Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
٩٣ - بَابِّ الالتفات في الصلاة
كتاب الأذان
بذلك نقصٌ في صلاته وخللٌ .
ولم يأمره بالإعادة لذلك ، فدلَّ على أنه نقصٌ لا يوجب الإعادةَ .
والالتفاتُ نوعان :
أحدُهما : التفاتُ القلبِ إلى غيرِ الصلاةِ ومتعلقاتِها ، وهذَا يُخلُّ بالخشوع
فيها ، وقد سبق ذكرُ الخشوعِ في الصلاة وحكمه .
والثاني : التفاتُ الوجهِ بالنظرِ إلى غيرِ ما فيهِ مصلحةُ الصلاةِ ، والكلامُ
هاهنا في ذلك .
ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ ، قال : لا يقطعُ الصلاةَ إلا الالتفاتُ .
خرجه وکیعٌ بإسنادٍ فيه ضعفٌ .
وروى بإسناد جيد ، عن ابنِ عمرَ ، قال : يُدعى الناسُ يوم القيامةِ
المنقوصينَ . قيل : وما المنقوصونَ ؟ قال : الذي يُنقِصُ أحدُهم صلاتَه في
وضوئِه والتفاته .
قال ابنُ المنذرِ(١) - فيما يجبُ على الملتفتِ في الصلاة - :
فقالت طائفةٌ : تنقصُ صلاتُه ، ولا إعادةَ .
رُويَ عن عائشةَ ، أنها قالتْ : الالتفاتُ في الصلاة نقصٌ .
وبه قال سعيدُ بنُ جبيرٍ .
وقال عطاءٌ : لا يقطعُ الالتفاتُ الصلاةَ .
وبه قال مالكٌ والأوزاعيُّ وأصحابُ الرأي .
وقال الحكمُ : مَن تأمَّل مَنْ عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه
فليسَ له صلاةٌ .
(١) ((الأوسط)) له (٩٦/٣).

٤٠٢
حدیث : ٧٥١ - ٧٥٢
كتاب الأذان
وقال أبو ثورٍ : إذا التفتَ ببدنه كلِّه تفسدُ صلاتُه .
وروِينا [عن الحسن](١)، أنه قال: إذا استدبر الرجلُ القبلةَ استقبلَ ، وإن
التفتَ عن يمينِه وعن شمالِه مضى في صلاتِه .
والذي قاله الحسنُ حسنٌ . انتهى .
قال ابنُ منصورِ : قلتُ لأحمدَ : إذا التفتَ في الصلاة يعيدُ الصلاةَ ؟ قال :
أساءَ ، ولا أعلمُ أني سمعتُ فيه حديثًا أنه يعيدُ .
قال إسحاقُ : كما قال .
وقال أصحابُنا : الالتفاتُ الذي لا يبطلُ أن يلويَ عنقه ، فأما إن استدارَ
بصدره بطلت صلاتُه ؛ لأنه ترك استقبالَ القبلَةِ بمعظم بدنه ، بخلاف ما إذا
استدارَ بوجهِه؛ فإن معظمَ بدِنِه مستقبل للقبلة .
وحكَوْا عن المالكيةِ ، أنه لا يبطل بالتفاته بصدرِه حتى يستدبرَ ، إلحاقًا
للصدر على الوجه .
فأما الالتفاتُ لمصلحة الصلاةِ ، كالتفاتِ أبي بكرٍ لما صفَّق الناسُ خلفَه
وأكثروا التصفيقَ - وقد سبق حديثُه - ، فلا ينقصُ الصلاةَ .
ويدل عليه: قولُ النبيِّ وََّ: ((من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا
سَبِّح التفتَ إليه)) .
وكذلك التفتَ النبيُّ نَّهِ إِلى مَنْ صلَّى خلفه، لما صلَّى بهم جالسًا وصلَّوْا
وراءَه قيامًا ، وقد سبق - أيضًا .
وقد رُوي عن النبيِّ بَّهَ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحةٍ غيرِ مصلحةٍ
الصلاة :
فروى سهلُ بنُ الحنظليَّةِ ، قال : ثُوِّبَ بالصلاةِ - يعني : صلاةَ الصبحِ - ،
فجعل رسولُ اللَّهِ وَلَه يصلِّي، وهو يلتفتُ إلى الشِّعْبِ.
(١) زيادة للسياق ويؤيده ما سيأتي قريبا وكذا ما في ((كتاب ابن المنذر)).
.-- -

