Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٦٩ - بَابُ هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟
کتاب الأذان
وجمهورُهم قالوا : يرجع على كلا القولين ؛ لأن الرجوعَ إلى خبر الاثنين
رجوعٌ إلى شهادة شرعيةٍ ، فيُعْمل بها على كل حالٍ ، بخلاف التحرِّي والرجوعِ
إلى الأمارات المحضة .
ويشهد له : أن أحمد نصَّ على أنه يرجعُ إلى تسبيح الاثنين ، وإنْ غلبَ
على ظنّه خطوُهما .
والخامسُ : أنه لا يرجع إلى قول أحدٍ ، بل يبني على يقين نفسِه ،
كالمنفرد ، وهو قول الثوري والشافعيِّ ومالكِ - في روايةٍ .
وقال أهلُ هذا القولِ: إنما رجعَ النبيِّ بَِّ إلى ذكرِهِ، لا إلى قولِ
المأمومينَ ، كما قال : ((إنما أنا بشرٌ، أَنسى كما تَنسَوْن، فإذا نسيتُ فذكرِّوني)) ،
فدل على أنه إنما يرجعُ إلى ذِكْرِه ، لا إلى قولِهم ، فإنه لم يقل : فإذا نسيت
فردُّوني .
والسادسُ : أنه لا يرجِعُ إلى قولِ الواحدِ والاثنين ، ويرجعُ إليهم إذا
كثُرُوا ؛ لأنَّه يبعد اتفاقُهم على الخطا مع كثرتِهم ، وهو قولُ طائفةٍ من المالكيةِ
والشافعية .
وإن کان المخبرُ للمصلي ، ليس معه في صلاته ، فھل یرجع إليه كما يرجع
إلى قول المأمومينِ ؟ فيه وجهانِ لأصحابِنا .
أصحُهما : أنه يرجعُ إليهم ، وهو قولُ أشهبَ المالكيِّ ، وظاهرُ كلامِ
أحمدَ ؛ فإنه نصَّ على أن الطائفِينَ بالبيتِ يرجع بعضُهم إلى قولِ بعضٍ إذا أخبره
اثنانِ عن عدد طوافِه ، مع أن كلَّ واحدٍ منهم غيرُ مشاركِ للآخرِ في طوافِه ،
فکذلك هاهنا .
وأما المأمومُ إذا شكَّ في عدد الركعاتِ ، ففيه ثلاثةُ أقوالِ :
أحدُها : أنه يرجعُ إلى فعلِ الإمامِ والمأمومِينَ ، ويصنع ما صنعُوا ، وهو

٢٤٢
حديث : ٧١٤ - ٧١٥
کتاب الأذان
مذهبُ أصحابِنا .
والثاني : أنه يَبْني على اليقينِ كالمنفردِ ، وهو قولُ طائفة من المالكية
والشافعية .
والثالث : إن كثُرُوا رجعَ إلى متابعتِهم ، وإلا فلا ، هو وجهٌ لأصحابِ مالك
والشافعيِّ .
ولو كانَ مع الإمامِ مأمومٌ واحدٌ، فشكَّ المأمومُ، فهل يرجعُ إلى قولِ إمامِهِ ؟
قال بعضُ أصحابنا : قياسُ المذهبِ : لا يرجعُ إليه ، كما لا يرجع الإمامُ
إلی قول مأمومٍ واحدٍ .
وفيه نظرٌ ؛ فإنَّ الإمامَ ضامنٌ ، وقد ورد الأمرُ بأن يصنعَ المأمومُ ما صنع
إمامُه .
خرجه الدارقطنيُّ (١) من حديث جابرٍ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((الإمامُ
ضامِنٌ ، فما صنعَ فاصنعُوا)) .
وفي إسناده مقالٌ .
وبقيةُ فوائدٍ حديث أبي هُرَيْرةَ تُذْكَر في مواضعِه من «أبوابِ : سجود
السهو)) - إن شاءَ اللَّهُ تعالَى.
(١) (١/ ٣٢٢) .

٢٤٣
٧٠ - بَابُ إذا بكى الإمام في الصلاة
كتاب الأذان
٧٠ - بَابُ
إِذَا بَكَى الإِمَامُ فِي الصَّلاَةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّدٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا في آخِرِ الصُّفُوفِ ، يَقْرَأُ:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] الآيَةُ.
روى سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد : سمع عبد الله
ابن شداد بن الهاد يقول : سمعتُ عمر يقرأُ في صلاة الصبح سورة يوسف ،
فسمعت نشيجَه، وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِي وَحُزْنِي
إِلَى اللّهِ﴾(١).
وروي من وجوه أخر :
روى ابن جريج : أخبرني ابن أبي مليكة ، قال : أخبرني علقمةُ بن
وقاص ، قال : كان عمر يقرأ في العشاء الآخرةِ بسورة يوسفَ ، وأنا في مؤخرٍ
الصفِّ ، حتى إذا ذكر يوسفَ سمعتُ نشيجَه(٢).
وروى جعفر بن سليمان ، عن ثابتٍ ، عن أبي رافعٍ ، قال : إنِّي يومًا مع
عمرَ في صلاة الصبْحِ ، وهو يقرأُ السورةَ التي فيها يوسفُ ، وأنا في آخرِ صفوفٍ
الرجالِ مما يلي النساءَ ، وكان جهيرَ القراءةِ، فلما مرَّ بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوَ
◌َّي وَحَزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فبكى حتى انقطعتْ قراءَتَه، وسمعتُ نشيجَه .
وروى عبد الرحمن بنُ إسحاقَ ، عن محاربِ بن دِثَارٍ ، عن ابنِ عمر ،
قال : صليتُ خلفَ عمرَ ، فسمعتُ خنينَه من وراءِ ثلاثةِ صفوفٍ .
وفي رواية : قال : غلب عمرَ البكاءُ وهو يصلِّي بالناس الصبحَ ، فسمعتُ
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٤/٢). وانظر: ((التغليق)) (٣٠٠/٢).
(٢) عند ابن أبي شيبة (١/ ٣١٢).

