Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّثِ
كتاب الأذان
والناسُ جياعٌ، فأكلْنَا منها أكلاً شديدًاً، فوجدَ رسولُ اللهِ وَِّ الريحَ، فقالَ :
((مَن أكلَ من هذه الشجرةِ الخبيثة شيئًا فلا يقربْنا في المسجد ))، فقال الناسُ :
حُرِّمْت، حُرِّمت. فبلغَ ذلكَ النّبِيَّ وَّةِ، فقال: ((يأَيُّها الناسُ، إنه ليسَ بِي
تحريمُ ما أحلَّ اللهُ ، ولكنها شجرةٌ أكرَه ريحَها )) .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) من حديث معقلِ بنِ يسارٍ، قال: كنَّا مع النبيِّ لَه
في مسيرٍ له ، فنزلْنَا في مكانٍ كثيرِ الثومِ ، وإن أُناسًا منَ المسلمين أصابوا منه ،
ثم جاءُوا إلى المصلَّى يصلُّون مع النبيِّ نَّهِ، فنهاهُمْ عنها، ثم جاءُوا بعد ذلكَ
إلى المصلَّى ، فوجدَ ريحَها منهم ، فقالَ: (( مَن أكلَ من هذه الشجرة فلا يقربْنا
في مسجدنا )) .
وأما حديثُ جابرٍ ، فمنْ طريقين :
أحدُهما :
٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي
عَطَاءٌ، قَالَ: سَمَعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِّ ◌َ: (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ : الثُّومَ - فَلاَ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا)) .
قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَهُ يَعْنِي إِلَّنَهُ.
وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلَّ نَتَهُ.
وهذه الروايةُ - أيضًا - صريحةٌ بعمومِ المساجد ، والمسئولُ والمجيبُ لعلّه
عطاءٌ [ وفي أبي عاصمٍ ) (٢).
((نيئَهُ))، بالهمزِ، ويقالُ بالتشديدِ بدون همزة ، والمرادُ به : ما ليس
بمطبوخٍ ؛ فإنه قد وردَ في المطبوخِ رخصةٌ ؛ لزوالِ بعضِ ريحِهِ بالطبخِ.
(١) ((المسند)) (٢٦/٥).
(٢) كذا بالأصلين .

٢٨٢
حديث : ٨٥٤
كتاب الأذان
وقد قالَ عُمر - رضي الله عنه - في خطبته - : إنكم تأكلونَ شجرتَينِ ، لا
أراهما إلا خبيثتين، هذا البصلُ والثومُ؛ لقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّ إذا وجدَ
ريحَها مِنَ الرجلِ في المسجدِ أمرَ به وأُخرج إلى البقيعِ ، فمنْ أكلَهما فليُمِتْهُما
طبخًا .
(١)
خرَّجه مسلمٌ (١) .
وخرَّج أبو داود والنسائيُّ (٢) من حديثِ معاويةَ بنِ قرةَ ، عن أبيهِ ، أن
رسولَ اللهِ نَّهُ نهَى عن هاتينِ الشجرتينِ، وقال: ((مَن أكلَهما فلا يقربنّ
مسجدَنَا)) وقال: ((إن كنتم لابدَّآكلُوهما، فأميتُوهُما طبخًا )).
قال : يعني : البصلَ والثُّومَ .
وقال البخاريُّ - فيما نقلَه عنه الترمذيُّ في ((علله))(٣) -: حديثٌ حسنٌ .
وخرَّج الطبرانيُّ (٤) معناه من حديث أنس، عنِ النبيِّ وَّ، وقال فيه :
((فإن كنتمْ لابدَّ آكلوهُما فاقتلُوهما بالنَّارِ قْلاً )).
وخرَّج أبو داودَ (٥) من حديث عليٌّ ، قال : نُهي عن أكلِ الثومِ ، إلا
مطبوخًا .
خرجه الترمذيُّ (٦)
ثم خرجه (٧) - موقوفًا - عن عليٍّ، أنه كره أكلَه إلا مطبوخًا .
(١) ((الصحيح)) (٨١/٢-٨٢).
(٢) أبو داود (٣٨٢٧) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٨١/٨).
(٣) (( العلل الكبير)) للترمذي (رقم: ٥٥٨).
(٤) ((الأوسط)) (٣٦٥٥) .
(٥) ((السنن)) (٣٨٢٨).
(٦) ((الجامع)) (١٨٠٨).
(٧) (١٨٠٩) .

٢٨٣
١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ
كتاب الأذان
وخرَّج ابنُ ماجه(١) من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، أن النبيِّ بَّ قال لأصحابه :
(لا تأكلُوا البصلَ))، ثم قال كلمة خفية: ((النَّيَِّ)).
وأما روايةُ مخلدِ بنِ يزيدَ الحرانيِّ ، عن ابنِ جريجٍ ، التي ذكرَها البخاريُّ -
تعليقًا - ، فمعناها : نتنُ ريحِهِ ؛ ولأجلِها كَرِهِ دخولُ المسجد لآكله .
وخرَّج مسلمٌ (٢) حديثَ جابرِ هذا من روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ ، عن ابن
جريجٍ، ولفظُه: ((مَن أكلَ من هذه البقلة: الثوم)) - وقال مرةً -: ((من أكلَ
من البصلِ والثومِ والكراث فلا يقربنَّ مسجدَنَا ؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى به
بنُوآدَمَ )).
وخرَّج معناه من حديث أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ - أيضًا(٣).
وخرَّج مسلمٌ (٤) - أيضًا - من حديث الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المسيبِ ، عنِ
أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلّ قالَ: ((من أكلَ من هذه الشجرة فلا يقربن
مسجدَنَا ، ولا يؤذينَا بريحِ النُّومِ » .
فدلّ هذا الحديثُ - مع الذي قبلَه - على أن علَّة المنعِ مِنْ قُربان المسجد
تأذِّي مَن يشهدُه من المؤمنينَ والملائكةِ بالرائحةِ الكريهةِ .
وفي عامة هذه الأحاديث: تسميةُ الثومِ شجرةً .
قال الخطابيُّ (٥): فيه أنه جعلَ الثومَ من جملةِ الشجرِ ، والعامة إنما
يُسمُّون(٦) الشجرَ ماكان له ساقٌ يحمل أغصانه دون غيرِهِ .
(١) ((السنن)) (٣٣٦٦).
(٢) ((الصحيح)) (٢/ ٨٠).
(٣) ((الصحيح)) (٧٩/٢ - ٨٠).
(٤) (( الصحيح)) (٧٩/٢).
(٥) ((أعلام الحديث)) (٥٥٦/١-٥٥٧).
(٦) في الأصلين: ((سمى)) خطأ.

