Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٥٥ - بَابُ إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه
کتاب الأذان
وقد استدلَّ بالأحاديثِ المذكورة في هذا الباب من كره الإمامة ، وقد كره أن
يؤمَّ الناسَ جماعةٌ من الصحابة ، منهم : حذيفةُ وعقبةُ بن عامر .
وقال حذيفة : لتبتغنَّ إمامًا غيري ، أو لنصلِّينَّ وُحْدَانًا.
وسئلَ أحمدُ عن الرجلِ يؤمُ الناسَ : هل له في ذلكَ ثوابٌ ؟ قال : إنْ كانَ
في قرية هو أقرأ القومِ ، أو في موضع هو أقرؤهم فلْيتقدمُهُم .
وسئلَ عن الرجلِ يكونُ أقرأَ القومِ ، فيقالُ له : تقدمْ فيأبى ؟ قالَ : ينبغي لهُ
أن يتقدمَ ، يؤمُّ القومَ أقرؤهم . قيلَ له : يجبُ عليه ؟ فقال : ينبغي له أنْ يتقدمَ
يؤمُّ القومَ ، ولم يقلْ : يجبُ عليه .
وسئلَ عن معنى قول النبيِّ ◌ِِّ: ((الإمامُ ضامنٌ))؟ فقال: هذا على التأكيد
على الإِمامِ .
من حديث
وهذا الحديثُ ، خرَّجه الإِمامُ أحمد وأبو داود والترمذيّ (١
أبي هريرة، عن النبيِّ وَلِّهِ .
وفي إسناده اختلافٌ كثيرٌ أشار الترمذيُّ إلى بعضه ، وقد بسطتُ القولَ فيه
في ((شرح الترمذي)» بحمدِ اللَّه ومِّنه(٢).
روى وكيع في ((كتابه)» (٣) عن علي بن المباركِ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ،
قال: حدثني من لا أَنَّهِمُ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تَبَادَرُوا الأذانَ، ولا
تبادروا الإمامةَ» .
وعن ابن عون ، قال : ذكر عند الشعبيِّ أنَّ الإمامَ ضامنٌ لصلاةِ القومِ ،
فقال: والله إني لأرجو إن أحسنَ أن يتقبَّلَ اللَّهُ منه، وإن أساءَ أن يَغْفرَ له .
(١) أحمد (٢٨٤/٢) وأبو داود (٥١٨) والترمذي (٢٠٧).
(٢) وانظر: تعليق الشيخ المعلمي اليماني على ((الموضح)) للخطيب (٢٦٩/١ - ٢٧١).
(٣) وهو عند عبد الرزاق (٤٨٨/١).

١٨٢
حديث : ٦٩٥ - ٦٩٦
کتاب الأذان
٥٦ - بَابُ
إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ
وَقَالَ الحَسَنُ : تُصَلِّي(١) وَعَلَيْهِ بِدْعَتْهُ .
٦٩٥ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ: ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُّدِ اللَّهِبْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ،
وَهُوَ مَحْصُورٌ ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِْتَةٍ ،
وَتَحَرَّجُ ؟ فَقَالَ: الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ
معهم ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنَبْ إِسَاءَتَهُمْ .
وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لاَ نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّ مِنْ ضَرُورَةٍ
لاَ بُدَّ منْهَا .
٦٩٦ - حَدَثْنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبَان: ثَنَا غُنْدَرُ (٢)، قَالَ: ثَا(٣) شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي النَّاحِ،
سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ النَِّيَُّّهِ أَبِي ذَرٍّ: (اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ،
كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» .
ما ذكره عن الحسن : رواه سعيد بن منصور : ثنا ابن المبارك ، عن هشام
ابن حسان ، عن الحسنِ ، أنه سئلَ عن صاحبِ البدعة : الصلاة خلفَه ؟ قال :
صلِّ خلفه ، وعليه بدعتُه .
وخرجه حربٌ ، عن سعيد بن منصور ، به .
وخرج - أيضًا - بإسناده ، عن جعفر بن بُرقان ، قال : سألتُ ميمون بن
(١) في ((اليونينية)): ((صَلِّ).
(٢) في الأصل: ((عبدان)) خطأ.
(٣) في ((اليونينية)): ((عن)).

