Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
١٠٨ - بَابُ مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
كتاب الأذان
خرجه الإمامُ أحمدُ (١) من طريقه .
وهو أصحُّ ، وعبد الحميدِ أحفظُ لحديثِ شهرِ بنِ حوشب بخصوصِهِ من
غيرِه .
ولو صحَّ شيءٌ من ذلك لحُمِل على أنه جهر لإرادةِ تعليمِ القراءة وقدرها.
ورُوي هذا المعنى عن أنسٍ وخبابِ بنِ الأرت .
ولهذ المعنى رُوي عن عمر الجهرُ بالاستفتاح ، وعن ابنِ عباسِ الجهرُ بقراءة
الفاتحة في صلاة الجنازة .
وأما الجهرُ بالتطوعِ في النهار ؛ فإن كانَ في صلاة جماعةٍ ويطوِّلُ فيه القراءةَ
كصلاة الكسوف ، فإنه يجهرُ فيه بالقراءة ، وستأتي المسألةُ في موضعٍ آخرَ - إن
شاءَ اللهُ تعالى .
وكذا لو صلَّى الكسوفَ وحدَه جهر فيها - : نص عليه أحمدُ .
وأما غيرُ ذلك من التطوعِ ، فالأكثرونَ على أنه لا يُجْهِرَ فيها بالقراءة .
قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ : قراءةُ النهارِ عجماءُ (٢).
وقال الحسنُ : صلاةُ النهارِ عجماءُ (٣).
أي : لا تُسمع فيها قراءةٌ .
وكثيرٌ من العلماء جعله حديثًا مرفوعًا ، منهم : ابنُ عبد البرِّ وابنُ الجوزيِّ ،
ولا أصل لذلك.
وحُكيَ عن أبي حامدِ الإسفرايينيِّ ، أنه سألَ الدارقطنيّ عنه ، فقال : لا
(١) (٣٤٣/٥).
(٢) عبد الرزاق (٤٩٣/٢) وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٠).
(٣) عبد الرزاق (٤٩٣/٢) وابن أبي شيبة (٣٢٠/١).
1

٤٨٢
حديث : ٧٧٧
كتاب الأذان
أعرفه صحيحًا ولا فاسدًا(١).
وروى أبو عبيدٍ في كتابه ((غريبِ الحديثِ )) حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن
أبيه ، عن أبي سلمةَ، قال: سمعَ النبيُّ وَّ عبد اللهِ بنَ حذافةَ يقرأُ في
المسجد، يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ النهارِ ، فقال: ((يا بنَ حُذْافَةَ ، سمِّع اللهَ ولا
تسمعْنَا )).
وقد رواه بعضُهم ، فجعلَه : عن أبي سلمَةَ ، عن أبي هريرةَ - موصولاً .
وإرسالُه أصحُ - : قاله الدار قطنيُّ وغيرُه .
وروى وكيعٌ (٢)، عن الأوزاعيِّ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، قال : قالوا :
يا رسولَ اللهِ، إن هاهنا قومٌ يجهرون بالقرآنِ بالنهارِ ؟ فقال: ((ارموهم بالبعْرِ)).
مراسيلُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ضعيفٌ.
وقد رواه يوسفُ بنُ يزيدَ الدمشقيُّ ، عن الأوزاعيِّ ، عن يحيى ، عن
أبي سلمةَ، عن بريدةَ، عن النبيِّ وََّ، فوصلَه.
وهو خطأ لا أصل له - : قاله صالحُ بنُ محمد الحافظُ وغيرُه.
ويوسفُ هذا ، ضعيفٌ .
ورُويَ موصولاً من وجوهٍ أُخرَ ، لا تصحّ.
وروى ابنُ أبي شيبةَ (٣) بإسنادِهِ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه
سمعَ رجلاً يجهرُ بالقراءةِ نهارًا ، فدعاه فقال : إن صلاةَ النهارِ لا يُجْهِرُ فيها ؛
فأسرَّ قراءتَك .
ورخصت طائفةٌ في الجهر في التطوع بالنهارِ إذا لم يؤذِ أحدًا ، وهو قولُ
(٤) قال الدار قطني: ((باطل لا أصل له، لم يرو عن النبي ◌َّ، إنما هو من قول بعض الفقهاء)).
(٢) وابن أبي شيبة (٣٢١/١).
(٣) في ((مصنفه)) (١/ ٣٢٠).

٤٨٣
١٠٨ - بَابُ مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
کتاب الأذان
النخعيِّ والثوريِّ وإسحاقَ ، ورُوي - أيضًا - عن خالدِ بنِ معدانٍ وسعيدِ بنِ
جبيرٍ .
..-
وقال بشرُ بنُ حربٍ : رأيتُ ابنَ عمرَ يصلِّي بالنهار ، فكان يسمُعنا قراءَتَه .
وبشرُ بنُ حربٍ ، تكلَّموا فيهِ.
ولأصحابِنا وجهٌ : أنه لا بأسَ به.
-.