٢٨٤
حديث : ٨٥٥
کتاب الأذان
وعند العربِ : أن كلَّ ما بقيتْ له أرومةٌ في الأرضِ تخلفُ ما قطعَ فهو
شجرٌ، وما لا أرومةَ له فهو نجمٌ ، فالقطنُ شجرٌ ، يبقى في كثيرٍ من البلدانِ
سنينَ ، وكذلك الباذنجانُ ، فأما اليقطينُ والريحانُ ونحوُهما فليس بشجرٍ ، فلو
حلف رجلٌ على شيءٍ من الأشجارِ فالاعتبارُ من جهةِ الاسمِ والحقيقةِ علي ما
ءَ
ذكرتُ ، وفي العُرفِ ما تعارفَه الناسُ . انتهى .
وأما قولُه تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةَ مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]، فلا يرد
على ما ذكره ؛ فإنها شجرةٌ مقيدةٌ بكونها من يقطينِ ، وكلامُه إنما هو في إطلاقِ
اسم الشجرِ ..
وقد اختلفَ أصحابُنا الفقهاءُ فيما يتكرَّرُ حملهُ من أصولِ الخضرواتِ
ونحوِها : هل هو ملتحقٌ بالشجرِ ، أو بالزرعِ ؟ وفيه وجهانِ ، ينبني عليهما
مسائلُ متعددةٌ ، قد ذكرناها في ((كتاب القواعدِ في الفقهِ)).
الطريقُ الثاني :
٨٥٥ - ثَّنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْر : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : زَعَمَ
عَطَاءٌ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ، أَنَّ النَِّيِّ ◌َ قَالَ: (( مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً
فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ: فَلَيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - ، وَلَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)) .
وأَنّ النََِّّ ◌َ﴿ أُنِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولِ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا ، فَسَأَلَ ،
فَأُخْبِرَ بِمَا فيهَا مِنَ الْبُقُولِ ، فَقَالَ: ((قَرَّبُوهَا)) - إلَى بَعْض أَصْحَابِه كَانَ مَعَهُ - ،
فَلَمَّا رَأَهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: «كُلْ؛ فَإِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَجِي)).
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ : (( أُنِيَ بِبَدْرِ)).
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي : طَقًّا فِيهِ خَضِرَاتٌ .
وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُوُ صَفْوَانَ ، عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ ، فَلاَ أَدْرِي: هُوَ مِنْ

٢٨٥
١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ
کتاب الأذان
قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ؟
قال الخطابيُ (١): قولُ ابنُ شهابٍ: ((زعمَ عطاءٌ، أن جابرًا زعمَ )) ليس
على معنى التهمة لهما ، ولكن لما كانَ أمرًا مختلفًا فيه حكى عنهم بالزعمِ ، وقد
يستعملُ فيما يُختَلَفُ فيه كما يستعملُ فيما يرتَابُ به ، ويقالُ : في قولِ فلانٍ
مزاعمٌ ، إذا لم يكنْ موثوقاً به .
وذكر: أن روايةَ ((القدْرِ)) تصحيفٌ، إنما الصوابُ ((بَدْرِ)) وهو الطبقُ،
كما قالَه ابنُ وهبٍ ، وسمِّي بدرًا لاستدراتِه وحسنِ اتساقِه ، تشبيهاً بالقمرِ .
قال: وإن لم يكنِ ((القدرُ)) تصحيفًا، فلعلَّه كان مطبوخًا ، ولذلك لم يكره
أكلَه لأصحابِهِ ، ثم بينَ أن كراهتَه لا تبلغُ التحريمَ لقوله: ((أُناجي من لا تناجي)) ،
يريدُ : المَلَكَ . انتهى .
وخرجَ ابنُ جرير الطبريُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي أيوب الأنصاريِّ ،
أن النبيَّ وَِّ قال - لما امتنعَ من أكلِ الطعامِ الذي أرسلَه إليه -: ((إن فيها هذه
البقلةَ : الثومَ، وأنَا رجلٌ أقربُ الناسَ وأناجيهم ، فأكرَه أن يجدُوا مِنِّي ريحَهُ ،
ولكن مُر أهلَك أن يأكلُوها » .
وهذه الرواية : تدلُّ على أنه كرِه أكلَها لكثرةِ مخالطتِه للناسِ وتعليمِهِمُ القرآنَ
والعلمَ ، فيُستفادُ من ذلك : أنَّ مَن كان على هذه الصفة ، فإنه يُكْرَه ذلك من
ذلك ما لا یکره لمن لم یکن مثلَ حالِه .
ولكن ؛ [ روى ](٣) مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سليمانَ بنِ يسارِ ، قالَ :
كان رسولُ اللهِ وَ لَ لا يأكلُ الثُّومَ ولا البصلَ ولا الكراثَ من أجلِ أنَّ الملائكةَ
تأتيه ، مِن أجل أنه يكلِّم جبريل عليه السلام .
وهذا مرسلٌ .
(١) في (( شرح البخاري)) (٥٥٩/١).
(٢) زيادة مني للسياق .