٢٤٤
حديث : ٧١٦
کتاب الأذان
خَنِينَه من وراءِ ثلاثةِ صفوفِ .
والنشيجُ : هو رفعُ الصوتِ بالبكاءِ - : قاله أبو عبيد وغيره .
والخنينُ - بالخاء المعجمة - : نحوه .
قال البخاريُّ :
٧١٦ - حَدَثْنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ فِي مَرَضِهِ قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ
بالنَّاس)) . قَالَتْ عَائشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْر إذا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ الناسَ مِنَ
البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ :
فَقُلْتُ لِحَقْصَةَ: قُولِي لَّهُ : إِنَّأَبَا بَكْرِ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ،
فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((مَهْ؛ إنّكُنَّ لأَنْتُنَّ
صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرِ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَقَالَتْ حَفْصَةُ: مَا كُنْتُ لِأُصيبَ
منْك خَيْرًا .
مقصوده من إيراد هذا الحديث في هذا البابِ: أن النبي ◌َّ أمرَ أبا بكرٍ أن
يصلي بالناسِ مع تكرارِ القولِ له أنه إذا قام مقامَه لا يسمعُ الناسَ من البكاءِ ،
فدلَّ على أن البكاءَ من خشيةِ اللَّه في الصلاة لا يضرُّ الصلاةَ ، بل يزينُها ؛ فإنَّ
الخشوعَ زينةُ الصلاة .
وقد خرج البخاريُّ في ((كتابه))(١) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله ،
وفيه : ثُمَّ بدَا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناءِ دارِه ، فكانَ يصلِّي فيه ويقرأُ القرآنَ
فيتقَصَّفُ عليه نساءُ المشركينَ وأبناؤهم ، يتعجبونَ منه وينظرونَ إليه ، وكانَ
أبو بكرٍ رجلاً بكَّاءً ، لا يملكُ عينَيْه إذا قرأ القرآنَ .
وروى حماد بن سلمة ، عن ثابتِ ، عن مطرفٍ بن عبد اللّهِ ، عن أبيه ،
(١) (٩٧ ٢٢) .
١

٢٤٥
٧٠ - بَابُ إذا بكى الإمام في الصلاة
کتاب الأذان
قالَ : انتهيتُ إلى رسولِ اللهِ وَ ﴿ وهو يصلّي ولصدْرِهِ أزيزٌ كأزيزِ المَرْجَلِ.
خرَّجه الإمامُ أحمد ، والنسائي(١)، وزاد : يعني : يبكي.
وفي رواية للإمام أحمد: رأيتُ رسولَ اللَّه ◌ِ لهِ يصلِّي وفي صدرِهِ أزيزٌ كأزيزِ
المرجلِ من البكاءِ .
وخرجه أبو داود(٢) كذلك .
وهذا الإسنادُ على شرطِ مسلمٍ .
وقد دلَّ القرآن على مدحِ الباكينَ من خشيةِ اللَّه في سجودهم ، فقال تعالى:
﴿وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقال: ﴿خَرُوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
[مريم: ٥٨] .
وقد اختلف العلماءُ في البكاءِ في الصلاة على ثلاثة أقوال :
أحدها : إنه إن كان لخوفِ اللَّهِ تعالى لم يبطلِ الصلاةَ ، وإن كانَ لحزن
الدنيا ونحوه فهو كالْكَلامِ ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ .
ولأصحابنا وجهٌ ضعيفٌ : أنَّه إن كان عن غير غلبةِ أبطلَ .
والمنصوصُ عن أحمدَ : إن كان عن غلبةٍ لا بأس به .
قال القاضي أبو يعلى : إن كانَ عن غلبةٍ لم يكره ، وإن استدعاه كُرِه . قال:
وإنْ كان معه نحيبٌ أبطل .
وهذا ليسَ في كلام الإمامِ أحمد ، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجودَ .
وقد قالَ ابن بطَّة من أصحابنا : إن التأوه في الصلاة من خشيةِ اللَّهِ لا يبطلُ.
فالنحیبُ أولی .
والقول الثاني : إنَّه لا يبطلُ بكلِّ حالٍ ، وليس هو كالكلام ؛ لأنَّه لا يسمى
(١) أحمد (٢٥/٤) والنسائي (١٣/٣).
(٢) (٩٠٤) .