١٨٣
كتاب الأذان
٥٦ د بَابُ إمامة المفتون والمبتدع
1
مهران عن الصلاة خلفَ من يذكر أنه من الخوارجِ ؟ فقال : إنَّك لا تصلِّي لَه ،
إنما تصلِّي للَّه، قد كنا نصلّي خلفَ الحجاجِ وهو حَروريٌّ أزرقِيٌّ . فنظرتُ
إليه، فقال : أتدري ما الحررويُّ الأزرقيُّ، هو الّذي إذا خالفتَ آيَةً (١) سمَّاك
كافرًا ، واستحلَّ دمَكَ ، وكان الحجاجُ كذلكَ .
وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)): ثنا سفيانُ ، عن هشامٍ ، عن ابنِ
سيرين ، قال: كانَ يكونُ أمراء على المدينةِ ، فسئل ابن عمر عن الصلاة معهم ،
فقال : الصلاةُ لا أبالي من شاركني فيها .
وروى أبو شهاب : ثنا يونس بن عبيد ، عن نافع ، قال : كانَ ابن عمر
يسلّم على الخشبيةِ والخوارجِ وهم يقتتلونَ . فقال: من قال : ((حيَّ على
الصلاة)) أجبتُه، ومن قال: ((حيَّ على الفلاحِ)) أجبتُه، ومن قال: ((حيَّ على
قتلِ أخيك المسلمِ وأخذِ ماله)) ، قلتُ : لا .
خرجه البيهقي(٢) .
وروى عن ابن عمر من وجوه ، أنَّه كان يصلّي خلفَ الحجاج(٢).
وذكر البخاريُّ في ((تاريخه))(٣): قال لنا عبد اللَّه ، عن معاوية بن صالح ،
عن عبد الكريم البكاء ، قال: أدركتُ عشرة من أصحابِ النبيِّ وََّ [كلهم] يصلّي
خلف أئمة الجورِ .
وخرج أبو داود(٤) من حديث مكحول، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ،
قال: ((الجهادُ واجبٌ عليكم مع كلِّ أمير، برًا كان أو فاجراً . والصلاةُ واجبةٌ
عليكم خلفَ كل مسلمٍ ، برا كان أو فاجراً)) .
(١) كذا، والأشبه: ((رأيه)).
(٢) البيهقي (١٢١/٣ - ١٢٢).
(٣) (٣/ ٢ / ٩٠) وهو عند البيهقي (١٢٢/٣).
(٤) (٢٥٣٢) وكذا البيهقي (١٢١/٣).
!

١٨٤
حديث : ٦٩٥ - ٦٩٦
كتاب الأذان
وهذا منقطع ؛ مكحول لم يسمع من أبي هريرة .
وقد أنكر أحمد هذا ، ولم يره صحيحًا .
قال مهنا : سألت أحمدَ عن الصلاة خلف كلِّ برٍّ وفاجر ؟ قال : ما أدري ما
هذا ، ولا أعرفُ هذا ، ما ينبغي لنا أن نصلِّي خلفَ فاجرٍ ، وأنكر هذا الكلام .
وقال يعقوبُ بن بختان : سئلَ أحمدُ عن الصلاة خلفَ كل برِّ وفاجرٍ ؟ قال:
ما سمعنا بهذا .
وأما الأثر الذي ذكره البخاريُّ عن عثمانَ : فرواه عبد الرزاق(١)، عن معمر ،
عن الزهريِّ ، عن عروة ، عن عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار ، عن عثمانَ ،
فخالف معمرٌ الأوزاعيَّ في إسناده .
وذكر الدارقطنيّ (٣) أن الزبيديَّ والنعمانَ بن راشد وأبا أيوب الأفريقيّ،
رووه ، عن الزهريِّ كما رواه عنه الأوزاعيّ .
وخالفهم شعيبُ بن أبي حمزة وإسحاق بن راشدٍ وعبيد الله بن أبي زياد ،
فرووه عن الزهريِّ ، عن عروة ، عن عبيد الله بن عديٍّ .
وكذلك قال عبد الواحد بن زياد وغندر ، عن معمر .
وقال محمد بن ثور : عن معمر ، عن الزهريِّ ، عن عبيد اللّه بن عدي ،
لم يذكرْ بينهما أحدًا .
وأرسلَه حماد بن زيد عن معمر ، عن الزهريِّ . وتابعه جعفرُ بن برقان ،
عن الزهريِّ .
قال : وحديث حميد بن عبد الرحمن هو المحفوظُ . قال : ولا يدفعُ
حديث عروة ، أن يكون الزهريُّ حفظ عنهما جميعًا .
(١) (١ / ٠ ٥٢) .
(٢) في ((العلل)) (٣٩/٣ - ٤٠).