٤٠٣
٩٣ - بَابٌّ الالتفات في الصلاة
كتاب الأذان
خرجه أبو داودَ (١) .
وقال : كان أرسل فارسًا إلى الشعبِ من الليلِ يحرسُ .
وخرجه ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه)) والحاكمُ وصححه (٢).
وهذا فيه جمعٌ بين الصلاةِ والجهادِ .
ومن هذا المعنى : قولُ عمرَ : إني لأجهزُ جيشِي وأنا في الصلاةِ .
وقد رُويَ عن النبيِّبََّ، أنهُ كانَ يلحظُ في صلاتِه .
فروى الفضلُ بْنُ موسى ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سعيدِ بنِ أبي هندٍ ، عن ثورِ بنِ
زيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، أن النبيَّ وَّ كان يلحظُ يمينًا وشمالاً، ولا
يلوي عنقَه خلفَ ظهرِهِ .
خرجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ (٣).
وقال : غريب .
ثم خرجه من طريق وكيع ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سعيدِ بنِ أبي هندٍ ، عن بعضِ
أصحابِ عكرمةَ، أن النبيَّ ◌ََّ كان يلحظُ في الصلاة - فذكر نحوه .
وخرجَه أبو داود في بعض نسخٍ ((سننه)) (٤).
ثم خرجه من طريقِ رجلٍ ، عن عكرمةَ .
وقال : هو أصحّ .
وأنكر الدارقطنيَّ وصلَ الحديثِ إنكارًا شديدًا ، وقال : هو مرسلٌ .
وقد رواه - أيضًا - مندلٌ ، عن الشيبانيِّ عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان
رسولُ اللّهِ وَ إِذَا صلى يلاحظُ يمينًا وشمالاً .
(١) (٩١٦ ) .
(٢) ابن خزيمة (٤٨٧) والحاكم (٨٤/٢).
(٣) أحمد (٢٧٥/١ - ٣٠٦) والنسائي (٩/٣) والترمذي (٥٧٨).
(٤) انظر: ((تحفة الأشراف)) (١١٧/٥).

٤٠٤
حديث : ٧٥١ - ٧٥٢
كتاب الأذان
خرجه ابْنُ عديٍّ (١).
ومندلٌ ، ضعيفٌ .
وَلّ كان يلمحُ في
وروى الزهريَّ ، عن سعيد بن المسيبِ ، أنَّ النبيُّ
الصلاة ، ولا يلتفتْ .
خرجه ابنُ أبي شيبةَ (٢) بإسنادِ فيه جهالةٌ ، وهو مرسلٌ .
وقد وصلَه بعضُهم ، وأنكر ذلك الإمامُ أحمدُ ، وضعَّفَ إسنادَه ، وقال :
إنما هو : عن رجلٍ ، عن سعيد (٣).
وقد يُحملُ هذا - إنْ صَحَّ - على الالتفاتِ لمصلحةٍ .
وقد رُويَ عن عليٍّ بنِ شيبانِ الحنفيِّ، قال: قدِمْنا على النبيِّمَّهِ وصلَّيْنا
معه ، فلمح بمؤخرِ عينِه رجلاً لا يقيم صُلْبَه في الركوعِ ولا في السجود ،
فقال : ((لا صلاةَ لمن لا يقيمُ صُلْبَه)) .
خرجه الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ وابنُ ماجه(٤).
وقد رُويَ الالتفاتُ في الصلاة يمينًا وشمالاً عن طائفة من السلف ، منهم :
أنسٌ والنخعيُّ وعبدُ اللَّهِ بْنُ معقلِ بنِ مقرنٍ .
وروى مالكٌ (٥)، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كانَ لا يلتفتُ في صلاته
حتى يقضيها .
(١) (٦ / ٢٤٤٨) .
(٢) (٣٩٦/١) بلفظ: ((يلحظ)) وكذا هو في الموضع الآتي.
(٣) في الأصل: ((عن ابن سعيد)) خطأ.
وكلام أحمد هذا حكاه عنه الميموني ، وقد ذكره بتمامه ابن القيم في ((زاد المعاد»
(٥٤٩/١)، وقد سبق الإشارة إليه .
(٤) أحمد (٣٤/٤) وابن حبان (١٨٩١) وابن ماجه (٨٧١) .
(٥) (ص ١٢٠) .
١

٤٠٥
٩٣ - بَابٌ الالتفات في الصلاة
کتاب الأذان
وعن أبي جعفرَ القارئ ، قال : كنتُ أصلِّي وابنُ عمرَ ورائِي ، ولا أعلم ،
فالتفتُّ ، فغمزني .
وروى حميدٌ ، عن معاويةَ بنِ قرةَ، قال : قيلَ لابنِ عمرَ : إنَّ الزبيرَ (١) إذا
صلَّى لم يقلْ هكذا ولا هكذا ؟ قال : لكنا نقولُ كذا وكذا .
وفي رواية : ونكونُ مثلَ الناسِ .
وقد رُويتِ الرخصةُ في الالتفاتِ في النافلةِ .
فخرج الترمذيُّ (٢) في حديث عليٍّ بنِ زيدٍ ، عن ابنِ المسيبِ ، عن أنسٍ ،
قال: قال لي رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يا بنيَّ، إياكَ والالتفاتَ في الصلاة ؛ فإن
الالتفاتَ في الصلاة هلكةٌ، فإن كان لا بدَّ ففي التطوعِ، لا في الفريضة)).
وقال : حديثٌ حسنٌ .
وذكر في ((كتاب العللِ)): أنه ذاكرَ به البخاريَّ، فلم يعرفْه ، ولم يعرفْ
لابن المسيبِ عن أنسٍ شيئًا .
وقد رُويَ عن أنسٍ من وجوهٍ أُخَر ، وقد ضُعََّتْ كلُّها .
وخرج الطبرانيَّ نحوَه بإسنادٍ ضعيفٍ ، عن أبي الدرداءِ مرفوعًا .
ولا يصح إسنادهُ - أيضًا .
قال الدار قطنيُّ : إسنادهُ مضطربٌ ، لا يثبتُ .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
(١) الأشبه: ((ابن الزبير)) كما في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٩٦/١).
(٢) (٥٨٩) .

