .
ءِ
وتأوَّلَ القاضي أبو يعلَى كلامَ أحمدَ بما لا يصحّ .
وقد دلَّ على فرضيتها : قولُ اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ
الصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] .
والمرادُ بالسعي : شدةُ الاهتمامِ بإتيانِها والمبادرةُ إليها ، فهو من سعي
القلوبِ ، لا من سعي الأبدان ، كذا قالَ الحسنُ وغيرُهُ ، وسيأتي بسطُ ذلك
فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى .
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (١) عن عبد اللّهِ بنِ عمرَ وأبي هريرةَ ، أنهما سمعا
رسولَ اللّهِ بَلهل يقولُ على أعوادِ مِنبِهِ: ((لَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عنْ ودَعِهِمُ الجمعاتِ،
أو ليختمنَّ اللّهُ على قلوبِهم، ثم ليكونُنَّ منَ الغافلين)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُ وابنُ ماجه (٣) من حديث
أبي الجعدِ الضَّمريِّ - وكانت له صحبةٌ -، عن النبيِّوَلَهُ، قال: ((مَن تركَ
الجمعةَ تهاونا ثلاثَ مرات طُبعَ على قلبه)) .
وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ .
وخرجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٣).
ورُوي معناه من وجوه كثيرةٍ :
(١) (٣/ ١٠) .
(٢) أحمد (٤٢٤/٣) وأبو داود (١٠٥٢) والترمذي (٥٠٠) والنسائي (٨٨/٣) وابن ماجه (١١٢٥).
(٣) (٢٧٨٦) وكذا الدارمي (٣٦٩/١) والحاكم (١/ ٢٨٠) (٦٢٤/٣).

٣٢٧
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن ابنِ مسعودٍ، أن النَّبِي ◌َّ هَمَّ أن يحرقَ على
مَن يتخلفُ عن الجمعةِ بيوتَهم. وقد سبقَ ذکرُه.
وخرَّج أبو داودَ (٢) بإسنادٍ صحيحٍ، عن طارقٍ بن شهابٍ، عن النبيِّ وَِّ،
قالَ : ((الجمعةُ حقٌّ واجبٌ في جماعة، إلا أربعة: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو
صبيٌّ، أو مريضٌ )).
قال أبو داودَ: طارقُ بنُ شهابٍ رَأَى النبيَّ ◌َّهِ، ولمْ يسمَعْ منه شيئًا .
قال البيهقيُّ: وقد وصلَه بعضُهم عن طارقٍ ، عن أبي موسى الأشعرِي ،
عن النبيِّ بَّر، وليس وصلُه بمحفوظ.
وخرج النسائيُّ (٣) من حديثِ حفصةً، عن النبيِّ وَّةِ، قالَ: ((رواحُ
الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ)) .
وخرَّج ابنُ ماجه(٤) من حديث جابرِ بنِ عبدِ اللّهِ، أن النبيَّ ◌َّ خطبَهم،
فقالَ في خُطبته: ((إن اللّهَ فرضَ عليكمُ الجمعةَ في مقامي هذا، في يومي هذا،
في شهري هذا، من عامي هذا إلى يومِ القيامةِ، فمن تركها في حياتي أو بعدي،
وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمعَ اللّهُ شَملَه، ولا
باركَ له في أمره، أَلاَ ولا صلاةَ له، ولا زكاةَ له، ولا حجَّله، ولا صوَم له، ولا
بركةَ حتَّى يتوب، فمن تابَ تابَ اللّهُ عليه)) .
وفي إسناده ضعفٌ واضطرابٌ واختلافٌ ، قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدمَ في
((أبواب الإمامة)).
وفيه: دليلٌ على أن الجمعةَ إنما فُرِضتْ بالمدينة؛ لأن جابرًا إنما صحبَ
(١) (١٢٣/٢) .
(٢) (١٠٦٧).
(٣) (٨٩/٣) وأبو داود (٣٤٢) وابن خزيمة (١٧٢١).
(٤) (١٠٨١).

٣٢٨
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
النبيِّ وَّلِ وشهدَ خطبتَه بالمدينةِ ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ.
ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن سورةَ الجمعة مدنيةٌ، وأنه لم يثبتْ أنَّ النبيَّ وََّ
كان يصلِّي الجمعة بمكةَ قبلَ هجرتِه .
ونص الإمامُ أحمدُ على أنَّ أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ في الإسلامِ هي التي جمعت
بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ .
وكذا قالَ عطاءٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما .
13
وزعم طائفةٌ من الفقهاء: أن الجمعةَ فرضتْ بمكةَ قبلَ الهجرةِ؛ وأن النبي
وَّ كان يصلِّيها بمكةً قبل أن يهاجرَ .
