Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
١١٤ - بَابُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
کتاب الأذان
((زادكَ اللهُ حرصًا، ولا تعدْ)) قال: فثبتَ (١) مكانه .
وهذا يوهمُ أنَّ النبيَّ وَّ﴿ قَالَ لَه ذلك في الصلاةِ ، وأنه لم يدخلِ الصفَّ،
فيُستَدِلُّ به على أن كلامَ الإمامِ لمصلحةِ الصلاةِ عمدًا غيرُ مبطلٍ ، ويُستدلُّ به -
أيضًا - على صحة صلاة الفذِّ وحدَه ، ولكنها مرسلةٌ ، في إسنادها مجهولٌ ،
وابنُ جريجٍ كان يدلِّس عنِ الضعفاءِ ومَن لا يعتمدُ عليه كثيرًا .
وعلى هذه الطريقة : فهلْ يختصُّ جوازُ الركوعِ دونَ الصفِّ بمَن أدركَ
الركوعَ في الصفِّ ، أو لا يختصُّ بذلك ؟
ظاهرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ منصورٍ أنه يختصُّ بمَن أدركَ الركوعَ في
الصفِّ؛ لأنَّه إنما أجازَ الركوعَ خلفَه لمَن ظنَّ أنه يدركُه ، فإنه إذا زالَتْ فذوذَّته
في حال الركوعِ ، فلم يصلِّ ركعةً فذًا ، والمنهيُّ عنه أن يصلِّيَ فذًا ركعةً فأكثرَ ،
وأما إذا زالتْ فذوذِيَّتُهُ قبلَ أن يرفعَ مِنَ الركوعِ فقدْ أدركَ الركعةَ في الصفِّ ، فلا
يكونُ بذلك فذًا ؛ ولهذا لو قامَ خلفَ الإمامِ اثنانِ فأحرَمَ أحدُهما قبلَ إحرام
الآخرِ ، لم يكنْ في تلك الحالةِ فذًا بالاتفاق.
وقد حُكيَ عن جماعةٍ منْ أصحابِنا الاتفاقُ على تكبيرة الإحرامِ فذً ، لكنَّ
منهم مَنْ قالَ : كان القياسُ بطلانَها ، وإنما تُركَ لحديثِ أبي بكرَةَ .
وحكى ابنُ حامد - مِن أصحابنا - أنه تبطلُ تكبيرةُ الفذِّ خلفَ الإمامِ
کالرکوع .
وهذا إذا لم يكنْ لغرضِ إدراكِ الركعةِ ، فأمّا إِن كانَ لغرضِ إدراكِ الرَّكعةِ ،
فهي المسألةُ التي سبقَ ذكرُها .
وقد نصَّ أحمدُ على التفريقِ بينَ أن يصلَ إلى الصفِّ قبلَ رفعِ الإمامِ رأسَه
وبعده .
(١) في الأصل: (( ثبت)) بدون فاء.

٢٢
حديث : ٧٨٣
کتاب الأذان
وفي رواية حَرْبِ ، قال : لا بأسَ أن يركعَ دونَ الصفِّ إذا أدركَ الإمامَ
راكعًا . قلتُ : فإنْ رفَع الإمامُ رأسَه قبلَ أن يصلَ هو إلي الصفِّ ، فكأنَّه أحبَّ
أن لا يعتدَّ بهذه الرَّكعةِ .
ومِنَ الأصحابِ مَنْ حكى فيما إذا زالتْ فُذوذِيَّتِه بعد الركوعِ وقبلَ السجودِ ،
فهل تصحَّ صلاته ؟ علىَ روايتينِ .
كذلك حكى ابنُ أبي موسى في (( كتابه ))، وحكاه - أيضًا - جماعةٌ بعدَه.
وحكاها - أيضًا - منَ المتقدمينَ أبو حفصٍ ، وقال : رَوى أبو داودَ (١)، عن
أحمدَ - فيمَن ركعَ دونَ الصفِّ ، ثم مشَى حتى دخلَ الصفَّ ، وقد رفعَ الإمامُ
قبلَ أن ينتهَى إلى الصفِّ -: تجزئُه ركعةٌ، فإن صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه، أعادَ
الصلاةَ .
وظاهرُ هذه الرواية أنه يجزتُه ، ولو دخلَ في الصفِّ بعدَ رفعٍ إمامِه ، ما لم
يصلِّ ركعةً كاملةً وحدَه ، وليس في حديث أبي بكرةَ أنه دخلَ في الصفِّ قبلَ
رفعِ النّبِيِّ بََّ. ووجهُ ذلك: أنه أدركَ معظمَ الركعة في الصفِّ ، وهو
السجدتانِ ، فاكتفى بذلك في المصافةِ .
وقد قال بعضُ التابعينَ : إنه يكتفي بذلك في إدراكِ الركعةِ - أيضًا .
وإنما أبطلَ أحمدُ ومَن وافقَه صلاةَ الفذِّ خلفَ الصفِّ ؛ لحديثِ وابصةَ ،
وله طرقٌ ، مِن أجودِها: رواية شعبةَ ، عن عمرو بنِ مرةً ، عن هلالِ بنِ يَسَافِ،
عن عَمرِوِ بنِ راشدٍ ، عن وابصة بنِ معبدٍ ، أنَّ رجلاً صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه،
فأمرَه النبيُّ بِ ◌ّ أن يعيدَ الصلاةَ.
خرَّجِه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وابنُ حبانَ في صحيحِهِ(٢).
(١) في ((مسائله)) (ص ٣٥) .
(٢) أحمد (٢٢٧/٤، ٢٢٨) وأبوداود (٦٨٢) والترمذي (٢٣١) وابن حبان (٢١٩٩) .
١