٢٨٦
حديث : ٨٥٦
كتاب الأذان
ولا ينافي التعليلُ بمناجاتِ المَلَك التعليلَ بمناجاةٍ بني آدمَ ، كما وردَ تعليلُ
النهي عن قربانِ آكلِ الثومٍ للمساجدِ بالعلتين جميعًا ، كما سبقَ ذكرُه .
وقد ذكر البخاريَّ : أن قصة إتيانِه بقدرٍ أو بدرٍ لم يذكرْها في هذا إلا ابنُ
وهبٍ عن يونُسَ ، وأن الليثَ بنَ سعدٍ وأبا صفوانٍ - وهو : عبدُ اللهِ بنُ سعيد
ابنِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ - رويا عن يونُسَ أوَّلَ الحديثِ دون هذه القصةِ
الآخرة ، وأن ذلك يوجِبُ التوقفَ في أن هذه القصةَ : هل هي من تمامِ حديثٍ
جابرٍ ، أو مدرجةٌ من كلامِ الزهريِّ ؛ فإنَّ الزهريَّ كان كثيرًا يروي الحديثَ ، ثم
يُدْرِجُ فيه أشياءَ ، بعضُها مراسيلُ ، وبعضُها من رأيه وكلامِه .
وقد خرَّج البخاريُّ في ((الأطعمة)) (١) الحديثَ من رواية أبي صفوانَ ، عن
يونُسَ ، مقتصرًا على أولِ الحديثِ .
وخرَّج البخاريُّ في (( الأطعمةِ )) (٢) الحديثَ عن أحمدَ بنِ صالحٍ ، عن ابنٍ
وهب ، وفي حديثه: ((ببدرِ ))، وذكرَ مخالفةَ سعيدِ بنِ عُفَيْرٍ له ، وأنه قالَ :
(بِقَدْرٍ )).
وأما حديثُ أنسٍ :
فقالَ :
٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ
أنَسّا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّاللَّهِبَّهِ فِيِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَِّيُّ : ﴿َ: (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبْنَا، وَلاَ(٣) يُصَلِينَّ مَعَنَا)).
وخرَّجه في موضع آخر (٤)، وقال (( فلا يقربَنَّ مسجدَنَا )).
(١) (٤٥٢ ٥) .
(٢) (٧٣٥٩) وليس هو في ((الأطعمة)).
(٣) في ((اليونينية)): ((أَوْ لا)).
(٤) (٤٥١ ٥ ) .

٢٨٧
١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ
كتاب الأذان
وفي النهي لمَنْ أَكلَهما عن قربانِ الناسِ : دليلٌ على أنه يُكرَه له أن يغْشَى
الناسَ حتى يذهبَ ريحها ، ولكنَّ حضورَهَ مجامعَ الناسِ للصلاةِ والذكرِ
ومجالستَه لأهلِ العلمِ والديِّن أشدُّ كراهةً من حضورِه الأسواقَ ومجالسته الفساق.
ولهذا في حديث جابرٍ المتقدمِ : ((وليقعدْ في بيته)).
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١) من حديث أبي سعيد الخدريِّ، أن رسولَ اللهِ وَلَيه
مرَّ على زراعةِ بصلٍ هو وأصحابُه (٢)، فنزلَ ناسٌ منهم ، فأكلُوا منه ، ولم يأكلْ
آخرون، فرُحْنا إليه ، فدعا الذينَ لم يأكلُوا البصلَ ، وأخَّر الآخرينَ ، حتى
ذهبَ ريحُها .
وقد رُوي عن عمرَ ، أنه قالَ : مَن أكلَ البصلَ والكراتَ فلا يأكلْه عند قراءة
القرآنِ ، ولا عندَ حضورِ المساجدِ .
خرجه عثمانُ الدارميُّ في (( كتاب الأطعمةِ)).
ومن أغربِ ما رُوي في هذا البابِ : ما خرَّجه أبو داودَ وابنُ حبانَ في
((صحيحه))(٣) من حديث حذيفةً - بالشكِّ في رفعه(٤) -: ((من أكل من هذه
البقلة الخبيثة فلا يقربنَّ مسجدَنَا ثلاثًا )).
وهذا مكشوكٌ في رفعه .
وقد رواه جماعةٌ من الثقاتِ، فوقفُوه على حذيفةَ بغيرِ شكِّ ، وهو الأظهرُ.
واللهُ أعلمُ .
ويحتملُ أن في الكلام حذفًا ، تقديره : قالها ثلاثًا . يعني : أنه أعادَ هذه
(١) (٨١/٢).
(٢) من هنا سقط كبير في ((م)) يمتد إلى آخر ((الأذان))، والعمدة على ((هـ)).
(٣) أبو داود (٣٨٢٤) وابن حبان (١٦٤٣).
(٤) الشك في رواية أبي داود فقط .