واستدلَّ لذلك : بما خرَّجه النسائيُّ في ((كتاب الجمعة)) من حديث المُعَافَى
ابنِ عمرانَ ، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ ،
قال: إن أولَ جمعةٍ جُمِّعَتْ - بعدَ جمعةِ جُمِّعَت معَ رسولِ اللّهِ وَلّ بمكةَ -
بِجُوَثَاءَ بالبحرينِ - قريةٍ لعبدِ القيسِ .
وقد خرَّجه البخاريّ - كما سيأتي في موضعه(١) - من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ،
عن إبراهيمَ بن طهمان ، عن أبي جَمْرةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، أن أولَ جمعة
جمعت - بعدَ جمعةٍ في مسجدِ رسولِ اللّهِ وَ لــ في مسجدِ عبدِ القيسِ بجُواتَى من
البحرينِ .
وكذا رواه وكيعٌ ، عن إبراهيمَ بن طهمان ، ولفظُه: إن أولَ جمعة جمعتْ
في الإسلامِ - بعد جمعة جمعتْ في مسجدِ رسولِ اللّهِ وَّل بالمدينة - لجمعة
جمعتْ بجواثاءَ - قرية من قرى البحرينِ .
خرجه أبو داودَ (٢).
وكذا رواه ابنُ المباركَ وغيرُهُ ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان .
(١) (٨٩٢) (٤٣٧١) .
(٢) (١٠٦٨)

٣٢٩
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
فتبيَّن بذلكَ : أنَّ المعافى وَهِمَ في إسنادِ الحديثِ ومتنه ، والصوابُ: روايةٌ
الجماعةِ ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان .
ومعنى الحديثِ: أن أولَ مسجدٍ جمع فيه - بعدَ مسجدِ المدينةِ - : مسجدُ
جواثاءَ ، وليس معناه: أنَّ الجمعةَ التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعةِ الثانيةِ
من الجمعةِ التي جمعت بالمدينةِ ، كما قد يُفْهَم من بعضِ ألفاظِ الرواياتِ؛ فإن
عبدَ القيسِ إنما وفَد على رسولِ اللّهِ وَّ عامَ الفتحِ، كما ذكرَه ابنُ سعد(١)، عن
عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِهِ.
وليس المرادُ به - أيضًا - أن أولَ جمعة جمعتْ في الإسلام في مسجدٍ
المدينة ، فإن أول جمعة جمعتْ بالمدينةِ في نقيعِ الخَضَماتِ ، قبل أن يقدمَ
النبيُّ وَّهِ المدينةَ، وقبل أن يبنيَ مسجدَه.
يدلُّ على ذلك: حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ، أنه كان كلَّما سمع أذانَ الجمعة
استغفرَ لأسعدَ بنِ زرارةَ ، فسأله ابنُه عن ذلكَ ، فقال: كانَ أولَ مَن صلَّى بنا
صلاةَ الجمعةِ قبل مقدمِ رسولِ اللّهِ وَّله من مكةَ في نقيعِ الخضماتِ، في هَزْم
النَّبيتِ ، من حَرَّةِ بني بياضةَ. قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلاً .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه - مطوّلاً (٢).
وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ في ((كتاب السِّيرَ)) له، عن الأوزاعيِّ، عَمَّن حدثَه،
قال: بعثَ رسولُ اللّهِ وََّ مصعَب بن عميرِ القرشيَّ إلى المدينةِ، قبل أن يهاجرَ
(١) (١/ ٥٤/٢) .
(٢) أبو داود (١٠٦٩) وابن ماجه (١٠٨٢) وابن خزيمة (١٧٢٤) والبيهقي (١٧٦/٣)، ولم
أجده في ((المسند)).
وفي هامش الأصل حاشيةٌ ، نصها :
((هزم النَّبِيت»: بفتح الهاء وزاي، موضع بالمدينة ، و ((النبيت)) بفتح النون وكسر الباء وياء
وتاءٍ ، و((حرَّةً بني بياضة)) قرية من المدينة على ميل، وبنو بياضة بطن من الأنصار.
(نقيع الخضمات)) بالنون من أودية الحجاز، يدفع سيله إلى المدينة)).

٣٣٠
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
النبيِّ وَّةِ، فقالَ: «اجمعْ مَنْ بها من المسلمين، ثم انظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه
اليهودُ لسبتها، فإذا مالَ النهارُ عن شطرِه فقم فيهمْ، ثم تزلَّفوا إلى اللّهِ بركعتينٍ)).
قال: وقالَ الزهرِيُّ: فجمع بهم مصعبُ بنُ عميرٍ في دارٍ من دُورِ الأنصارِ ،
فجمع بهم وهُم بضعةَ عشرَ.
قال الأوزاعيُّ: وهو أولُ من جمعَ بالناسٍ .