٤٠٦
حديث : ٧٥٣
كتاب الأذان
٩٤ - بَابٌ
هَلْ يَلْتَفْتُ لأَمرِ ينزِلُ بِهِ
أَوْ يَرَى شَيْئًا أَوْ بُصَافًا فِى الْقَبْلَةِ ؟
وَقَالَ سَهْلٌ: الَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَأَى النَِّيَّ ◌َ.
حديثُ سهلٍ ، قد سبق(١) بتمامه في التفاتِ أبي بكرٍ لما جاء النبيّ
وأكثرَ الناسُ التصفيقَ خلف أبي بكرٍ .
خرج فيه حدیثین :
أحدُهما :
صَلىالله
وسلم
قَالَ :
٧٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: ثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمرَ ، أَنَّهَ قَالَ : رَأَى النَّبِيُّ
﴿ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ
انْصَرَف: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ ، فَلاَ يَتَخَّمَنَّ أَحَدٌ
قَبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاَةَ )) .
رَوَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي رَوَّادِ، عَنْ نَافِعٍ.
هذا الحديث ، قد خرجه البخاريّ في مواضعَ أخرَ من طريقِ مالكٍ وجويريةَ
ابنِ أسماءَ ، عن نافعٍ(٢).
ومراده بتخريجه هاهنا: أن النبيَّ وَ﴿﴿ رآها في حال صلاتِه ، كما في روايةٍ
الليثِ التي خرَّجها هاهنا ، وذكر أنه تابعَه على ذلك موسىُ بنُ عقبةً وابنُ
أبي روَّادِ .
(١) برقم (٦٨٤).
(٢) (٤٠٦) (٦١١١).
i

٤٠٧
٩٤ - بَابُ هَلْ يَلْتَفِتُ لأمرِ ينزِلُ بِهِ ؟
كتاب الأذان
وقد خرج مسلمٌ (١) حديثَ موسى، إلا أنَّه لم يتمَّ لفظَه.
وقد رواه أيوبُ، عن نافعٍ، وذكر فيه أن النبيَّ وَّهِ رأى النُّخَامَةَ وهو
يخطبُ .
خرجه أبو داودَ (٢).
وظاهرُ روايةِ الليثِ يدلَّ على أنه حتَّها وهو في الصلاةِ
.
وقد رُويَ : أنه حتَّها حين فرغَ من الصلاةِ.
خرجه الإمامُ أحمدُ (٣) من روايةِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روّادٍ ، عن نافعٍ ، عن
ابنِ عمرَ ، قال: صلَّى رسولُ اللّهِ وَلِّ، فرأَى نُخَامةً، فلما قضى صلاتَه قال:
(( إِنَّ أحدكم إذا صلَّى في المسجد فإنَّه يناجي ربَّه، وإن اللّهَ تبارك وتعالى يستقبلُه
بوجهه ، فلا يتنحّمَنّ أحدكم في القبلة ، ولا عن يمينه )). ثم دعا بعود فحكّه، ثم
٠
دعا بخلوق فخضّبه .
فهذه روايةُ ابنُ أبي روََّدِ التي أشار إليها البخاريُّ.
.( [.
وأما روايةُ موسى بِنْ عقبةً [.
وبكل حالٍ ؛ فليس في الحديث دليلُ على الالتفاتِ في الصلاة ، إنما فيه
دليلٌ على جوازِ نظرِ المصلِّي إلى قبلتِهِ ، ورؤيتِه ما فيها ، وأنَّ ذلك لا ينافي
الخشوعَ كما يُحكى عن بعضِهم ، وأنه لا يُكْره للمصلِّي أن ينظر في قيامه إلى ما
بين يديهِ ، ويزيدَ رفعَ بصرِهِ عن محلٌّ سجودِهِ.
(١) (٢/ ٧٥).
(٢) (٤٧٩). وأصله عند البخاري (١٢١٣).
(٣) (١٨/٢-٣٤).
(٤) بياض بالأصل قدر سطر.
وراجع: ((تغليق التعليق)) (٣٠٨/٢ - ٣٠٩).

٤٠٨
حديث : ٧٥٤
کتاب الأذان
وأما حديثُ سهلِ المتقدمُ ، ففيه جوازُ التفاتِ المصلِّي في صلاته لأمر
يعرضُ له في صلاته ، ولا سيما إذا نبَّهه المأمومون بالتسبيح ونحوه ؛ ولهذا قال
النبيُّ ◌ََّ: ((فإنه إذا سبَّح به التَفَتَ)).
وقد سبق في ((أبواب: المساجد)) قَولُ النبيِّمَلَّ في المصليِّ: ((إنه يبزقُ
عن يساره ، أو تحت قدمه )).
وبصاقُه عن يسارِهِ إنما يكون بنوع من الالتفاتِ يسيرِ ، ولكنه لمصلحة
الصلاة ؛ فلذلك أمرَ به.
الحديث الثاني :
٧٥٤ - حدثنا يَحْبَي بْنُ بُكَيْر: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي
أَنَسُ بْنُ مَالِك، قَالَ: بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَةِ الْفَجْرِ ، لَمْ يَفْجَاهُمْ إِلاَ رَسُولُ اللهَ
وَِّ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ ، وَنَكَصَ
أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ لِيَصِلَ الصَّفَ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوِجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ
يُفَْنُوا فِي صَلاَئِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ أَتِمُوا صَلَكُمْ، وَأَرْخَى السَّرِ، وَتُوُقّيَ فِي
آخِرِ ذَلَكَ الْيَوْمِ ◌ِ(١).
قد تقدمَ هذا الحديثُ - أيضًا .
والمقصود منه في هذا البابِ : أن أبا بكرٍ ومَن كان خلفَه في صلاة الفجرِ
رأوا النبيَّ وََّ حين كشفَ سِتِرَ حُجرة عائشةَ، وظنوا أنه خارجٌ للصلاةِ ، حتى
نكصَ أبو بكرٍ على عَقِبَيْه ؛ ليصِلَ إلى الصفِّ؛ لأجل النبيِّ وَِّ، حتى يجيءَ
فيقومُ مقامَهُ في الإمامة .
(١) (وَليز) ليست في (( اليونينية)).