٤٨٤
حديث : ٧٧٨
کتاب الأذان
١٠٩ - بَابُ
إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ
٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا الأَوْزَاعِيَّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير :
ءُ
حَدَّثَنِي عَبّدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َهَ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّالْكِتَابِ وَسُورَةٍ
مَعَهَا، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنْ صَلَةِ الظُّهْرِ وَ [صَلَةٍ] (١) الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ
أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى .
قولُه: ((كان يسمعنا الآية أحيانًا)). ظاهرُهُ: أنه كان يقصدُ ذلك ، وقد
يكون فعله ليعلِّمَهم أنه يقرأُ في الظهرِ والعصرِ ، فإنه حصل لبعضِهم(٢) شكٍّ في
ذلك كما تقدم.
٠٠٠
وقد يكون فعلَه ليعلِّمهم هذه السورةَ المعينةَ ، كما رُويَ ذلك عن أنسٍ
وغيرِهِ ؛ أو ليبيِّنَ جوازَ الجهرِ في قراءةِ النهارِ ، وأن الصلاةَ لا تبطلُ به.
وقالت طائفةٌ من العلماءِ: لم يكن إسماعُهم الآيةَ أحيانًا عن قصدٍ ، إنما كان
يقع اتفاقًا عن غيرِ قصدٍ؛ فإنه وَل كان يقرأُ لنفسه سرًاً، فربما استغرقَ في تدبر
ما يقرأُه ، أو لعلَّه كان يقصدُ تحقيقَ القراءة ، فيقعُ سماعُ قراءته للآية أحيانًا لذلك
مِن غيرِ أن يتعمدَ إسماعَهم ، أو أن يكونَ وقعَ الإسماعُ منه على وجهِ السهوِ .
وفي هذا نظرٌ .
قال الشافعيُّ : لا نرى بأسًا أن يتعمَّد الرجلُ الجهرَ بالشيء منَ القرآنِ لُيُعْلِم
من خلفَه أنه يقرأُ. قال : وهم يكرهون هذا، ويوجبُون السهوَ على مَن فعله.
يشير إلى أهلِ الكوفةِ .
(١) (( اليونينية)).
(٢) من هنا تبدأ الكراسة الثانية المشار إليها بالرمز ((س)).
---- 1

٤٨٥
١٠٩ - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةً
کتاب الأذان
واختلف كلامُ الإمامِ أحمدَ في ذلك :
فنقل عنه حنبلٌ في قراءةِ النهارِ : ترى للرجلِ أن يسمعَ من يليه ؟ قال :
الحرفَ ونحوَ ذلك، ولا يغلِّطُ صاحبَه ؛ كان النبيِّ بَّهِ يسمعهم الآية أحيانًا .
وقال : صلاة النهارِ عجماءُ لا يُجْهرُ فيها.
ونقل عنه إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالنجيُّ في الإمام يُسمِعُ من يليه ، فکرِه ذلك
في صلاة النَّهارِ ، وقال: لا أرى عليه سهوًا في ذلك - أي : سجودَ سهوٍ .
وروى الشافعيّ بإسناده، عن ابن مسعودٍ، أنه سُمعَ قراءتُه في الظهرِ والعصرِ .
قال الشافعيّ : وهذا عندنا لا يوجب سهواً - يعني : سجودًا
وروى وكيعٌ في (( كتابه))(١) عن سيفِ المكيِّ ، عن مجاهد ، أنه سمع
عبد اللهِ بنَ عمرٍو يقرأُ في الظهر بـ: ﴿ كَهيقصَ﴾ .
وروى الجوزجانيُّ (٢) بإسناده ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال : سمعتُ من
ابن عمرَ نغمةً من ﴿قَ﴾ في صلاةِ الظهرِ .
وروى حمادُ بنُ سلمةَ ، عن حميدٍ وثابتٍ وقتادةَ والتيميِّ ، أن أنسًا صلَّى
بهم الظهر والعصرَ ، وكان يسمعُهُمُ النغمةَ أحيانًا .
ورُويَ عنه مرفوعًا .
ووقفُه أصحُّ - : قاله أبو حاتمٍ (٣) والدارقطنيُّ وغيرُهما .
ورُويَ عن خبابِ بنِ الأرتِّ ، أنه قرأ بهمْ في الظهرِ بـ: ﴿إِذا زلزلت﴾،
(١) وابن أبي شيبة (١/ ٣١٣) من طريق وكيع.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٩/١) من حديث أبي عثمان النهدي ، عن عمر ، كذا بالمصنف
وفي الأصل: ((عن ابن عمر)) وعبد الرحمن بن مَل أبو عثمان النهدي له رواية عن عُمر
وعبد الله بن عمر .
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣٣٤).