وقد خرج الدار قطنيُّ - أظنه في «أفرادِهِ)) - من روايةِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ
غالبِ الباهلىِّ: نا محمدُ بن عبدِ اللَّهِ أبو زيد المدنيُّ: ثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ :
ثنا مالكٌ ، عن الزهريِّ ، عن عبيدِ اللّهِ بنِ عبدِ اللّهِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال:
أذِنَ رسولُ اللّهِ وََّ بالجمُعةِ قبلَ أن يهاجرَ، ولم يستطعْ رسولُ اللّهِ بَلّ أن
يجمّعَ بمكةً ولا يبَيَّنَ لهم، وكتبَ الى مصعبِ بنِ عميرٍ: ((أما بعدُ، فانظرِ اليومَ
الذي تجمرُ فيه اليهودُ لسيتِهِم، فاجمعُوا نساءَكُم وأبناءَكم ، فإذا مال النهارُ عن
شطره عندَ الزوال من يومِ الجمعة فتقربوا إلى اللّه بركعتين)).
قال: فهوَ أولُ من جمَّع مصعبُ بنُ عميرٍ، حتى قدمَ رسولُ اللّه ◌َلَه
المدينةَ ، فجمَّع عند الزوالِ من الظهرِ ، وأظهرَ ذلكَ.
وهذا إسنادٌ موضوعٌ ، والباهليُّ هو: غلامُ خليلٍ ، كذابٌ مشهورٌ بالكذب،
وإنما هذا أصله من مراسيلِ الزهريِّ (١)، وفي هذا السياق ألفاظٌ منكرةٌ .
وخرج البيهقيُّ (٢) من روايةٍ يونسَ، عن الزهريِّ، قال: بلغَنا أنَّ أولَ ما
جُمِّعت الجمعةُ بالمدينةِ قبلَ أن يقدمَها رسولُ اللّهِ وَّه، فجمَّع بالمسلمينَ
مصعبُ بنُ عميٍ(٣).
(١) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٥٣).
وتقدم عن الزهري نحوه - أيضًا - قريبًا .
(٢) (١٧٩/٣).
(٣) ووصله صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام ، عن أبي مسعود .
=

:
٣٣١
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
وروى عبد الرزاق في ((كتابه)»(١) عن معمر، عن الزهريِّ، قال: بعثَ
رسول اللّهِ وَ ◌ّه مصعبَ بنَ عميرٍ إلى أهلِ المدينة ليقرئَهمُ القرآنَ، فاستأذنَ
رسولَ اللّهِ وَّ أنْ يجمِّع بهم، فأذِنَ له رسولُ اللّهِ وَلَه، وليس يومئذٍ بأميرِ ،
ولكنه انطلقَ يعلِّمُ أهلَ المدينةِ .
وذكر عبدُ الرزاقِ ، عن ابن جريجٍ ، قال: قلتُ لعطاء: مَن أولُ من جمَّعَ؟
قال: رجلٌ من بني عبد الدارِ - زعموا -، قلتُ: أفبأمرِ النبيِّ بَلّ؟ قال: فَمَهْ.
وخرَّجِه الأثرمُ من روايةِ ابنِ عِينَةَ ، عن ابن جريجٍ ، وعندَه: قال: نعم ،
فَمَهْ. قال ابنُ عيينةَ: سمعتُ مَن يقولُ: هو مصعبُ بنُ عميرِ .
وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ في - رواية أبي طالبٍ - على أنَّ النبي ◌َِّ هو أمرَ
مصعبَ بنَ عميرٍ أن يجمِّعَ بهمْ بالمدينةِ.
ونصَّ أحمدُ - أيضًا - على أنَّ أولَ جمعةٍ جمِّعتْ في الإسلامِ هى الجمعةُ
التي جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ (٢).
وقد تقدَّم مثلُه عن عطاءٍ والأوزاعيِّ .
فتبينَ بهذا: أنَّ النبيَّ وَّ أمرَ بإقامةِ الجمُعةِ بالمدينةِ، ولم يُقُمْها بمكةَ،
وهذا يدلُّ على أنه كان قد فُرِضَت عليه الجمعةُ بمكةَ .
وممَّن قالَ: إن الجمعةَ فُرضَت بمكةَ قبلَ الهجرةِ: أبو حامد الإسفرايينيّ من
الشافعيةِ ، والقاضى أبو يعلَى في ((خلافه الكبير)) من أصحابِنا ، وابنُ عقيلٍ في
((عمد الأدلة))، وكذلك ذكرَهَ طائفةٌ من المالكيةِ ، منهم: السهيليُّ وغيرُه .
وأما كونه لم يفعلْه بمكةَ، فَيُحْمَل(٣) أنه إنما أُمرَ بها أنْ يقيمَها في دارِ
الهجرةِ، لا في دارِ الحربِ ، وكانت مكةُ إذ ذاكَ دارَ حربٍ ، ولم يكنِ المسلمونَ
= أخرجه الطبراني (٢٦٧/١٧). والصواب: المرسل .