٢٣
١١٤ - بَبُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
کتاب الأذان
وخرَّجه ابن حبانَ (١) - أيضًا - من طريقِ زيدِ بنِ أبي أُنيسةَ ، عن عمرو بنِ
مرَّةً بهذا الإسناد .
وخرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجه(٢) من حديثِ حصينٍ ، عن هلالِ بنِ يسافٍ ،
عن زياد بن أبي الجعدِ ، عن وابصةَ، عنِ النبيِّ ◌َر.
وحسَّنه الترمذيُّ .
ورواه - أيضاً - منصورٌ ، عن هلالِ بنِ يسافٍ .
كذلك خرَّجْه أبو القاسمِ البغويُّ في (( مُعْجَمه))(٣).
وأشارَ إلى ترجيحِ روايةٍ حصينٍ بمتابعةِ منصورٍ لَه .
ورجَّح أحمدُ وأبو حاتمِ الرازيُّ روايةَ عمرو بنِ مرةً .
ورجَّح عبدُ اللهِ الدارميُّ والترمذيُّ روايةَ حصينٍ ؛ لأنّ الحديثَ معروفٌ عن
زيادِ بنِ أبي الجعدِ ، عن وابصةَ من غيرِ طريقِ هلالِ بنِ يسافٍ ، فإنه رواه يزيدُ
ابنُ زيادِ بنِ أبي الجعدِ ، عن عبيدِ بنِ أبي الجعدِ ، عن وابصةَ .
وقد خرّجه من هذه الطريقِ ابن حُبانَ في ((صحيحِهِ )) (٤) - أيضاً - ، وذكرَ
أن هلال بنَ يسافِ سمِعه من زيادِ بنِ أبي الجعدِ ، ومَن عَمرو بنِ راشدٍ ، كلاهما
عن وابصةَ مِن غيرِ واسطةٍ بينَهما .
ورجَّح الترمذيُّ صحةَ ذلك ، وأنَّ هلالاً سمِعه مِن وابصةَ معَ زیادِ بنِ
أبي الجعدِ .
(١) (٢١٩٨) .
(٢) الترمذي (٢٣٠) وابن ماجه (١٠٠٤).
(٣) وأخرجه عبد الرزاق (٥٩/٢) وابن الجارود (٣١٩) والطبراني في «الكبير)) (١٤١/٢٢).
(٤) (٠١ ٢٢) .

٢٤
حديث : ٧٨٣
كتاب الأذان
وقد رُوي مِن وجوه متعددة ما يدلُّ لذلك .
وقد جعلَ بعضُهم هذا الاختلافَ اضطرابًا فِي الحديثِ يُوجبُ التوقفَ ،
وإلي ذلك يميل الشافعيَّ في الجديدِ ، وحكاه عن بعضِ أهل الحديثِ ، بعد أن
قالَ في القديمِ : لو صحَّ قلتُ به . فتوقّفَ في صحتِه.
ومِمَّنْ رجَّح ذلك : البزارُ وابنُ عبد البرِّ .
وأنكر الإمامُ أحمد علَى مَن قالَ ذلك، وقالَ: إنما اختلفَ عمرو بنُ مرةً
وحصينٌ . وقال : عَمَرُو بنُ راشد معروفٌ
وكذلك يحيى بنُ معينٍ أخذَ بهذا الحديث ، وعمِلَ به ، حكاه عنه عباسٌ
الدُّوريُّ ، وهو دليلٌ على ثبوتِه عنده .
وقد رُوي هذا الحديثُ عن وابصةَ مِن وجوهِ أخَرَ(١) .
ورُوي عن النبيِّ وَّ من وجوهِ أخَرَ ، مِن أجودِها : روايةُ ملازم بنِ
عَمرِو ، [عن] عبدِ اللهِ بن بدرٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ عليٍّ بن شيبانَ ، عن أبيه
عليٍّ بنِ شيبان، قال: خرجْنا حتى قدِمْنا على رسولِ اللهِ نَّ، فبايعْنَاه،
وصلَّينا خلفَه . قال: ثم صلَّينا وراءَه صلاةً أُخرَى ، فقضَى الصلاةَ ، فرأى
رجلاً فردًا يصلِّي خلفَ الصفِّ وحدَه، فوقفَ عليه نبيُّ اللهِ وَّ حتى انصرفَ،
قال: ((استقبلْ صلاتَك، لا صلاةَ للذي خلفَ الصفِّ)) .
خرَّجِه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٢)، وهذا لفظُه.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ (١): ((فلا صلاةَ لفرد خلفَ الصفِّ )).
(١) الطبراني في «الكبير)) (٢٢/ ١٤٤ - ١٤٥) من حديث سالم بن أبي الجعد ، عن وابصة به.
وأيضاً (١٤٥/٢٢ - ١٤٦) من حديث الشعبي، عن وابصة به .
(٢) أحمد (٢٣/٤) وابن ماجه (١٠٠٣) .
(٣) (٤/ ٢٣) .

٢٥
١١٤ - بَابُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
کتاب الأذان
وكذلك خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في «صحيحيهما))(١).
وقال الإمامُ أحمدُ : حديثُ ملازمٍ في هذا - أيضًا - حسنٌ .
ورواتُهُ كلُّهم ثقاتٌ مِن أهلِ اليمامَة ؛ فإن عبدَ اللهِ بنَ بدرِ ثقةٌ مشهورٌ ؛ وثَّقه
يحيى بنُ معينٍ وأبو زرعةَ والعجليُّ وغيرُهم.
وملازمٌ ، قال الإمامُ أحمدُ : كانَ يحيى القطانُ يختارُهُ على عكرمةَ بنِ
عمارِ ، ويقولُ : هو أثبتُ حديثًا . وقال ابنُ معينٍ: هو ثبتٌ ، وهو من أثبتِ
أهلِ اليمامةِ .
وعبدُ الرحمنِ بنُ عليٍّ بنِ شبيانَ ، مشهورٌ ، ورَوى عنه جماعة من أهل
اليمامة، وذكرَه ابن حبان في ((الثقاتٍ)).
وقد قال الإمامُ أحمدُ : لا أعرفُ لحديثِ وابصةَ مَخالفًا .
يعني : لا يعرِفُ له حديثًا يخالفُهُ ؛ فإن حديثَ أبي بكرةَ يمكنُ الجمعُ بينَه
وبينَه بما تقدَّم ، والجمعُ بينَ الأحاديثِ والعملُ بها أولَى من معارضةِ بعضِها
ببعضٍ ، واطرادها واطراحها بعضها(٢)، إذا كان العملُ بها كلِّها لا يؤدِّي إلى
مخالفة ما عليه السلفُ الأولُ .
وقد تأوَّل بعضُهم قولَه: ((لا صلاةَ لفذٍّ خلفَ الصفِّ)) على نفي الكمالِ
دونَ الصحةِ. ويردُّ هذا أمرُ النبيِّنََّ له بالإعادةِ.
واختلفَ أصحابنا : هل تقعُ صلاةُ الفذِّ باطلةً غيرَ منعقدة ، أو تنقلبُ نفلاً ؟
لهم فيه وجهانِ .
واختارَ ابنُ حماد(٣) وغيرُهُ أنها تنقلبُ نفلاً، وظاهرُ كلام الخِرَقي أنها
(١) ابن خزيمة (١٥٦٩) وابن حبان (٢٢٠٢) (٢٢٠٣).
(٢) كذا.
(٣) لعله : ابن حامد .