٤٨٦
حديث : ٧٧٨
كتاب الأذان
فسمَّع قراءته حتى تعلَّمها مَن خلفه(١).
وعنه : قرأ بهم في العصر ﴿إِذا زلزلت﴾ فجهر بها (١) .
وقال علقمةُ (٢): صليتُ إلى جنبِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ بالنهار ، فلم أدرِ أي
شيء قرأَ، حتى سمعتُهُ يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمَا﴾ [طه: ١١٤]، فظننته يقرأُ
﴿طه﴾ .
وقال النخعيُّ : كان بعضُهم يسمعهم الآية في الظهرِ والعصرِ .
وخرَّج النسائيُّ وابنُ ماجه(٣) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ ، قال : كان
رسولُ اللهِ وَّ يصلِّ بنا الظهرَ، فنسمعُ منه الآيةَ بعدَ الآيةِ من سورة لقمانَ
والذَّارِياتِ .
واختلفوا فيمن جهر فيما يخافَتُ فيه : هل يسجدُ للسهوِ ، أم لا ؟
فقالت طائفةٌ : لا يسجدُ ، روي عن أنسٍ وعلقمةَ والأسودِ (٤)، أنهم فعلُوه
ولم يسجدوا .
وهو قولُ الأوزاعيِّ والشافعيِّ .
وقال النخعيُّ والثوريُّ وأبو حنيفةً : يسجدُ لذلكَ.
وعن أحمدَ فيه روايتان .
وقال مالكٌ : إن تطاول ذلك سجدَ للسهوِ ، ولا أرى عليه في السرِّ سهوًا .
واستدلَّ أحمد بأنه لا يجب السجودُ لذلك بأن النبيِّ وَّ كان يسمع منه نغمة
في صلاةِ الظهرِ ، وبأن أنسًا جهرَ فلم يسجد.
(١) ابن أبي شيبة (٣١٨/١) بمعناه، والطحاوي في ((شرح معانى الآثار)) (١/ ٢١٠).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٠، ٣٢١) من طريقين عن إبراهيم ، عن علقمة به.
(٣) النسائي (١٦٣/٢) وابن ماجه (٨٣٠).
(٤) ابن أبي شيبة (٣١٩/١).

٤٨٧
١٠٩ - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ
كتاب الأذان
قلت : المرويُّ عن الصحابة قد تقدم أنه كان عمدًا منهم فعلوه ؛ لتعليم مَنْ
وراءهم سنةَ القراءةِ ، والعمدُ لا يسجد له.
وفيه ردٌّ على من قال : تبطلُ صلاتُه بتعمدِ الجهرِ فيما يُسَرُّ فيه ، كما
تقدم .
فقد حكي عن ابن أبي ليلى ، أنه تبطل الصلاةُ بتركه عمدًاً ونسيانًا ، وهو
بعيدٌ جدّاً .
-----

٤٨٨
حديث : ٧٧٩
كتاب الأذان
١١٠ - بَابٌ
يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى
٧٧٩ - حَدَّثَنَا أُبُو نُعيم : ثَنَا هشام ، عن یحیی بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الله بن
أَبِي فَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَةِ الظُّهْرِ،
ويُقْصِرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ .
في هذهِ الروايةِ : التطويلُ في الركعةِ الأولَى من صلاةِ الظهرِ والصبحِ .
وقد سبقَ (١) من حديثِ همامٍ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ذكرُ التطويلِ في
الأولَى من العصرِ - أيضًا .
وكذا في بعض النسخِ من روايةٍ شيبانَ (٢)، عن يحيى .
وقد خرَّجها في (( بابِ : القراءةِ في الظهرِ)) .
وقد سبقَ الكلامُ على التطويلِ فِي الأولَى منَ الصلَوَاتِ في ((بابِ : الْقِرَاءَةِ
فِي الظُّهْرِ )) ، فلا حاجةَ إلى إعادته هَاهُنَا.
(١) (٧٧٦) .
(٢) (٧٥٩).

٤٨٩
١١١ - بَابُ جَهْر الإِمَامِ بِالَّامِنِ
كتاب الأذان
١١١ - بَابُ
جَهْر الإِمَامِ بِالَّامِينِ
وَقَالَ عَطَاءٌ : آمِينَ دُعَاءٌ ، أَمَّنَ ابْنُ الزُّبِرْ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ،
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ : لا تَسْقْنِي بِآمِينَ.
وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَدَعُهُ . وَيَحُضُهُمْ، وسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ
خَبَرًا .
قال عبدُ الرزاقِ (١) : أنا ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاء : كانَ ابنُ الزبيرِ يؤمِّنُ على
إِثْرِ أُمِّ القرآن ؟ قال : نعمْ ، حتى إنّ للمسجد لَلَجَّةً. قال: إنَّما آمينَ دعاءٌ .
قال : وكان أبو هريرةَ يدخلُ المسجدَ ، وقد قامَ الإمام فيه ، فيقولُ : لا
تسبقني(٢) بآمينَ .
وروى يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمةَ ، عنْ أبي هريرةَ ، أنه كان مؤذنًا
للعَلاَءِ بنِ الحَضْرُميِّ بالبحرينِ، فاشترطَ عليه أن لا يسبقَه بآمينَ (٣).
وروى عاصم الأحولُ ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: قال بلالُ :
يا رسول الله، لا تسبقني بآمينَ (٤) .
وهذا مرسلٌ .
وخرجه أبو داودَ (٥) ، وعنده : عن أبي عثمانَ ، عن بلالٍ .
(١) (٩٦/٢ - ٩٧) .
(٢) في الأصل: ((لا تفتني))، والمثبت من ((المصنف)).
(٣) عبد الرزاق (٩٦/٢).
(٤) عبد الرزاق (٩٦/٢) والبيهقي (٦٥٢).
(٥) (٩٣٧) .