(١) (٣/ ١٦٠) .
(٢) قارن بما في ((مسائل عبد الله)) (٤٣٣).
(٣) كذا، ولعل الأشبه: ((فيحتمل))، أو ((فيحمل على أنه)).

٣٣٢
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
يتمكَّنُونَ فيها من إظهارِ دينهم ، وكانُوا خائفينَ على أنفسهم؛ ولذلك هاجرُوا
منها إلى المدينة ، والجمعةُ تسقطُ بأعذارِ كثيرة منها الخوفُ على النفسِ والمالِ .
وقد أشار بعضُ المتأخرينَ من الشافعيةِ إلي معنًى آخرَ فى الامتناع من إقامتها
بمكةَ ، وهو: أن الجمعةَ إنما يُقْصَدُ بإقامتها إظهارُ شعارِ الإسلامِ ، وهذا إنما
يُتُمكنُ منه في دارِ الإسلامِ.
ولهذا لا تقامُ الجمعةُ في السجنِ ، وإن كان فيه أربعونَ ، ولا يعلمُ في
ذلك خلافٌ بينَ العلماءِ، وممَّن قالَه: الحسنُ ، وابنُ سيرينَ ، والنخَعيِّ ،
والثوريُّ ، ومالكٌ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ وغيرُهم.
وعلى قياسِ هذا: لو كانَ الأسارى في بلدِ المشركينَ مجتمعينَ في مكانٍ
واحدٍ؛ فإنهم لا يصلُّون فيه جمعةً، كالمسجونينَ في دارِ الإسلامِ وأولَى؛ لا
سيما وأبو حنيفةَ وأصحابُه يرَوْنَ أن الإقامةَ في دارِ الحربِ - وإن طالتْ - حكمها
حكمُ السفرِ ، فتقصر فيها الصلاةُ أبدًا ، ولو أقامَ المسلمُ باختيارِه ، فكيف إذا
كانَ أسيراً مقهوراً ؟
وهذا على قولٍ مَن يرى اشتراطَ إذنِ الإمامِ لإقامةِ الجمعةِ أظهرُ ، فأمَّا على
قولٍ مَن لا يشترطُ إذنَ الإمامِ ، فقد قال الإمامُ أحمدُ في الأمراءِ إذا أخَّروا
الصلاةَ يومَ الجمعةِ: فيصلِّيها لوقتِها ويصليها مع الإمامِ، فحملَه القاضي أبو يعلى
في ((خلافه)) على أنهم يصلونها جمعةً لوقتِها .
وهذا بعيدٌ جداً، وإنما مرادُه: أنهم يصلون الظهرَ لوقتِها ، ثم يشهدونَ
الجمعةَ مع الأمراءِ .
وكذلك كانَ السلفُ الصالحُ يفعلونَ عند تأخيرِ بني أميةً للجمعةِ عن وقتِها ،
ومنهم مَن كانَ يومِئُ بالصلاةِ وهو جالسٌ في المسجدِ قبلَ خروجِ الوقتِ ، ولم
يكنْ أحدٌ منهم يصلّي الجمعةَ لوقتِها ، وفي ذلك مفاسدُ كثيرةٌ تسقطُ الجمعةُ
بخشيةِ بعضِها .

٣٣٣
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
وفي ((تهذيبِ المدونةِ)) (١) للمالكية: وإذا أَتى من تأخيرِ الأئمةِ ما يُسْتَنكَرُ
جَمَّعَ الناسُ لأنفسِهِم إن قدرُوا ، وإلا صلَّوْا ظهرًا، وتنفلُوا بصلاتهم معَهم .
قال: ومَن لا تجبُ عليه الجمعةُ مثلُ المرضَى والمسافرينَ وأهلِ السجنِ
فجائزٌ أن يجمِّعُوا .
وأراد بالتجميعِ هنا: صلاةَ الظهرِ جماعةً ، لا صلاةَ الجمعة؛ فإنه قال قبلَه:
وإذا فاتتِ الجمعةُ من تجبُ عليهم فلا يجمِّعوا .
والفرقُ بين صلاة الظهرِ جماعةً يومَ الجمعةِ ، ممَّن تجبُ عليه وممَّن لا
تجبُ عليه : أن من تجبُ عليه يُتَّهمُ في تركِها ، بخلاف من لا تجبُ عليه فإن
عذرَهُ ظاهرٌ .
وقد رُويَ عن ابنِ سيرينَ ، أن تجميعَ الأنصارِ بالمدينةِ إنما كان عن رأيهم ،
من غيرِ أمرِ النبيِّ وَّهِ بالكلّيَّةِ، وأن ذلكَ كان قبلَ فرضِ الجمعةِ.