٢٦
حدیث : ٧٨٣
كتاب الأذان
تبطلُ بالكلية .
وتظهرُ فائدتُها لو صلَّى ركعةً فذًا خلفَ الصفَّ ، ثم جاءَ آخرُ فصفًّ معه في
الركعة الثانية، فإنْ قلْنا : صلاتُه باطلة ، فالثاني فذٌّ - أيضًا - وإنْ قلنا : هو
مُتَفِّلٌ صحَّتْ مصافَتُه .
ولأصحابِنا وجهٌ آخرُ : أن جماعتَه تبطلُ وتصحُّ صلاتُه منفردًا .
وهو مرويٌّ عنِ النخعيِّ ، قال : صلاتُه تامَّةٌ وليس له تضعيفٌ .
خرَّجه البيهقيُّ (١).
وعلى هذا ؛ فيكون أمرُه بالإعادة في الجماعة ليحصلَ ثوابُها ومضاعفتُها ،
وليس ذلك في الحديثِ .
وقد يُستدَلُّ به أنّ على أنّ من صلَّى منفردًا فعليه الإعادة ، كما يقوله من
يجعلُ الجماعةَ شرطًا لصحةِ الصلاةِ .
وهذا الوجهُ - أعني : بِطلانَ جماعتِه وصحةَ صلاتِه منفردًا - جزم به ابنُ
عقيلٍ من أصحابِنا في موضعٍ من كتابه ((الأصولِ)).
وحكى في موضعٍ آخرَ منه وجهَين : أحدهما : كذلك ، وعلَّله بأن البطلانَ
يختصُّ بالجماعةِ، فيصحُّ فرضُهُ ويكون منفردًا. والثاني : يَبطلُ [ فرضُهُ ]
٠ے
وتصيرُ صلاتُهُ نَفْلاً .
والوجهانِ مطَّرِدانِ في كلِّ صلاةٍ وُجد فيها خللٌ يعودُ إلى الجماعةِ خاصةً ؛
كمَنْ صلَّى فذًا قُدّامَ الإمامِ ، أو انتقلَ مِنَ الجماعةِ إلى الانفرادِ لغيرِ عذرٍ ، أو
عكسه ، أو ائتمَّ بمَن لا يجوزُ الائتمامُ به.
ومِن أصحابِنا مِن قال : إن لم يعلمِ امتناعَ ذلك انقلبتِ الصلاةُ نفلاً ، وإنْ
(١) ((السنن الكبرى)) (١٠٥/٣).
١

٢٧
١١٤ - بَابُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
کتاب الأذان
علم ففي البطلانِ وانقلابِها نفلاً وجهان ، والأظهرُ الأولُ .
وإنْ صلى الفذُّ خلفَ الصفِّ لا يسقطُ فرضُهُ ، وعليه إعادتُها كما نصَّ عليه
أحمدُ وأكثرُ أصحابِهِ .
وقد كان النبيَّ وَّهُ يؤكِّد أمرَ الصفوفِ وتعديلَها وتسويتها ، وهي من
خصائصِ هذه الأمةِ كما سبق ذكرُهُ ، فالمصلِّي في جماعةٍ مِن غير مخل بما
يلزمُ (١) منَ القيامِ في الصفِّ ، فعليه الإعادةُ إذا تركَه عمدًا، وهو عالمٌ بالنهِي ،
قادرٌ عَلَى الصلاة في الصفِّ. فأما إن كانَ جاهلاً ففيه خلافٌ سبقَ ذكرُهُ . وإن
كان عاجزًا ففيه خلافٌ يأتي ذكرُه - إن شاءَ اللهُ تعالَى.
وقد عارضَ بعضُهم حديثَ وابصةَ بحديثِ ابنِ عباسٍ ، لمَّ صلَّى عن يسارِ
النبيِّ نَِّ، فأدارَه مِن ورائِه إلى يمينِه . قال : فهو في حالٍ إدارته فذٌّ .
وهذا ليس بشيءٍ ؛ فإنَّ المصلِّيَ في صفٍّ إذا زالَ اصطفافُه ثم عاد سريعًا
على وجه أكمل منَ الأولِ لم يضرّه ذلك ، كما أنَّ الإمامَ في صلاة الخوف تفارقُه
طائفةٌ ، ويبقى منتظرًا لطائفة أخرى، ولا يضرُّه ذلك. واللهُ أعلمُ (٢).
ونقل حربٌ ، عن إسحاقَ بنِ راهويه : إن صلَّى الصلاةَ كلَّها خلفَ الصفِّ
أعادَ صلاتَه ، فإن صلَّى ركعةً فذًا ، ثم جاء آخرُ فقامَ إلى جنبه ، فإنه يعيدُ تلك
الركعةَ ، فلم تبطلْ سوى ركعتِه التي كان فيها فذًا ، وأمرَه أن يبنيَ على تكبيرةٍ
الإحرامِ.
ومذهبُ أحمدَ : أنه إذا صلَّى ركعةً تامةً في أوَّل صلاته فذًا أنه يعيد صلاتَه
كلَّها .
واختلفت الروايةُ عنه: إذا صلَّى ركعةً في الصفِّ ثم صار فذًا .
(١) كذا السياق ، وأظن سقطًا وقع.
(٢) قد سبق هذا - أيضًا.