٢٨٨
حديث : ٨٥٦
كتاب الأذان
الكلمةَ ثلاثَ مراتٍ .
وقد دلَّتْ أحاديثُ هذا البابِ على أن أكلَ الثُّومِ غيرُ محرمٍ في الجملة ،
وإنما يُنْهَى من أَكَلَهُ عن دخول المسجد حتى يذهبَ ريحُه، وعلى هذا جمهورٌ
العلماء .
وذهبَ إلى تحريم أكلِه طائفةٌ قليلةٌ من أهلِ الظاهرِ ، ورُوي عن بعض
المتقدمين - أيضاً - ، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ بردِّ هذا الكلامِ .
وأما كراهةُ أكلِ ذلك ، فمن العلماءِ مَن كرِه أكله نيئًا حَتَّى يُطْبَخ ، منهم :
عُمرَ وَابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ ، وهو قولُ أحمدَ ، وقال : الثُّومُ أشدُّ .
ورُوي عنه روايةٌ ، أنه قال : لا أحبُّ أكل الثُّومِ خاصةً ، وإن طُبخ ؛ لأنه
لا يذهبُ ريحُهُ إذا طُبخَ . قال : وإن أكلَه من علةٍ فلا بأسَ . وقال : الذي
يأكلُها يتجنبُ المسجدَ ، وكلُّ ما له ريحٌ ، مثلُ البصلِ والثُّومِ والكراثِ والفجلِ
فإنما أكرمُه لمكان الصلاة .
وسئلَ عن أكلِ ذلك بالليلِ ؟ فقال : أليس يتأذَّى به الملَكُ .
وظاهرُ هذا : يدلُّ على كراهةٍ أكلِ ما له ريحٌ كريهةٌ ، وإن كان وحدَه .
وقد رُوي عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ، أنه كانَ إذا أرادَ أن يأكلَ الثُّومَ بدا -
يعني : خرج إلى البادية .
وعن عكرمةَ ، قال : كنا نأكلُهُ ونخرجُ من الكعبةِ .
خرجه ابنُ جريرِ الطبريُّ .
ولو أکله ، ثم دخل المسجدَ ◌ُرِه له ذلكَ .
وظاهرُ كلامِ أحمدَ : أنه يحرمُ ؛ فإنه قالَ في روايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ : إنْ
أكلَ وحضرَ المسجدَ أثمَ .

٢٨٩
١٦٠ - بَبُ مَا جَاءَ فِي النُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ
كتاب الأذان
وهو قولُ ابنِ جريرٍ - أيضًا - وأهلِ الظاهرِ وغيرِهم .
قال ابنُ جريرٍ : وإذا وجد منه ريحةً في المسجدِ ، فإن السلطانَ يتقدَّم إليه
بالنهي عن معاودة ذلك، فإن خالفَ وعادَ، أَمَر بإخراجه من البلدِ (١) إلى أن
تذهبَ منه الرائحةُ . واستدلَّ بحديث عمرَ - رضي اللهُ عنه - ، وقد سبقَ ذكرُه.
وقد استدل قومٌ منَ العلماءِ بأحاديثِ هذا البابِ على أن حضورَ الجماعةِ في
المساجدِ ليست فرضًا ؛ لأنها لو كانتْ فرضًا لم يرخصْ في أكلِ الثُّوم وينهَى من
أُكَلَه عن حضورِ المسجدِ ، وجعلُوا أكلَ هذهِ البقولِ الَّتي لها ريحٌ خبيئةٌ عذرًاً يبيحُ
تركَ الجماعةِ .
وردًّ عليهمْ آخرونَ :
قال الخطابي : قد توهَّم هذا بعضُ الناس . قال : وإنما هو - يعني : النهي
عن دخولِ المسجدِ - توبيخٌ له وعقوبةٌ على فعله إذا حُرِم فضيلةَ الجماعةِ .
ونقلَ ابنُ منصورٍ ، عن إسحاقَ ، قال : إن أكلَ الثُّومَ من علةٍ حادثةٍ به فإن
ذلك مباحٌ ، وإن لم يكن علةٌ لا يسعُه أكلُه ، لكي لا يتركَ الجماعةَ .
وهذا محمولٌ على ما إذا أكلَه بقربِ حضورِ الصلاةِ ويعلم [ ... ] فريضة.
ودخولُ المسجدِ مع بقاءِ ريحِ الثُّوم محرمٌ ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابِنا
وابنِ جريرٍ وغيرِهم منَ العلماءِ .
ويشهدُ لهذا : أن الخمرَ قبلَ أن تحرَّمَ بالكلية كانت محرمةً عند حضور
الصلاةِ ، كيلا يمنعَ منَ الصلاةِ ، حيث كانَ اللهُ قد أنزلَ فيها ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي النبيِّ وَّ
ينادي: ((لا يَقْرَبُ الصلاةَ سَكْرَانٌ )) . وفي ضمن ذلك ؛ النهيُ عن السكرِ بقربِ
وقتِ الصلاة ، ثم حُرِّمتْ بعدَ ذلك على الإطلاقِ بالآية التي في سورة المائدةِ .
(١) لعل الصواب: ((من المسجد)).

٢٩٠
حديث : ٨٥٦
كتاب الأذان
وقد تقدَّم نصُّ أحمدَ بأنه قالَ : أكرهُه في وقتِ الصلاةِ ؛ لمكانِ المسجدِ .
وهذا يحتملُ كراهةَ التنزيهِ ، وكراهةَ التحريمِ .
وروى ابنُ وهبٍ ، عن مالك ، أنه سُئِلَ عن أكلِ القُّومِ يوم الجمعةِ ؟ فقال:
بئسما صنعَ حين أكلَ الثُّومَ وهو مِمَّن يجبُ عليه حضورُ الجمعةِ .
وقد ذكرنا : أن هذا الحكمَ يتعدَّى إلى كلِّ مأكول له رائحةٌ كريهةٌ ، كالفجل
وغيرِه ، وأن أحمدَ نصَّ عليه .
وكذلك قالَ مالكٌ : الكراثُ كَالثُّومِ ، إذا وجدت ريحهما يؤذي .
وألحق أصحابُ مالك به : كلَّ من له رائحةٌ كريهةٌ يُتَأَذَّي بها ، كالحراث
والحوات .
وفيه نظرٌ ؛ فإن هذا إثر عملٍ مباحٍ ، وصاحبُه محتاجٌ إليه، فينبغي أن يُؤْمَرَ
إذا شهدَ الصلاةَ في جماعته بالغسلِ وإزالةِ ما يُتَأذى برائحته منه ، كما أمرَ النبيّ
ءُ
وَه مَن كانَ يشهدُ الجمعةَ مِن الأنصارِ الذينَ كانوا يعملونَ في نخلِهِم ويلبسونَ
الصوفَ ويفوحُ ريحُهم بالغسلِ ، وأمرَهم بشهودِ الجمعةِ في ثوبينِ غيرِ ثوبي
المهنةِ(١).
وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ(٣) عن بعضِ شيوخِهِ ، أنه ألحقَ بأكلِ القُّومِ مَن كان أهلُ
المسجدِ يتأذونَ بشهودِه معهم من أذَاه لهم بلسانه ويده ؛ لسفهه عليهم وإضراره(٣)
بهم ، وأنه يُمنع مِن دخولِ المسجدِ ما دام كذلك . وهذا حسنٌ .
وكذلك يمنعُ المجذومُ مِن مخالطةِ الناسِ في مساجدِهم وغيرِه ؛ لما رُوي
من الأمرِ بالفِرَارِ منه . واللهُ أعلمُ .
(١) راجع ((المعجم الكبير)) - جزء العبادلة الذي حققته منه رقم (١٣٩)
(٢) راجع: ((التمهيد)) (٤٢٣/٦).
(٣) فى الأصل: ((هـ)): ((واضرراه)).