قال عبدُ اللّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ في ((مسائله)) : ثنَا أبي: ثنا إسماعيلُ - هو:
ابنُ عليَّةَ - : ثنَا أيوبُ، عنْ محمدِ بنِ سيرينَ، قال: نُبِّئْتُ أنَّ الأنصارَ قبلَ
قدومِ رسولِ اللّهِ بَ لَه عليهم المدينةَ قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمَعْنا فيه، فذكرْنَا
هذا الأمرَ الذي أنعمَ اللّهُ علينا بِهِ ، فقالُوا: يوم السبتِ ، ثُمَّ قالوا: لا نجامعُ
اليهودَ في يومِهم. قالوا: يوم الأحدِ ، قالوا: لا نجامعُ النصارَى في يومِهم .
قالُوا: فيوم العروبة. قال: وكانُوا يسمُّون يومَ الجمعةِ: يوم العروبةِ ، فاجتمعوا
في بيتِ أبي أمامةَ أسعد بن زرارة ، فذبحت لهم شاءٌ ، فكفتُهُمْ .
وروى عبدُ الرزاق في ((كتابه)»(٢) عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن ابن سيرينِ ،
قال: جمَّعَ أهلُ المدينةِ قبلَ أن يقدمَ رسولُ اللّهِ بِّهِ، وقبلَ أن تنزلَ الجمعةُ،
وهم الذين سمَّوْها الجمعةَ ، فقالت الأنصارُ: لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيه كلَّ
(١) انظر: ((المدونة)) (٦٨/١).
(٢) (١٥٩/٣) .

٣٣٤
حديث : ٨٧٦
كتاب الجمعة
ستةِ(١) أيامٍ، وللنصارَى - أيضًا - مثلُ ذلك، فهلُمَّ فلنجعلْ يومًا نجتمعُ فيه ،
ونذكرُ اللّهَ عزَّ وجلَّ، ونصلِّي ونشكرُه - أو كما قالوا - ، فقالوا: يومُ السبتِ
لليهودِ ، ويومُ الأحدِ للنصارَى ، فاجعلُوا يومَ العروبةِ ، وكانوا يسمَّون يوم
الجمعة : يومَ العروبةِ ، فاجتمعُوا إلى أسعَد بنِ زرارةَ ، فصلَّى بهم وذكَّرَهم ،
فسمَّوْهُ: يومَ الجمُعةِ حينَ اجتمعُوا إليه ، فذبحَ أسعدُ بنُ زرارةَ لهم شاةً ،
فتغدَّوْا وتعشَّوْا من شاةٍ واحدةٍ ليلتَهم(٢)، فأنزل اللّهُ بعدَ ذلك: ﴿إِذَا نُوديَ
للصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ [الجمعة: ٩].
فوقعَ في كلام الإمامِ أحمدَ: أن هذه هي الجمُعةُ التي جمعَها مصعبُ بنُ
عميرٍ ، وهي التي ذكرَها كعبُ بنُ مالكِ في حديثه ، أنهم كانُوا أربعينَ رجلاً .
وفي هذا نظرٌ .
ويحتملُ أن يكونَ هذا الاجتماعُ منَ الأنصارِ كانَ باجتهادِهم قبلَ قدومِ مصعبٍ
إليهم، ثم لمَّا قدمَ مصعبٌ عليهم جمَّع بهم بأمرِ النبيِّ وَِّ، وكانَ الإسلامُ حينئذٍ
قد ظهرَ وفَشَا ، وكان يمكنُ إقامةُ شعارِ الإسلامِ في المدينةِ، وأما اجتماعُ الأنصارِ
قبلَ ذلكَ ، فكانَ في بيت أسعدَ بنِ زرارةَ قبل ظهورِ الإسلامِ بالمدينةِ وفشوِهِ ،
وكانَ باجتهادٍ منهم، لا بأمرِ النبيِّ ◌َاهِ. واللّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ.
قال البخاريُّ - رحمهُ اللهُ - :
٨٧٦ - نَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌّ: نَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزٍ
الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَثَّهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ
وَ يَقُولُ:(نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا،
ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَفُوا فِهِ، فَهَدَنَا اللَّهُ لَهُ(٣) ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيه
(١) في ((المصنف)): ((سبعة))، وكذا هو في ((الفتح)) لابن حجر (٣٥٥/٢) نقلاً عن ((المصنف)).
(٢) في ((المصنف)): ((لقلتهم)) .
(٣) (له)) ليست في ((اليونينية)).

٣٣٥
١ - باب فرض الجمعة
كتاب الجمعة
تَبَعُ، الْيَهودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدَ)) .
قولُه: ((نحنُ الآخرونَ) - يعني: في الزمانِ؛ فإِنَّهِ وَّهِ خاتمُ النّبِينَ، وأمتُه
آخرُ الأمم.