٢٤٦
حديث : ٧١٦
كتاب الأذان
به متكلماً ، وهو قولُ أبي يوسف .
وكذا قال مالكٌ في الأنينِ : لا يقطعُ صلاة المريضِ ، وأكرهه للصحيحِ .
وقال أبو ثورٍ : لا بأسَ بالأنينِ ، إلا أن يكونَ كلامٌ مفهومٌ .
وتوقفَ الإمامُ أحمدُ في رواية المرُّوذيّ والتباكي(١) من المصيبةِ ، ولم يجزم
بالبطلان .
وقالَ في رواية أبي الحارث في الصلاة : إن كان غالبًا عليه أكرهه .
ومعنى قوله : ((غالبًا)) - أي: كان مختارًا له ، قادرًا على ردِّ، بحيث لم
يغلِبْه الأنينُ ، ولم يقْهَرْه . وظاهرُ كلامه أنَّه لا يبطلُ صلاته .
وقال القاضي أبو يعلى: إنما أرادَ إذا كانَ أنينُهُ ((عاليًا)) من العلوِّ أو رفعِ
الصوت ؛ لما يخشى من الرِّيَاءِ به ، أو إظهارِ الضجرِ بالمرضِ ونحوِهِ .
وهذا الذي فسَّره تصحيفٌ مِنْهُ . والله أعلم .
والثالثُ : إنَّه كلام بكلِّ حالٍ ، حكي عن الشعبيّ والنخعيّ ومغيرة والثوريّ.
وإنما المنقولُ عنهم في الأنينِ ، ونقل عن الشعبيِّ في التأوه .
وهذا محمول على ما لم يكن من خشيةِ اللَّهِ ، فقد كانَ الثوريّ إذا قرأ في
صلاته لم تفهمْ قراءته من شدَّةٍ بكائه .
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وعنده : إن أبان به حرفان(٢) أبطلَ الصلاة ، وإلا
كره ولم تبطل .
وكذا قال أصحابنا في البكاءِ لحزن ونحوه : إذا لم يُغلبْ عليه ، فإن غُلُبَ
عليه صاحبه ففي البُطْلاَنِ به وجهان .
ولا يعرفْ عن الإمامِ أحمدَ اعتبارُ حرفين في ذلك - : قاله القاضي أبو يعلى
ومن اتبعَه .
(١) كذا، ولعل الصواب: ((في التباكي .. )).
(٢) كذا . فإما أن يكون الصواب: ((إذا بان به حرفان)) أو ((إن أبان به حرفين)).
:

٢٤٧
٧٠ - بَابُ إذا بكى الإمام في الصلاة
کتاب الأذان
وما تقدَّمَ عن أبي بكر وعمرَ - رضي اللَّه عنْهُمَا - يدلُّ على أنَّ البكاءَ في
الصَّلاةِ من خشية اللَّهِ حسنٌ جميلٌ ، ويقبح أن يقال : لا يبطلها ؛ فإن ما كان
زينةَ الصلاة وزهرتَهَا وجمالَهَا كيف يقنع فيه بأن يقالَ فيه : غير مبطلٍ ؟ ولم يزلِ
السلفُ الصالحُ الخاشعونَ للَّه على ذلك .
روى الإمامُ أحمدُ في ((كتابِ الزهدِ» (١) بإسنادِهِ ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ
عمَرَ يقرأ في صلاتِهِ ، فيمرُّ بالآيةِ فيها ذكرُ الجنةِ ، فيقفُ عندها فيدْعو ويسألُ اللَّه
الجنَّةَ . قال : ويدعُو ويبكي . قالَ : ويمرُّ بالآية فيها ذكرُ النارِ ، فيدعو ويستجيرُ
باللّه منها .
وبإسناده(٢)، عن ابن أبي مليكة، قال صحبتُ ابنَ عباسٍ من مكة إلى
المدينة . قال : وكان إذا نَزَلَ قام ينتظر الليل ، فسأله أيوب : كيف كانت قراءته؟
قال : قرأ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدٌ﴾ [ق: ١٩]
م
فجعلَ يرتلُ ، ويكثر في ذلك النشيج .
وروى ابنُ أبي الدَّنْيَا بِإِسْنَادِهِ ، عن القاسمِ بن محمد ، قال : كنتُ غدوتُ
يومًا فإذا عائشةُ قائمةٌ تسبِّح - يعني: تصلي - وتبكي، وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمَوْمِ﴾ [الطور: ٢٧] وتدعو وتبكي ، وترددها . فقمتُ حتى مللت
القيام ، فذهبت إلى السوق لحاجتي ، ثم رجعتُ فإذا هي قائمة كما هي ، تصلِّي
وتبكي .
والروايات في هذا عن التابعينَ ومن بعدهم كثيرة جدًّاً ، وإنما ينكِرِ ذلكَ مَنْ
غلبتْ عليه الشِّقْوة ، أو سبقت له الشِّقْوة .
(١) (ص ١٩٣).
(٢) (ص ١٨٨) ولكن بغير اللفظ الذي أورده المؤلف.