٢٨
حدیث : ٧٨٣
کتاب الأذان
ونقل مهنَّاً عن أحمدَ في رجلٍ صلَّى يومَ الجمعةِ ركعةً وسجدتينِ في الصفِّ،
ثم زحمُوه ، فصلِّى الركعةَ الأخرى خلف الصفِّ وحدَه : يعيد تلك الركعةَ التي
صلاها وحدَهُ.
ونقل عنه بعضُ أصحابه : أنه يعيد الصلاةَ كلَّها في هذه المسألةِ ، منهم :
ابناه صالحٌ وعبد اللهِ (١) والأثرمُ وغيرُهم.
وحمل القاضي أبو يعلَى في (( خلافه الكبيرِ » روايةَ حنبلٍ على أحدٍ
وجهَين :
أحدُهما : ما أومأ إليه أبو بكرِ : أن الصلاةَ في هذه الحالِ انعقدتْ في
الصفِّ ، وإنما صار فذًا في أثنائها ، ولا يمتنعُ أن ينافي الابتداءُ في الاستدامة ،
كالعدة والرِّدَةِ والإحرامِ في عقد النكاحِ.
والثاني : أنه في هذه الحالِ صار فذًا بغيرِ اختيارِهِ ، فهي حالُ ضرورةٍ .
هكذا حكى القاضي أبو يعلَى وأصحابُهُ مذهبَ أحمدَ .
وحكى أبو حفصِ الخلافَ عن أحمدَ فيمَن صلَّى ركعةً فذًا : هل تبطلُ
ركعتُه فقط ، أم صلاتُه كلُّها ؟ وحكى في ذلك روايتينِ ، وسوَّى بينَ الركعةِ
الأولَى وغيرِها ، ولم يفرقْ بينَ حالِ ضرورةِ وغيرِها .
وذكر أنَّ الحسنَ بنَ محمدٍ روى عن أحمدَ ، قال : إذا ركعَ ركعةَ سجدَ ، ثم
دخلَ في الصفِّ ؛ يعيدُ التي صلاها ولا يعيدُ الصلاةَ كلَّها ..
قال أبو حفصٍ : والأصحُّ عندي أنه يعيدُ ما صلَّى دونَ الصفِّ حَسْبُ ،
فيعيد الركعةَ أو الركعتينِ ، ولا يعيدُ ما صلَّى مع غيرِهِ . قال : لأنَّ تكبيرةً
الإحرامِ لم تفسدْ؛ لأنه لا يختلفُ قولُه أنه إذا كَبَّر وحدَه أنها صحيحةٌ .
فصرَّح أبو حفصٍ بأنه لو صلَّى ركعتين فذًا، ثم دخلَ في الصفِّ ، أو وقفَ
(١) ((مسائله)) (ص١١٥).
١

٢٩
١١٤ - بَبُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
کتاب الأذان
مع غيرِهِ أنه يعيدُ ما صلَّى فذًا وحدَه .
ورد القاضي أبو يعلى قولَه - فيما قرأتُه بخطّه - بأنَّ القياسَ يقتضي بطلانَ
الصلاةِ فذًا في تكبيره والركوعِ ؛ لأنَّ ما أبطلَ جميعَ الصلاةِ يُفْسِدُ بعضَها ،
كالحدث . قال : وإنما أجازَ ذلك القدرَ لحديثِ أبي بكرةَ .
يعني : أنَّ أحمدَ أجازَ صلاةَ الفذِّ إذا لم يتمَّ الركعةَ فذًا؛ لحديثِ أبي بكرةَ.
فإنْ دخلَ في الصفِّ ، أو قامَ معه آخرُ قبلَ رفعِ الإمامِ ، فمنَ الأصحابِ مَن
قال : يصح له ركعةٌ بغيرِ خلافٍ ، لإدراكِهِ الركعةَ في الصفِّ ، ومنهم من حكى
فيه روايتين(١) - أيضًا .
وإن كان ذلك بعد أن رفعَ وقبلَ السجودِ ففيه روايتان :
أصحُّهما : أنه لا يعتدُّ بتلك الركعة ؛ لأنه لم يدركْ في الصفِّ ما يدركُ به
الركعةَ .
والثانية : تصحُّ ؛ لأنه أدركَ في الصفِّ السجدتينِ ، وهما معظمُ الركعةِ .
وفي بطلانِ صلاتِهِ مِن أصلِها وبنائِه على تكبيرتِه روايتانِ - أيضًا - ؛ على ما
حكاه أبو حفصٍ.
وأما القاضي أبو يعلَى وأصحابُه ، فقالوا : تبطلُ صلاتُه روايةً واحدةً .
وأكثرُ النصوصِ عن أحمدَ تدلُّ على البطلانِ. واللهُ أعلمُ (٢) .
(١) في الأصل: ((روايتان)).
(٢) وهاهنا انتهت الكراسة الثانية (( س)).

٣٠
حديث : ٧٨٤
کتاب الأذان
[١١٥ - بَابُ
إِثْمَامِ التَّكْبِرِ فِي الرُّكُوحِ
قَالَهُ ابْنُ عُبَّاسٍ، عَنِ النِّّ ◌ِ.
وَفِيهِ : مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ .
٧٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ: ثنا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَءِ،
عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : صَلَّى مَعَ عَلِيِّ - رضي الله عنه -
بالبَصْرَةَ، فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَّلاَةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسَولِ اللَّهِلهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ
كَانَ يُكْبِرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ .
مضطربٌ إسنادُه(٢) ، والحسنُ بنُ عمرانَ مجهولٌ ، وابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ
أبزى ، قيل : إنه عبدُ اللهِ ، وقيل : إنه سعيدٌ .
قال أحمدُ : هو أشبهُ .
ورُوي أنه محمدٌ ، ومحمدٌ هذا غيرُ معروفٍ .
(١) وقع سقط كبير ورقة أو أكثر من الأصل ((م)) وكذا في ((هـ )) في أول هذا الباب، وكان
السقط في ((م)) من قبل ذلك من أثناء ((المواقيت))، واعتمدنا في ذلك كلُّه على ((هـ)).
وقد أثبتُّ متن البخاري هاهنا ، وأشرت للتنبيه .
(٢) هذا الكلام متعلقٌ بالحديث الذي أخرجه أحمد (٤٠٦/٣-٤٠٧) وأبو داود (٨٣٧) من طريق
شعبة ، عن الحسن بن عمران ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي ، عن أبيه ، أنه
صلى خلف النبي وَ ◌ّر ، فكان لا يتم التكبير.
وراجع في إعلاله: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (١/ ٢ /٣٠٠ - ٣٠١) و ((الفتح)) لابن
حجر (٢٦٩/٢) .