وقولُهُ: ((السابقونَ) - يعني: في الفضلِ والكرامةِ على اللّهِ؛ قال اللّهُ تعالَى:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وفي حديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عنْ جدِّ، عن النبيِّ ◌َّ: ((أَنتُمْ
مُوفونَ سبعينَ أمةً، أنتمْ خيرُها وأكرمُها على اللّهِ عزَّ وجلَّ))(١).
وفي روايةٍ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيَّ وَّ ـ لهذَا الحديثِ -:
«نحنُ الآخرونَ مِن أهلِ الدنيا، الأولونُ يومَ القيامةِ، المقضيُّ لهم قبلَ الخلائقِ)).
(٢)
خرجه مسلم (٢).
وخرجه من حديث حذيفةً - بمثله.
وخرج(٣) من حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ، في
هذا الحديث زيادةٌ: ((ونحنُ أولُ مَن يدخلُ الجنةَ)).
وهذا كلُّه - أيضًا - من سَبْقِهِمْ؛ فإنهم أولُ مَن يحاسَبُ يومَ القيامةِ ، ومَن
يجوزُ عَلَى الصراطِ ، ومَن يدخلُ الجنةَ .
وقولُهُ: (بَيْدَ))، هو اسمٌ ملازمٌ للإضافة إلى ((أنَّ) وصلتِها، ومعنَاه ـ
هاهنا - : غَيْرِ ، ولا يُستَثْنَى به في الاتصالِ ، بل في الانقطاعِ.
والمعنَى: لكنَّ أهلَ الكتابِ أوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا ، وأوتينا نحنُ الكتابَ من
بعدِهم ، فلهمُ السبقُ في الزمانِ بهذا الاعتبارِ في الدنيا ، لا في الفضلِ ، ولا
في الآخرةِ.
(١) أخرجه أحمد (٥/٥) .
(٢) (٧/٣) .
(٣) مسلم (٧/٣) وأحمد (٢٤٩/٢ - ٢٧٤).

٣٣٦
حديث : ٨٧٦
كتاب الجمعة
ونقل الربيعُ ، عن الشافعيِّ، أنه قالَ: في ((بَيْدَ أنهم)): مِن أَجْلِ أَنَّهم -
فجعلَه تعليلاً.
وقولُه: ((ثم هذا يومهم الذي فُرضَ عليهمْ فاختلفوا فيه)).
(ثُمَّ)) - هاهنا - لترتيبِ الأخبارِ، ويحتملُ أنه لترتيبِ المخبَرِ به، والمرادُ: أنهمْ
أوتُوا الكتابَ ، ثمَّ فُرِضَ عليهمْ هذَا اليومُ - والإشارةُ إلى يومِ الجمعةِ - ،
فاختلفُوا فيه ، فهدانَا اللّهُ لما اختلَفُوا فيه من الحقِّ بإذنه ، فالناسُ لنا فيه تبعٌ.
وهذا - أيضًا - مما حازتْ به الأمةُ السبقَ مع تأخرٍ زمانِهم، فإنَّ اليهودَ
والنصارى لما فُرِضَ عليهم تعظيمُ الجمعةِ ، والعبادةُ فيه للّه ، واتخاذُه عيدًا
للاجتماعِ فيه لذكرِ اللّهِ فيه، ضلُّوا عنه، فاختارت اليهودُ السبتَ؛ لأنه يومٌ فرغَ
فيه الخلقُ، واختارتِ النصارَى الأحدَ؛ لأنه يومٌ بُدِئَ فيهِ الخلقُ، فهدَنَا اللّهُ
للجمُعة ، فصارَ عيدُنا أسبقَ مِن عيدِهم ، وصارُوا لنا في عيدِنا تبعًا ، فمنهم
مَن عيدُه الغدُ مِنْ يومِ الجمُعةِ ، ومنهم مَن عيدُه بعدَ غدٍ .
وإنما ضلَّتِ الطائفتانِ قبلَنا لتقديمِهِمْ رأيَهم على ما جاءتْ به رسلُهم
وأنبياؤُهم ، واهتدتْ هذه الأمةُ باتباعهم ما جاءَهُم به رسلُهم عن ربِّهم ، من
غيرِ تغييرٍ له ولا تبديلٍ .
وفي الحديثِ : دليلٌ علي أن الجمعةَ فرضٌ منَ اللّه واجبٌ علينا ، كما كانَ
على مَن قبلَنا ، فإنَّ اللّهَ فرضَ عليهم تعظيمَ يومِ الجمعة، واتخاذَه عيدًا
ومجمعًا لذكرِ اللّهِ وعبادتِه، فبدَّلوه بغيرِه من الأيامِ، وهدَانا اللّهُ له، فدلَّ
ذلك على أنه مفروضٌ علينا تعظيمُهُ، واتخاذُه عيدًا؛ لذكرِ اللّهِ والاجتماعِ فيه
العبادتِهِ ، وهذا مِن أدلِّ دليلٍ على أنَّ شهودَ الجمعةِ فرضٌ على هذه الأمةِ .