٤٠٩
٩٤ - بَبُ هَلْ يَلْتَفِتُ لأَمرِ ينزِلُ بِهِ ؟
کتاب الأذان
وإنما يكون نظرهم إليه في الصلاةِ بنوعٍ من الالتفاتِ ، فإنَّ حُجَرَهُ عن يسار
المسجدِ، ليست في قبلته، على ما لا يخفى، وقد أشارَ إليهم النبيُّ وَ لَّ أنْ
أتمُّوا صلاتكم ، ولم ينههُم عن نظرِهم إليه ، فدلَّ على جوازِ التفاتِ المصلِّى
التفاتًا يسيرًا يتعلَّق بالصلاة ، فإنه غيرُ منهيٍّ عنه.

٤١٠
حديث : ٧٥٤
کتاب الأذان
٩٥ - بَابُ
وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا
فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَمَا يُجْهَّرَّ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ
قد ذكرنا هذا البابَ بكمالِه عند تفسيرِ قولِه تعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ
و
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] في آخر سورة الأعرافِ، فأغنَى عن إعادته
هنا .
ولله الحمدُ.

٤١١
٩٦ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
کتاب الأذان
٩٦ - بَابُ
الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
فيه ثلاثةُ أحاديثَ :
الأولُ (١) :
٧٥٨ - حَدِّنَا أَبُو النُّعْمَانِ: ثَنَا أَبُو عَوَنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِ
ابن سَمُرَةَ ، قَالَ: قال سَعْدٌ: قَدْ كُنْتُ أُصَلِيِّ بِهِمْ صَلَةَ رَسُولِ اللهِ وَه صَلَةَ
الْعَشِيِّ، لاَ أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِي الأُولَيْنِ ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَبَيْنِ. قَالَ عُمَرُ:
ذَلِكَ الظَّنُّبِكَ .
صلاةُ العشيِّ : هي صلاةُ الظهرِ والعصرِ ، لأن العشيَّ هو ما بعدَ الزوالِ .
وركودُه في الأولييْن وتطويلُه ، إنما هو لطول القراءة ، وقد خالفَ ابن
عباسٍ في ذلك .
وقد خرجَ البخاريُّ فيما بعدُ (٢) من حديث أيوبَ، عنْ عكرمةً ، عن ابْنِ
عباسٍ، قال: قرأَ النبيُّ نَّهِ فيما أُمر، وسكتَ فيما أُمر ﴿وَمَا كَانَ رِبُّكَ نَسِيًّا ﴾
[مريم: ٦٤]، و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
فهذا يدلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرى أن النبيَّ مَّه لم يكن يقرأُ في صلاة
الظهرِ والعصرِ شيئًا .
وقد تأوَّلَه الإسماعيليُّ وغيرُهُ على أنه لم يكن يجهرُ بالقراءة ، بلْ يقرأُ سرًا.
وهذا لا يصحُّ ؛ فإنَّ قراءةَ السِّرِ لا تسمَّى سكوتًا.
(١) هذا الحديث في بعض النسخ ضمن أحاديث الباب السابق.
(٢) (٧٧٤).