٣١
١١٥ - بَابُ إِثْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّجُوعِ
کتاب الأذان
وفسَّرِ الإمامُ أحمدُ نقصَ التكبيرِ بأنهم لا يكبِّرون في الانحطاطِ للسجودِ ،
ولا في الانحطاطِ للسجدةِ الثانيةِ : نقلَه عنه ابنُ منصورٍ .
ونقلَ عن إسحاقَ ، أنه قالَ : إنما نقصُوا التكبيرَ للسجدةِ الثانيةِ خاصةً .
وقد رُويَ عن أبي موسى الأشعريِّ، أنه قال لما صلَّى خلفَ عليٍّ بالبصرةِ
مثلَ قولِ عمرانَ بنِ حصينٍ ، قال : لقدْ ذكَّرنَا عليّ بنُ أبي طالب صلاةً كنّا
نصلّيْها معَ رسولِ اللهِ وَّل: إمَّا نسينَاها، وإما تركنَاهَا عمدًا، يكبِّر كلما
خفضَ ، وكلما رفَع ، وكلما سجدَ .
خرّجه الإمامُ أحمدُ (١).
وفي إسناده اختلافٌ ؛ رواه أبو إسحاقَ السبيعيُّ ، واختُلفَ عنه :
فقيل : عنه ، عن الأسود بن يزيد ، عن أبي موسى .
وقيل : عنه ، عن بُريد بنِ أبي مريمَ ، عن [ أبي موسى .
وقيل : عنه ، عن بُريد بن أبي مريم، عن ](٢) رجلٍ من بني تميمٍ ، عن
أبي موسى .
= (٣)
ورجَّحه الدارقطنيُّ (٣).
ولِذلكَ لم يخرَّج حديثُه هذا في ((الصحيح)).
وأكثرُ العلماءِ على التكبيرِ في الصلاة في كلِّ خفضٍ ورفعٍ ، وقد كانَ ابنُ
عمرَ وجابرٌ (٤) وغيرُهما منَ الصحابة يفعلونَه ويأمُرُون به .
(١) ((المسند)) (٣٩٢/٤ - ٤٠٠-٤١١-٤١٥).
(٢) ساقط من ((هـ)).
(٣) في (( العلل)) (٢٢٣/٧-٢٢٤).
(٤) خرجه عبد الرزاق (٦٤/٢) وابن أبي شيبة (٢١٦/١-٢١٧).

٣٢
حديث : ٧٨٤
کتاب الأذان
وممنْ رُوي عنه إتمامُ التكبيرِ: عمرُ بنُ الخطابِ (١) وابنُ مسعود (٢) وعلىٌّ (٣)
وأبو موسَى(٤) وأبو هريرةَ (٥) وابنُ عباسٍ (٦) .
ورَوَى عبدُ الرحمنِ بنِ الأصمِّ ، قال : سمعتُ أنسَ بنَ مالك قال : كان
رسولُ اللهِ وَّه وأبو بكرٍ وعمرُ يُتْمَّون التكبيرِ .
خرجه الإمامُ أحمدُ (٧) .
وخرجه النسائيُّ (٨)، وزاد فيه : وعثمانُ .
وقال سفيانُ [ عن ] منصورٍ، عن إبراهيمَ: أولُ مَن نقصَ التكبيرَ [ زيادٌ (٩).
وقال: ثويرُ بنُ أبي فاختةَ ، عن أبيه ، عنِ ابنِ مسعودٍ : إنَّ أولَ من نقص
التكبيرَ ] (١٠): الوليدُ بنُ عقبةَ، فقال ابنُ مسعودٍ : نقصوها نقصهم اللهُ !
خرجه البزارُ وغيرُه(١١).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ (١٢) منْ حديث ابن مسعودٍ ، قال :
(١) خرجه عبد الرزاق (٦٥/٢) وابن أبي شيبة (٢١٦/١).
(٢) خرجه عبد الرزاق (٢/ ٦٣-٦٤) وابن أبى شيبة (٢١٧/١).
(٣) خرجه عبد الرزاق (٦٢/٢ -٦٣) وابن أبي شيبة (٢١٧/١).
(٤) خرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢١٧) .
(٥) خرجه عبد الرزاق (٦١/٢-٦٢) وابن أبي شيبة (٢١٨/١).
(٦) خرجه عبد الرزاق (٦٥/٢ (٢٥٠٦)) وابن أبى شيبة (٢١٨/١).
(٧) أحمد فى ((المسند)) (١٢٥/٣، ١٣٢، ١٧٩، ٢٥١، ٢٥٧، ٢٦٢).
(٨) (٢/٣).
(٩) خرجه ابن أبي شيبة (٢١٨/١ - ٢٤٨/٧). وفي الأصل: ((سفيان بن منصور )) خطأ،
وفيه: ((ابن زياد)) وأثبتناه كما في المصادر ((زياد )) ولعله : زياد بن أبيه وهو ابن سمية ،
ويقال: ابن أبي سفيان، وهو مترجم في ((الإصابة)) (٦٣٩/٢) و((الميزان)) (٨٦/٢).
(١٠) سقط هذا الجزء من ((هـ)) والمثبت من النسخة ((م)).
(١١) في ((مسنده)) (١٩٢٨).
(١٢) أحمد (٣٨٦/١، ٣٩٤، ٤١٨، ٤٢٦، ٤٤٢) والنسائي (٢٣٣/٢) والترمذي (٢٥٣).
٠