٢٤٨
حديث : ٧١٧ - ٧١٨
كتاب الأذان
٧١ -باب
تَسْوِيَةِ الصُّقُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
٧١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلك: ثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو
ابْنُ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ أَبِي الجَعْدِ ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِير، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َ:(لَنُسَوَّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّاللَّهُ بَيْنِ وُجُوهِكُمْ).
٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرَ : ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َ قَالَ : «أَتِّمُوا (١) الصُُّوفَ؛ فَإِنِّي أَرَكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي)) .
حديثُ النعمانِ ، خرجه مسلم(٢) من رواية سماكِ بن حرب ، عنه ، بزيادة ،
وهي في أوله ، وهي: كان رسولُ اللَّهِ وَّه يُسوِّي صفوفَنَا حتى كأنَّما يسوي
القِدَاح ، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه ، ثم خَرَج يومًا فقامَ حتَّى كاد يكبر ، فرأى
رجلاً باديًا صدرُه من الصفِّ، فقال: ((عبادَ اللَّه، لتسوُّنَّ صُفُوفَكم أو ليخالفنَّ اللَّه
بینَ وجوهِکم)) .
ومعناهُ : أَنَّه كان يقوِّمُ الصفوفَ ويعدلها قبل الصلاة كما يقومُ السهم .
وقد توعَّدَ على تركِ تسويةِ الصفوفِ بالمخالفةِ بين الوجوهِ ، وظاهره :
يقتضي مسخَ الوجوهِ وتحويلها إلى صورِ الحيوانَاتِ أو غيرها ، كما قال: ((أَمَا
يخشى الذي يرفع رأسَه قبل الإمام أنْ يحوِّلُ اللَّهُ رأسه [رأسَ] حمار - أو صورتَهُ
صورةً حمار)»(٣).
ء
وظاهرُ هذا الوعيدِ : يدلُّ على تحريمٍ ما تُوعِّد عليه .
(١) في ((اليونينية)): ((أقيموا)).
(٢) (٢/ ٣١).
(٣) تقدم .

٢٤٩
٧١ - بَابُ تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
کتاب الأذان
وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ)(١) بإسناد فيه ضعفٌ، عن أبي أمامةً ، عن النبيِّ
وَلَهُ: (التسوَّنَّ الصفوفَ، أو لَتُطمسَنَّ وُجُوهُكم (٢)، ولَتَغُضُّنَّ (٣) أبصاركم، أو
لِتُخْطَفنَّ أبصاركم)) .
وقد خرَّج البيهقيُّ (٤) حديث سماك ، عن النعمانِ الذي خرجه مسلمٌ بزيادة
في آخرِهِ ، وهي : ((أو ليُخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم يومَ القيامةِ)) .
وهذه الزيادةُ تدلُّ على الوعيدِ على ذلك في الآخرة ، لا في الدنيا .
وقد رُوي الوعيدُ على ذلك بإختلافِ القلوبِ ، والمرادُ : تنافرُها وتباينُها .
فخرج مسلمٌ (٥) من حديث أبي مسعود الأنصاري ، قال : كان رسولُ اللَّه
﴿َّ يمسحُ مناكبَنا في الصلاة، ويقول: ((استوُوا ولا تختلفوا فتختلفَ قلُوبُكم)).
وسيأتي من حديث النعمانِ بنِ بشيرٍ - أيضًا - نحوه .
وخرج أبو داود والنسائيُّ (٦) نحوَه من حديث البراء بن عازبٍ .
وأمَّا أمرُه في حديث أنسٍ بإقامةِ الصفوفِ ، فالمرادُ به : تقويمُها .
وقولُهُ : ((فإنِّي أراكم من وراء ظهرِيٍ)) إعلامُ لهم بأنَّه ◌َّ لا يخفى عليه
حالُهم في الصلاة ؛ فإنه يرى مَنْ ورَاء ظهرِه كما يرى مَنْ بين يدَيْه ، ففي هذا
حثٌّ لهم على إقامةِ الصفوفِ إذا صلَّوْا خلفَه .
وقد سبق القولُ في رؤيته وراءَ ظهرِهِ، وأَنَّهِ وَّ وإن كانَ اللَّهُ قد توفّاه ونقلَه
من هذهِ الدارِ ، فإن المصلِّ يناجي ربَّه وهو قائمٌ بين يدَيْ من لا يخفى عليه سرُّه
(١) (٢٥٨/٥).
(٢) في الأصل: ((وجوه)) والمثبت من ((المسند)).
(٣) في ((المسند)): أو (لتغمضن)).
(٤) (٣ / ١٠٠) .
(٥) (٢/ ٣٠) .
(٦) أبو داود (٦٦٤) والنسائي (٨٩/٢) وكذا أحمد (٢٨٥/٤) وابن خزيمة (١٥٥١) (١٥٥٦)
والدارمي (٢٨٩/١).
أ
!
:

٢٥٠
حديث : ٧١٧ - ٧١٨
كتاب الأذان
وعلانيتُه، فليُحسن وقوفَه وصلاتَه ؛ فإنه بِمَرْءً من اللَّه ومسمَعٍ .
وقد رُوي أنَّ تسويةَ الصفوفِ وإقامتَها توجِبُ تآلفَ القلوبِ :
فروى الطبرانيُ (١) من طريق سُريجٍ بن يونُسَ ، عن أبي خالدِ الأحمرِ ، عن
مجالد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، قال: قال رسولُ اللَّه ◌ِيَةٍ:
((استوُوا تستوي قلوبكم، وتماسَّوا تراحَمُوا)).
قال سريج : «تماسُّوا)) - يعني : ازدحِموا في الصلاة .
وقال غيره : ((تماسُّوا)): تواصَلوا .
واعلمْ ؛ أن الصفوفَ في الصلاة مما خصَّ اللَّهُ به هذه الأمةَ وشرَّفها به ؛
فإنهم أشبهوا بذلك صفوفَ الملائكة في السماءِ ، كما أخبر اللَّهُ عنهم أنهم قالوا:
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، وأقسم بالصافَّات صفًا، وهم الملائكُةُ.
وفي (صحيح مسلمٍ)) (٢) عن حذيفةً، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((فُضِّلنا على
الناس بثلاث: جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة» - الحديث .
وفيه - أيضًا (٣) - عن جابر بن سَمُرة، قال: خرج علينا رسولُ اللَّهِ وَخَّر،
فقال : ((ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها؟)) فقلنا: يا رسولَ اللَّه ،
وكيف تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها ؟ قال : ((يُتَمُّون الصفوفَ الأولَى ، ويتراصّون في
الصفِّ).
وروى ابن أبي حاتمٍ (٤) من رواية أبي نضرةَ ، قال : كان ابنُ عمرَ إذا أُقيمت
الصلاةُ استقبلَ الناسَ بوجهِهِ، ثم قال: أَقِيموا صفوفَكم ، استَوُوا قيامًا، يريدُ اللَّهُ
بكم هدْيَ الملائكَةِ. ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾، تَأَخَّرْ فُلاَن، تَقَدَّمْ
(١) في ((الأوسط)) (٥١٢١).
(٢) (٢/ ٦٣) .
(٣) (٢٩/٢) .
(٤) في ((التفسير)) - كما في ((التفسير)) لابن كثير (٣٩/٧).

٢٥١
٧١ - بَابُ تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
كتاب الأذان
فلان ، ثم يتقدمُّ فيكبرُ .
وروى ابن جريجٍ ، عن الوليدِ بن عبدِ اللَّهِ بن [أبي] مغيث(١)، قال: كانوا
لا يصفون في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥].
وقد رُويَ أن مِنْ صفهَ هذه الأمةِ في الكتب السالفةِ : صفَّهم في الصلاة ،
كصفّهم في القتال .
(١) رواه عبد الرزاق (٤٣/٢)، عن ابن جريج، قال: حُدِّثت أنهم كانوا - فذكره.

٢٥٢
حديث : ٧١٩
كتاب الأذان
٧٢ - بَابُ
إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَّةِ الصُّقُوفِ
٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاء: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو : ثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةً :
ثَنَا حُمَيْدٌ الطَّويلُ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالك، قَالَ : أُقْمَتِ الصَّلَةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّه
تَّ بَوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَصُّوا؛ فَإِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) .
التراصُ : هو التَّضامُّ والتداني والتلاصقُ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بَنْيَانٌ مَّرْصُوصَ﴾ [الصف: ٤].
وفي هذا : دليلٌ على أن الإمامَ يستحبُّ له أن يُقبلَ على المأمومينَ بعد إقامة
الصلاة ، ويأمرَهم بتسويةِ صفوفِهم .
وقد تقدم حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ في هذا .
وخرَّج النسائيُّ (١) من حديث ثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ وَِّ كان يقولُ:
((استوُوا، استوُوا، استوُوا؛ فوالذي نفسي بيده، إنِّي لأراكُم من خلفِي كما أراكم
بيْنَ يدَيَّ) .
وبوَّب عليه : ((كم مرةً يقول : استووا)) .
يشير إلى أنه يكررها ثلاثًا؛ فإنَّ النبيَّ وَّهِ كان إذا تكلّم بكلمة أعادَها ثلاثًا.
وخرج أبو داود وابنُ حبانَ في «صحيحه)»(٢) من حديث محمدِ بن مسلمٍ -
صاحبِ المقصورة - ، قال : صليتُ إلى جنبِ أنسٍ يومًا ، فقال : هل تدري لمَ
صُنْع هذا العودُ؟ قلت: لا واللَّهِ. قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَ له كان إذا قامَ إلى
الصلاة أخذه بيمينه ، ثم التفت، فقال: ((اعتدلُوا، سوَّوا صفوفكم)).
(١) (٢/ ٩١) .
(٢) أبو داود (٦٦٩) (٦٧٠) وابن حبان (٢١٦٨) (٢١٧٠) .
:
١

