Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الأذان ٦٠ - بَابُ إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج ولم يصل ٦٠ - بَابُ إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ(١) ٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَذُ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النِّّ ◌َ، ثَمَّ يَرْجِعُ فَؤُمُ قَوْمَهُ . ٧٠١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّر: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ يُصَلِّي مَعَ النََِّّ، ثُمَّيَرْجِعٌّ فَيَؤُمُ قَوَهَ، فَيُصَلِّي العِشَاءَ ، فَقَرأَ بِالبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ ، فَكَأَنَّ مُعَادًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَِّيَّ وَهُ، فَقَالَ: ((فَتَّانٌ)) - ثَلاَثَ مَرَار - ، أَوْ قَالَ: ((فَاتنٌ» - ثَلاَثَ مَرَار -، وَأَمَرَهُ بِسُوَرَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَضَّلِ . قَالَ عَمْروٌ : لاَ أَحْفَظُهُمَا . خرجه عاليًا مختصراً ، ثم خرَّجه بتمامه نازلاً ، وفي سياقِه موضعُ الاستدلال به على ما بوَّبَ عليه، وهو : انصرافُ الرجلِ لمَّا قرأ معاذ بسورَةِ البقرَةِ . وفيه : دليلٌ على أن الصحابةَ لمْ يكنْ من عادتهم قراءَةُ بعضِ سورةٍ في الفرضِ ؛ فإنَّ معاذًا لما افتتحَ سورةَ البقرةِ علمَ الرجلُ أنَّه يُكْملها في صلاته ، فلذلكَ انصرفَ . وقد خرّجه مسلم(٢) من حديثٍ سفيانَ - هو : ابن عيينة - ، عن عمرو ، عن جابرٍ ، وقالَ في حديثه : فافتتحَ بسورة البقرةِ، فانحرفَ رجلٌ فسلَّم ، ثمَّ صلَّى وحده وانصرفَ ، فقالوا له : أَنَافَقْتَ يا فلانُ ؟ قال : لاَ ، واللَّه، ولآتينَّ (١) كذا، وفي ((اليونينية)): ((وصلى)) وفي نسخة: ((فصلى)) وسيأتي في الشرح أن ما في الأصل نسخة - أيضاً - ، وأن ما ذكرته عن ((اليونينية)) هو الصواب . (٢) (٤١/٢) . ٢٠٢ حديث : ٧٠٠ - ٧٠١ كتاب الأذان رسولَ اللَّهِ وَ له فلأخبرنَّهُ، فَأَتى رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ فأخبرَه، فقالَ: يا رسولَ اللَّه، إِنَّا أصحابُ نواضحٍ، نعملُ بالنهارِ ، وإنَّ معاذًا صلَّى معكَ العشاءَ ، ثمَّ أتى فافتتحَ بسورة البقرةِ، فأقبلَ رسولُ اللّه ◌َ له على معاذ، فقال: ((يا معاذُ، أفتانٌ أنتَ؟)) - وذكر الحديث . ففي هذه الرواية : أنه انصرفَ بمجردِ افتتاحٍ معاذٍ للبقرةِ . وفيها: أنَّه سلَّم ثم صلَّى وحدَه وانصرَف، ولم ينكرْ عليه النبيُّ بَِّ ذَلِك. وذكر البيهقيَّ في ((كتاب المعرفة)): أن هذه الزيادةَ - يعني : سلام الرجل - تفردَ بها محمد بن عباد ، عن سفيان . قال : لا أدري هلْ حفظها عن سفيانَ ، أمْ لا ؛ لكثرةٍ من رواه عن سفيان بدونها ؟ وقد خرَّجه النسائيّ (١) من طريقِ سفيانَ - أيضًا - ، وزاد فيه بعد قوله : ((فاستفتحَ بسورة البقرةِ)): ((فلما سمعتُ ذلكَ تأخرتُ فصلَّيْتُ)) . وخرجه - أيضًا (٢) - من طريقِ الأعمش ، عن محاربِ بن دثارٍ وأبي صالحٍ ، عن جابرٍ، وفي حديثه: أنَّ معاذًا ذكر أمرَ الرجلِ للنبيِّ وَّر، فأرسلَ إليْهِ النبيّ وَخَّ، فقال: ((ما حَمَلَك على الذي صنعتَ؟)) فقال: يا رسولَ اللَّه، عملتُ على ناضحٍ من النهارِ ، فجئتُ وقد أقيمت الصَّلاةُ ، فدخلتُ المسجدَ فدخلتُ معه في الصَّلاةِ، وقرأ سورة كذا وكذا وطوَّلَ ، فانصرفتُ فصليتُ في ناحية المسجدِ. فقال رسول اللَّهِ وَله: ((أفتانٌ يا معاذٌ؟!)). فيستدلُّ بهذا : على أن الإمامَ إذا طوَّل على المأمومِ وشقَّ عليه إتمامُ الصلاة معه ؛ لتعَبِهِ أو غلبة النُّعاسِ عليه أنَّ له أن يقطَعَ صلاتَه معه ، ويكون ذلك عذراً في قطعِ الصّلاةِ المفروضةِ ، وفي سقوطِ الجماعةِ في هذه الحالِ ، وأنه يجوزُ أن (١) (١٠٢/٢) . (٢)(٩٧/٢ - ٩٨) . ٢٠٣ كتاب الأذان ٦٠ - بَابُ إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج ولم يصل يصلِّي لنفسه منفردًا في المسجدِ ثم يذهبُ ، وإن كانَ الإمامُ يصلِّي فيه بالناسِ . قال سفيانُ: إذا خشي على غنمِهِ الذئبَ، أو على دابَّتِهِ أن تؤخذَ ، أو عَلَى صبِّ أنْ يأكلَه الذِّئْبُ ، فلا بأسَ أَنْ يقطَعَ صلاتَه ويذهبَ إليْهِ . وقال الحسنُ (١) وقتادَةُ، في رجلٍ كان يصلّي فأشفقَ أنْ تذهبَ دابته ، أو أغارَ عليها السُّعُ ؟ قالا : ينصرفُ . قيلَ لقتادةَ (٢): يرى سارقًا يريدُ أنْ يأخذَ نعليه ؟ قال : ينصرفُ . ولو طوَّلَ الإمامُ تطويلاً فاحشًا، أو حدَثَ للمأمومِ عذرٌ ، مثل حدوثِ مرضٍ ، أو سماعٍ حريقٍ وقع في داره ، أو خافَ فسادَ طعامٍ له على النارِ ، أَوْ ذهابَ دابة له على بابِ المسجدِ ونحو ذلك ، فنَوَى مفارقَةَ إِمَامه ، وأتمّ صلاته منفردًا، وانصرفَ جازَ ذلك عند أصحابنا - أيضًا - وحكوه عن الشافعيِّ وأبي يوسفَ ومحمدٍ . وعنْ مالكٍ وأبي حنيفةً : تبطلُ صلاته بذلك . واستدلَّ أصحابنا بما روى الإمامُ أحمد في ((مسنده))(٣): حدثنا إسماعيلُ - هو : ابن عليَّةَ - : ثنا عبد العزيز بن صهيبٍ ، عن أنسٍ ، قال: كان معاذُ بن جبلٍ يؤمّ قومه ، فدخل حرامٌ وهو يريدُ أن يسقيَ نَخْلَهُ ، فدخلَ المسجدَ مع القومِ ، فلمَّا رأى معاذًا طوَّلَ تجوَّزَ في صلاتِهِ ولحقَ بنخلِه يسقيه ، فلما قضى معاذٌ الصلاةَ قيلَ له : إن حرامًا دخلَ المسجدَ ، فلما رآك طوَّلْتَ تجوزَ في صلاته ولحقَ نخْلَه يسقيه . قالَ : إنه لمنافقٌ ، أيعجلُ عن الصلاةِ من أجلِ سقي نَخْلُه ؟! قال: فجاءَ حرامٌ إلى النبيِّنَّهِ ومعاذٌ عنْدَه، فقال: يا نبيَّ اللَّه؛ إنِّي أردتْ أنْ أسِقِي نخلاً لِي، فدخلتُ المَسْجِدَ لأصَلِّيَ معَ القومِ ، فلما طوَّلَ (١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٦١). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٦٢). (٣) (١٢٤/٣) . ٢٠٤ حديث : ٧٠٠ - ٧٠١ کتاب الأذان تجوَّرْتُ في صلاتي ولحقتُ بنَخْلِي أَسْقِيه، فَزَعَمَ أَنَّى منافقٌ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ وَهِ على معاذ ، فقال: ((أفتانٌ أنتَ ؟! لا تطوِّلْ بهم ؛ إقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضَحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ونحوهما)). وخرج - أيضًا (١) - من طريق حسين بن واقد ، عن عبد اللَّه بن بريدة ، عن أبيه، أن معاذ بن جبل صلَّى بأصحابِهِ العِشَاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فقام رجلٌ من قبل أن يفرغَ، فصلَّى وذهب، فقال له معاذٌ قولاً شديدًا، فأتى النبيَّ وَّ واعتذرَ إليه، وقال: إنِّي كنتُ أعمل في نخلٍ ، وخِفْتُ على الماء، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ - يعني لمعاذ -: ((صَلِّ بالشمسِ وضحاها ونحوها من السُّورِ» . وروى محمد بن عجلان ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابرِ هذه القصةَ بطولها ، وفيها : فصلَّى خلْفَه فتَّى من قومِه ، فلما طالَ على الفَتَى صلَّى وخرج. وفي هذا الحديثِ: أنَّ معادًا أخبرَ النبيَّ بَّهِ بما صنعَ الفتى، فقال : يا رسولَ اللَّهِ، يطيلُ المكثَ عنْدكَ، ثم يرجعُ فيطوِّلُ علينا . فقال: ((أفتانٌ أنتَ يا معاذُ؟!» - وذكر الحديث . خرجه أبو داود(٢)، مختصراً لم يتمه . وقالَ أصحابنا : هذه قصَّةٌ أخرى غير قصة الذي سلَّم من صلاته وصلَّى لنفسه وانْصَرف . وقد روي أنَّ الرجلَ صلَّى قبل أن يجيء معاذٌ ، وانصرفَ لما أبطأُ معاذ ، وأنَّ اسمه : سليم . وهذا يدلُّ على أنَّ هذه قصة أخرى غير قصة حرامٍ . (١) (٣٥٥/٥) . (٢) (٦٠٠) . ٢٠٥ ٦٠ - بَابُ إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج ولم يصل کتاب الأذان فروى أسامةُ بن زيد: سمعتُ معاذَ بن عبد الله بن خُبَيْب ، قال : سمعتُ جابر بن عبد الله، قال: كان معاذٌ يتخلفُ عندَ رسول اللَّهِ وَلّ، فكانَ إذا جاءَ أَمَّ بقوْمِه ، وكانَ رجلٌ من بني سلمة - يقال له : سليم - يصلِّي مع معاذٍ ، فاحتُبِسَ معاذٌ عنهم ليلةً، فصلَّى سليم ثم انصرفَ - وذكر الحديث ، وفيه : أنَّ النَّبِيَّ وََّ سأَلَ سليمًا: كيف صلَّى ؟ فقال : قرأتُ بفاتحة الكتابِ وسورة ، ثم قعدتُ وتشهدتُ، وسألتُ الجنَّة وتعوذتُ من النَّارِ، وصلَّيْتُ على النبيِّ نَّهِ ، ثم انصرفتُ، وليس أحسنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنَدنة معاذ. فضحكَ النبيِّ وَلّر، ثم قال : ((هلْ أدندنُ أنَا أو معاذٌ إلا لندخلَ الجنَّة ونعاذَ من النارِ؟)) ثم أرسلَ إلى معاذ : ((لا تكنْ فتانًا تفتنُ الناسَ ، ارجعْ إليهم فصلِّ بهم قبل أنْ يَنَاموا)) . خرجه البزار . وقد روي أن اسم الرجل حزم بن [أبي] كعب(١). وقد خرَّج أبو داود حديثه مختصراً . وهذا يستدلُّ به على أنها وقائعُ متعددةٍ . ولم نقفْ في شيْءٍ من الرواياتِ على أنَّ الرجلَ قطعَ صلاته وخرج من المسجدِ ولم يصلِّ ، كما بوَّب عليه البخاريُّ . وفي بعض النسخ : ((فخرجَ فصلَّی)) ، وهو أصحّ . ولو فارق المأمومَ لغيرِ عذرٍ ، لم يجز في أَصحِّ الروايتينِ عن أحمد ، وهو قولُ أبي حنيفةً ومالكِ . والثانية : يجوزُ ، وهو قولُ أبي يوسف ومحمد . وللشافعيِّ قولان . واستدلُّوا على أنَّه لا يجوز، وأنَّ الصلاة تبطلُ به بقول النبي وَّ: ((إنما (١) في الأصل: ((حزم بن كعب)) وفي ((سنن أبي داود)) (٧٩١): ((حزم بن أبيّ بن كعب)) وكلاهما خطأ ، والصواب ما أثبته ، وهو كذلك في كتب الرجال . : ٢٠٦ حديث: ٧٠٠ - ٧٠١ کتاب الأذان الإمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفُوا عليه))، ومفارقتة من غيرِ عذر منَ الاختلافِ عليه. وأيضًا ؛ فقد سبقَ الاستدلالُ على وجوبِ الجماعَةِ ، والواجبُ إذا ما شُرِعَ فيه لم يَجُزْ إِبْطَالُه وقطْعُه لغيرِ عذرِ ، كأصلِ الصلاةِ . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم . ٢٠٧ ٦١ - بَابُ تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود کتاب الأذان ٦١ - بَابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِنْمَامِ الرُُّوعَ والسُّجُودِ ٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: ثَنَا زُهَيْرٌ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ: سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَنَأَخَّرُ عَنْ صَلَةٍ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. قَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّهُ فِي مَوْعِظَةٍ أَشدَّ غَضِبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ مِنْكُمْ مُتَقِرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَجَوّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ)). في هذا الحديثِ : أنّ الإمامَ مأمورٌ بالتخفيفِ خشيةَ الإِطالةِ على من خلفه ؛ فإِنَّه لا يخلُو بعضهم من عذرٍ كالضعيفِ والكبيرِ وذي الحاجة . وهذا يدلُّ على أنَّ الأمرَ بالتخفيفِ إنما يتوجَّهُ إلى إِمام يصلِّي في مسجدٍ يغشاه الناس . قال حنبل بن إسحاق : قالو أبو عبد الله - يعني: أحمد - : إذا كانَ المسجدُ على قارعةِ الطريقِ أو طريقٍ يسلك فالتخفيفُ أعجبُ إليَّ ، فإن كان مسجدًا يعتزل أهله ويرضوْنَ بذلك فلا بأسَ ، وأرجو - إن شاءَ اللَّه . وقالتْ طائفةٌ : على الإِمامِ أنْ يخفِّفَ بكلِّ حالٍ . ورجَّحه ابن عبد البرِّ ، قال : لأنه وإن علمَ قوةَ من خلفه ، فإنه لا يدري ما يحدثُ بهم من آفات بني آدم . وذكر أنَّ تطْويلَ الإِمامِ غير جائزٍ ، وأَنَّه يلزمُه التخفيفُ . وقال عبد الله بن أحمد(١): سألتُ أبي عن الحديثِ الذي جاءَ عن النبيِّ وَل (١) انظر: ((مسائله)) (ص ١١٢). ٢٠٨ حديث : ٧٠٢ كتاب الأذان في صلاته ، قال : ((وكانَ قيامُهُ وركوعهُ وسجودُه وقعودُه بين السجدتينِ قريبًا من السواء)) : ما تفسير ذلك ؟ فقال : أحبُّ إلي أن يخففَ ، ولا يشقَّ على من خلفه، وقد روي عن النبيِّ رَّ في التخفيفِ أحاديث . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابِنَا: قد يجوزُ أن يكونَ رسول الله وَّ استعملَ ذلك في نفسه إذا كان مصليًا، وقد أمرَ أئمته بالتخفيف ، فيتوجه الحديثان على معنيين . كذا قال، وفيه نظر؛ فإن النبيَّ وَِّ كان يخففُ ويوجزُ ويتمَّ الصلاة ، فلم يكن يفعلُ خلافَ ما أمر به الأئمة . وليس في حديثٍ أبي مسعودِ الذي خرجه هاهنا ما يدلُّ على ما بوَّب عليه من تخفيفِ القيامِ وإتمامِ الركوعِ والسجودِ ، وقد خرَّج فيما بعد (١) حديث أنس ، أنَّ النبي ◌َِّ كان يوجزُ ويتمُّ . وقد رويتْ أحاديثُ في التخفيفِ مع إتمامِ الركوعِ والسجودِ ، وهي مطابقةٌ لترجمةِ هذا الباب ، لكنْ ليستْ على شرطِ هذا ((الكتابِ)). فخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديث مالك بن عبد اللَّه الخثعمي ، قال : غزوت مع رسولِ اللَّه وَّهِ، فلم أصلِّ خلفَ إِمامٍ كان أوجزَ مِنْهُ صلاةً في تمام الركوعِ والسجودِ . ومن حديثٍ (٣) عديٍّ بن حاتمٍ ، قال: من أمَّنَا فليتمَّ الركوعَ والسجودَ ؛ فإنَّ فينا الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ والعابرَ السبيل وذا الحاجة ، هكذا كنا نصلّي مع رسول اللَّهِ وَهِ . (١) (٠٦ ٧) . (٢) (٢٢٥/٥ - ٢٢٦) . (٣) (٤/ ٢٥٧) . ٢٠٩ كتاب الأذان ٦١ - بَابُ تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود وخرجه الطبراني (١)، ولفظه : أنَّ عديَّ بن حاتمٍ خرج إلى مجلسهم ، فأقيمتِ الصَّلاةُ فتقدمَ إمامُهم ، فأطالَ الصلاة والجلوسَ ، فلما انصرفَ قال : من أَمَّنَا منكم فليتمَّ الركوعَ والسجودَ ؛ فإنَّ خَلْفَه الصغيرَ والكبيرَ والمريضَ وابنَ السبيلِ وذَا الحاجَةِ ، فلما حضرتِ الصلاةُ تقدَّم عديٌّ فأتمَّ الركوعَ والسجودَ ، وتجوّزَ في الصلاة، فلما انصرفَ قال: هكذا كنَّا نصلِّي خلف النبيِّ بِّهِ. وخرج الطبراني(٣) وغيره من حديث نافع بن خالد الخزاعيّ : حدثني أبي - وكان من أصحابِ الشجرة - أن النبيَّ وَِّ كان إذا صلَّى والناسُ ينظرونَ صلَّى صلاةً خفيفةً تامَّة الركوع والسجودِ . فقد ثبتَ أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا صلَّى بالناسِ فإنَّه يخفف عنهم، وإذا صلَّى لنفسه يطوِّل . وفي ((مسند الإِمام أحمد)) (٣) عن أبي واقد الليثيّ، قال : كان النبيّ أخفَّ الناسِ صلاةً بالناسِ ، وأطولَ الناسِ صلاةً لنفسه . فالصلاةُ التي كان النبيُّ وَ يصلِيها بالناسِ هي التخفيفُ الذي أمرَ به غيره ، وإنَّما أنْكَرَ على من طوَّلَ تطويلاً زائداً على ذلكَ، فإنَّ معاذ بن جبل كان يصلِّي مع النبيِّ وَِّ بالمدينةِ صلاةَ العشاءِ، وكان النبيُّ ◌َّهِ يؤخرُها كثيرًا، كما سبقَ ذكره في ((المواقيت))، ثم ينطلقُ إِلى قومه في بني سلمة فيصلِّي بهمْ ، وقد استفتحَ حينئذٍ بسورة البقرةِ ، فهذا هو الذي أنكره على معاذٍ . ويشهدُ لهذا: حديث ابن عمر، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ لَيَأْمُرُنَا بالتخفيف ، وإن كانَ ليؤمُّنا بالصَّافَّاتِ . خرجه الإمامُ أحمد والنسائيّ وابن خزيمة في ((صحيحه))(٤). (١) (١٧ / ٩٤) . (٢) (٤ / ١٩٣) . (٣) (٢١٨/٥ - ٢١٩) . (٤) أحمد (٢٦/٢ - ٤٠) والنسائي (٩٥/٢) وابن خزيمة (١٦٠٦). ٢١٠ حديث : ٧٠٢ كتاب الأذان والمراد : أن التخفيفَ المأمورَ به هو ما كانَ يفعلُه ، ومن كان يفهم أنَّه كان يفعلُ خلافَ ما أمر به - كما أشعرَ به تبويبُ النَّسائي - فقد وهم . وفي ((صحيح مسلم))(١) عن سماك ، قال : سألتُ جابر بن سمرة عن صلاة النبيِّ ◌َّهِ، فقالَ: كانَ يخفِّفُ الصَّلاةَ ولا يصلِّي صلاةَ هؤلاءِ. قال: وأنبأني أنّ رسولَ اللَّهِ وَالهِ كان يقرأُ في الفجرَ بـ ((قاف والقرآن المجيد)»، ونحوها من السور. وخرجه الحاكم(٢)، ولفظه: كان النبّيُّ ◌َلّ يصلِي نحوًا من صلاتِكم ، ولكنَّه كان يخففُ الصَّلاة ، كان يقرأ في الفجرِ بالواقعة ونحوها من السور . فصرَّح بأن تخفيفَهُ هو قراءَتُه بهذه السورةِ . وروى عبد الجبار بن العباس ، عن عمارِ الدُّهْني ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كان أبي تركَ الصلاةَ معنا ، قال : إنَّكم تخفِّفُون . قلت: فأينَ قولُ النبيّ ◌َّهِ: ((إنَّ فيكمُ الكبيرَ والضعيفَ وذَا الحاجة؟)) فقال : قد سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقولُ ذلك ، ثم صلَّى ثلاثة أضعاف ما تصلُّون . خرجه ابن خزيمة في «صحيحه)) والطبراني(٣). وروى مالك بن مِغْول ، عن الحكم ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، أنه كان يتخلفُ عن الصَّلاةِ، فقيلَ له . فقال: إنكم تخفِّفُونَ . فقيل : أليس قد كانَ يؤمر بذلك ؟ قال : إن الَّذِي كان عليهم خفيفًا عليكمْ ثقيلٌ . واعلمْ ؛ أنَّ التخفيفَ أمر نسبِيٌّ ، فقد تكونُ الصلاةُ خفيفةً بالنسبة إلى ما هو أخفُّ منها، فالتخفيفُ المأمورُ به الأئمة هو الذي كان النبيُّ وَِّ يفعلُه إذا أَمَّ، فالنقصُ منه ليس بتخفيف مشروع ، والزيادةُ عليه إن كانَ مما فعله الخلفاءُ الراشدون كتطويلِ القراءة في صلاة الصبح ، على ما كان يفعله - أحيانًا - أبو بكر (١) (١١٨/٢). (٢) (١/ ٢٤٠) . (٣) ابن خزيمة (١٦٠٧) والطبراني في ((الأوسط)) (١٣٦٨) وكذا في ((الكبير)) (٢٦٤/١٠). ٢١١ ٦١ - بَابُ تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود كتاب الأذان وعمر فليسَ بمكروهِ ، نصَّ عليه الإمامُ أحْمَدُ وغيره . وسيأتي ذلك في موضِعه - إن شاءَ اللَّهُ تعالى . وقال الشافعيّ في ((الأم))(١): أحبُّ أن يبدأَ الراكع فيقول : سبحانَ ربي العظيم - ثلاثًا -، ويقولُ كل ما حكيتُ عن النبيِّ وَ لَ كان يقوله - يعني: حديثَ علي (٢) - قال: وكلُّ ما قالَ النَّبِيُّ بِّهِ في ركوعٍ أو سجودِ أحببتُ أنْ لا يقصرَ عنه، إمامًا كانَ أو منفردًا، وهو تخفيفٌ لا تثقيلٌ . انتهى كلامه . فقد كانَ حدَثَ بعدَ النبيِّ ◌ََّ من تخفيفِ الصلاةِ من الأئمةِ تخفيفًا(٣)، وقد حكي ذلك عنْ أهلِ الكوفة، وحَدَثَ من يطيلُ الصلاةَ على صلاةِ النبيِّ وَل إطالةً زائدةً ، وكان ذلك في أهلِ الشامِ وأهلِ المدينةِ - أيضًا - ، وكان السَّلْفُ ينكرونَ على الطائفتينِ ، وقد ذكرنا إنكار يزيدَ التيمي - وكان من أعيانِ التابعينَ - على من خفَّفَ الصلاةَ من أئمة الكوفة ، وكان ابنُ عمرَ وغيره ينكرونَ على من أطالَ الصلاةَ إطالةً زائدةً على صلاةِ النبيِّ وَِّ. ففي ((مسنده الإمامِ أحمد))(٤) عن عطية ، عن ابن عمر ، قال : سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجداتٍ من سجود النبيِّ ◌َّد . وعن حيان البارقي(٥)، قال: قيلَ لابنِ عمرَ : إنَّ إمامًا يطيلُ الصلاةَ. فقال: ركعتينٍ من صلاةِ رسولِ اللّهِ وَ ل﴿ أخفُّ - أو مثل ركعة - من صلاة هذا. (١) (١ / ٩٦ - ٩٧) . (٢) ولفظه في ((الأم)): إن النبي ◌َّير كان إذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، أنت ربي ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين)) . وهو في مسلم (١٨٥/٢) . (٣) لعل في الكلام سقطًا، تقديره: ((مفرطًا)) أو نحو ذلك. (٤) (٢ / ١٠٦) . (٥) (٤٥/٢) . ٢١٢ حديث : ٧٠٢ كتاب الأذان وروى ابن أبي عاصم في ((كتاب السَّنَّة)) من روايةٍ سالمٍ بن حذلم ، قال : رآني ابنُ عمر أصلِّي ، فلما انصرفتُ قال لي : ممن أنتَ ؟ قلت : من أهلِ الشامِ . قال : إنَّكمْ أهلَ الشامِ تصلُّونَ الصلاةَ وتكثرونَ من الدعاءِ ، وإني لَمْ أصلِّ خلفَ أحدٍ أخفَّ صلاةً في تمامٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ . وفي («المسند))(١) عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة صلَّى صلاةً تجوز فيها، فقلتُ له: هكذا كانَ رسولُ اللَّهِ وَله يصلِّي ؟ قال: نعمْ، وأَوْجَزُ (٢). وفي رواية(٣): ((أو أوجز)). وفي رواية - أيضًا(٤) - : قال : وكانَ قيامُهُ قدْرَ ما ينزلُ المؤذنُ من المنارَةِ ويصلُ إلى الصفِّ . وفي بعض الروايات(٥) لهذا الحديث : أنَّ أبا هريرة كان يؤمُّ الناس بالمدينةِ فیخففُ . وفي ((المسند)) - أيضًا(٦) . : عن أنس بن مالك ، قال: لقد كنا نصلِّي مع رسول اللَّهِ وَ له صلاة، لو صلَّها أحدكم اليومَ لَعِبْتُموهَا عليه. فقال له رجل : ألا تذكرُ ذلك لأميرنا - والأميرُ يومئذ عمرُ بن عبد العزيز - ؟ فقال: قد فعلتُ . وفي رواية في غير («المسند» بعد قوله: ((لعبتموها عليه)): ((يعني: في التخفيف)) . (١) (٢ / ٤٧٢) . (٢) في الأصل: ((وأجوز)). (٣) (٤٣٧/٢) . (٤) (٢/ ٣٣٦) . (٥) (٤٩٦/٢) . (٦) (١٥٨/٣). ٢١٣ ٦١ - بَابُ تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود كتاب الأذان وروي عن عمر بن الخطاب ، قال : أيها الناسُ ، لا تبغّضوا اللَّهَ إلى عباده . فقال قائل منهم : وكيف ذلك ؟ قال : يكون الرجلُ إمامًا للناس ، يصلّي بهم ، فلا يزالُ يطول عليهم حتى يبغض إليهم ما هم فيه . خرجه ابنُ عبد البِّ (١). (١) في ((التمهيد)) (١٩/ ١١ - ١٢)، وكذا عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) (٢/ ٧٥٠) . ٢١٤ حديث : ٧٠٣ کتاب الأذان ٦٢ - بَابُ إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلَيُطَوِّلْ مَا شَاء)) . معنى قوله: ((إذا صلَّى أحدكم لنفسه)) ــ أي: منفردًا، بحيثُ لا يأتمّ به أحد . وقد خرجه مسلمٌ (١) من روايةِ المغيرةَ الحزاميِّ ، عن أبي الزِّناد ، وقال فيه: ((وإذا صلى وحدَه فليصلِّ كيف شاءَ)). وخرجه - أيضًا (٢)- من رواية همامٍ بن منبه ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَه، قال: ((إذا ما قام أحدُكم للناسِ فليخففْ في الصلاة ؛ فإنَّ فيهمُ الكبيرَ والضعيفَ، وإذا قام وحدَه فليطلْ صلاتَه ما شاءَ)) . وخرَّج - أيضًا - من حديث عثمانَ بنِ أبي العاصِ ، قال : قالَ رسولُ اللَّه وَلَّه: (( أُمَّ قومَكَ، فمَن أَمَّ قومًا فليخففْ؛ فإنَّ فيهمُ الكبيرَ ، وإنَّ فيهم المريضَ ، وإن فيهم الضعيفَ، وإنَّ فيهم ذَا الحاجة ، وإذا صلى أحدُكم وحدَه فليصلِّ كيف شاءَ)) . ويدخل في ذلك : صلاةُ الفرائضِ والنوافلِ - إذا صلاها وحده - فإنه لا يُكره له إطالتُها . وقد اختلف الناسُ في النفل : هلِ الأفضلُ إطالةُ القيامِ ، أم كثرةُ الركوعِ (١) (٤٣/٢) . (٢) (٤٣/٢) . ٢١٥ ٦٢ - بَابُ إذا صلى لنفسه فاليطول ما شاء کتاب الأذان والسجودِ ، أم يفرَّقُ بينَ صلاة الليلِ والنهارِ ؟ وربما يأتي ذلك في موضعٍ آخرَ - إن شاء اللَّه تعالى(١). قال بعضُ أصحابِنا : هذا فيما لم يُنقلْ عن النبيِّ وَلَّ إطالتُه أو تخفيفُه، فأما ما نُقل عنه إطالتُه أو تخفيفُه فاتباعُه فيه أفضلُ ، فالأفضلُ في ركعتيِ الفجرِ والركعتينِ المُفْتَحِ بهما صلاةَ الليلِ تخفيفُهما ، وكذلك الركعتان للداخلِ - والإمام و يخطب - يومَ الجمعةِ . وقد سبق ذكْرُ الاختلاف فيمن فاته قراءةُ حزبه من الليلِ : هل يقرأ به في ركعتي الفجر ، أم لا ؟ وروى وكيعٌ في ((كتابه)) عن موسى بنِ عُبيدة ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ عمرَ إذا صلَّى لنفسه طوَّل في أربعتين - يعني : في الركعات الأربعِ في الفريضةِ . وموسى بن عبيدة ، ضعيف جداً من قِبَل حفظة ، وكان شيخًا صالحًا - رحمه اللَّه . وكان من الصحابة من يخفف الصلاة ، ويعلل بخشية وسوسة الشيطان . قال وكيع : ثنا ابن أبي عَروبة ، عن أبي رجاء العُطارِديِّ ، قال : قلتُ للزبير بن العوامِ : ما لكم أصحابَ محمدٍ من أخفِّ الناسِ صلاةً ؟ قال : إنما نبادرُ الوَسْواسَ . حدثنا سفيان ، عن نُسَيْر بنِ ذُعْلُوق ، عن خليد الثوريِّ، قال : سمعتُ عمار بنَ ياسرِ يقول : احذِفُوا هذه الصلاةَ قبلَ وسوسةِ الشيطانِ (٢) . (١) ولابن القيم بحث نفيس في هذه المسألة، أودعه كتابه القيم: ((زاد المعاد)»، فارجع إليه لزاماً (٢٣٥/١ - ٢٣٧). (٢) أخرجهما ابن أبي شيبة (٤٠٦/١) وعبد الرزاق (٣٦٧/٢) بمعناه . ٢١٦ حديث : ٧٠٤ كتاب الأذان ٦٣ - بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: طَوّلْتَ بِنَا(١) يَا بُنِيَّ! قال أبو نُعيمِ الفضلُ بنُ دُكَينٍ في ((كتاب الصلاة)): حدثنا ابنُ الغسيل ، عن حمزةَ بن أبي أُسيدِ : كان يؤمُّنًا (٢)، فإذا طوَّل عليهم قال له أبو أسيد - وهو خلفه - : يرحمك اللَّهُ ، طوَّلَتَ علينا . وحدثنا ابن الغسيلِ ، عن الزبيرِ بن المنذرِ بن أبي أُسيدِ ، عن أبي أُسيد - مثلَه . خرَّجَ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديث : الأولُ : ٠ ٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالد ، عَنْ فَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلانٌ فِيهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِلَ، مَا رَآَيْتُهُ فِي مَوْعِظَةٍ كَانَ أَشَدَّ غَضِبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ. ثُمَّ قَالَ: ((يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أُمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفَّفْ؟ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» . قد سبق هذا الحديثُ - قريبًا (٣) - من رواية زهيرٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ . ومقصودُه بتخريجه هاهنا : جوازُ شكوى مَن يطيلُ الصلاةَ إطالةٌ زائدةً على (١) ((بنا)) سقط من الأصل. (٢) كذا السياق بالأصل، ولعل الصواب : ((كان أخي يؤمنا))، ويؤيده الذي بعده . وانظر : (التغليق)) (٢٩٣/٢) وابن أبي شيبة (٣٢/٢) و((تهذيب الكمال)) (٣١١/٧ - ٣١٢). (٣) (٧٠٢) . 1 ٢١٧ ٦٣ - بَابُ من شكا إمامه إذا طول كتاب الأذان الحدِّ المشروع؛ فإنَّ هذا الإمامَ لولا أنَّه زادَ على صلاة النبيِّ بَّهِ زيادةً كثيرةً لمَا شكي، ولا تخلَّف مَنْ تخلَّف عنِ الصلاةِ خلفَه، فلما شكي ذلك إلى النبيِّ وَالـ غضِب غضبًا شديدًا ، ووعظَ الناسَ موعظةً عامَّةً، وأمر الأئمةَ بالتخفيفِ ، وحذَّر من تنفيرِ الناسِ عن شهودِ صلاةِ الجماعاتِ بالتطويلِ . وروى وكيعٌ: ثنا هشامٌ الدَّسْتُوائِيُّ ، عن قتادةَ ، عن عباس الجُشّمي ، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ من الأئمةِ طرَّادِينَ)(١). وهذا مرسل . الحديثُ الثاني : ٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دَثَار ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ ، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ ، فَوَفَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي ، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذْ، فَقَرَأَ بِسُورَةَ الْبَقَرَةِ - أَو النِّسَاء -، فَانطَلَقَ الرَّجُلُ - وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَادًا نَالَ مِنْهُ - فَأَتَى النَِّّ ◌َ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَادًا، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّ: (يَا مُعَاذُ، أَقَتَّانُ أَنْتَ)) - أَوْ ((فَاتنٌ؟)) ثَلاَثَ مَرَّات - ((فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بـ (سَبِحِ اسْمَ رَبَّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَّاهَا﴾ [الشمس: ١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَة؟)) - أَحْسبُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ . وَتَابَعَهُ: سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقَ وَمَسْعَرٌ وَالشَّيْبَانِيَّ . قَالَ عَمْروٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسٍَ وَأَبُو الزُّبْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأْ مُعَادٌ فِي الْعِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ . وَتَابَعَهُ: الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارب . ء (١) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٣٨) وابن أبي شيبة (٤٠٥/١). : ٢١٨ حديث : ٧٠٥ کتاب الأذان قال الخطابيُّ (١): جنَحَ الليلُ : أقبلَ بظلمتِهِ ، وقد جنح جنوحًا ، ومنه جُنْحُ الليلِ : إقبالُ ظُلْمتِهِ . والناضِحُ : البعيرُ يُسقَى عليه . والفتنةُ على وجوهِ ، ومعناها هاهنا : صرفُ الناسِ عن الدينِ ، وحملُهم على الضلال . قال تعالى: ﴿مَا أَنْتَمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] أي: مضلِّين. وقوله: ((فَلَوْلاَ صلَّيْت بسَبِّحْ)) يريد: هلَّ قرأتَ، كقوله: ﴿فَلَوْلا إِن كُنْتُمْ غير مدينين﴾ [الواقعة: ٨٦] ﴿فَلَوَلا كَانَ مِنَ الْقُرَون﴾ [هود: ١١٦] معناه: فهلاً. وفيه : أنه جعل