٢٩١
١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءٍ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ
كتاب الأذان
وفي ((تهذيبِ المدونة )) : ويقامُ الذي يقعدُ في المساجدِ يومَ الخميسِ وغيرِه
لقراءة القرآنَ .
ولعلَّ مرَادَه : إذا كان يقرأُ جهرًا، ويحصلُ بقراءته أدَّى لأهلِ المسجدِ ،
ويشوشُ عليهم . واللهُ أعلمُ .

٢٩٢
١٦١ - بَبُ وُضُوءِ الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ
کتاب الأذان
١٦١ - بَابُ
وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ وَالطُّهُورُ
وَحُضُوَرِهِمُ الجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ، وَصُفُوفِهِمْ
لمَّا أن تعيّن ذكر صفة الصلاة ، وكانَ الغالبُ على أحكامها يختصُّ بالرجال
المكلفينَ ، أفردَ لحكمِ الصبيانِ بابًا مفردًا ، ذكر فيه حكمُ طهارتِهم منَ الوضوء
والغسلِ ، وذكر صلاتَهم وحضوَرَهم الجماعاتِ معَ الرجالِ في الصلواتِ
المفروضاتِ وفي العيدينِ والجنائزِ ، وصفوفَهم معَ الرجالِ .
وذكر في البابِ أحاديثَ ستةً ، يُستنبطُ منها هذه الأحكامُ التي بُوَّب عليها .
ولم يبوبْ على وقتِ وجوبِ الصلاةِ عليهم ؛ لأن الأحاديثَ في ذلك ليست
على شرطِه .
وهي نوعانِ :
أحاديثُ: ((مرُوهم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم علَى تركِها لعشر)) .
وقد رُويتْ من وجوهِ متعددة ، أجودُها : من حديث سبرة بن معبد
الجهنيٌّ، عنِ النبيِّ وَِّ، قال: ((مرُوا الصبيَّ بالصلاةِ إذا بلغَ سبعَ سنينَ، وإذا
بلغَ عشر سنينَ فاضربُوه عليها)).
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - وهذا لفظُه - والترمذيُّ - وقال : حسنٌ
صحيحٌ - وابنُ خزيمة في (( صحيحه)) والحاكمُ (١) - وقال : على شرطِ مسلمٍ .
وقد ذهبَ إلى هذا الحديثِ جماعةٌ منَ العَماءِ ، وقالوا : يُؤُمر بها الصبيّ
السبعٍ، ويُضْرَبُ على تركِها لعشرٍ، وهو قولُ مكحولِ والأوزاعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
(١) أحمد (٤٠٤/٣) وأبود داود (٤٩٤) والترمذي (٤٠٧) والحاكم (٢٠١/١).

٢٩٣
١٦١ - بَبُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ
كتاب الأذان
ونقل ابنُ منصور ، عنهما ، أنهما قالاً : إذا تركَ الصلاةَ بعدَ العشرِ يعيدُ .
واختلفَ أصحابنا : هل هي واجبةٌ عليه في هذه الحالِ ، أم لا ؟
فأكثرُهم على أنها لا تجبُ على الصبيِّ ، لكن يجبُ على الوليِّ أمرُه بها
لسبعٍ ، وضربُه إذا تركها لعشرٍ(١).
ومنهم مَن قال : هي واجبةٌ عليه إذا بلغ عشرًا ، يضربُه علي تركِها .
وقد قيلَ: إن الضربَ على الترك، تارةً يكون في الدنيا والآخرةِ [كالوضوء](٢)
على المسلمِ البالغِ العاقلِ ، وتارة يكونُ في الآخرةِ دونَ الدنيا كوجوبِ فروعٍ
الإسلامِ على [الكفَّارِ](٢)، وتارةً يكون في الدنيا خاصةً كضربِ الصبيِّ إذا تركَ
الصلاةَ لعشرٍ ، ولا يلزمُ من ذلك أن يعاقبَ عليها في الآخرةِ .
ومن العلماءِ مَن قالَ : يؤمَر الصبيُّ بالصلاةِ إذا عرفَ يمينَه من شماله ، رُوي
عن ابنِ سيرينَ والزهريِّ ، ورُوي عن الحسنِ وابنِ عمرَ ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ ،
خرجه أبو داودَ (٣)، وفي إسناده جهالةٌ ، وهو اختيارُ الجوزجانيٌّ .
ورُوي عن عمر ، أنه مر على امرأةٍ توقظ ابنَها لصلاة الصبحِ وهو يَتَلَكَّأَ ،
فقال: دَعِيه لا يَعْنِيه ، فإنها ليست عليه حتى يعقلَها (٤).
وعن عروةً ، وميمونِ بنِ مِهرانٍ ، قالاً : يؤمَرُ بها إذا عقلَها .
وعن بعضِ التابعينَ : يؤمرُ بها إذا أحْصَى عددَ عشرين .
وعن النخَعيِّ ومالكِ : يؤمر بها إذا ثَغَر - يعني : تبدلت أسنانُه .
النوعُ الثاني: أحاديثُ: ((رُفع القلمُ عن ثلاث))، منهم: (( الصبي حتى
يحتلِمَ )) .
(١) من قوله: ((وهو قول مكحولٍ)) إلي هذا الموضع تكررّ في الأصل.
(٢) مشتبهة بالأصل ، والمثبت أقرب الصور لرسمها .
(٣) (٤٩٧).
(٤) ابن أبي شيبة (٣٠٥/١).

٢٩٤
١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ
كتاب الأذان
وفي ذلك أحاديثُ متعددةٌ :
منها: [عن عُمَر وعليٍّ](١)، عن النبيِّ ◌َِّه.
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ (٢).
وقد اختُلِفَ في رفعه ووقِفِه ، ورجَّح الترمذيُّ والنسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرُهم
وقفَه على عمرَ ، وعَلَى عليٍّ من قولِهما .
وله طرقٌ عن عليٌّ .
ومنها: عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّهِ، وقالَ: ((وعن الصبيِّ حتى يكبرَ)).
خرجه أبو داودَ وابنُ حبانَ في «صحيحه » (٣) من روايةِ حمادِ بنِ سلمةَ،
عن حمادِ بنِ أبي سليمانَ ، عنْ إبراهيمَ ، عن الأسودِ ، عن عائشةَ .
وقال النسائيُّ: ليس في هذا الباب صحيحٌ إلا حديثَ عائشةَ ؛ فإنه حسنٌ .
ونقل الترمذيَّ في ((علله)) (٤) عن البخاريِّ ، أنه قال : أرجو أن يكون
محفوظًا . قيل له : رواه غيرُ حماد ؟ قال : لا أعلَمُهُ .
وقال ابنُ معينٍ : ليس يرويه أحدٌ ، إلا حمادُ بنُ سلمةَ ، عن حماد .
وقال ابنُ المنذرِ : هو ثابتٌ عن النبيِّ ◌َِّةِ.
وإلى هذا الحديث ذهبَ أكثرُ العلماء ، وقالوا : لا تجبُ الصلاةُ على الصبيِّ
حتى يبلغَ . واللهُ أعلمُ .
وقد تقدَّمَ : أن البخاريَّ خرج في هذا الباب ستةَ أحاديثَ :
(١) زيادة منى ، الظاهر أنها سقطت من الناسخ .
(٢) أحمد (١٥٨/١) وأبو داود (٤٤٠١) والترمذي (١٤٢٣). والنسائي في ((الكبرى)).
(٣) أبو داود (٤٣٩٨) وابن حبان (١٤٢).
(٤) (ص ٢٢٥) .

٢٩٥
١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ
کتاب الأذان
الأولُ :
٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشََّانِيَّ:
سَمِعْتُ الشَّعِْيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَِّّبَ عَلَى قَبْرِ مَنْبُوذٍ، فَمَّهُمْ وَصَفُوا
عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍوٍ : مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ : ابْنُ عَّاسٍ .
مرادُ البخاريِّ من هذا الحديثِ في هذا البابِ : أن ابنَ عباسٍ صلَّى خلفَ
النبيُّ بِِّ مع أصحابِهِ على القبرِ ، وابنُ عباسٍ كان صغيرًا لم يبلغِ الحلمَ ، وقد
سبقَ ذكرُ الاختلافِ في سنِّه عند وفاةِ النبيِّ وَّ في ((كتابِ العلمِ)) ، فدلَّ على
أن الصبيَّ يشهدُ صلاةَ الجنائزِ معَ الرجالِ ، ويصلِّي معهم عليها ، ويصفُّ معهم.
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ من (( كتابِهِ)) هذا بلفْظِ آخرَ ، وفيه :
(( فقامَ فَصَفَفْنَا خلفَه ، قال ابنُ عباسٍ : وأنا فيهم ، فصلَّى عليه )).
وقد خرَّجه الدار قطنيُّ (١) من طريق شريكٍ، عن الشيبانيِّ بهذا الإسنادِ ،
وقال في حديثه: ((فقامَ فصلَّى عليه، فقمتُ عن يسارِهِ ، فجعلني عن يمينه)).
وهذه زيادةٌ غريبةٌ ، لا أعلمُ ذكرَها غيرُ شريكٍ، وليس بالحافظ (٢)، فإن
كانتْ محفوظةً استدلَ بها على أن صفوفَ الجنائزِ كصفوفِ سائرِ الصلواتِ .
وقد اختلفَ أصحابنا في ذلك :
فمنهم مَن قالَ : كذلك ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ ؛ لأنه نص على كراهةٍ
صلاة الفذِّ وَحْدَه في صلاة الجنازةِ .
ومنهم مَن قال : يصلِّي على الجنازةِ الرجلُ وحدَه ، منفردًا خلفَ
الصفوفِ ، منهم : القاضي أبو يعلَى في ((خلافه )) وابنُ عقيلٍ .
وقالُوا : إذا لم يكنْ جَعْلُ الصفوفِ في صلاة الجنازةِ ثلاثةً إلا بقيامٍ واحدٍ
(١) (٧٨/٢) .
(٢) الظاهر أنه دخل عليه قصةُ ابن عباس في صلاته بجانب النبي بَّ في قيام الليل، وقد تقدم
حديثها ، وتوسع المؤلف في شرحه وذكر طرقه والفاظة . وسيأتي أيضًا في هذا الباب .

٢٩٦
حديث : ٨٥٧ - ٨٥٨
كتاب الأذان
صفًّا وَحْدَه كان أفضلَ .
واستدلَّ بما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العمريُّ ، قال : سمعتُ أَمَّ يحيى قالت :
سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ: ماتَ ابنُ أبي طلحةَ ، فصلَّى عليه رسولُ الله
وَّه، فقام أبو طلحة خلف النبي وَّهُ وأمُّ سليمٍ خلفَ أبي طلحة كأنهم عَرْفُ
ديك ، وأشار بيده .
خرجه الإمامُ أحمدُ (١)
وخرج أبو حفصِ العكبريُّ - من أصحابنا - بإسنادِهِ ، عن خَيْر بنِ نعيمٍ
الحضرميِّ، أن أبا الزبيرِ - أو عطاءَ بنَ أبي رباحٍ - أخبره، أن رسولَ اللهِ وَليقول
صلَّى على جنازة، ورسولُ اللهِ ◌ِّله سابعُهم، فجعلَهم ثلاثةَ صفوف، الصفُّ
الأولُ ثلاثةً، والصفُّ الثاني رجلينِ، والصفُّ الثالثُ رجلاً، والنبيِّ وَّهِ بِينَ
أیدیھم.
وهذا مرسلٌ .
وقد نصَّ أحمدُ على أنه يستحبُّ جعلُهم في صلاةِ الجنائزِ ثلاثةَ صفوفٍ ، إذا
أمكنَ أن يكونَ في كلِّ صفِّ اثنانِ فصاعدًا ، واستدلَّ بحديث مالكِ بنِ هبيرةً ،
أنه كان إذا صلَّى على جنازة فتقالَّ الناسُ عليها جَزَّأَهم ثلاثةَ أجزاءٍ ، ثم قال :
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( مَن صلَّي عليه ثلاثةُ صفوف فقدْ أوجبَ))
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والترمذيُّ (٢) :.
وقال : حديثٌ حسنٌ .
الحديثُ الثاني :
٨٥٨ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا سُفْيَانُ: حَدَثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ
(١) (٣ / ٢١٧) .
(٢) أحمد (٧٩/٤) وأبو داود (٣١٦٦) وابن ماجه (١٤٩٠) والترمذي (١٠٢٨).

٢٩٧
١٦١ - بَابُ وُضُوءِ الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ
کتاب الأذان
ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَِّيِّهِ، قَالَ: (( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَة
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) .
مرادُه بهذا الحديث هاهنا : الاستدلالُ به على أن الغسلَ الواجبَ لا يجبُ
إلا على مَن بلغَ الحلُمَ ، وهو المرادُ بالمحتلمٍ في هذا الحديثِ ، كما أن قولَه :
((لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائض إلا بخمار)) (١)، إنما أراد به من بلغتِ المحيضَ .
وقد اختلفَ العلماءُ في معنى الوجوبِ في هذا الحديثِ : هلْ هو علَى
ظاهره ، أم المرادُ به [التأكيد](٢)؟ وفيه خلافٌ يأتى في موضع آخر - إن شاءَ اللهُ
سبحانه وتعالى .
فإن قيلَ : إنه علي ظاهرِه ، وإنه يأثم بتركِه ، فإن هذا الوجوبَ يختصُّ
بالبالغ ولا يدخلُ فيه الصبيُّ ، اللهمَّ ، إلا على رأي من أوجبَ الصلاةَ على مَن
بلغَ [عشرًا منَ ](٢) الصبيانِ، كما هو قولُ طائفةٍ من أصحابِنا ، فإنهمُ اختلفُوا
ءِ
في وجوب الجمعةِ عليه ، ولهم فيه وجهانِ ، أصحَّهما : لا يجبُ .
فإن قيلَ بوجوبِها عليه توجّه وجوبُ الغسلِ عليه - أيضاً - ، وهو ضعيفٌ ؛
لأنه مبطلٌ فائدةَ تخصيصِ الوجوبِ في هذا الحديثِ بالمحتلمِ .
وإنْ قيلَ : إنّ الوجوب في الحديثِ إنما أُريدَ به تأكيدُ الاستحبابِ ، فهل
يدخلُ فيه الصبيُّ ؟
لا يخلو الصبيّ ، إما أن لا يريد حضورَ الجمعةَ ، فلا يؤمَرُ بالغسلِ لها ،
وإما أن يريد حضورَها معَ الرجالِ ، ففي استحبابِ الغسلِ له وجهانِ لأصحابِنا .
(١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
واختلف في وصله وإرساله ، ورجح الدارقطني إرساله .
وراجع: ((إرواء الغليل)) (١٩٦).
(٢) في الأصل مشتبهة .

٢٩٨
حديث : ٨٥٨
كتاب الأذان
وينبغي أن لا يتأكدَ الاستحبابُ في حقه كتأكيده على الرجال ؛ لئلاً تبطلَ
فائدةُ تخصيصِ الوجوبِ بالمحتلمِ في الحديثِ .
ومذهبُ مالك ؛ أنه يغتسلُ إذا أرادَ شهودَ الجمعةِ .
وأما وجوبُ الغسلِ على الصبيِّ إذا وُجِدَ منه ما يوجبُ الغسلَ على البالغِ ،
مثلُ أن يطأَ ويولجَ في فرجِ امرأةٍ ، أو تكون الزوجةُ الموطأةُ صغيرةً لم تبلغْ ،
فيطؤُها الرجلُ ، فهل يجبُ عليها وعلى الصبيِّ الواطءِ - بغير إنزالِ - الغسلُ ؟
فيه قولان مشهوران للفقهاء :
أحدُهما : يجبُ ، وهو نصُّ أحمدَ ، واختيارُ ابنٍ شاقلا وغيرِه من أصحابِنا،
وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهوَيَه .
وقالت الشافعيةُ : يصير بذلك جُنْبًا ، ويُمنع مما يُمنع منه الجنبُ حتى
يغتسلَ ، ويلزمُ ولَّه أن لا يمكنَه مما يمنعُ منه الجنب حتَّى يغتسلَ .
ولم يقولُوا: إن غسله واجبٌ ؛ لئلاً يُتُوهَّم أنه مكلفٌ به .
والثاني : لا يجبُ ، بل يستحبُّ ، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه ،
وأبي ثورٍ ، وأصحابِنا ؛ لأن الغسلَ عبادةٌ بدنيةٌ ، فلا تلزمُ الصبيّ ، كالصومِ
والصلاة .
قال المحققونَ من أصحابنا : وهذا لا يصحُّ ؛ لأنه ليس المَعْنيّ بوجوبه
تأثيمه بتركِه لينافيه الصِّغَرُ ، بل فائدتُه اشتراطُه لصحةٍ صلاتِه وطوافِه ، وتمكينِه
من مسِّ المصحفِ ، وقراءةِ القرآنِ ، واللُّبثِ في المسجدِ ، وإلزامهِ به إذا بلغَ ،
وتغسيلُنا له يُشْبِه ما لو قُتْلَ شهيدًا قبلَ أن يغتسلَ ، وغير ذلكَ منَ الأحكامِ ،
والصِّغَرِ لا ينافي ذلك ، كما لم ينافِ إيجابِ الوضوءِ عليه بموجباتِه بهذا المعنى -
أيضًا .
ولا نعلم خلافًا أن الصبيَّ المميِّزَ تصحُّ طهارتُهُ ويرتفعُ حدثُه ، ولو بلغَ بعد

٢٩٩
١٦١ - بَابُ وُضُوءِ الصََّانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْفُسْلُ
کتاب الأذان
أن توضأ لجاز أن يصلِّيَ بذلك الوضوءِ الفرضَ ، ولا نعلمُ في ذلك خلافًا ، إلا
وجهًا شاذًا للشافعيةِ ، لا تعويلَ عليه .
ولكن ؛ هلْ يُوصَف وضوؤُهُ قبلَ بلوغِه بالوجوب ؟ فيه لأصحابِنا وجهان .
وهذا الخلافُ يشبه الخلافَ في تسمية(١) غسلِه واجبًا ، على ما سبقَ .
ويشبه تخريجَ هذا الخلافِ في تسميته واجبًا عليه بدون إرادة الصلاة ، على
الخلافِ في أن الموجبَ للطهارةِ ، هلْ هو الحدثُ ، أو إرادةُ الصلاة ؟ وفيه
وَ
اختلافٌ مشهورٌ .
ويمكن أخذُهُ مِنَ اختلافِ الروايتينِ عن أحمدَ في غسلِ الحائضِ للجنابةِ في
حال حيضها .
وأما أن الصبيَّ ممنوعٌ من الصلاةِ بدون الطهارةِ ، فمتفقٌ عليه .
نعم ؛ في جواز تمكينِ الصبيِّ من مسٌّ لَوْحِهِ الذي يكتبُ فيه القرآنَ روايتان
عن أحمدَ ، ومِن أصحابنا من حكى الخلافَ في مسِّهم لمصَاحِفهم(٢).
وُ
ووجهُ عدمِ اشتراطِهِ : أن حاجتهم إلى ذلك داعيةٌ ، ويشقّ منعهم منه بدون
طهارة ؛ لتكرُّرِهِ ، ووضوؤُهم لا يتحفظُ غالبًا .
وهو - أيضًا - قولُ الحنفيةِ ، وأصحُّ الوجهين للشافعيةِ ؛ لهذا المعنَى .
وهذا كلُّه في حقِّ الصبيِّ المميزِ ، فأما من لا تميزَ له فلا طهارة له ولا
صلاةَ ، ولو توضَّأَ لم يؤثرِ استعمالُه في الماءِ شيئًا .
وأما المميزُ إذا توضأً بالماءِ ، فهل يصيرُ مستعملاً ؟ فيه لأصحابِنا وجهانِ .
ويحسنُ بناؤُها على أن وضوءَهَ : هلْ يوصَف بالوجوبِ ، أو بالاستحبابِ ؟
(١) في الأصل: ((تسميته)).
(٢) في الأصل: ((لمضاجعهم)) تصحيف .

٣٠٠
حديث : ٨٥٩
كتاب الأذان
والأظهرُ : أنه يصير مستعملاً ؛ لأنه قد رفعَ حدثه ، وأزال (١) منعه من
الصلاة .
وهو - أيضًا - أصحّ الوجهين للشافعيةِ .
والثاني لهم : ليس بمستعملٍ ؛ لأنه لم يؤدِّ به فرضًا .
قالُوا : والصحيحُ : أنه مستعملٌ ؛ لأن المرادَ بفرضِ الطهارةِ ما لا تجوزُ
الصلاةُ ونحوُها إلا به ، لا ما يأثمُ بتركِهِ .
الحديث الثالثُ :
٨٥٩ - حديثُ ابنِ عباسٍ: بِتُّ عِنْدَ خَالِي مَّمُونَ لَيْلَةٌ، فَقَمَ النَّبِيَُّ﴿﴿ فَلَمّا
كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ] (٢) فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنَّ مُعَلَّق، وُضُوءًا خَفيفًا،
ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوَا مِمَّ تَوَضَاً، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ،
فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى - وذكرَ الحديثَ .
وقد تقدَّم في أوائلِ (( كتابِ الوضوءِ » بهذا الإسنادِ والسياقِ الذي خرَّجه في
هذا البابِ .
والمقصودُ منه هاهنا: أن ابنَ عباسٍ توضأ كما توضأَ النبيِّ بَّه، ثم قامَ إلى
جانبِ النبيِّ ◌َّهِ يصلِّي معه، وأنه لما قامَ عن يسارِهِ ولم يكن مَوقفًا للمأمومِ
حوَّلَه عن يمينه إلى موقفِ المأمومِ ، فهذا يدلُّ على صحةِ طهارةِ الصبيِّ
وصلاتِه، وائتمامِه بالإمامِ ، ومصافّته للإمامِ ؛ فإن ابنَ عباسٍ كان إذْ ذاك صبيًا ،
كما سبقَ ذكرُه .
وقد تقدمَ الكلامُ على انعقادِ الجماعةِ بالصبيِّ ، وعلى أن من وقفَ مع
صبيّ ، فهل هو فَذٌّ ، أم لا ؟
(١) في الأصل: ((ولا زال)).
(٢) زيادة من ((اليونينية)).