٤١٢
حدیث : ٧٥٨
کتاب الأذان
وقد رُوي عنِ ابنِ عباسٍ التصريحُ بخلافٍ ذلك.
وخرج الإمامُ أحمدُ (١) حديثَ أيوبَ، عنْ عِكرمةَ بزيادةٍ في أولِه ، وهي :
لم يكنِ ابنُ عباسٍ يقرأُ في الظهرِ والعصرِ - وذكر الحديثَ .
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٢) من حديث موسى بنٍ سالمٍ: ثنا عبدُ اللّهِ
ابنُ عبيد اللّهِ ، قال : دخلتُ على ابنِ عباسٍ في شبابٍ من بني هاشمٍ ، فقلنا
لشابٌّ منَّا : سلِ ابْنَ عباسٍ: أَكانَ رسولُ اللّهِ بَّهِ يقرأُ في الظهرِ والعصرِ؟ قال:
لا . قيلَ له: فلعلَّه كان يقرأ في نفسه . فقال: خمشًا(٣)، هذه شرٌّ مِنَ الأولَى،
وكان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أُرسلَ به - وذكر الحديثَ.
وخرج الإمامُ أحمدُ (٤) من رواية أبي يزيدَ ، عن عكرمةَ ، عنِ ابنِ عباسٍ ،
نحوَ حديثٍ أيوبَ ، وزاد : قيلَ له : فلعلَّه كان يقرأُ في نفسِهِ ، فغضبَ منهم ،
وقال: أيَّهِمُ رسولُ اللّهِ وِِّ؟!
وروى ابنُ أبي ذئبٍ ، عن شعبةً مولى ابنِ عباسٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه
سُئِل: أفِي الظهرِ والعصرِ قراءةٌ ؟ قال: لا. قيل له: عن رسولِ اللّهِ وَل هذا؟
قال: لا، ثم قال: إن رسولَ اللّه وَ ل﴿ لو قرأ علَّم ذلك الناسَ (٥).
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - أيضًا (٦) - من طريقِ حُصينٍ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لا أدري أكانَ رسولُ اللّهِ وَله يقرأُ في الظهر
(١) (١/ ٣٤٤).
(٢) أحمد (٢٤٩/١) وأبو داود (٨٠٨).
(٣) دعاء عليه بأن يخمش وجهه أو جلده ، كما يقال: جدعًا له وصلبًا وطعنًا ونحو ذلك من
الدعاء بالسوء (خطابي في «معالم السنن))).
(٤) (١/ ١٨ ٢).
(٥) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٤٢٩/١١) لكن فيه: ((فيهما قراءة)»
(٦) أحمد (٢٤٩/١ -٢٥٧) وأبو داود (٨٠٩).

٤١٣
٩٦ - بَبُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
كتاب الأذان
والعصرِ ، أم لا ؟
وهذه الروايةُ تقتضِي أنه شكَّ في ذلك ، ولم يجزِم فيه بشيءٍ.
وخرج الإمامُ أحمدُ (١) من روايةِ الحسنِ العُرَنَيِّ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ما
أدرِي أكانَ رسولُ اللّهِ ◌َه يقرأُ في الظهرِ والعصرِ، أم لا، ولكنا نقرأُ (٢).
الحسن العرنّي ، لم يسمعْ منِ ابن عباسٍ .
وروى موسى بنُ عبدِ العزيزِ القنبارِيُّ ، عن الحكم - هو ابنُ أبانٍ - عن
عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أسمعُ رسولَ اللّه ◌ِّر قرأْ في الظهرِ
والعصرِ، ولم يأمرنا به، وقد بلَّغْ وََّ(٣).
وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ من وجهٍ آخر ، أن النبيَّ ◌َّارِ كان يقرأُ ، ولكنْ في
إسناده ضعفٌ .
خرجه ابن أبي داودَ (٤) في ((كتاب الصلاةِ )) من طريقِ سفيانَ ، عن زيد
العَميِّ، عن أبي العاليةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قَالْ رَمَقَ أصحابُ رسولِ اللّهِ وَل
رسولَ اللّهِ وَّه فِحَزَرُوا قراءَتَه في الظهرِ والعصرِ، بقدرٍ ﴿تنزيلَ﴾ السجدة.
وقال : لم يُسنْده عن سفيانَ إلا يزيدُ بنُ هارونَ ، ولم نسمعْه من أحدٍ إلا
من الحسنِ بنِ منصورٍ ، وذكرتُه لأبي : فأُعجب به ، وقال : حديثٌ غريبٌ .
وزيدٌ العميُّ ، متكلَّمٌ فيه (٥) .
(١) (١ / ٢٣٤).
(٢) في الأصل: ((وكنا)) والمثبت من ((المسند)).
(٣) أخرجه الطبراني (٢٤٠/١١).
(٤) بالأصل ((أبو داود))، والصواب: ((ابن أبي داود))، وقد تقدم ذكر كتاب ((الصلاة)) له
ويؤيده ما بعده والله أعلم.
(٥) قلت: والصواب إرساله، وكذا خرجه عبد الرزاق (١٠٥/٢) وابن أبي شيبة (٣١٣/١)
مرسلاً .
!

٤١٤
حديث : ٧٥٩
کتاب الأذان
الحديثُ الثانِي :
٧٥٩ - ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْتَى، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ
أَبِيه، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهرِ بِفَاتِحَةً
الْكِتَابِ وَسُورَيْنِ (١) ، يُطَوّلُ فِي الأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا،
وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، وَكَانَ يُطَوِّلُ [فِي الأُولَى، وَكَانَ
يُطَوِّلُ](٢) في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصَّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ.
في هذا الحديث : دليلٌ على استحبابِ القراءةِ في الركعتينِ الأولَيَين من
صلاةِ الظهرِ والعصرِ بسورة سورةٍ مع الفاتحةِ ، وهذا متفقٌ على استحبابِه بين
العلماءِ ، وفي وجوبِهِ خلافٌ سبقَ ذكرُه .
وفيه: أن عادةَ النبيِّ بَّهَ كانت القراءةَ بسورةٍ تامَّةٍ، وهذا هو الأفضلُ
بالاتفاق؛ فإنْ قرأ السورةَ في ركعتين لم يُكْره - أيضًا-، وقد فعله أبو بكر الصديقُ.
قال : الزهريُّ : أخبرني أنسٌ ، أن أبا بكرٍ صلَّى بهم صلاةَ الفجرِ ، فافتتحَ
بهم سورةَ البقرةِ ، فقرأها في ركعتين ، فلما سلَّم قام إليه عمرُ ، فقال : ما كنت
تفرغُ حتى تطلعَ الشمسُ. قال : لو طلعتْ لألفتْنا غيرَ غافِلِينَ (٣).
ورخَّص فيه سعيدُ بنُ جبيرٍ وقتادةُ وأحمدُ ، ولا نعلمُ فيه خلافًا إلا رواية
عن مالكٍ ، وسيأتي حديثُ قراءةِ النبيِّ ◌َِّ بالأعرافِ في ركعتينِ من المغربِ .
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٤) عن عبدِ اللّهِ بنِ السائبِ، أن النبيَّ نَّ صلَّى بهم
صلاةَ الفجرِ فافتتح بسورةِ المؤمنينَ ، حتى أتى على ذكرِ موسى وهارونَ ،
(١) في الأصل: ((وسورة)).
(٢) ساقط من الأصل .
(٣) عبد الرزاق (١١٣/٢) وابن أبي شيبة (١/ ٣١٠) والبيهقي (٣٨٩/٢).
(٤) (٣٩/٢) .
:

٤١٥
٩٦ - بَابُ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ
كتاب الأذان
فأخذتْه سعلَةٌ فركعَ .
وكذلك لو قرأ في ركعة بسورة وفي أخرى ببعض سورة ، وقد روي عن عمرَ
وابنِ مسعودٍ .
وإن قرأ في الركعتين ببعضِ سورة : إمَّ من أوائلها ، أو أواسطها ، أو
أواخرِها ففي كراهته خلافٌ عن أحمدَ ، وسنذكره فيما بعدُ - إن شاء اللهُ سبحانَه
وتعالى - ؛ فإن البخاريَّ أشارَ إلى هذه المسائِل
وليس في حديثِ أبي قتادةَ تعيينُ السورتَيْن المقروءِ بهما في الظهرِ والعصرِ ،
وقد ورد تعيينُ السورِ ، وتقديرُ قراءتِه في أحاديثَ أُخَر .
فخرَّج مسلمٌ (١) من حديث أبي سعيد الخدريِّ ، قال : كنا نحزرُ قِيامَ
رسول اللَّهِ ، في الظهرِ والعصرِ ، فحزرنَا قيامَه في الركعتينِ الأوليْيْن منَ الظهرِ
قدرَ قراءةِ ﴿الم تنزيل﴾ السجدة، وحزرنَا قيامَه في الأُخرِيَّيْن قدرَ النصفِ من
ذلك ، وحزرنَا قيامَه في الركعتين الأوليّيْن من العصرِ قدر قيامِه من الأخريين في
الظهرِ ، وفي الأخريين من العصرِ على النصفِ من ذلكَ.
وفي روايةٍ له - أيضًا (٢) - : كان يقرأُ في صلاة الظهرِ في الركعتينِ الأوليينِ
في كل ركعةٍ قدرَ ثلاثينَ آيةً ، وفي الأخريين قدر خمسَ عشرةَ آيَةً - أو قالَ :
نصفَ ذلكَ - وفي العصرِ في الركعتين الأوليين في كلِّ ركعةٍ قدرَ قراءةِ خمس
عَشرةَ ، وفي الأخريين قدَر نصفٍ ذلك.
وخرجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٣) عن أبي سعيدٍ ، قال : اجتمعَ ثلاثونَ مِن
أصحابِ رسولِ اللّه وَّه، فقالوا: تعالَوْا حتى نقيسَ قراءةَ النبيِّ نَّ فيما لم
(١) (٢/ ٣٧).
(٢) (٣٨/٢).
(٣) أحمد (٣٦٥) وابن ماجه (٨٢٨) وليس عند أحمد ذكر أبي سعيد.

٤١٦
حديث : ٧٥٩
کتاب الأذان
يجهر به من الصلاة ، فما اختلف منهم رجلانٍ ، فقاسوا قراءَته في الركعة الأولَى
من الظهرِ بقدر ثلاثين آيةً ، وفي الركعةِ الأخرى بقدر النصف من ذلك ، وقاسوا
ذلك في صلاة العصرِ على قدر النصفِ منَ الركعتين الأخْريين منَ الظهر.
وفي إسناده : زيدٌ العميُّ ، وفيه مقالٌ .
وخرجَ مسلمٌ - أيضًا - (١) من حديث جابرِ بنِ سمُرَةَ ، قال: كانَ رسولُ الله
وَِّ ، يقرأُ في الظهرِ بالليلِ إِذَا يَغْشَى ، وفي العصر نحوَ ذلك ، وفي الصبحِ
أطولَ من ذلك .
وفي روايةٍ : كان يقرأُ في الظهرِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ .
وخرجه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ (٢)، وعندَهم : كان يقرأُ في الظهرِ
والعصرِ بِالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، وشبهِها .
وقد سبقَ حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ ، أن النبيَّ، صلَّى بهم الظهرَ والعصرَ ،
ثم قال: ((أيُّكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟)) قال رجلٌ : أنا .
قال : ((قد علمتُ أن بعضَكم خَالَجَنِيها)).
خرجه مسلمٌ - أيضًا (٣) .
وخرج النسائيُّ وابن ماجه(٤) من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ ، قال : كان
رسولُ اللهِ وَل﴿ يصلِّي بنا الظهرَ، فنسمعُ منه الآيةَ بعد الآية من سورة لقمانَ
والذاريات .
وخرَّج النسائيُّ (٥) من حديثِ أنسٍ ، أنه صلَّى بهم الظهرَ ، قال : إنِّي
(١) (٢ / ٤٠).
(٣) أبو داود (٨٠٥) والترمذي (٣٠٧) والنسائي (١٦٦/٢).
(٣) (١١/٢).
(٤) النسائي (١٦٣/٢) وابن ماجه (٨٣٠).
(٥) (١٦٣/٢-١٦٤).