٤٩٠
١١١ - بَابُ جَهْر الإمَام بالنَّامِينِ
كتاب الأذان
وهو خطأ - : قاله أبو حاتم الرازيُّ (١). قال : وهو مُرْسلٌ .
وقيل : إن أبا عثمانَ لم يسمعْ من بلالِ بالكليّةِ ؛ لأنه قدمَ المدينةَ في خلافةِ
عمرَ ، وقد كان بلالٌ انتقلَ إلى الشام قبلَ ذلك.
وقد رواه هشامُ بنُ لاحقٍ ، عن عاصمٍ ، عن أبي عثمانَ ، عن سلمانَ ، عن
بلال ، فوصلَه .
وهشامٌ ، تركَه الإمامُ أحمد وغیرُه.
وقول عطاءٍ في آمينَ : إنها دعاءٌ ، يريد به - واللهُ أعلمُ - أنَّ معنى آمينَ
اللهمَّ استجبْ ، ونحوُ هذا منَ الدعاءِ.
وفي ((سنن أبي داودَ )) (٢) عن أبي زهيرِ النميريِّ - وكان منَ الصحابة - أنه
كان يقول : إذا دعَا أحدُكم بدعاءِ فليختِمْه بآمينَ ؛ فإنَّ آمينَ مثلُ الطابعِ على
الصحيفة. وذكر أنه خرجَ مع النبيِّ وَِّ ذاتَ ليلةٍ، قال: فأتينا على رجلٍ قد
ألحَّ في المسألةِ، فوقفَ النبيِّ وَِّ يسمعُ منه، ثم قال النبيِ وَّ: «أَوْجَبَ إِنْ
ختمَ بآمينَ ) .
وخرج ابنُ عدِيٌّ (٣) بإسنادٍ ضعيف، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا -: (( آمينَ
قوةُ الدعاءِ)).
وفي (( آمين)) لغتان: المدُّ، والقصرُ، والميمُ مخَفَّفةٌ، وحُكي عن
بعضهم تشديدُها ، وقالوا : معناها قاصدينَ نحوَكَ . وزعم بعضُهم أنَّ آمين اسمٌ
من أسماءِ اللهِ . وفيه أقوالٌ أخرُ لا تكاد تصلح .
(١) ((العلل)) لابنه (٣١٤).
(٢) (٩٣٨).
(٣) (٧٠٧/٢).

٤٩١
١١١ - بَابُ جَهْر الإِمَامِ بالتَّامِينِ
کتاب الأذان
و((اللَّجَّةُ)) - بفتحِ اللامِ وتشديدِ الجيمِ - : اختلاطُ الأصوات والضجَّات .
و((الرَّجَّةَ)) - بالراء - مثلُها.
وقولُ أبي هريرةَ: ((لا تسبقْنِي بآمينَ )) يدلُّ على فضلِ شهودِ المأموم مع
إمامهِ آمينَ .
وروي عن أبي الدرداءِ ، أنه سمعَ إقامةَ الصلاةِ ، فقال : أسرِعوا بنَا ندرك
آمينَ .
وقد قال وكيعٌ : منْ أدركَ آمينَ مع إمامهِ فقد أدركَ معه فضيلةَ تكبيرة
الإحرامِ .
وأنكرَ الإمامُ أحمدُ ذلكَ ، وقالَ : لا تدركُ فضيلةُ تكبيرة الإحرامِ إلا بإدراكِها
مع الإمام.
قال البخاريُّ :
٧٨٠ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أَنَا مَالِكٌّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ التِّيّ ◌َّد
قَالَ : ((إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّه مَنْ وَفَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفْرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذنبه » .
وَقَالَ ابْنُ شِهَبٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ يَقُولُ: ((آمِينَ)).
قولُ النبيِّ وَّهِ: ((آمينَ)) هو مما أرسلَه الزهريُّ في آخرِ الحديثِ. وقد رُوي
عن الزبيديِّ، عن الزهريِّ بهذا الإسنادِ، أنّ النبيَّ وَ﴿ كانَ إذا فرغَ من قراءةٍ أمِّ
القرآنِ رفعَ صوتَه ، فقالَ: ((آمينَ )) .
خرجه الدار قطنيٌ (١).
(١) (٣٣٥/١).

٤٩٢
حديث : ٧٨٠
كتاب الأذان
وقال : إسنادُه حسنٌ
كذا قال ، ووصْلُه وَهْمٌ ، إنما هو مدرَجٌ منْ قولِ الزهريِّ ، كما رواه
مالكٌ (١) .
وروى ابنُ وهبِ هذا الحديثَ ، عن مالك ويونسَ ، عن الزهريِّ ، وزاد فيه
بعدَ قوله: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا)): ((فَإِنَّ الملائكةَ تؤمّنُ» - وذكر باقي الحديثِ .
خرَّجه البيهقيُّ (٢).
وخرجهُ ابنُ ماجه(٣) بهذه الزيادةِ - أيضًا - من روايةٍ سفيانَ ، عنِ الزهريِّ .
دلَّ هذا الحديثُ على أن الإمامَ والمأمومينَ يؤمِّنُونَ جميعًا ، وهذا قولُ
جمهورِ أهلِ العلمِ .
رُوي عن أبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ .
وقال عطاءٌ (٤): لقد كنتُ أسمعُ الأئمةَ يقولونَ على إثر أمِّ القرآنِ : آمينَ ،
هم أنفسُهم ومن وراءَهم ، حتى إنَّ للمسجد للَجَّةٌ .
وبهذا قال الثوريُّ وأبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وابنُ المباركِ والشافعيّ وأحمدُ
وإسحاقُ وأبو عبيدٍ .
(١) قلت: قول الدارقطني هاهنا: ((إسناده حسن)) لا يفيد أنه محفوظ عنده، فإن ((الحسن))
يطلقه المتقدمون - ومنهم : الدارقطني - على الغريب والمنكر ، وقد بينت ذلك بأمثلته في
كتابي: ((لغة المحدث))، وذكرت أيضًا في كتابي ((النقد البناء لحديث أسماء في كشف
الوجه والكفين للنساء )) شواهد كثيرة على ذلك من كلام الأئمة ، ومن كلام الدار قطني على
وجه الخصوص .
ويدل على ذلك: أنه ذكر هذا الحديث في ((العلل)) وذكر أوجه الاختلاف فيه سنداً ومتنًا،
ثم قال (٩٠/٨): ((والمحفوظ: من قول الزهري مرسلاً)). والله الموفق.
(٢) (٢/ ٥٧).
(٣) (٨٥٢)
(٤) عبد الرزاق (٩٦/٢-٩٧).
D

٤٩٣
١١١ - بَابُ جَهْرِ الإِمَامِ بِالَّامِينِ
کتاب الأذان
وهو رواية المدنيينَ عن مالك واختيارُهم.
وروى ابنُ القاسمِ، عن مالك ، أن الإمام لا يُؤْمِّنُ ، إنما يؤمِّنُ مَن خلفَه ،
وهو اختيارُ المصريينَ مِن أصحابِهِ .
وحملُوا قولَه: ((إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا )) على أن المراد بتأمينِ الإمامِ دعاؤه
بقراءة آخرِ الفاتحةِ ، بدليل رواية أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِ الَّه،
قال: ((إذا قالَ الإمامُ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا : آمين))
وسيأتي فيما بعد - إن شاء اللهُ .
وليس فيه ما يدلُّ على أنَّ الإمام لا يؤمِّن ، بل فيه دليلٌ على اقترانِ تأمينٍ
المأمومينِ بتأمينِ الإمامِ .
وقد خرَّجِ الإِمامُ أحمدُ والنسائيُّ (١) من حديثِ معمرٍ ، عن الزهريِّ ، عن
ابنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّبَ ◌َّ، قال: ((إذا قالَ الإمامُ ﴿غير
المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولُوا: آمينَ ؛ فإن الملائكةَ تقولُ: آمينَ ، وإنَّ
الإمامَ يَقولُ: آمينَ، فمَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غُفرَ لَه ما تقدَّم من ذنبه)) .
واختلفوا في الجهرِ بها على ثلاثةِ أقوالٍ :
أحدُها : يجهرُ بها الإمامُ ومَنْ خلفَه ، وهو قولُ عطاءِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ
وأحمدَ وإسحاقَ وابن أبي شيبة ، وعامة أهل الحديث .
واستدل بعضُهم بقوله: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمَنُوا))، فدلَّ على سماعِهم لتأمينِه.
وروي عن عطاء ، قال: أدركتُ مائتينٍ من أصحابِ محمدٍ ، إذا قالَ الإمامُ :
﴿ولا الضالين﴾ سمعتُ لهم ضَجَّةً بـ («آمينَ)) (٢).
خرجه حربٌ .
(١) أحمد (٢/ ٢٧٠) والنسائي (١٤٤/٢).
(٢) البيهقي (٥٩/٢) وعنده: ((رجّة))

٤٩٤
حديث : ٧٨٠
کتاب الأذان
والثاني : يخفيها الإِمام وُمَن خلفَه، وهو قولُ الحسنِ والنخعيِّ والثوريِّ
ومالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ .
والثالثُ : يخفيها المأمومُ كما يخفي سائرَ الأذكارِ ، ويجهرُ بها الإمامُ ، وهو
قولٌ للشافعيِّ .
ومِنْ أصحابِه من حملَه على حالٍ قِلَّةِ المأمومينَ أو صغرِ المسجدِ بحيث
يبلغُهم تأمينُ الإمامِ ، فإن لم يكن كذلكَ جهرَ المأمومونَ قولاً واحدًا .
وفي الجهر بالتَّأْمِينِ للإِمامِ أحاديثُ مرفوعةٌ يطول ذكرُها.
وقال الإمام أحمدُ - في رواية أبي داود - (١): يجهرُ الإمام حتَّى يَسْمِعَ كلُّ
مَنْ فِي المَسْجِدِ . قال أبو داودَ : وكان مسجدُه صغيراً .
وقال حربٌ : سمعتُ أحمدَ يجهرُ بآمين جهْرًا خفيفًا رقيقًا ، وربما لم أسمعه
يجهرُ بها . قال : وسمعتُ إسحاقَ قال : يجهرُ بها حتى يسمعَ الصفُّ الذي يليه.
قال : ويجهرُ بها كلُّ صفٍّ حتى يسمعَ الصفُّ الذي يليهم ، حتى يؤمِّنَ أهل
المسجد کلُّهم.
ويكونُ تأمينُ المأمومينَ مع تأمينِ الإمامِ ، لا قبله ولا بعده عند أصحابِنا
وأصحابِ الشافعي ، وقالوا : لا يستحبُّ للمأمومِ مقارنةُ إمامِه في شيءٍ غيرِ
هذا ، فإن الكلَّ يؤمِّنُونَ على دعاءِ الفاتحة ، والملائكةُ يؤمنونَ - أيضًا - على
هذا الدعاءِ ، فيشرعُ المقارنةُ بالتأمينِ للإمامِ والمأموم ، ليقارنَ ذلكَ تأمينَ
الملائكةِ في السماءِ ؛ بدليل قولِه في رواية معمرٍ : ((فإنَّ الملائكةَ تقولُ : آمينَ ،
والإمامَ يقولُ: آمينَ)، فعلل باقترانِ تأمينِ الإمامِ والملائكةِ ، ويكونُ معنى قوله:
((إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا)) - أي: إذا شرعَ في التأمينِ ، أو أرادَه .
وورد أثر يدل على تأخيرِ تأمينِ المأمومِ عنْ تأمينِ الإمامِ ، من رواية ابن
(١) (ص ٣٢).

٤٩٥
١١١ - بَابُ جَهْر الْإِمَامِ بالنَّمِينِ
كتاب الأذان
لهيعةَ ، عن يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ ، عن عبدِ اللهِ بن عتابِ العدويِّ ، قال : صليت
مُع أبي بكرٍ وعمرَ والأئمةِ بعدَهما ، فكان إذا فرغَ الإِمامُ من قراءَةٍ فاتحةِ الكِتَابِ،
فقالَ : ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمينَ، ورفع بها صوته، ثم أنصتَ، وقال مَن
خلْفَه : آمين ، حتى يرجِّعَ الناسُ بها ، ثم يستفتحُ القراءةَ.
إسنادهُ ضعيفٌ .
وتأمينُ الملائكة هو على دعاء القارئ ، هذا هوَ الصحيحُ الذي يُفهمُ من
الحديث .
وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ فيه أقوالاً أخرَ ، مرغوبًا عن ذكرِها ؛ لبعدِها
وتعسُّفِها من غیرِ دليلٍ .
وقد قال عكرمة (١) : إذا أقيمت الصلاةُ فصفَّ أهلُ الأرضِ صفَّ أهل
السماءِ ، فإذا قال أهلُ الأرضِ : ﴿ولا الضالين﴾ قالت الملائكةُ: آمينَ،
فوافقَ آمينَ أهلِ الأرضِ آمينَ لأهلِ السماءِ ؛ غفِرَ لأهلِ الأرضِ ما تقدَّم من
ذنوبِهم .
وروى العلاءُ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا قرأَ الإمامُ بأمِّ القرآنِ
فاقرأْ بها واسبقْه ؛ فإنه إذا قالَ : ﴿ولا الضالين﴾ قالت الملائكةُ: آمينَ. فمن
وافقَ ذلك قمِنٌ أن يُستجابَ لَهم.
ولا يستحَبُّ أن يصلَ آمينَ بذكرٍ آخَر ، مثلُ أن يقولَ : آمينَ ربَّ العالَمينَ ؛
لأنه لم تأتٍ به السنةُ ، هذا قولُ أصحابِنا .
وقال الشافعيُّ : هو حسنٌ :
ولا يستحبُّ أن يقدم على التأمينِ دعاءٌ ؛ لأنَّ التأمينَ على دعاء الفاتحة ،
وهو هداية الصراطِ المستقيمِ ، وهو أهمُّ الأدعيةِ وأجلُّها .
(١) عبد الرزاق (٩٨/٢) بمعناه.

٤٩٦
حديث : ٧٨٠
كتاب الأذان
ومِن السلفِ منِ استحبَّ ذلك للمأمومِ ، منهم : الربيعُ بنُ خُثيمٍ والثوريُّ.
وروى أبو نعيمٍ في (( كتاب الصلاة )) حدثنا أبو مالكِ النخعيُّ ، عن المغيرةَ
ابنِ النعمانِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : إذا قالَ الإمامُ :
﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فسل موجبة(١)، ثم قل: آمينَ.
أبو مالكِ هذا ، ضعيفٌ .
وروى أبو بكرِ النهشليَّ ، عن أبي إسحاقَ ، عن أبي عبدِ اللهِ اليحصبيِّ، عن
وائلِ بنِ حجرٍ، أنه سمعَ النبيَّ وَّ حين قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا
الضالين﴾ قال: ((ربِّ اغفرْلِي، آمينَ)).
خرجه البيهقيُّ وغيرُه (٢) .
وهذا الإسناد لا يحتج به.
وروى أبو حمزةَ ، عن إبراهيمَ النخعيِّ ، قال : كانوا يستحبونَ ذلك .
وأبو حمزة ، هو ميمونٌ الأعورُ ، ضعيفٌ .
وظاهرُ الأحاديثِ : يدلُّ على أن يوصلَ التأمينُ بالفاتحةِ من غيرِ سكوتٍ .
وروى ابنُ المبارك : ثنا عاصم الأحولُ ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، قال: إذا قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾
ووصلَ بآمينَ ، فوافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ استجيبتِ الدعوةُ .
حفصةُ ، لم تسمع منِ ابنِ مسعودٍ .
واستحبَّ الشافعيةُ أن يسكتَ بينَ الفاتحةِ والتأمين سكتةً لطيفةً ؛ ليفصِلَ
القرآن عمَّا ليس منهُ .
(١) كذا .
(٢) البيهقي (٥٨/٢) والطبراني (٤٢/٢٢-٤٣).

٤٩٧
١١١ - بَبُ جَهْرِ الإِمَامِ بالتَّمِينِ
كتاب الأذان
والتأمينُ سنةٌ في الصلاة ، وليس بواجبٍ عند جمهورِ العلماءِ.
وروى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ هانئٍ (١)، عن أحمدَ ، قال : آمينَ أمرٌ منَ
النبيِّنَّهِ؛ قالَ: ((إذا أمَّنَ القارئُّ فأمِّنوا))، فهذا أمرٌ منه، والأمرُ أوكدُ مَن
الفعلِ .
(١) في ((مسائله)) (٤٥/١).

٤٩٨
حديث : ٧٨١
كتاب الأذان
١١٢ - بَابُ
فَضْلِ التَّمِينِ
٧٨١ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا (١) مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آَمِينَ [و] قَالَتِ الْمَلائِكَةُ
فِي السَّمَاءِ: آمِينَ ، فَوَافَقَتْ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى غُفْرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
وخرَّج مسلمٌ (٢) من رواية أبي يونسَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّل
قال: ((إِذَا قالَ أحدُكم في الصلاةِ: آمينَ ، والملائكةُ في السماء : آمينَ ، فوافقَ
إحدَاهُما الأخرَى غُفَرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه )).
ومن روايةٍ سهيلٍ (٣)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَِّ قال:
((إذا قالَ القارئُّ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فقالَ منْ خلفَه :
آمينَ ، فوافقَ قولُه قولَ أهل السماء ، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)) .
وروى إسحاقُ بنُ راهَوَيَه : حدثنَا جريرٌ : ثنا ليثٌ ، عن كعبٍ ، عن
أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((إذا قالَ الإمامُ: ﴿غير المغضوب
عليهم ولا الضالين﴾ فقالَ: آمينَ، فوافقَ آمينُ أهلِ الأرض آمينَ أهلِ السماءِ ،
غَفَرَ اللهُ للعبدِ ما تقدَّم من ذنبه . ومَثَلُ مَن لا يقولُ : آمينَ كمثل رجلٍ غزاً مع قومٍ
فاقترَعُوا ، فخرجتْ سهامُهُم ولم يخرج سهمُهُ ، فقال: لِمَ لَمْ يخرجِ سَهْمي ؟
فقيلَ : إنك لم تقلْ آمينَ )) .
قال أبو هريرةَ : وكان الإمامُ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ جهرَ بآمينَ.
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٢) (٢ / ١٧).
(٣) (١٨/٢).
1

٤٩٩
١١٢ - بَابُ فَضْلِ التَّأْمِينِ
كتاب الأذان
كعبٌ هذا ، قال أحمد : لا أدري من هو . وقال أبو حاتم : مجهولٌ
لا يعرَفُ.
وقد ذكرنا - فيما تقدَّم - أنَّ الحديثَ على ظاهرِهِ ، وأن الملائكةَ في السماءِ
تؤمِّنُ على قراءةِ المصلِّينَ في الأرضِ للفاتحةِ .
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) من روايةِ العلاء(٢) ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ ،
عنِ النبيِّ بََّ، قال: ((قال اللهُ عز وجل : قسمت اُلصلاةَ بيني وبينَ عبدِي
نِصْفَينِ ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال اللهُ:
حمدني عبدي ، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قالَ اللهُ: أَثْنَى على عبدي ، فإذا
قالَ : ﴿ مالك يوم الدين﴾ قال: مجّدني عبدي - وقال مرة: فوّض إليّ عبدي- ،
فإذا قال : ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما
سألَ . فإذا قال : ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب علهيم ولا الضالين﴾ قالَ: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ».
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ اللهَ يستمع لُقراءة المصلِّى حيثُ كان مناجيًّا له ،
ويردُّ عليه جوابَ ما يناجيه به كلمةً كلمةً ، فأولُ الفاتحة حمدٌ ، ثم ثناءٌ ، وهو
تثنية الحمدِ وتكريرُهُ ، ثم تمجيدٌ، والثناءُ على الله بأوصافِ المجدِ والكبرياءِ
والعظمةِ ، ثم ينتقلُ العبدُ منَ الحمدِ والثناءِ والتمجيدِ إلى خطابِ الحضورِ ، كأنه
صلُحَ حينئذٍ للتقريبِ مِنَ الحضرةِ(٣) فخاطب خطابَ الحاضرينَ ، فقال ﴿إِياك
نعبد وإياك نستعين﴾ .
وهذه الكلمةُ قد قيل : إنها تجمعُ سرَّ الكتبِ المنزلةِ من السماء كلِّها ؛ لأن
(١) (٢/ ٩).
(٢) في الأصل و ((س)) ((ابن العلاء )) خطأ.
(٣) في الأصل و((س)): ((الخطرة)).

٥٠٠
حديث : ٧٨١
كتاب الأذان
الخلقَ إنما خُلِقُوا ليؤْمَروا بالعبادةِ، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنما أُرسلتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتبُ لذلكَ، فالعبادةُ
حقُّ اللهِ على عبادِهِ ، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدونِ إعانة اللهِ لهم ، فلذلك كانتْ
هذه الكلمةُ بينَ اللهِ وبين عبدِه ؛ لأن العبادةَ حقَّ الله على عبده، والإعانةُ
من اللهِ فضلٌ من اللهِ على عبدِه .
وبعد ذلك الدعاء بهدايةِ الصراطِ المستقيمِ ؛ صراطَ المُنْعَم عليهم ، وهُم
الأنبياءُ وأتباعُهم منَ الصديقينَ والشهداء والصالحينَ ، كما ذكر ذلك في سورةِ
النساء .
فَمَنِ استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ الدنيا والآخرةِ ، واستقامَ
سَيْرُه على الصراطِ يومَ القيامةِ ، ومَن خرج عنه فهو إما مغضوبٌ عليه ، وهو مَن
يعرفُ طريقَ الهُدَى ولا يتبعُه كاليهودِ ، أو ضالٌّ عن طريقِ الهُدَى كالنصارى
ونحوِهم منَ المشركينَ .
فإذا ختم القارِئُ في الصلاة قراءة الفاتحة، أجابَ اللهُ دعاءَه فقال: (( هذا
لعبدي ولعبدي ما سألَ )) . وحينئذٍ تؤمِّن الملائكةُ على دعاءِ المصلِّى، فيشرعُ
للمصليِّن موافقتُهم في التأمينِ معهم ، فالتأمينُ مُما يستجَابُ بُه الدعاءُ.
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النبيِّ بََّ، قال:
((إذا قالَ الإمامُ :- ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فَقُولُوا: آمينَ ،
يُحِبْكُمُ اللهُ)) .
ولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءةِ الإمامِ ، مأمورًا بالتأمين على دعائِه
عند فراغ الفاتحةِ ؛ لم يكن عليه قراءةٌ ؛ لأنَّه قد أنصت للقراءة ، وأمَّنَ على
الدعاء ، فكأنه دعا ؛ كما قالَ كثيرٌ من السلفِ في قول اللهِ تعالَى لموسى
٠
(١) (٢/ ١٤ - ١٥).