٢٥٣
٧٢ - بَابُ إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف
كتاب الأذان
وخرج الدارقطنيُّ والحاكمُ (١) من حديث حُميدٍ ، عن أنسٍ ، قال : كانَ
رسولُ اللَّهِ وَ لّ إذا قام في الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ، ثم
يقول: ((استووا وتعادَلوا)).
وروى مالك في ((الموطٍ) (٢) عن نافعٍ ، أن عمرَ كان يأمر بتسوية الصفوف،
فإذا أخبروه أن قدِ استوت كبّر .
وعن عمِّه أبي سهيلٍ ، عن أبيه ، عن عثمان بن عفان - أيضًا .
وروى عمرو بنُ ميمون ، قال : كان عمرُ إذا أُقيمت الصلاةُ أقام الصفّ ،
حتى إذا لم ير فيه خللاً كَبَّر .
خرجه الأثرم .
وروى وكيعٌ بإسناده ، عن كعب بنِ مرّة ، قال : إن كنت لأدعُ الصفَّ
المقدَّم من شدّةُ قولِ عمرَ : استووا .
وبإسناده ، عن ابن عمر ، أن عمر كان يبعث رجالاً يقيمون الصفوفَ في
الصلاة .
وروى أبو نعيمٍ بإسناده ، عن الحارث ، عن علي ، قال : كان يسوي
صفوفَنا ، ويقول : سووا تراحمُوا ، ولا تختلفُوا فتختلفَ قلوبكم .
(١) ((المستدرك)) (٢٤٤/١) .
(٢) (١١٦). وهو عند البيهقي (٢١/٢ - ٢٢) .

٢٥٤
حديث : ٧٢٠ - ٧٢١
كتاب الأذان
٧٣ - بَابُ
الصَّفِّ الأَوَّل
٧٢٠ - حَدَّثَنَا أُبُو عَاصم، عَنْ مَالِك، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحِ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((الشُّهَدَاءُ: الْغَرِقُ، وَالْمَطْعُونُ ،
وَالْمَبْطُونُ ، وَالْهَدِمُ)) .
٧٢١ - وَقَالَ : ((لَوْ يَعْلَمُونَ مَا في التَّهْجِيرِ لاَسَتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
العَتَمَةِ وَالصَُّحِ لأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفَبِّ الْمُقَدَّمِ لاَسْتَهَمُوا».
قد سبق هذا الحديثُ في ((باب : الاستهامِ في الأذانِ)) وفي ((باب : فضلِ
التهجيرِ إلى الظهرِ)) ، وذكرنا معنى الاستهامِ على الصفِّ.
وقد رُويَ للصفِّ الأولِ فضائلُ عديدةٌ:
فمنها : أنه على مِثْل صفِّ الملائكة .
خرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ (١) من حديث أُبَّيِّ بنِ كعبٍ ، عن
النبيِّ وَّهُ، قال - في حديث ذكره - : ((والصَّفُّ الأولُّ على مثل صفِّالملائكة،
ولو علمتم ما فضيلتُهُ لابتدرْتُمُوه)) .
ومنها : أنه خيرُ صفوفِ الرجالِ .
ففي ((صحيح مسلم)) (٢) عن أبي هريرة، عن النبي بَّل، قال: ((خير
صفوف الرجال أولُها ، وشرُّها آخرُها ، وخيرُ صفوف النساء آخرُها ، وشرُّها
أولُها» .
(١) أحمد (١٤٠/٥) وأبو داود (٥٥٤) والنسائي (١٠٤/٢) وكذا ابن خزيمة (١٤٧٦) والدارمي
(٢٩١/١) .
(٢) (٣٢/٢) وكذا أحمد (٣٣٦/٢) وأبو داود (٦٧٨) وابن ماجه (١٠٠٠) والترمذي (٢٢٤)
والنسائي (٩٣/٢) .

٢٥٥
٧٣ - بَابُ الصف الأول
كتاب الأذان
ومنها : أن اللَّهَ وملائكته يصلُّون عليه .
هُ (١) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ ، عن
فخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ (
النبيِّ بَّهِ، قال: ((إن اللَّهَ وملائكته يصلُّون على الصفوف الأُوَل)).
وخرجه ابنُ ماجهَ (٢) ، وعنده: ((على الصفِّ الأول)).
وخرجه - أيضًا(٣) - بهذا اللفظِ من حديث عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، عن النبيِّ
حَفه .
وستا
ء (٤)
والصوابُ : إرسالُ إسناده - : قاله أبو حاتمٍ والدارقطنيّ (*
وخرجه الإمام أحمدُ (٥) بهذا اللفظِ من حديث النعمانِ بنِ بشيرٍ ، عن النبي
.
للّه
وسلم
ومن حديث أبي أمامةَ (٦)، وفي حديثه: أن النبي وَّةِ قالها ثلاثًا. فقيل
له : يا رسول اللَّه، والثاني؟ فقال - في الثالثة -: ((وعلى الثاني)).
ومنها: أن النبي وَلَّ استغفر له ثلاثًا دونَ ما بعدَه.
فخرج ابنُ ماجهَ (٧) من حديثِ العِرباضِ بن سارِيَة، أن النبيّ ◌َِلَه كان
يستغفرُ للصفِّ المقدَّمِ ثلاثًا، وللثاني مرَّةً .
وخرجه النسائي(٨)، وعنده: (يصلِّي)) مكان: ((يستغفر)).
(١) أحمد (٢٩٥/٤) وأبو داود (٦٦٤) والنسائى (٨٩/٢ - ٩٠).
(٢) (٩٩٧) .
(٣) (٩٩٩) .
(٤) ((العلل) لابنه (٤٩٢) والدار قطني في ((العلل)) (٢٨٨/٤).
(٥) (٢٦٩/٤) .
(٦) (٥/ ٢٦٢) .
(٧) (٩٩٦) .
(٨) (٢/ ٩٢ - ٩٣).