الحاجة عُذْرًا في تخفيفها . انتهى . وتفسيره الفتنةَ - هاهنا - بالإضلال بعيدٌ ، والأظهرُ: أن المرادَ بالفتنةِ هاهنا : الشغلُ عن الصلاةِ ؛ فإن مَنْ طوَّلَ على مَنْ شقَّ عليه التطويلُ في صلاته ، فإنه يشغلُه عن الخشوعِ في صلاتِه، ويُلْهيه عنها، كما أن النبيَّ وَِّ لمَّا نظر إلى أعلامِ الخميصة التي كانت عليه في الصلاة نزعَها، وقال : ((كَادتْ تَفْنُني)) وأمر عائشةَ أن تُميطَ قِرامَها الذي فيه تصاويرُ ، وقال : ((لا يزالُ تصاويرُه تعرضُ لي في صلاتي)) . ومنه: تخفيفُهُ وَّ﴿ الصلاةَ لما سمع بكاءَ الصبيِّ مخافةَ أن تُفْتَتَن أمُّه . ومنه : قولُ أبي طلحة ، لما نظر إلى الطائر في صلاته وهو يصلِّي في حائطِهِ حتى اشْتَغَل به عن صلاتِه : لقد أصابني في مالي هذا فتنةٌ . وقد سبق ذكرُ ذلك كلِّه، سوى حديثٍ بكاء الصبيِّ ؛ فإنه سيأتي قريبًا - إن شاء اللّه تعالى. وسبق حديثٌ آخرُ في الصلاةِ على الخُمْرة في هذا المعنى . والفتنة في هذه المواضع كلِّها ، هو: الاشتغالُ عن الصلاة، والالتهاءُ عنها. (١) في ((شرح البخاري)) (١/ ٤٨٠). ٢١٩ ٦٣ - بَابُ من شكا إمامه إذا طول کتاب الأذان ١ 20 ويجوز أن يكون منه قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادَكُم فتنةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وأن يكون المراد: أنها تشغل عن عبادة اللَّهِ وذكرِه. ويدل عليه: أنَّ النبيَّ وَّ لمَّا كانَ يخطبُ ورأى الحسن والحسينَ قد أقبلاً ، نزلَ فحملَهُما، ثمَّ قال: ((صدق اللَّه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ، إِنِّي رأيتُ هذينِ الغلامينِ يمشيانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَلَمْ أَصِبْر)) . وأما ما ذكره البخاريُّ من المتابعاتِ والروايةِ المعلقةِ ، فمضمونُه : أنَّ جماعةً روَوْا هذا الحديثَ عن محاربِ بنِ دِثَارِ كما رواه عنه شعبةُ ، وقالوا في قراءة معاذ : ((البقرة أو النساء)) بالشك، منهم : سعيدُ بنُ مسروقِ الثوريُّ - والدُ سفيانَ - ، ومنهم: مِسْعَرَ وأبو إسحاقَ الشيبانيُّ . والشك في هذا من محاربٍ ، كذا في روايةٍ غُنْدَرِ عَن شُعبةَ . خرَّجه الإسماعيليُّ . وفيه - أيضًا - : قال : أحسب محاربًا الذي شكَّ في ((الضعيف)) - يعني: شك : هل قال: ((الضعيف)) أو ((ذَا الحاجة)) ؟ وفي حديث معاذِ بنِ معاذٍ ، عن شعبة: أن معاذًا كان يصلي بالناسِ المغربَ. ورواه عليَّ بنُ الجعد ، عن شعبة ، وقال فيه : قلتُ لمحارب : أيَّ صلاة كانت ؟ قال : المغربِ . فهذه الروايةُ تبين أنَّ ذكر المغربِ إنما هو ظنٌّ من محاربِ . وخرَّج أبو داودَ (١) الحديثَ بذكر المغربِ من وجه آخر فيه انقطاعٌ . وذكر البخاريُّ : أنه رواه الأعمشُ، عن محارب ، فقال فيه : ((قرأَ بالبقرة)) مِن غير شكٍّ . وكذا رواه عمرو بنُ دينارٍ وعبيدُ اللّه بن مقسمٍ وأبو الزبيرِ ، عن جابرٍ ، (١) (٧٩١) وقد تقدم . ٢٢٠ حديث : ٧٠٦ كتاب الأذان وقالوا في حديثهم : ((قرأ البقرة)) من غير شكٍّ. وقد خرَّج البخاريُ (١) حديثَ عمرو بنِ دينارٍ فيما تقدمَ بهذا اللفظِ . 34 وقد تقدم أن النسائيَّ خرَّجهُ من حديث الأعمشِ ، عن محاربٍ ، ولم يسمَ السورةَ ، بل قال: ((سورة كذا وكذا)). الحديثُ الثالثُ(٢): ٧٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارث: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َِّ يُوجِزُ الصَّلاَةَ وَيُكْمِلُهَا . الإيجازُ : هو التخفيفُ والاختصارُ . والإكمالُ : هو إتمامُ أركانِها منَ الركوعِ والسجودِ والانتصابِ بينهما . وإدخالُ هذا الحديث في هذا الباب ، فائدتُه : أنَّه بَيَّن به قدرَ التخفيف المأمورِ بهِ ، وأَنَّه إنما يُشْكى الإمامُ إذا زادَ عليهِ زيادةً فاحشةً، فأمَّا إكمالُ الصلاة مے وإتمامُ أركانِها ، فليس بتطويلٍ منهيٌّ عنهُ . (١)(١ ٠ ٧) . (٢) قبل هذا الحديث في بعض النسخ ترجمة جديدة ، وهي : (( ٦٤ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها )) . وفي بعض النسخ : ((باب)) فقط .