٣٣
١١٥ - بَابُ إِثْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
کتاب الأذان
كانَ النبيُّ ◌َلَ يكبّرُ في كل خفضٍ ورفعٍ وقيامٍ وقعودٍ ، وأبو بكرٍ وعمرُ.
زاد النسائيُّ : وعثمانُ
وكان بنُو أميةَ ينقصونَ التكبيرَ ، وقد رُوي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (١)، والظنُّ
به أنه لم تبلغْه السنّةُ الصحيحةُ في ذلك ، ولو بلغتْه لكانَ أتبعَ الناسِ لهَا .
ورُويَ عنِ القاسمِ وسالمٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنهم كانوا لا يُتِمُّون التكبيرَ .
ذكره ابنُ المنذرِ وغيرُه(٢).
وقد سبق تفسيرُ تركِ إتمامٍ التكبيرِ ، ومَن فهم عنهم أنهم كانوا لا يكبرِّون في
الصلاةِ غيرَ تكبيرة الإحرامِ فقد وهَم فيما فهِم.
وأما ما حكاه ابنُ عبدِ البرُ (٣)، عنِ ابنِ عمرَ، أنه كان لا يكبِّر إذا صلَّى
وحدَه، وذكرَ أنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ حكاه عنْه في روايةِ ابنِ منصورٍ . فهذا وهمٌ منه
- رحمه اللهُ - على أحمدَ ؛ فإن مرادَ أحمدَ التكبير في أدبار الصلواتِ أيامَ
التشريقِ .
ويدلُّ عليه : أنَّ أحمدَ في تمامٍ هذه الروايةِ حكى - أيضًا - عن قتادة ، أنه
كان يكبِر إذا صلى وحدَه، ثم قال: وأحبُّ إليَّ أن يكبرَ منَ صلَّى وحدَه في
الفرضِ ، وأما النافلةُ [ فلا .
ولم يُرِدْ أحمدُ أن صلاةَ النافلة ](٤) لا يكبّر فيها للركوع والسجودِ والجلوسِ؛
فإنَّ هذا لم يقله أحمدُ قطُّ، ولا فرَّقَ [ أَحَدٌ ](٥) بينَ الفرضِ والنفلِ في التكبير.
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٦/٢) وابن أبي شيبة (٢١٨/١) من حديث حميد قال: صليت خلف
عمر بن عبد العزيز فكان لا يتم التكبير .
(٢) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢١٨/١).
(٣) ((التمهيد)) (٨٣/٧) (١٧٩/٩ -١٨٠).
(٤) ساقط من ((هـ)).
(٥) من ((م))، وفي ((هـ)): ((أحمد)).

٣٤
حديث : ٧٨٤
كتاب الأذان
وأما حديثُ ابنِ أبزَى ، فقد تقدَّمَ الكلامُ على ضعفِه ، ولو صحَّ حُملَ على
أنه لم يسمع من النبيُّ ټپڑ إتمامَ التکبیرِ ، لا أنه لم یکن یکبرُ في سجوده ورفعه.
وهكذا المرويُّ عن عثمانَ، فإنه لما كبرُ وضعُفَ [خَفَض](١) صوتَه به أو أسرَّه.
وأكثرُ الفقهاءِ على أنَّ التكبيرَ في الصلاةِ - غيرَ تكبيرة الإحرامِ - سنةٌ ، لا
تبطلُ الصلاةُ بتركِه عمدًا ولا سهواً .
وذهبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى أنَّ مَن ترك تكبيرةً منْ تكبيراتِ الصلاةِ عمدًا فعليه
الإعادةُ، وإن كان سهواً فلا إعادةَ عليهِ في غير تكبيرة الإحرامِ .
وأنكرَ أحمدُ أن يسمَّي شيءٌ مِن أفعالِ الصلاة وأقوالِها سنةً ، وجعل تقسيمَ
الصلاةِ إلى سنةٍ وفرضٍ بدعةً ، وقال : كلُّ ما في الصلاةِ واجبٌ ، وإنْ كانت
الصلاةُ لا تعادُ بتركِ بعضِها.
وكذلك أنكرَ مالكٌ تقسيمَ الصلاةِ إلى فرضٍ وسنةٍ ، وقال : هو كلامُ
الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضعٍ آخرَ.
وكذلك ذكرَ الأَبُريُّ في ((مناقبِ الشافعيِ)) بإسنادِه عن الواسطيُّ(٢)، قال:
سمعتُ الشافعيَّ يقولُ : كلُّ أمورِ الصلاةِ عندنَا فرضٌ .
وقال - أيضًا - : قرأتُ عن الحسين بن عليٍّ ، قال : سئل الشافعيُّ عن
فريضة الحجُّ ؟ قال : الحجُّ مِن أولِه إلى آخرِهِ فرضٌ ، فمنه ما إنْ تركه بطلَ
حجُّهُ ، فمنه الإحرامُ ، ومنه الوقوفُ بعرفاتٍ ، ومنه الإفاضةُ .
وقال الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللهِ(٣): كلُّ شيءٍ في الصلاةِ مما
ذكرَهَ اللهُ فهو فرضٌ.
وهذا قيدٌ حسنٌ.
(١) ساقط من (( هـ)).
(٢) هذه النسبة غير واضحة في ((م)).
(٣) ( ص ١٠٠).