٢٥٦
حديث : ٧٢٠ - ٧٢١
كتاب الأذان
ومنها : أنه أحصنُ الصفوفِ من الشيطانِ .
فروى قتادة ، عن أبي قلابة، أن النبيَّ وَّ قال لأصحابه: ((أي شجرة أبعدُ.
من الخارف والخاذف ؟)) قالوا : فرعُها . قال : ((فكذلكَ الصفّ المقدَّمُ ، هو
أحصنُها من الشيطان)) .
ورواه جماعة ، فقالوا : عن قتادة ، عن أنس(١).
والصواب : عن أبي قلابة - : قاله الدارقطنيّ وغيرُه . وأنكر أبو زرعة
وصله(٢).
ورُوِيَ نحوُهُ من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا بإسنادِ ضعيفٍ .
ومنها : أن الصلاةَ فيه تقتضي التقدمَ إلى اللَّهِ ، فإن التأخر عنه يقتضي
التأخرَ .
ففي (صحيح مسلم)(٣) عن أبي سعيد، عن النبيِّ نَّ، أنه رأى في أصحابِه
تأخرًاً ، فقال: ((تقدَّموا، فائتمُّوا بِي ، وليأتمَّ بِكم مَن بعدَكم ، لا يزالُ قومٌ
يتأخَّرُون حتى يؤخِرَهُم اللَّهُ عز وجل)) .
وخرج أبو داودَ وابن خزيمةَ في ((صحيحِهِ)) (٤) من حديث عائشة ، عن النبيِّ
وَّه، قال: ((لا يزالُ أقوامٌ يتأخرونَ عن الصفِّ الأول حتى يؤخرَهم اللَّهُ في
النار)) .
واختلفَ الناسُ في الصفِّ الأولِ : هل هو الذي يلِي الإمامَ بكل حالٍ ، أم
الَّذِي لا يقطَعُه شيءٌ ؟ وفيه قولان للعلماءِ .
(١) أخرجه ابن عدي (٢٧٠٨/٧).
وقال الذهبي في ((الميران)) (٣٨١/٤): ((هذا منكر جدًا)).
(٢) ((سؤلات البرذعي)) (٣٣٩/٢ - ٣٤٠).
(٣) (٢/ ٣١) .
(٤) أبو داود (٦٧٩) وابن خزيمة (١٥٥٩) .

٢٥٧
٧٣ - بَابُ الصف الأول
کتاب الأذان
والمنصوصُ عن أحمدَ : أن الصفَّ الأولَ هو الذي يلي المقصورةَ ، وأن ما
تقطعه المقصورةُ فليس هو الأولَ - : نقله عنه المرُّوذيُّ وأبو طالبٍ وأحمدُ بن
القاسمِ وغيرُهم .
وقال أبو طالبٍ : سُئُل أحمدُ عن الصلاةِ في المقصورةَ؟ قال: لا يصلِّي(١)
فيها ، هو الذي يلي المقصورةَ، فيخرجُ من المقصورة فيصلِّي في الصفِّ الأولِ.
وروى وكيعٌ عن عيسى الحناطِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كانَ إذا
حضرتِ الصلاةُ وهو في المقصورةِ خرج إلى المسجدِ .
وعن شعبةَ ، عن الحكمِ ، عن يحيى بنِ الجزَّارِ ، قال : كان أصحابُ
عبدِ الله - يعني : ابن مسعودٍ - يقولون : الصفُّ الأولُ الذي يلي المقصورةَ .
ورُويَ ذَلك عن أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ .
وقال الشعبيُّ : المقصورةُ ليست من المسجد .
ذكر ذلك كلّه وكيعٌ في ((كتابه)» .
فأما الصفُّ الذي يقطعه المنبرُ ، فهل هو الصفُّ الأوَّلُ ، أم لا ؟
قال أحمدُ - في رواية أبي طالبٍ والمرُّوذيِّ وغيرِهما - : إن المنبرَ لا يقطعُ
الصفَّ ، فيكون الصفُّ الأولُ الذي يلي الإمامَ وإِن قطعَه المنبر ، بخلاف
المقصورة .
وتوقفَ في ذلك في روايةِ الأثرمِ وغيرِهِ .
وقالت طائفةٌ : الصفُّ الأولُ هو الذي يلي الإمامَ بكلِّ حالٍ ، ورجَّحه كثيرٌ
من أصحابِنا ، ولم أقف على نصٌّ لأحمدَ به .
وقال آخرون : الصفُّ الأولُ المرادُ به أولُ من يدخلُ المسجدَ للصلاة فيه .
قال ابن عبدُ البرِّ : لا أعلمُ خلافًا بين العلماءِ أن من بَكَّرَ وانتظرَ الصلاةَ،
(١) في الأصل: ((يصل)).