٣٣٧
٢ - باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
٢ - بَابُ
فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَهَلْ عَلَى الصَِّيِّ شُهُودُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟
فيه ثلاثةُ أحاديثَ:
الحديثُ الأولُ:
٨٧٧- ثَا عَبْدُاللّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبّدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ،
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
ليس في هذا الحديثِ ، ولا فيما بعدَه من الأحاديثِ المخرَّجةِ في هذا البابِ
ذكرُ فضلِ الغسلِ وثوابِهِ ، كما بوَّبَ عليه ، بل الأمرُ به خاصةً.
وقد خرَّج فيما بعدَ هذا البابِ أحاديثَ في فضلِ الغسلِ معِ الرواحِ ، أو معَ
الدهنِ والطيبِ ، وستأتي في مواضعِهَا - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقد بوَّبَ على أن الصبيَّ والمرأةَ: هلْ عليهِما شهوُدُ الجُمُعةِ؟
فأمَّا الصبيُّ ، فسيأتي الحديثُ الذي يؤخذُ منه حكمُهُ .
وأما حكمُ المرأةِ ، فكأنَّه أخذَه من هذا الحديثِ ، وهو قولُه: ((إذا جاءَ
أحدُكم الجمعةَ))؛ فإن الخطابَ كان للرجالِ ، والضميرُ يعودُ إليهم ، لأنَّه
ضميرُ تذكيرِ ، فلا يدخلُ فيه النساءُ .
وقد اختلفَ المتكلمونَ في أصولِ الفقهِ في صيغِ الجموعِ المذكرةِ: هلْ
يدخلُ فيها النساءُ تبعًا ، أم لا؟ وفي ذلك اختلاف مشهورٌ بينَهم .
وأكثرُ أصحابِتا علي دخولهِنَّ مع الذكورِ تبعًا .
ومِن أصحابِنا مَنْ قال: لا يدخلْنَ معهُم ، وهو قولُ أكثرِ الشافعية والحنفيَّةِ
وغيرِهم .

٣٣٨
حديث : ٨٧٧
كتاب الجمعة
ولفظةُ: ((أَحَد)) وإن لم تكن جمعًا، إلا أنها مقتضيةٌ للعمومِ ، إما بطريقٍ
٩
البدليةِ، أو الشمولِ، كما في قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رَّسَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
ولكنَّ الأمرَ هنا بالغسلِ ، لا بمجيئ الجمعةِ ، ولكنَّ المأمورَ به بالغسلِ هو
الذي يأتي الجمعةَ، بلفظٍ يقتضي أنه لا بُدَّ من المجيء إلى الجمعة؛ فإنَّ ((إِذَا)) إنما
يعلّقُ بها الفعلُ المحققُ وقوعُه غالبًا قد يقتضي - أيضًا - العمومَ، لكنَّ هذا العمومَ
يخرجُ منه المرأةُ ، بالأحاديثِ الدالةِ علَى أنه لا جمعةَ عليها ، وقد سبقَ بعضُها.
وخرَّج أبو داودَ (١) من حديث أمِّ عطيةَ، أنَّ النبيَّ وَّ لما قدمَ المدينةَ
جمعَ نساءَ الأنصارِ في بيتٍ ، فأرسلَ إليهِنَّ عمرَ ، فقال: أنا رسولُ رسول اللّه
نَّه إليكنَّ، وأمرنا بالعيدينِ أن نُخْرِجَ فيهما الحَيَّصَ والعُتَّقَ، ولا جمعةَ علينا.
وقد حكى ابنُ المنذرِ وغيرُهُ الإجماعَ على أن النساءَ لا تجبُ عليهنَّ الجمعةُ ،
وعلى أنهنَّ إذا صلَّيْنَ الجمعةَ معَ الرجالِ أجزأَهُنَّ من الظهرِ .
ومن حكَى من متأخري أصحابنا في هذا خلافًا ، فقد غلط ، وقال ما لا
حقيقة له .
وروى أبو داودَ في ((مراسيله))(٢) بإسناده ، عن الحسنِ ، قال : كنَّ النساءُ
يُجَمِّعْنَ مع النبيِّ ◌َّةِ.
وعن واصلِ (٣)، عن مجاهد، قال: كانَ (٤) الضعفاءُ منِ الرجالِ والنساءِ
يشهدونَ الجمعةَ مع النبيِّ وَِّ، ثم لا يأوُونَ إلى رحالهم إلا منَ الْغَدِ، من
الضعف.
وواصلٌ ، فيه ضعفٌ.
(١) (١١٣٩) .
(٢) (٥١) .
(٣) (٥٢).
(٤) في الأصل : ((كنَّ).

٣٣٩
٢ - باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
ورُوي ، عن ابنِ مسعودٍ ، أنه قال للنساءِ يومَ الجمعة: إذا صليتُنَّ [مع
الإمام] فبصلاته (١)، وإذا صليتنَّ وحدَكنَّ فتصلينَ أربعًا .
وعنه ، أنه كان يخرِجُ النساءَ منَ المسجدِ يومَ الجمُعةِ ، ويقولُ: اخرجنَ؛
فإنَّ هذا ليس لكنَّ .
خرجَهما البيهقيُّ (٢).
ولعله كرِه أن يضيقْنَ المسجدَ على الرجالِ لكثرةِ زحامِ الجمُعةِ ، أو كرِهِ لهنَّ
الخروجَ من بيوتِهن بالنهارِ .
ومن الشافعيةِ من استحبَّ للعجائز حضورَ الجمعة .
وعند أصحابنا : لا يكره للعجائز حضور الجمعة .
وفي كراهته للشوابِّ وجهان .
الحديث الثاني :
٨٧٨ - ثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ: [أَنَا جُوَيْرِيَةُ]، عَنْ مَالِكِ ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ،
إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَِّينَ مِنْ أَصْحَابِ النَِّّوَهِ، فَنَادَاهُ عُمرُ: أَّهُ سَاعَةً
هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ الْمُنَادِيِ(٣)، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ
تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا؟! وَقَدْ عَلَمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِّهَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ.
وهذا - أيضًا - ليسَ فيه ذكرُ فضلِ الغسلِ ، إنَّما فيه الأمرُ به ، ولعلَّ مراده
بتخريجِه في هذا البابِ: أن فيه ما يشعِرُ بأن الأهلَ لا يخرُجْنَ إلى الجمُعة ؛ فإن
هذا الرجلَ لما قال لعمرَ: ((لم أنقلبْ إلى أهلي حتى سمعتُ المنادِي ، فلم أزدْ
أن توضأْتُ»، وسمع ذلك عمرُ ومَن حضرَهَ منَ الصحابةِ ، دلَّ على اتفاقِهم
(١) في الأصل بدون الفاء ، وأثبتها من البيهقي ، وكذا الزيادة .
(٢) (١٨٦/٣).
(٣) في ((اليونينية)): ((التأذين)).

٣٤٠
حديث : ٨٧٨ - ٨٧٩
كتاب الجمعة
على أن خروجَ الأهلِ إلى الجمعةِ غيرُ واجبٍ. واللهُ أعلمُ.
الحديث الثالث :
٨٧٩ - ثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاء
ابْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِوَ قَالَ: ((غُسْلُ [َوْمٍ)(١)
الجُمُعَةِ وَأُجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)).
وهذا الحديثُ إنما يدلُّ على تخصيصِ المحتلِمِينَ بوجوبِ الغسلِ ، كما
سبقَ ذكرُه في ((باب: وضوءِ الصبيانِ وطهارِتِهِم)) .
وقد تقدَّم ما يدلُّ على أن المأمورينَ بالغسلِ هم الآتونَ للجمعةِ ، فَيُسْتَدَلُّ
بذلك على اختصاصِ الإتيانِ للجمعةِ بمَن بلغَ الحُلُمَ ، دونَ مَن لم يبلغْ.
وقد خرَّج النسائيُ (٢) من روايةٍ عياشِ بنِ عباسٍ ، عن بكير بنِ الأشجِّ ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةً، أن النبيَّ ◌َّ قال: ((رَوَاحُ الجمعةِ
واجبٌ على كلِّ محتلمٍ)) .
وهذا صريحٌ بأن الرواحَ إنما يجبُ على المحتلمِ ، فيُفْهمُ منه أنه لا يجبُ
على مَن لم يحتلمْ .
وخرجه أبو داودَ وابنُ حبانَ في «صحيحه))(٣)، ولفظُ أبي داودَ: «على كلِّ
محتلمٍ رواحُ الجمعة ، وعلى كلٌّ مَن راحَ إلى الجمعة الغسلُ)).
وقد أُعلَّ ؛ بأن مخرمة بنَ بکیرِ رواه عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
عن النبي ◌َّ - من غيرِ ذكرِ حفصة.
وهو أصحّ عند الإمام أحمدَ والدارقطنيِّ وغيرِهما ؛ فإنَّ ابنَ عمرَ صرَّح بأنه
سمِعَ حديثَ الغسلِ من النبيِّ نَّهِ، ولكن هلْ حديثُ مخرمةَ موافقٌ لحديث
(١) من ((اليونينية)).
(٢) (٨٩/٣) وابن خزيمة (١٧٢١).
(٣) أبو داود (٣٤٢) وابن حبان (١٢٢٠).