٣٥
١١٥ - بَابُ إِنْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
کتاب الأذان
وسمَّى أصحابُ أحمدَ هذه التكبيراتِ التي في الصلاةِ بعدَ تكبيرة الإحرامِ
واجبات ، لأنَّ الصلاةَ تبطلُ بتركِها عمدًا [ عندهم.
وحُكي عن أحمد روايةٌ أنَّ (١) هذه التكبيراتِ مِنْ فروضِ الصلاة ، لا تسقطُ
الصلاةُ بتركِها عمدًاً ](٢) ولا سهواً .
وحُكي عنه روايةٌ أخرى : أنها فرضٌ في حقِّ غيرِ المأمومِ ، وأما المأمومُ
فتسقطُ عنه بالسهوِ.
ورُوي عنِ ابنِ سيرينَ وحمادٍ ، أنه مَن أدركَ الإِمامَ راكعًا وكَبَّر تكبيرةٌ واحدةٌ
للإحرامِ لم يجزئْه حتى يُكبِّرَ معها تكبيرةَ الركوعِ.
وقال ابنُ القاسمِ - صاحبُ مالكٍ - : مَن أسقطَ مِن التكبيرِ في الصلاةِ ثلاثَ
تكبيرات فما فوقَها سجدَ للسهوِ قبلَ السلامِ ، فإن لم يسجدْ بطلَتْ صلاتُه ، وإن
نسيَ تكبيرةً واحدةً أو اثنتينِ سجدَ للسهوِ - أيضًا -، فإن لم يفعلْ فلا شيءَ عليه.
ورُوي عنه ؛ أن التكبيرة الواحدةَ لا سجودَ على مَن سها عنها .
قال ابنُ عبد البرِّ : هذا يدلُّ على أن عُظْم التكبيرِ وجملتَه عندَه فرضٌ ، وأن
اليسيرَ منه متجاوَزٌ عنه .
وأكثرُ أصحاب مالك على أنَّ هذه التكبيرات تُسمَّى سننًا ، كما يقولُهُ أصحابُ
الشافعيِّ وغيرُهم، وأنَّ الصلاةَ لا تبطلُ بتركها عمدًا ولا سهواً. وحُكيَ روايةً
عن أحمدَ .
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ في التكبيرِ(٣): كلما خفض ورفع ، إنما هو شيءٌ يزينُ
به الرجل الصلاة .
(١) في (( م)): ((أنها)).
(٢) هذا - ألحق بهامش ((هـ))، ولم يظهر، واستدركناه من ((م)).
(٣) في ((هـ)): ((التكبيرات)).

٣٦
حديث : ٧٨٤
کتاب الأذان
وذكر عبدُ الرزاقِ (١)، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ، قال : مَن نسيَ شيئًا من
تكبيراتِ الصلاةِ ، أو «سمع اللهُ لمن حمده))؛ فإنه یقضیه حین یذکرُه.
وهذا مذهبٌ غريبٌ ، وجمهورُ العلماء على أنَّه يفوتُ بفوات محلِّه ، فلا
يعادُ في غيرِ محلِّه .
واستدلَّ مَن أوجبَ ذلك بأمرِ النبيِّ وَِّ، فإنه قالَ: ((صلُّوا كما رأيتُمُوني
أصلِّي))(٢). وكان يصلي بهذا التكبيرِ، وقال في الإمام: ((إذا كبّر فكِبِروا)).
وهذا يعمّ كلَّ تكبيرٍ في الصلاةِ . وقال - في حديث أبي موسَى - : (( فإذا كبَّر
الإمامُ وركعَ فاركعُوا)) . وكذا قالَ في السجودِ .
خرجه مسلمٌ (٣).
وبأنَّ النبيَّ وَّرِ قال في الصلاة: ((إنما هيَ التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ
القرآن)»(٤)، فدلَّ علَى أن الصلاةَ لا تخلو منَ التكبيرِ ، كما لا تخلُو مِن قراءةِ
القرآنِ ، وكذلك التسبيحٌ .
وقد رُوي أنَّ النبيَّ ◌َِّ علَّم المسيءَ في صلاته التكبيرَ للركوعِ والسجودِ ،
مِن حديثِ رفاعةَ بنِ رافعٍ ، وأخبرَهَ أنه لا تتمّ صلاتُه بدونِ ذلكَ .
خرَّجْه أبو داودَ وغيرُه(٥) .
واستدل الإمامُ أحمدُ لسقوطِهِ بالسهوِ بأنَّ النبيَّ ◌َّ نسيَ التشهدَ الأولَ، فأتمَّ
صلاتَه، وسَجَد للسهوِ (٦). وقد ترك بتركِه التشهدَ التكبيرةَ للجلوسِ له ، فدل
(١) (٧٢/٢-٧٣) بمعناه .
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٨) من حديث مالك بن الحويرث .
(٣) (٢/ ١٤ - ١٥)
(٤) أخرجه أحمد (٤٤٧/٥، ٤٤٨) ومسلم (٢/ ٧٠-٧١) وغيرهما .
(٥) أبو داود (٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦٠، ٨٦١)، وأحمد (٣٤٠/٤) والنسائى (٢٠/٢، ١٩٣،
٢٢٥-٦٠,٥٩/٣) والترمذي (٣٠٢) وابن ماجه (٤٦٠) وابن خزيمة (٥٩٧، ٦٣٨).
(٦) أخرجه مالك في ((الموطإ)) (ص٨١) وأحمد (٣٤٥/٥ - ٣٤٦) والبخاري (٨٢٩) ومسلم =

٣٧
١١٥ - بَابُ إِنْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّجُوعِ
کتاب الأذان
على أنها تسقطُ بالسهوِ ، ويُجبرُ بالسجودِ له .
واستدلَّ - أيضًا - على سقوطِه بالسهو بحديثِ: (( كان لا يتمُّ التكبيرَ))(١)،
فكأنه حملَه على حالة السهوِ .
الحديثُ الثاني :
٧٨٥ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَُ: أَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَّبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنََّ كَانَ يُصَلِيِّ بِهِمْ، فَيُكَبِرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ:
إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلَةً بِرَسُولِ اللَّهِ.
وقدْ رواه عن(٢) يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عَنْ أبي سلمةَ ، أنَّ أبا هريرةَ كانَ يكبِّرُ
في الصلاةِ كلَّما رفعَ ووضَعَ ، فقلنا : يا أبا هريرةَ ، فما هذا التكبيرُ ؟ قال : إنها
لصلاةُ رسولِ اللهِ وَلِهِ .
خرَّجه مسلمٌ (٣).
وقد رُوي هذا الحديثُ عن أبي هريرةَ مِن وجوهِ متعددة ، وسيأتي بعضُها
فيما بعدُ - إن شاءَ اللهُ .
وقد استدلَّ به بعضُهم على أن التكبيرَ لغيرِ الإحرامِ غيرُ واجبٍ في الصلاة ؛
لأنَّ هذا كانَ يستنكُرُه الناسُ على أبي هريرةَ ، كما استنكرَه عكرمةُ على مَن صلَّى
خلفَه بمكةَ ، وكما دلَّ حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ وأبي موسَى على ترك الناسِ لَه.
وخرَّجه النسائيُ (٤) وابنُ حبانَ في «صحيحه » (٥)، من حديث سعيدِ بنِ
(٢/ ٨٣) وغيرهم .
(١) تقدم تعليقًا في أول الباب .
(٢) كأن: ((عن)) هذه مقحمة.
(٣) (٨/٢).
(٤) النسائي (١٢٤/٢).
(٥) ابن حبان (١٧٧٧).