٢٥٨
حدیث : ٧٢٠ - ٧٢١
کتاب الأذان
وإن لم يصلٌّ في الصفِّ الأولِ ، أفضلُ ممن تأخرَ ثم تخطى الصفوفَ إلى الصفِّ
الأول .
قال : وفي هذا ما يوضّح أنَّ معنى فضلِ الصفِّ الأولِ : أنه ورَد من أجلٍ
البكورِ إليه ، والتقدم . واللَّه سبحانه وتعالى أعلمُ . انتهى.
وحَمَلُ أحاديثِ فضلِ الصفِّ الأول على البكورِ إلى المسجد خاصةً لا
يصحُّ ، ومنَ تأمَّل الأحاديثَ عِلِم أن المرادَ بالصفِّ الأولِ الصفُّ المقدَّمُ فِي
المسجد ، لا تحتمل غير ذلك .
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُ وابنُ خزيمة في «صحيحه))(١) من
حديث أنسٍ، أن النبيَّ نََّ قال: ((أَتَمُوا الصفَّ المقدَّمَ، ثم الذي يليه ، فما كانَ
من نقصٍ فليكنْ في الصفِّ المؤَخَّر)) .
(١) أحمد (١٣٢/٣) وأبو داود (٦٧١) والنسائي (٩٣/٢) وابن خزيمة (١٥٤٦) (١٥٤٧).

٢٥٩
٧٤ - بَابُ إقامة الصف من تمام الصلاة
كتاب الأذان
٧٤ - بَابُ
إِقَامَةِ الصَّفَهِّ مِن تَمَامِ الصَّلاةِ
٧٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزََّقِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ
مُنّه، عن أبِي هُرَبَّةَ ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴿، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا
عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ
الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا
الصَّفَتَّ فِي الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفَبِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ».
٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَِّيِّ
وَ، قَالَ: ((سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ إِقَامَة الصّلاة)) .
في حديث أبي هريرةَ : أنَّ إقامةَ الصفِّ من حسنِ الصلاةِ ، والمرادُ : أن
الصفَّ إذا أقيم في الصلاة كان ذلكَ من حسنِها ، فإذا لم يُقْم نقصَ من حسنِها
بحسب ما نقصَ من إقامةِ الصف .
وفي حديث أنسٍ : أن تسويةَ الصفوفِ من إقامة الصلاة ، والمرادُ بإقامتها :
الإتيانُ بها على وجهِ الكمالِ .
ولم يُذكرْ في القرآنِ سوى إقامة الصلاةِ ، والمرادُ : الإتيانُ بها قائمةً على
وجهِها الكاملِ .
وقد صرَّح في هذا الحديثِ بأن تسوية الصفوفِ من جملةِ إقامتِها ، فإذا لم
تسوَّ الصفوفُ في الصلاةِ نقصَ من إقامتِها بحسب ذلكَ - أيضًا - والله أعلم .
!

٢٦٠
حديث : ٧٢٤
کتاب الأذان
٧٥ _ بَابُ
إِثْمِ مَنْ لَمْ يُثِمَّالصَّفَّ
٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدِ : ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى: أَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّائِيُّ،
عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا
أنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمٍ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا، إِلاَّ أَنَّكُمْ لا
تقُيُمُونَ الصُّفُوفَ .
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ بَسَارٍ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُّ الْمَدِينَةَ - بِهَذَا .
عقبةُ بن عبيدِ الطائيّ ، هو : أخو سعيدِ بنِ عبيدِ الذي روى هذا الحديثَ عن
أنسٍ ، ويكنى أبا الرحالِ .
لم يخرَّج له في الكتبِ الستةِ سوى هذا الحديث الذي علَّقه البخاريُّ هاهنا .
وقد خرج حديثَه الإمامُ أحمدُ (١)، عن أبي معاويةَ ، عن عقبةَ بنِ عبيدٍ ، عن
بُشَيْرِ بن يسارِ ، قال : قلتُ لأنسِ بنِ مالكِ : ما أنكرتَ من حالِنا في عهدٍ
رسولِ اللَّهِ بِ لِّ؟ قال: أنكرتُ أنكمْ لاَ تُقِيمونَ الصفوفَ.
وفي هذا الحديث : دليلٌ على أن تسويةَ الصفوفِ كان معروفًا في عهد النبي
مَُّ ، وأن الناسَ غَيَّروا ذلك بعده .
والظاهرُ : أن أنسَ بنَ مالكِ إنما قال هذا في أوائلِ الأمرِ ، قبل أن يؤخر
بنو أميةَ الصلواتِ عن مواقيتها ، فلمأ غير بنو أميةَ مواقيت الصلاة قال أنسٌ : ما
أعرِفُ شيئًا مما كان على عهد النبيِّ نَّهِ. قِيلَ له: ولا الصلاةَ؟ قال: أوَ ليسَ
قد صنعتُم فيها ما صنعْتُم . وقد سبق هذا الحديثُ في أوائلِ ((المواقيت)(٢).
(١) (١١٢/٣ - ١١٤) .
(٢) (٥٢٩) .
1
: