Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
١٥٣ - بَابٌ يُسَلّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ
کتاب الأذان
من سلامه سلَّم عن يمينه وعن شماله .
وهذا يدلُّ على أنه لا يسلّم إلا بعد فراغِ الإمامِ منَ التسليمتينِ ، ويدل -
أيضًا - على أنه لا يستحبُّ للمأمومِ التخلفُ عن سلامِ الإمامِ ، بل يسلمُ عقبَ
سلامه .
وهذا على قولِ مَنْ قالَ مِن أصحابه - كالمتوليِّ - : إنه يستحبُّ للمأموم أن
يسلّمُ بعد فراغِ الإمامِ منَ التسليمة الأولَى - أظهرُ .
وقال القاضي أبو الطيبِ الطبريُّ منهم : المأمومُ بالخيارِ ، إن شاءَ سلَّم
بعدَه، وإن شاءَ استدامَ الجلوسَ للتعوَّذِ والدعاءِ وأطالَ ذلك، وعلَّل(١): أنه قد
انقطعت قُدوته بالإمامِ بسلامِهِ .
وهذا مخالفةٌ لنصِّ الشافعيِّ ، وعامةِ أصحابِهِ ، وللمأثورِ عنِ الصحابةِ .
ولو سلَّم المأموم (٢) مع تسليم إمامِهِ ، ففي بطلانِ صلاتِهِ لأصحابِنا وأصحابِ
الشافعيُّ وجهانِ ، سبق ذكرُهما عند ذكرِ متابعةِ المأمومِ للإمامِ .
والأصحُّ عندنا وعندَهم : أنه لا تبطلُ صلاتُه ، كما لو قارنَه في سائرٍ
الأركان ، سوى تكبيرة الإحرامِ .
ومذهبُ مالك : البطلانُ .
وقد استحبَّ طائفةٌ من السلف التسليمَ معَ الإمامِ .
وروى وكيعٌ في (( كتابِهِ )) عن العمرِيِّ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان
يسلّم معَ تسليمِ الإمامِ .
وبإسناده ، عن إبراهيمَ، قال: إن شئتَ سلَّمت معَه ، وإن شئتَ سلَّمت
بعدَه .
(١) في الأصلين: ((وعلمك)) كذا .
(٢) في الأصلين: ((الإمام)) خطأ ظاهر.

٢٢٢
١٥٣ - بَابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ
كتاب الأذان
وعن عطاء ، أنه كان ربما سلَّم مع تسليمهِ ، وربما سلَّم بعدَه .
وقد يحتملُ أن يكونَ مرادُ هؤلاءِ السلفِ بالسلامِ معه : السلامَ عقيبَه ، من
غيرِ مهلةٍ ، وبالسلامِ بعدَه : التأخرَ عنه . واللهُ أعلمُ .
وقد وقعَ في كلامِ المتقدمين في إسلامِ الزوجين معًا ما يدلُّ على أن مرادَهم
به : اجتماعُهما في الإسلامِ في مجلسٍ واحدٍ ، أو يومٍ واحدٍ ، وفيه حديثٌ
مرفوعٌ يشهد لذلك .
وإنْ سلم المأمومُ قبلَ سلامٍ إمامِه لم يجزْ ، وبطلتْ صلاتُه إن تعمدَ ذلكَ
ولم ينوِ مفارقتَه على وجهِ يجوزُ معه المفارقةُ ، إلا عندَ منَ يرَى أن السلامَ ليسَ
مَن الصلاةِ ، ويخرُجُ منها بإنهاءِ التشهدِ ، أو بدون تشهد عند مَن يرى أن التشهدَ
الأخيرَ سنةٌ .
لكنْ مَن قال منهم : لا يخرجُ مِنَ الصلاةِ إلا بالإتيانِ بالمنافي ، فإنه لا يُجيزُ
للمأمومِ أن يخرجَ مِن الصلاةِ قبلَ خروجٍ إمامِه بذلك .
وظاهرُ ما رُوي عن ابن مسعودٍ يدلُّ على جوازِهِ ، وأنه يخرجُ مِن الصلاةِ
بإنهاء التشهدِ ، وقد تقدَّم قولُه: فإذا قلتَ ذلكَ ، فإن شئتَ أن تقومَ فقمْ ، وإنْ
شئتَ أن تقعدَ فاقعدْ .
ورُوي ذلك عن عليٍّ صريحًا، فروَى عبدُ الرزاقِ في ((كتابه ))، عن
إسرائيلَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن عاصمٍ بنِ ضَمْرَةَ ، عن علِّي ، قال : إذا
تشهدَ الرجلُ وخافَ أن يُحدِثَ قبلَ أنْ يسلِّمَ الإمامُ فليسلمْ ؛ فقدْ تمَّتْ صلاتُه .
وقد رواه الحكمُ ، عن عاصمٍ ، عن عليٍّ، ولفظُه : إذا جلسَ مقدارَ
التشهدِ ، ثم أحدثَ فقد تمتْ صلاتُه .
فيكونُ أمرُهُ بالمبادرَةِ بالسلامِ على وجهِ الاستحبابِ ، فإنه لو أحدثَ لم تبطلْ
صلاتُه عندَه .

٢٢٣
١٥٣ - بَابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ
كتاب الأذان
وقد حكي مذهبُ أبي حنيفةَ مثلَ ذلك . واللهُ أعلمُ .
قال البخاريُّ :
٨٣٨ - ثَنَاحِبَّنُ بنُ مُوسَى: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ: ابْنُ الْمُبَارَك -: أَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِعِ، عَنْ عِنْبَانَ، قَالَ: صَلَّنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ،
فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ.
هذا مختصرٌ من حديثٍ عِتبانَ الطويلِ في إنكارِهِ بصرَه، وطلبِهٍ منَ النبيِّ وَّل
أن يأتي إلى بيتِه فيصلِي فيه في مكانٍ يتخذُه مسجدًا ، وقد خرَّجه بتمامِه في الباب
الذي يلي هذا عن عبدانَ ، عن ابنِ المباركِ .
وقد خرَّجه فيما مضى (١) من طريقِ عقيلٍ ومالكِ وإبراهيمَ بنِ سعدٍ ، عن
الزهريِّ - مختصرًا ومطولاً - ، وليس في رواياتهم: ((فسلَّمْنا حين سلَّم))،
إنما هذه في روايةِ معمرٍ المخرجةِ في هذا البابِ .
وقولُهُ: ((سلَّمنا حينَ سلَّم)) ظاهرُه يقتضي أنهم سلَّموا مع سلامِه ؛ لأن
((الحينَ)) معناه الوقتُ، فظاهرُ اللفظِ يقتضِي أن سلامَهم كانَ في وقتِ سلامِه
مقارنًا له ، وليس هذا هو المرادَ - واللهُ أعلمُ - وإنما المرادُ : أنهم سلَّموا عقيبَ
سلامِهِ من غيرِ تأخرِ عنه ، وعبَّر عن ذلكَ باتحادِ الوقتِ ، والحينِ ؛ فإن التعاقبَ
شبيهٌ بالتقارُن(٢).
وهو - أيضاً - المرادُ - واللهُ أعلمُ - من المرويِّ عن ابنِ عمرَ وغيرِهُ منَ
السلفِ في السلامِ معَ الإمامِ ، وأنهم أرادُوا بالمعيةِ : التعاقبَ ، دونَ التقارنِ(٣).
(١) (٤٢٤) (٤٢٥) (٦٦٧) .
(٢) في (( هـ)): ((التقارب)) بالباء .

٢٢٤
حديث : ٨٣٩ - ٨٤٠
كتاب الأذان
١٥٤ - بابٌ
مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَى الإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاةِ
خرَّج فيه حديثَ عِتْبَان - أيضًا :
٨٣٩، ٨٤٠ - عن عَبْدَانَ، عن ابنِ المباركِ ، بالإسنادِ المتقدمِ ، وذكر
الحديثَ بتمامِه ، وفي آخره قالَ :
فِغَدَاً عليَّ رسولُ اللهِ وَّرِ وأبو بكر معهُ بعدما اشتدَّ النّهَارُ ، فاستأذنَ النبيُّ
وٍَّ، فأذنْتُ له، فلمْ يجلسُ حتَّي قالَ: ((أين تحبُّ أن أصلِّي من بيتك؟)) فأشارَ
إليه من المكان الذي أحبّ أن يصلَِّ فيه ، فقامَ وصَفَفْنا خلفَه، ثم سلَّم ، وسلَّمْنا
حين سلَّمَ .
مرادُه بهذا الحديثِ في هذا البابِ: أن الذينَ صلَّوْا مع النبيِّ نَّ في بيت
عِتبانَ سلَّمُوا معَ النبيِّ بَ لَ حينَ سلَّم منَ الصلاةِ ، ولم يوجدْ منهم سوى السلامِ
منَ الصلاةِ كسلامِ النبيِّ وََّ منها ، وفي ذلك ردٌّ على مَن قال : إن المأمومَ يردّ
على الإمامِ سلامَه مع تسليمِهِ منَ السلامِ إما قبله أو بعده .
وقد قال بذلك طوائفُ من السلفِ ، منهم : ابنُ عُمَر وأبو هريرةَ :
فِرُوي عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان إذَا سلَّم الإمامُ ردَّ عليه ، ثم سلَّم عن يمينه ،
فإنْ سلَّم عليه أحدٌ عن يساره ردَّ عليه وإلا سكتَ (١).
ورَوَي عنه ، أنه كان يسلّم عن يمينِهِ ، ثم يردُّ على الإمامِ .
وعن أبي هريرةَ ، أنه كانَ إذا سلَّم الإمامُ قال : السلامُ عليك أيها القارئُ .
وقال عطاءُ (٢): ابدأ بالإمامِ، ثم سلِّمْ على مَن [ عن ] يمينك، ثمَّ على
(١) عبد الرزاق (٢٢٣/٢).
(٢) مثله .

٢٢٥
١٥٤ باَبُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَى الإِمَامِ
کتاب الأذان
مَن [عن] شمالِك.
وعنِ الحسنِ وقتادةَ نحُوه .
وقال الشعبيُّ (١): إذا سلَّمَ الإمامُ فردَّ عليه .
وكان سالمٌ يفعلُه .
وقالَه النخعيُّ .
وقال الزهريُّ : هو سنةٌ .
قال مكحولٌ: كان أصحابُ النبيِّ نَّهِ يردونَ على الإمامِ إذا سلَّم عليهم.
وقال عطاءٌ - أيضًا - : حقٌّ عليك أن ترد علَى الإمامِ إذا سلَّم.
وقال - مرةً - : هو مخيَّرُ، إن شاءَ ردَّ عليه ، وإن شاءَ صبرَ حتى يسلّم
لنفسِهِ، وينوي به الإمامَ، ومَن صلَّى على جانبيه.
وقال في الردِّ على الإمام: يرُدُّ في نفسِهِ ، ولا يُسْمِعُه .
وكذا قال حمادٌ .
فإنْ كان مرادُ من قالَ : يردُّ على الإمامِ : أنه يردُّ عليه السلامَ في نفسه ،
ولا يتكلَّم به ، فهذا الردُّ إذا فعلَه في الصلاةِ لا تبطلُ بِهِ الصلاةُ ، وإن كانَ
مرادُه : أنه يردُّ بلسانه ، كما هوَ ظاهرُ كلامٍ أكثرِهم ، فإنه ينبني على أنَّ ردَّ
السلامِ في الصلاةِ لا يبطلُ الصلاةَ ، وقد ذهب إلى ذلك طائفةٌ من السلفِ ،
ويأتي ذكرُهُ في موضعٍ آخر - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقد ينبني - أيضًا - ، على أن السلامَ ليسَ من فروضِ الصلاةِ ، وأنه يخرجُ
منَ الصلاةِ بكلِّ منافٍ لها منَ الكلامِ ونحوِهِ ، كما قال ذلك مَن ذكرنا قولَه من
قبلُ .
(١) ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٣).

٢٢٦
حديث : ٨٣٩ - ٨٤٠
کتاب الأذان
وأمَّا مَنْ قالَ : إن الردَّ على الإمامِ يكونُ بعدَ السلامِ من الصلاة ، فهذا لا
إشكالَ فيه ؛ فإنه قد خرَجَ منَ الصلاةِ بالسلامِ ، وقد ذهبَ إلى ذلك غيرُ واحد
من الأئمةِ المشهورينَ .
قال مالكٌ ، في المأموم : يسلِّمُ تسليمةً عن يمينه ، وأخرَى عن يَسارِهِ ، ثم
يردُّ على الإمامِ .
قال ابنُ عبدِ البرِّ : تحصيلُ قولِ مالكِ في ذلك: أن الإمامَ يسلِّمُ واحدةً
تلقَاءَ وجهِه ، ويتيامنُ بها قليلاً ، وأن المصليَ لنفسِهِ - يعني : منفردًا - يسلمُ
اثنتينِ - في روايةِ ابنِ القاسمِ - ، وأن المأمومَ يسلمُ ثلاثًا إن كان عن يساره
أحدٌ .
واختلف قولُه في موضعٍ ردِّ المأمومِ على الإمامِ : فمرةً قال : يسلّم عن
يمينه وعن يسارِهِ، ثم يردُّ على الإمامِ . ومرة قالَ : يردُ على الإمام بعدَ أن يسلّمَ
عن يمينه ، ثم يسلِّمُ عن يسارِهِ .
وقد رَوَى أهلُ المدينةِ عن مالكِ وبعض المصريين ، أن الإمامَ والمنفردَ
سواءٌ ، يسلمُ كلُّ واحدٍ منهما تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهِه ، ويتيامنُ بها قليلاً .
قال : وكان الليثُ بنُ سعدٍ يبدأ بالردِّ على الإمامِ ، ثم يسلّم عن يمينه وعن
يساره .
ونقل أبو داودَ [ عن أحمد ](١) في الردِّ على الإمامِ قبلَ السلامِ ، قال: لا .
قيلَ له : فبعدَه؟ قال: نعمْ ، وإن شاء نوى بالسلامِ الردَّ . قال : وما أعرف فيه
حديثًا عاليًا يعتمد عليه .
قال القاضي أبو يعلَى : وظاهرُ هذا : أنه مخيَّرٌ في الردِّ على الإمامِ بالنيةِ في
حالِ سلامه ، أو بالقولِ بعدَه ، فيقولُ : السلامُ عليكَ أيها القارئُ . قال : ويسرّ
(١) زيادة مني يقتضيها السياق، والنص في ((مسائله)) (ص٧٣) .

٢٢٧
١٥٤ باَبُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلَمَ عَلَى الإِمَامِ
كتاب الأذان
به ، ولا یجھرُ .
نقل المرُّوذيُّ عن أحمدَ في الرجلِ يردُّ السلامَ على الإمامِ ، فقال : إذا نوَى
بتسليمه الردَّ فقد ردَّ عليه ، فإن فعلَ رجلٌ فليخْفِه .
قال : ومعناه : إن ردَّ عليه بالقولِ فليُخْفِه .
وقالَ إسحاقُ : لا اختلافَ بين أهلِ العلمِ في الرد على الإمامِ إذا سلَّم كما
سلَّم، ولكنِ اختلَفُوا : هل يبدأُ بالردِّ عليه قبلَ السلامِ ، أم يردُّ عليه بعدَ
السلامِ ؟ [ قال: وأحبُّ إليَّ أن يردَّ بعد السلامِ](١). قال: وإذا رفعَ صوتَه بالردِّ
قدرَ ما يُسمِع الإمامَ والصفَّ الذي يليه جازَ، وإن أسرَّه وأسمعَ أُذْنَيْهِ بالردِّ على
الإمامِ أجزأَه .
وكلُّ مَن قالَ : يردُّ على الإمام [ قال: يرد عليه ](١) بلفظِ السلامِ مِنْ غيرِ
زيادة، إلا ما رُوي عن أبي هريرةَ ، أنه يقولُ : السلامُ عليكَ أيها القارئُ ، كما
سبقَ .
واختلفُوا في المأمومِ : هل ينوي بسلامِه منَ الصلاةِ الردّ على إمامِه ، أم
لا ؟ وفيه قولان :
أحدُهما : لا ينوي ذلكَ ، ونصَّ عليه أحمدُ في روايةٍ مُهنَّا وغيرِه ، وهو
اختيارُ ابنِ حامدٍ من أصحابِنا ؛ لأن السلامَ ركنٌ مِنْ أركانِ الصلاةِ ، لا يخرجُ
منها بدونه ، على ما تقدَّم ، والصلاةُ لا يردُّ فيها السلامُ على أحدٍ ، بل هو مبطلٌ
للصلاة ؛ لأنه خطابُ آدميٌّ، هذا مذهبُنا ، وقولُ جمهورِ العلماءِ .
وعلى هذا : فهل تبطلُ صلاتُه بذلك ؟
قال ابنُ حامدٍ منْ أصحابنا : إن لم ينوِ سوى الردِّ بطلتْ صلاتُه ، وإن نوَى
الردَّ والخروجَ مِنَ الصلاةِ ففي البطلانِ وَجْهانِ ؛ لأنه لم يخلص النيةَ لخطابٍ
(١) ساقط من (( هـ)).

٢٢٨
حديث : ٨٣٩ - ٨٤٠
كتاب الأذان
المخلوقِ، فأشبه ما لو قالَ لمن دقَّ عليه البابَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾
[الحجر: ٤٦] ينوي به القراءةَ والإذنَ له ؛ فإن في بطلان الصلاةِ بذلكَ روايتين ،
أصحُهما : لا تبطلُ.
قال أحمدُ - في رواية جعفرِ بنِ محمدٍ - : السلامُ على الإمامِ لا نعرفُ له
موضعًا ، وتسليمُ الإمامِ هو انقضاءُ الصلاةِ ، ليس هو سلامٌ على القومِ ، فيجبُ
عليهم أن يردُّوا ، ولكنَّ ابنَ عمرَ شدَّد في هذَا ، يسلّم الرجلُ وينوي به السلامَ
من الصلاةِ والردَّ على الإمامِ ، كأنه يقولُه على وجهِ الإنكارِ لذلكَ . قيل له :
إنهمْ يقولونَ: إن ردَّ السلامِ على الإمامِ واجبٌ . قال : أرجو أن لا يكونَ
واجبًا ، وإن ردَّ فلا بأسَ .
والقولُ الثاني : أنه ينوي المأمومُ بسلامِه الردَّ على إمامِه ، وهو قولُ عطاء
والنخعيِّ وحمادٍ والثوريٌّ، ونصَّ عليه أحمدُ في روايةِ جماعةٍ من أصحابِهِ .
وهل هو مسنونٌ مستحبٌّ ، أو جائزٌ ؟ فيه روايتان - أيضاً - عن أحمدَ :
قال - في رواية يعقوب بنِ بختان - : ینوي بسلامه الردَّ .
وهُو اختيارُ أبي حفصِ العكبرىِّ .
وقال - في رواية غيرِه - : لا بأسُ به .
فظاهرهُ : جوازُه فقطْ، وهو اختيارُ القاضي أبى يعلَى وغيرِه .
وقال - في رواية ابن هانئٍ - : إذا نوى بتسليمِهِ الردّ على الإمام أجزأه .
وظاهرُ هذا : أنه واجبٌ ؛ لأنه ردُّ سلامٍ ، فيكون فرضَ كفاية ، إلا أن
يقالَ : إن المسلّمَ في الصلاةِ لا يجب الردُّ عليه ، أو يقالَ : إنه يجوزُ تأخيرُ الردِّ
إلى بعدِ السلامِ . ولكن إذا جوَّرْنا تأخيرَهَ وجبَ أحدُ أمرين : إما أن ينويَ الردّ
بالسلامِ ، أو أن يردَّ بعدَ ذلك ، وهو قولُ عطاء كما تقدَّم .
وتبويبُ البخاريِّ قد يُشِعِرُ بذلكَ؛ لقولِهِ: ((واكتفى بتسليمِ الإمامِ)) ،

٢٢٩
١٥٤ باَبُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَى الإِمَامِ
کتاب الأذان
ويحتملُ أنه أرادَ أن تسليمَ الصلاةِ كافٍ عن الردِّ ، وإن لم ينوٍ به الردَّ ، كما قالَه
أحمدُ في روايةٍ .
وقال يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ: إذا سلمتَ عن يمينك أجزأَكَ منَ الرَدِّ عليه.
وكذا قالَ النخَعيّ .
ولم يشترطا أن ينويَ بسلامه الردَّ .
قال أبو حفصِ العكبرىُّ : وينوي بالأولى الخروجَ منَ الصلاةِ ، وبالثانيةِ الردّ
على الإمامِ والحفظةِ .
وممن رأى أن ينويَ بسلامة الردَّ على الإمامِ : أبو حنيفة والشافعيّ
وأصحابُهما .
ثم قال أصحابُ الشافعيِّ : إن كان المأمومُ عن يمينِ الإمامِ نوى بتسليمته
الأولَى السلامَ على مَن عن يمينه مِن الملائكةِ والمسلمينَ من الإنس والجنِّ ،
وينوي بالثانيةِ ذلكَ مع الردِّ على إمامه ، وإن كان المأمومُ عن يسارِ إمامِه نواه في
الأولَى، وإن كان محاذيًا له نواهُ في أيَّتِهما شاءَ ، والأولَى أفضلُ - : نصَّ عليه
الشافعيّ في ((الأمِّ))، وينوي الإمام بسلامِه مَن [عن](١) يمينِه ويسارِه من
الملائكة والمسلمينَ من المأمومينَ وغيرِهم ، وينوي بعضُ المأمومينَ الردّ على
بعضٍ . قالوا : وكلُّ هذه النيات مستحبةٌ ، لا يجبُ منها شيءٌ .
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ ينوي المصلِّي بكل تسليمةٍ مَنْ في تلك الجهةِ منَ
الناسِ والحفظةِ .
وهل يقدِّمُ الآدميينَ على الملائكةِ في النية ؟ على روايتينِ عندَهم :
أحدهما : يقدِّمُ الملائكةَ ؛ لأنهم عندهم أفضلُ .
والثانيةُ : يقدم الناسَ ؛ لمشاهدِتِهم .
(١) في الأصل: ((على))، وما أثبته أشبه.

٢٣٠
حديث : ٨٣٩ - ٨٤٠
كتاب الأذان
ويُدْخِلُ المأمومُ الإمامَ في الجهةِ التي هو فيها . فإن كان بحذائه أدخلَه في
اليمين ؛ لأنها أفضلُ .
وروى عبدُ الرزاقِ (١)، عن معمرٍ ، عن حماد ، قال : إذا كانَ الإمامُ عن
يمينك [ ثم سلمتَ عن يمينك، ونويتَ الإمامَ كفَى ذلك، وإذَا كانَ عن يسارِك ]
ثم سلَّمْت عن يساركِ ونويتَ الإمامَ [ كفى ذلك ] - أيضًا - ، وإن كان بين
يَدْيُكَ فسلِّم عليه في نفسِك ، ثم سلِّم عن يمينك وشمالك .
وأما نية الخروجِ من الصلاةِ ، فهل هى واجبةٌ ، تبطلُ الصلاةُ بتركِها ، أمْ
لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا : اختارَ ابنُ حامدٍ وجوبَها ، واختارَ الأكثرونَ عدمَ
الوجوبِ ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ
وينوي الخروجَ بالأولَى ، سواءٌ قلنا : يخرجُ بها منَ الصلاة ، أو قلنا : لا
يخرجُ إلا بالثانيةِ ؛ لأن النية تستصحبُ إلى الثانيةِ .
ومنَ الأصحابِ مَن قال : إنْ قلنا : الثانيةُ سنةٌ نوى بالأولَى الخروجَ ، وإن
قلَنَا : الثانيةُ فرضٌ نوى الخروجَ بالثانيةِ خاص (٢). والصحيحُ : الأولُ.
ولأصحاب الشافعيِّ في وجوبِ نيةِ الخروجِ بالسلامِ وبطلانِ الصلاةِ بتركِها
وجهان - أيضًا .
ونصَّ الشافعيُّ على أنه ينوي بالسلامِ الخروجَ .
ولكنِ اختلفُوا : هل هو محمولٌ على الاستحبابِ ، أو الوجوبِ ؟
وإنما ينوِي الخروجَ عندهم بالأُولَى ؛ لأن الثانيةَ ليست عندَهم واجبةٌ بغير
خلاف .
(١) (٢٢٤/٢). والزيادتان منه، سقطتا من الأصلين، وكلمة: ((كفى)) عنده: ((فى))
ولا معنى لها ، ولهذا استظهر محققه أن الصواب : ((كفى)).
(٢) لعل الصواب: ((خاصَّةٌ)).

٢٣١
١٥٤ باَبُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَى الإِمَامِ
کتاب الأذان
واستدلَّ مَنِ استحبَّ أن ينوي بسلامِه الحفظةَ والإمامَ والمأمومينَ بما خرَّجه
مسلمٌ (١) من حديث جابرِ بنِ سمُرة، قال: كنَّا إذا صلّنا معَ رسولِ اللهِ إِله،
فقلنا : السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ ، السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ ، وأشارَ بیدِه إلى
الجانبين، فقال رسولُ اللهِ وَّه: « عَلَامَ تومئُونَ بأيديكم كأنها أذنابُ خیلِ
وَ
شُمْسٍ ، وإنما يكفي أحدكم أن يضعَ يدَه على فخِذِه، ثم يسلُّمُ على أخيه مِن على
یمینه وشماله )) .
وفي رواية له : فقال: (( ما شأنُكم تشيرُونَ بأيديكم ، كأنها أذنابُ خیلِ
شمس ، إذا سلّم أحدكم فليلتفتْ إلی صاحبه ، ولا یومئْ بيده )) .
وخرج أبو داودَ (٣) من حديثٍ سَمُرَةَ بن جندبٍ، قال: أمرنا رسولُ اللهِ وَله
أن نردّ على الإمامِ ، وأن نتحابَّ ، وأن يسلِّم بعضُنا على بعضٍ .
وخرَّج أبو داودَ - أيضًا(٣) - ، من طريقٍ آخرَ ، عن سمُرةَ ، قال : أمرنَا
رسولُ اللهِ وَّل، فقال: ((ابدأُوا قبلَ التسليم، فقولُوا: التحيَّاتُ الطيباتُ
الصلواتُ ، والملكُ لله ، ثم سلِّموا على اليمين ، ثم سلِّموا على قارئكم وعلَى
أنفسكم )» .
وخرجه ابنُ ماجه (٤) بمعناه .
وفي روايةٍ له (٥) بإسنادِ فيه ضعفٌ : ((إذا سلَّم الإمامُ فردُّوا عليه)).
وخرج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه (٦) من حديثِ عاصمٍ بنٍ ضمرة ،
(١) (٢٩/٢ - ٣٠) وقد تقدم.
(٢) (١٠٠١) .
(٣) (٩٧٥) .
(٤) (٩٢٢) .
(٥) (٩٢١) .
(٦) أحمد (٨٥/١، ١١١، ١٤٧،١٤٣، ١٦٠) والترمذي (٤٢٩، ٥٩٨، ٥٩٩) وابن ماجه
(١١٦١) .

٢٣٢
حدیث : ٨٣٩ - ٨٤٠
كتاب الأذان
عن عليٍّ، أن النبيَّ وَهُوَ كان يصلِّى قبلَ العصرِ أربعًا، يفصلُ بين [ كلِّ ]
ركعتينِ بالتسليمِ على الملائكةِ المقربينَ ، والنبيينَ والمرسلينَ ، ومن تبعَهم من
المؤمنينَ .
وقال الترمذيُّ : حديث حسنٌ .
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّهَ وَّلِ كان ينوي بسلامِه في صلاة التطوع السلامَ علي
الملائكةِ ومَنْ ذُكِرَ معهم .
وتأوَّله إسحاقُ على أنه أرادَ بذلك التشهدَ ؛ فإنه يسلم فيه على عبادِ الله
الصالحين .
وهو خلافُ الظاهرِ . واللهُ أعلمُ .
?

٢٣٣
١٥٥ - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
کتاب الأذان
١٥٥ - بابُ
الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
فيه ثلاثة أحاديث :
الأول : حديث ابن عباس :
٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرِ: حَدَثْنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُوَ، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنٍ عَبَّاسٍ أَخْبَهُ، أَنَّابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهَ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ
بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
٨٤٢ - حَدَّتْنَا عَلِيٍّ: ثَنَا سُقْيَانُ: ثَنَا عَمْرَوْ: أَخْبَرِي أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَةٍ رسُولِ اللَّهِعَهُ بِالتَّكْبِيرِ.
حَدَّثَنَا عَلِيٍّ : ثَنَا سُفْيَنُ، عَنْ عَمْرِو ، قَالَ : كَانَ أَبُو مَعْبَدِ أَصْدَقَ مَوَالِي
ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ عَلِيٌّ: وَاَسْمُهُ : نَافِذٌ .
أبو معبدٍ مولى ابنِ عباسٍ ، اسمُهُ : نافذٌ، وهو ثقةٌ؛ وثَّقْهُ أحمدُ ويحيَى
وأبو زرعةَ : واتفق الشيخان على تخريج حديثِه .
ولكن في رواية لمسلمٍ(١) في هذا الحديث من طريق ابن عيينةً ، عن عمرٍو،
أن أبا معبَدِ حدثه بذلك، ثم أنكرَه بعدُ ، وقال : لم أحدثْك بهذا .
ورواه الإمام أحمد(٢)، عن سفيانَ ، عن عمرو ، به ، وزاد : قال عَمَرٌو :
(١) (٢ / ٩١) .
(٢) (٢٢٢/١) وليس في روايته هذه الزيادة، لكن عنده: ((قال عمرو: قلت له : حدثتني؟
قال : لا ما حدثتك به )) .

٢٣٤
حديث : ٨٤١ - ٨٤٢
کتاب الأذان
قلت له(١): إن الناسَ كانوا إذا سلَّم الإمامُ من صلاة المكتوبةِ كَبَّروا ثلاثَ
تكبيرات [ وهاكذا هنا ] (٢) ثلاثَ تهليلات [ .... ] (٣).
وقال حنبلٌ : سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ : ثنا عليُّ بنُ ثابتِ: ثنا واصِلٌ ،
قال : رأيتُ عليَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ إذا صلى كَبَِّ ثلاثَ تكبيراتٍ . قلت
لأحمدَ : بعدَ الصلاة ؟ قال : هكذا . قلتُ له : حديثُ عمرو ، عن أبي معبد ،
عن ابن عباسٍ: ((كنا نعرفُ انقضاءَ صلاةٍ رسولِ اللهِ وَّ بالتكبيرِ))، هؤلاء أخذوه
عن هذا؟ قال: نعمْ - : ذكره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابه ((الشافي)).
فقد تبيَّن بهذا أن معنى التكبيرِ الذي كان في عهد رسولِ اللهِ بَل عقبَ
الصلاة المكتوبة : هو ثلاثُ تكبيراتٍ متواليةٍ .
ويشهدُ لذلك : ما رُوي(٤) عن مسعَرٍ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن
طَيْسلةَ، عن ابنِ عمرَ ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: (( مَنْ قالَ في دبرِ الصلواتِ،
وإذا أخذَ مضجعَه : اللهُ أكبرُ كبيرًا ، عددَ الشفع والوترِ ، وكلمات الله الطيبات
المباركات - ثلاثًا - ، ولا إله إلا اللهُ - مثلُ ذلك - كُنَّ له في القبر نوراً، وعلى
الحشر(٥) نورًا، وعلى الصراط نورًا، حتى يدخل الجنةَ)).
وخرجه - أيضاً - بلفظ آخرَ، وهو: « سبحانَ الله عددَ الشفع والوترِ،
وكلماتِ ربِيِّالطيباتِ التاماتِ المباركات - ثلاثًا - والحمدُ لله، واللهُ اُكبرُ ، وَلا
(١) يغلب على ظني أن سقطًا وقع هاهنا ، وأن الكلام الآتى مستقل عن الرواية .
(٢) كذا رسمت بالأصلين، ولعل الصواب: ((وهللوا)).
(٣) بياض بالأصلين.
وهذا البياض يؤكد صحة ما استظهرته قبل من أن سقطًا وقع ، فإن هذا يشعر بأن خللا وقع في
هذا الموضع . وكلام ابن رجب الآتى يدل على أن هذا السقط كبير . والله أعلم .
(٤) لم يذكر المؤلف من خرجه ، فإما أن يكون الضمير عائدًا على أبي بكر عبد العزيز ، أو أنه
يقصد الإسماعيلى، كما سيأتى بعده ، ويكون قد سقط من الناسخ اسمه ، أو يكون غيرهما.
(٥) الأشبه: ((الجسر)).

٢٣٥
١٥٥ - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
كتاب الأذان
إله إلا اللهُ)).
وذكر الإسماعيليُّ : أن محمدَ بنَ عبد الرحمنِ ، هو : مولى آلٍ طلحةَ ،
وهو ثقةٌ مشهورٌ ، وخرَّج له مسلمٌ .
وطيسلةُ ، وثَّقَه ابنُ معينٍ ، هو : ابنُ عليٍّ اليماميُّ، ويقالُ : ابن
مياسٍ(١)، وجعلَهما ابنُ حبانَ اثنين، وذكرَهما في (( ثقاته))، وذكر أنهما يرويان
عن ابنِ عُمرَ .
وخرَّجه ابنُ أبي شيبةَ في (( كتابِهِ ))(٢) عن يزيدَ بنِ هارونَ ، عن مسعرِ بهذا
الإسناد - موقوفًا على ابنِ عُمر .
وأنكر عَبيدةُ السلْمانيُّ على مصعبِ بنِ الزبيرِ تكبيرَهَ عقبَ السلامِ ، وقال :
قاتلَه اللهُ ، نعار بالبدعِ ، واتباعُ السنةِ أولى(٣).
وروى ابنُ سعدٍ في ((طبقاته)) (٤) بإسناده عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كان
يكبِّرِ: اللهُ أكبرُ ولله الحمدُ - ثلاثًا - دبرَ كلِّ صلاة .
وقد دلَّ حديثُ ابنِ عباسٍ على رفعِ الصوتِ بالتكبيرِ عقبَ الصلاة
المفروضةِ، وقد ذهبَ إلى ظاهرِهِ بعضُ أهلِ الظاهرِ ، وحُكي عن أكثر العلماء
خلافُ ذلك، وأن الأفضلَ الإسرارُ بالذكرِ ؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرُ رَّبَّكَ
فِي نَفْسِكَ تَضَرَّعَا وَخِيفَةٍ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولقولِ النبيِّ ◌َلَوَ لِمن جهرَ بالذكرِ مِن أصحابِهِ: (( إنكم
لا تدعون أصمّ ولا غائبًا)»(٥).
(١) في الأصلين: ((سياس)).
(٢) ((المصنف)) (٣٢/٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٠).
(٤) (٥/ ٢٦٧) .
(٥) خرجه أحمد (٣٩٤/٤، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤١٧، ٤١٨، ٤١٩) والبخاري (٢٩٩٢) ومسلم
(٧٣/٨، ٧٤) وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعرى .

٢٣٦
حديث : ٨٤١ - ٨٤٢
کتاب الأذان
وحملَ الشافعيُّ حديثَ ابنِ عباسِ هذا على أنه جهرَ به وقتًا يسيرًا حتَّى
يعلِّمَهم صفةَ الذكرِ ؛ لا أنهم جهرُوا دائمًا . قال : فأختارُ للإمامِ والمأمومِ أن
يذكرُوا اللهَ بعدَ الفراغِ منَ الصلاةِ، ويخفيانِ ذلك ، إلا أن يكونَ إمامًا يريدُ أن
يُتَعَلَّمَ منه، فيجهرُ حتى يَعْلَم ، أنه قد تُعلِّمَ منه ، ثم يُسرُّ .
وكذلك ذكرَ أصحابُه .
وذكر بعضُ أصحابِنا مثلَ ذلك - أيضًا .
ولهم وجهٌ آخرُ : أنه يكرهُ الجهرُ به مطلقًا .
وقال القاضي أبويعلَى في ((الجامع الكبير )): ظاهرُ كلامِ أحمدَ : أنه يسنَّ
للإمام الجهرُ بالذكرِ والدعاءِ عقبَ الصلواتِ بحيث يُسْمِعُ المأمومَ ، ولا يزيدُ على
ذلك .
وذكر عن أحمدَ نصوصًا تدلُّ على أنه كان يجهرُ ببعضِ الذكرِ ، ويسرُّ الدعاء،
وهذا هوَ الأظهرُ ، وأنه لا يختص ذلك بالإمامِ ؛ فإن حديثَ ابنِ عباسٍ هذا
ظاهرُهُ يدل على جهر المأمومين - أيضًا .
ويدل عليه - أيضًا -: ما خرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه ))(١) من حديثِ ابنِ
الزبيرِ ، أنه كان يقولُ في دبرِ كلِّ صلاةٍ حين يسلِّم: (( لا إله إلا اللهُ، وحدَه لا
شريكَ له ، له الملكُ ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، لا حولَ ولا قوةً
إلا بالله ، لا إله إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إياه، له النعمةُ، وله الفضلُ، وله الثناءُ
الحسنُ ، لا إله إلا اللهُ، مخلصين له الدينَ ولو كره الكافرونَ)»، وقال : كان
رسولُ اللهِ بَلهِ يهِلُّ بهنَّ في دبرِ كلِّ صلاةٍ .
ومعنى : (( يهلَّ)). يرفع صوته، ومنه : الإهلالُ في الحجِّ ، وهو رفعُ
الصوتِ بالتلبيةِ ، واستهلالُ الصبيِّ إذا وُلِدَ .
(١) (٢ / ٩٦).

٢٣٧
١٥٥ - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
كتاب الأذان
وقد كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ وَهِ يجهرونَ بالذكرِ عقبَ الصلواتِ ، حتى
يسمَعَ مَن يليهم :
فخرج النسائيّ في ((عملِ اليومِ والليلةِ )) (١) من روايةٍ عونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
عتبةَ، قالَ صلَّى رجلٌ إلى جنبِ عَبَدِ اللهِ بْنِ عَمَرِو بْنِ الْعاصِ ، فسمِعَه حينَ
سلَّم يقولُ : ((أنتَ السلامُ، ومنكَ السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامُ » ، ثم
صلَّى إلى جنبِ عَبَدِ اللهِ بنِ عُمرَ ، فسمِعَه حينَ سلَّم يقولُ مثلَ ذلك ، فضحِك
الرجلُ ، فقالَ له ابنُ عمرَ : ما أضحكَكَ ؟ قال : إني صليتُ إلى جنبِ عبدِ اللهِ
ابنِ عَمْرٍو، فسمعتُه يقولُ مِثَلما قلتَ: قالَ ابنُ عمرَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَهِ يَقولُ
ذلكَ .
وأما النهيَّ عن رفعِ الصوتِ بالذكرِ ، فإنما المرادُ به : المبالغةُ في رفع
الصوتِ ؛ فإن أحدَهم كان ينادي بأعلى صوتِه: ((لا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ))
فقال لهم النبيُّ وَّرُ: ((أرْبِعُوا على أنفسكم، إنكم لا تنادونَ أصمّ ولا غائبًا))،
وأشار إليهم بيدِهِ يُسكنهم ويخفضُهم(٣).
وقد خرّجه الإمامُ أحمدُ (٣) بنحوٍ من هذه الألفاظ .
وقال عطيةُ بنُ قيسٍ : كانَ الناسُ يذكرونَ اللهَ عندَ غروبِ الشمسِ ، يرفعونَ
أصواتَهم بالذكرِ ، فإذا خُفْضتْ أصواتُهم أرسلَ إليهم عمرُ بنُ الخطابِ أن [يردِّدوا
الذكرَ ](٤).
خرّجه جعفرٌ الفريابيُّ في (( كتابِ الذكرِ )).
(١) (٣٦٧) .
وهو عند ابن أبي شيبة (٢٦٩/١) بمعناه .
(٢) في ((هـ)): ((يحفظهم)).
(٣) ((المسند)» (٣٩٤/٤، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤١٧، ٤١٨، ٤١٩).
(٤) في الأصلين: ((يرر [ وا الـ ]ذكر))، ثم إنه في (( م)) ضرب على ما جعلته بين
معقوفين، ولم يظهر لي المراد .

٢٣٨
کتاب الأذان
وخرج - أيضًا - من روايةِ ابنِ لهيعةَ، عن زُهْرَةَ بنِ مَعْبد، قال : قالَ (١):
رأيتُ ابنَ عمرَ إذا انقلبَ من العشاءِ كَبَّرَ کَبَّر (١)، حتى يبلغَ منزِلِه ، ويرفَعُ
صوتَه .
وروى محمدُ بنُ مسلمٍ ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ ، عن جابرٍ ، أن رجلاً كان
يرفعُ صوتَه بالذكرِ ، فقالَ رجلٌ : لو أنَّ هذا خفضَ من صوتِه . فقالَ رسولُ الله
منَهُ: ((دعْه؛ فإنَّه أوََّهٌ ».
وهذا يدلُّ على أنه يحتملُ ذلك ممَّن عُرفَ صدقُه وإخلاصُهُ دون غيرِه .
وخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من روايةِ عقبةَ بنِ عامرٍ، أن رسولَ اللهِ وََّ قال
لرجلٍ، يقال لهُ: ذو البِجَادَيْنِ: ((إنه أوَّهُ))، وذلك أنه رجلٌ كان كثيرَ الذكرِ
للهِ في القرآنِ ، ويرفَعُ صوتَه في الدعاءِ .
وفي إسنادِهِ : ابنُ لَهيعةً .
وقال الأوزاعيُّ في التكبيرِ في الحرسِ في سبيلِ اللهِ: أحبُّ إليَّ أن يَذكرَ اللهَ
في نفسِهِ ، وإنْ رفعَ صوتَه فلا بأسَ .
فأما قولُ ابنِ سيرينَ : يُكرَهَ رفعُ الصوتِ إلا في موضعينِ: الأذانِ والتلبيةِ ،
فالمرادُ به - واللهُ أعلمُ - : المبالغةُ في الرفع ، كرفعِ المؤذنِ والملبِِّ .
وقد رُوي رفعُ الصوتِ بالذكرِ في مواضعَ ، كالخروجِ إلى العيدينِ ، وأيامِ
العشرِ ، وأيامِ التشريقٍ بِمِنِّى .
وأمَّا الدعاءُ ، فالسنةُ إخفاؤُه.
وفي ((الصحيحين))(٣) عن عائشةَ، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
(١) كذا تكررت بالأصلين .
(٢) ((المسند)) (١٥٩/٤).
(٣) البخاري (٤٧٢٣) ومسلم (٣٤/٢).

٢٣٩
١٥٥ - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةَ
كتاب الأذان
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أنها نزلتْ فِي الدعاءِ.
وكذا رُوي عنِ ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاءٍ وعكرمةً
وعروةَ ومجاهدٍ وإبراهيمَ وغيرِهم(١) .
وقال الإمام أحمدُ : ينبغي أن يسِرَّ دعاءَه ؛ لهذه الآية . قال : وكان يكره أن
يرفعُوا أصواتَهم بالدعاءِ .
وقال الحسنُ : رفعُ الصوتِ بالدعاءِ بدعةٌ .
وقال سعيدُ بنُ المسيبِ : أحدثَ الناسُ الصوتَ عندَ الدعاء .
وکرِهَه مجاهدٌ وغیرُه .
وروى وكيعٌ ، عن الربيعِ ، عنِ الحسنِ - والربيع ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ ، عن
أنسٍ - ، أنهما كرِها أن يُسمِعَ الرجلُ جليسَه شيئًا من دعائِهِ (٣).
وورد فيه رخصةٌ من وجهٍ لا يصحُّ :
خرَّجه الطبرانيُ (٣) من رواية أبي موسَى: كان النبيُّ وَّهِ إِذَا صلَّى الصبحَ
يرفعُ صوتَه حتَّى يسمعَ أصحابَه ، يقولُ: ((اللهمَّ ، أصلح لي ديني الَّذي جعلْتَه
عصمةَ أمرِي)) - ثلاثَ مراتَ - ((اللهمّ، أصلحْ لي دنياي التي جعلتَ فيها
معاشي)) - ثلاثَ مراتٍ ، ((اللهمَّ، أصلحْ لي آخرَتي التي جعلتَ إليها مرجعي )) -
ثلاثَ مراتٍ - وذكر دعاءً آخرَ .
وفي إسناده : يزيدُ بنُ عياضٍ ، متروكُ الحديثِ . وإسحاقُ بنُ طلحةَ ،
ضعيفٌ .
(١) راجع ((جامع البيان)) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾
[الإسراء: ١١٠] و((تفسير القرآن)) العظيم لابن كثير (١٢٦/٥ - ١٢٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٥/٦) ((كتاب الدعاء)).
(٣) («الأوسط)) (٧١٠٦).

٢٤٠
حديث : ٨٤٣
كتاب الأذان
فأما الحديثُ الذي خرجه مسلمٌ وغيرُهُ(١) ؛ عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: كنَّا
إذا صلينا خلفَ رسولِ اللهِ وَ ﴿ أَحَبَيْنَا أن نكونَ عن يمينِه ؛ ليقبلَ علينا بوجهِه.
قال : فسمعتُه [يقول]: ((ربِّ قني عذابَك يومَ تبعثُ عبادَك)) ..
فهذا ليس فيه أنه كان يجهرُ بذلك حتى يسمعَه الناسُ ، إنما فيه أنه كان يقولُه
بينه وبين نفسِه ، وكان يسمَعُه منه - أحيانًا - جليسُه ، كما كان يسمَع منه مَن
خلفَه الآيةَ أحيانًا في صلاةِ النهارِ .
وروى هلالُ بن يَسَافٍ ، عن زاذانَ : نا رجلٌ منَ الأنصارِ ، قال : سمعتُ
رسولَ اللهِ وَلَّ يقولُ في دبرِ الصلاةِ: ((اللهمّ، اغفرْ لي، وتبْ عليّ ، إنكَ أنت
التوابُ الغفورُ)) - مائةَ مرةٍ .
خرجه ابنُ أبي شيبة(٢)، وعنه بقيَّ بنُ مخلدٍ في ((مسنده)).
الحديثُ الثاني :
٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سُمَيِّ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَبَّةَ، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِّ ◌َهُ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ
الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَلِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ،
وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالِ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ ،
وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ : ((أَلاَ أُحَدِثُكُمْ بِمَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ
سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَنِهِمْ، إِلَّ مَنْ عَمِلَ
مِثْلَهُ، تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُوُنَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةَ ثَلاَثًا وَثَلاَئِينَ )) .
فَاخْتَفْنَا بَيْنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَئِينَ، وَنَحْمِدُ ثَلاَثًا وَثَلاَتِينَ، وَنُكبُِّ
(١) مسلم (١٥٣/٢) وأحمد (٢٩٠/٤، ٣٠٤) وأبو داود (٦١٥) والنسائي (٩٤/٢) وابن ماجه
(١٠٠٦) .
(٢) ((كتاب الدعاء)) من ((المصنَّف)) (٣٤/٦).