٤١٧
٩٦ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
كتاب الأذان
صليتُ معَ رسولِ اللهِ نَّه صلاةَ الظهرِ، فقرأْ لنا بهاتينِ السورتينَ في الظهر :
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وذكر الترمذيُّ - تعليقًا - أن عمرَ كتب إلى أبي موسى ، يأمره أن يقرأ
بأوساط المفصلِ .
وهو قولُ طائفةٍ من أصحابِنا .
وقال إسحقُ : الظهرُ تعدلُ في القراءةِ بالعشاءِ . لكنه يقولُ : إنَّ الظهر يقرأُ
فيها بنحو الثلاثين آيةً .
وحديثُ جابرِ بنِ سمُرَةَ الذي خرجه مسلمٌ كما تقدم : يدلَّ على أن قراءةً
الظهرِ أقصرُ من قراءةِ الصبحِ.
وقال طائفةٌ : يقرأُ في الظهرِ بطوالِ المفصلِ كالصبحِ ، وهو قولُ الثوريِّ
والشافعيِّ و طائفةٍ من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى في ((جامعهِ الكبيرِ))، لكنه
خصَّ بالركعةِ الأولَى من الظهرِ .
وروى وكيعٌ بإسنادِه(١)، عن عمرَ، أنه قرأَ في الظهر بـ ﴿قَ﴾
والذاريات ﴾ .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٢) ، أنه قرأ في الظهر بـ: ﴿كهيعص﴾.
وروى حربٌ بإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأُ في الظهر بـ ﴿قَ﴾
﴿ والذاريات ﴾ .
وخرجهُ ابنُ جريرٍ ، وعنده: بـ ﴿قَ﴾ ﴿والنازعات﴾.
قال : وكان عمرُ يقرأ بِ ﴿قَ﴾ .
وروى عبدُ الرزاقِ(٣)، عن معمر ، عن أيوبَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ، أنه
(١) وهو في ابن أبي شيبة (٣١٣/١). وكذا الذي بعده ..
(٢) في ((المصنف)): ((عبد اللَّه بن عمر)).
(٣) (١٠٦/٢) .

٤١٨
حديث : ٧٥٩
کتاب الأذان
كان يقرأُ في الظهر بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ١] و﴿إِنَّا فَتَحْنا لك﴾ [الفتح: ١].
وممن رأي استحبابَ القراءةِ في الظهرِ بقدر ثلاثين آيةً : إبراهيمُ النخعيُّ
والثوريُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ.
وقال الثوريُّ وإسحاقُ : كانوا يستحبونَ أن يقرأُوا في الظهر قدرَ ثلاثين في
الركعةِ الأولى ، وفي الثانيةِ بنصفِها - زاد إسحقُ : أو أكثر .
وظاهرُ كلامِ أحمدَ وفعله يدلُّ على أن المستحبَّ أن يقرأ في الصبح والظهرِ
في الركعة الأولى من طوالِ المفصلِ ، وفي الثانية من وسطِه .
وروي عن خبابِ بنِ الأرتِ، أنه قرأَ في الظهر بـ ﴿إِذَا زَلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١].
قال أبو بكرِ الأثرمُ : الوجهُ في اختلافِ الأحاديثِ في القراءة في الظهرِ :
أَنَّه كلُّه جائزٌ ، وأحسنُه استعمالُ طولِ القراءةِ في الصيف ، وطولِ الأيامِ ،
واستعمالُ التقصيرِ في القراءةِ في الشتاء وقصرِ الأيامِ ، وفي الأسفارِ ، وذلك كلُّه
معمول به . انتھي .
ومن الناسِ من حمل اختلافَ الأحاديثِ في قدر القراءة على أن النبيِّ وَل
كان يراعي أحوالَ المأمومينَ ، فإذا علم أنهم يُؤْثِرون التطويلَ طوَّل ، أو
التخفيفَ خفَّف ، وكذلك إذا عَرضَ له في صلاته ما يقتضي التخفيفَ ، مثلُ أن
يسمَع بكاءَ صبيٌّ مع أمه ، ونحو ذلك .
وفي حديث أبي قتادةَ : يطولُ الركعةَ الأولى على الثانية .
وقد ذهبَ إلى القولِ بظاهرِه في استحباب تطويلِ الركعةِ الأولى على ما بعدَها
من جميعِ الصواتِ طائفةٌ من العلماءِ ، منهم : الثوريُّ وأحمدُ وإسحاقُ ومحمدُ
ابن الحسنِ ، وطائفةٌ من أصحاب الشافعيِّ، ورُويَ عن عمرَ - رضي اللّه عنه .
وقد خرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) حديثَ أبي قتادةَ ، وزاد فيه : فظنًّا أنه
(١) أبو داود (٨٠٠) .

٤١٩
٩٦ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
کتاب الأذان
يريد بذلك أن يدركَ الناسُ الركعةَ الأولى .
وخرج مسلمٌ (١) من حديث أبي سعيد الخدريَّ، قال : لقد كانت صلاةٌ
الظهرِ تقامُ ، فيذهبُ الذاهبُ إلى البقيعِ فيقضي حاجته ، ثم يتوضأُ ، ثم يأتي
ورسولُ اللّهِ وَله في الركعةِ الأولى؛ ممَّا يطوّلُها .
وقد سبق حديثُ أبي سعيدِ الذي خرجه مسلمٌ ، أن قراءتَه في الثانية كانتْ
على النصفِ من قراءتِه في الأولى .
وخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديثِ شهرِ بنِ حَوَشَبٍ ، عن أبي مالكِ
الأشعريِّ، أن النبيَّ وَّ كان يسوِّي بين الأربعِ ركعاتٍ في القراءةِ والقيامِ ،
ويجعل الركعةَ الأولى هي أطولَهن ؛ لكي يثوبَ الناسُ .
وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ : لا يطيلُ سوى الركعةِ من الفجرِ ؛ لأنه وقتُ
غفلةٍ ونومٍ ، ويسوِّي بين الركعاتِ في سائر الصلواتِ .
وقال مالكٌ والشافعيُّ : يسوِّي بين الركعتين الأولتين في جميع الصلواتِ .
واستُدل لذلك بقولِ [سعد](٣): ((أركدُ في الأولَيِّيْن))، وليس بصريحٍ ولا
ظاهرٍ في التسويةِ بينهما .
واستدل أيضًا - بحديث أبي سعيدٍ، أنهم حزرُوا قيامَ النبيِّ نَّ في الظهر في
الركعتين الأوليينِ قدرَ قراءةٍ ثلاثين آيةً ، وقد سبقَ
ولكنْ في روايةِ أحمدَ وابن ماجه : أن قيامَه في الثانية كان على النصفِ من
ذلك ، وهذه الروايةُ توافقُ أكثرَ الأحاديثِ الصحيحةِ ، فهي أولى .
واستدلَّ لهم بقراءة النبيِّ نَّمَ: ((سَبِّحْ)) وَ(الْغَاشِيَةِ)) و((الجمعة))
(١) (٣٨/٢) .
(٢) (٣٤٤/٥).
(٣) زيادة للسياق ، وهي في حديث الباب .
،
٠
.

٤٢٠
حديث : ٧٦٠
کتاب الأذان
و((المنافقينَ)) و((تَنزِيُلُ السجدة)) و((هلُ أَتَى)) و((ق)) وَ اقْتَرَبَتْ))، وهي
سور متقاربةٌ .
وأما تطويلُ الركعة الثالثةِ على الرابعةِ ، فالأكثرون على أنه لا يُستحبُّ ،
ومَنَ الشافعية مَن نقلَ الاتفاقَ عليه ، ومنهم من حكى لأصحابهم فيه وجهَین.
وهذا إنما يتفرَّع على أحدٍ قولي الشافعيِّ باستحباب القراءةِ في الأخريين بسورِ
مع الفاتحةِ .
وقد خرَّج البزارُ والبيهقيُّ (١) من حديث عبدِ اللّهِ بنِ أبي أوفى ، قال : كان
رسولُ اللهِ وَّهِ يطيلُ الركعة الأولَى مَنَ الظهرِ، فلا يزالُ يقرأُ قائمًا ما دامَ (٢)
يسمعُ خفق نِعالِ القومِ ، ويجعلُ الركعةَ الثانيةَ أقصرَ من الأولى ، والثالثةَ أقصرَ
من الثانية، والرابعةَ أقصرَ من الثالثةِ. وذكر مثل ذلك في صلاةِ العصرِ والمغربِ.
وفي إسناده : أبو إسحاقَ الحُمَيْسِيُّ، ضعَّفُوه .
وقد خرجه بقيَّ بنُ مخلدٍ في ((مسنده » بإسنادِ أجودَ مِن هذا ، لكن ذكر
أبو حاتم الرازيُّ (٣) أن فيه انقطاعًا، ولفظُه في الظهر : ويجعلُ الثانيةَ أقصرَ من
الأولى ، والثالثةَ أقصرَ مِن الثانية ، والرابعةَ كذلك . وقال في العصر : يطيلُ
في الأولى ، ويقصرُ الثانيةَ والثالثةَ والرابعةَ كذلك . وقال في المغرب : يطيلُ في
الأولى ، ويقصِّرُ في الثانية والثالثةِ .
وهذا اللفظُ لا يدلُّ على تقصير الرابعةِ عن الثالثةِ .
وقولُه: ((ويسمعنا الآيةَ أحيانًا)) مما يحقّقُ أنه وَ ◌ّه كان يقرأ في الظهر
والعصرِ، ويأتي بقيةُ الكلامِ على ذلك فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
(١) البيهقي (٦٦/٢) .
(٢) في الأصل: ((ماذا لم)) كذا . خطأ.
(٣) في (( العلل)) لابنه (٤٤٨).