٣٨
حديث : ٧٨٥
كتاب الأذان
سمعانَ ، قال : دخلَ علينا أبو هريرةَ المسجدَ ، فقالَ : ثلاثٌ كانَ رسولُ الله
وَّ يعملُ بهنَّ، تَرَكَهُنَّ الناسُ: كان إذَا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ يدَه مدًا، وكان
يقفُ قبلَ القراءة هُنَيْهَةً يسألُ اللهَ مَن فضلِه ، وكان يكبرُ في الصلاةِ كلَّما ركعَ
وسجدَ .
ولو كانَ ذلكَ مِن واجباتِ الصلاةِ لما أقرَّتِ الصحابةُ على تركِه.
وقد أجابَ بعضُهم بأنهم إنما تركُوا الجهرَ به فقطْ ، وقد سبقَ عن الإمامِ
أحمدَ أنَّ نقصَ التكبيرِ الذي أحدثُوه إنما هو تركُ التكبيرِ للمسجدِةِ الأولَى والثانيةِ ،
وأن إسحاقَ قال : إنما تركُوا التكبيرَ للسجدة الثانيةِ فقطْ .
فلعلَّ بني أميةً كانوا يرون [ أنَّ](١) المأمومينَ يشاهدُونَ الإمامَ في سجودِهِ
فلا يحتاجُ إلى إسماعِهِم التكبيرَ في هذه الحالِ، بخلاف رفعِه فإنهم لا يشاهدونَه،
فیحتاجُ إلى إسماعهم التكبيرَ فيه.
وفي هذا نظرٌ . واللهُ أعلمُ .
وقد سبقَ ما يدلُّ على أنهم تركوا تكبيرتي الركوعِ والسجودِ خاصةً ؛ وأن
عليًّا - رضي اللهُ عنه - أحيا ما تركُوه من ذلكَ وأمانُوهُ .
وروى مسعرٌ ، عن يزيدَ الفقيرِ ، قالَ : كانَ ابنُ عمرَ ينقصُ التكبيرَ في
الصلاة. قال مسعرٌ : إذا انحطَّ بعدَ الركوعِ للسجودِ لم يكبرْ ، فإذا أرادَ أن يسجدَ
الثانیة لم یکبرْ.
خرَّجِه ابنُ أبي شيبةَ (٢).
فتفسيرُ مسعرٍ لنقصِ التكبيرِ يدلُّ على أنَّ نقصه هو تركُ التكبيرِ للسجدتينِ
معًاً ، كما فسَّرِّه الإمامُ أحمدُ .
(١) ساقط من ((هـ)).
(٢) ((المصنف)) (٢١٨/١).

٣٩
١١٥ - بَابُ إِنْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
کتاب الأذان
وهذه الروايةُ عن ابنِ عمرَ تخالفُ روايةَ مالكِ ، عِنِ الزهريِّ ، عن سالمٍ ،
عن أبيه ، أنه كان يكبِّر كلما خفضَ ورفعَ .
كذا رواهُ مالكٌ في ((الموطٍ )) (١).
ورواه أشهبُ ، عن مالك ، فزاد فيه : يخفضُ بذلك صوتَه .
وهذه الروايةُ يجمعُ بها بينَ الروايتينِ بأنْ يكونَ سالمٌ سمع أباه يكبِّرِ ويخفضُ
صوتَه ، ويزيدُ الفقيرُ لم يسمعْه لخفضِ صوتِه ، أو لبعدِه عنه.
وروى - أيضًا - عُبيدُ اللهِ(٢) بنُ عمرَ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كان
يتمُّ التكبيرَ (٣) .
ونافعٌ وسالمٌ أعرفُ بابنِ عمرَ من غيرِهما .
(١) (ص ٧٠) .
(٢) في: ((هـ)): ((عبد الله)).
(٣) ابن أبي شيبة (٢١٧/١).

٤٠
حديث : ٧٨٦ - ٧٨٧
كتاب الأذان
١١٦ - بَابُ
إِثْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ
فیه حَدِيثَانِ :
الأَوَّلُ :
٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو التّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ
أبْن عَبّد اللَّهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضيَ اللَّهُ عنه - أَنَا (١)
وعِمرانُ بنُ حُصَيْنٍ ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَّرَ ، وَإِذَا نَهَضَ مَنَ
الرَّكْعَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ أَخَذَ بِيَدِيِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ، فَقَالَ : لَقَدْ ذَكَّرَنِي
هَذَا صَلَاَةَ مُحَمَّد ◌ِ - أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلاَةَ مُحَمَّد ◌َرٍ .
فيه ما يستدلُّ به على أنَّ نقصَ التكبيرِ الذِي كانَ معهودًا بينهم : هو تركه عندَ
السجودِ ، وعندَ القيامِ منَ التشهدِ الأولِ إلى الركعةِ الثالثةِ .
وقد رُويَ عن طائفةٍ من التابعينَ التكبيرُ للسجودِ وللنهوضِ منَ الركعتينِ (٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ هذا هو الذي كان تركُه من نقصِ التكبيرِ ، فأما التكبيرُ
للرفعِ منَ السجودِ فإنما ذُكِرَ - واللهُ أعلمُ - تبعًا للتكبيرِ للسجودِ، ويكون المرادُ:
أنه كان يكبِّرُ للهويِّ إلى السجودِ ، كما كان يكِّر للرفعِ منه. واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثانِي :
٧٨٧ - ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْن: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ
رَجُلاً عِنْدِ الْمَقَامِ كَّرَ (٣) فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ، وَإِذَا قَامَ وَ إِذَا وَضَعَ ، فَأَخْبَرْتُ أَبْنَ
(١) ((أنا)) ساقط من (( هـ)).
(٢) انظر ابن أبي شيبة (٢١٦/١-٢١٧).
(٣) في ((اليونينية)): ((يكبر)) أو ((فكبر)).