١٨٥
٥٦ - بَابُ إمامة المفتون والمبتدع
کتاب الأذان
ورواه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن عبيد الله
ابن عديٌّ ، حدث به محمد بن إسحاق عنه . انتهى .
وأما ما ذكره عن الزبيديِّ، عن الزهريِّ ، أنه لا يصلَّى خلفَ المخنث إلا أن
لا يجدَ منه بدًا .
فالمخنث : هو الذي يتشبهُ بالنِّساءِ في هيئته وكلامِه .
وكلامُ الزهريِّ هذا يدلُّ على أنه إذا اضطر إلى الصلاة خلف من يكرهُ صلَّى
وراءَه .
وقال مسرور بن محمد : قال الأوزاعيُّ : لا تصلِّ خلفَ قدريٍّ ؛ إلا أن
تُضطر .
وقال بقيةُ بن الوليد : سألتُ الزبيديّ: هل يصلَّى خلفَ صاحبٍ بدْعةٍ أو
مكذبٍ بالقدرِ ؟ فقال : إن كان واليًا فليس من الأمر في شيء ، وأنتَ في عذرٍ ،
وإن لمْ يكنْ واليًا فلا تصلِّ خلفَه .
وكره آخرونَ الصَّلاةَ خلفَ أهلِ الأهواءِ والفجورِ :
روى بقيةُ بنُ الوليدِ : ثنا حبيب بن عمرَ الأنصاريُّ ، عن أبيه ، قال :
سمعت واثلة بن الأسقع يقول : لو صلَّيتُ خلف قدريٌّ لأعدتُ صلاتي .
خرجه حرب الكرماني .
وخرج - أيضًا - من طريق نوح بن جَعونة : ثنا عبد الكريم ، قال : قال ابن
عباسٍ : لأن أصلِّيَ خلفَ جيفة حمارِ أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي خلفَ قدريٌّ .
وفي كلا الإسنادين ضعف .
ورَوَى عن أبي جعفر محمد بن علي ، أنه أمر بإعادة الصلاة خلف القدرَيِّ .
وكذلكَ سفيان .

١٨٦
حديث : ٦٩٥ - ٦٫٩٦
کتاب الأذان
وفرقتْ طائفةٌ بين البدعِ المغلظة وغيرها :
فقال أبو عبيدٍ فيمن صلَّى خلف الجهمي أو الرافضيِّ: يعيدُ . ومن صلَّى
خلف قدريٍّ أو مرجئ أو خارجيٍّ : لا آمره بالإعادة .
وكذلك الإِمامُ أحمد ، قال في الصلاة خلفَ الجهمية : إنها تعادُ .
والجهميُّ عنده من يقول : القرآنُ مخلوقٌ ؛ فإنه كافر . أو يقفُ ولا يقولُ
مخلوقٌ ولا غيرُ مخلوقِ ، ونصَّ أنه تعاد الصلاةُ خلفه - أيضًا - ، وقال : لا
يصلّي خلفَ من قال : لفظي بالقرآنِ مخلوقٌ ، وهو جهميٌّ .
وقال: لا يصلَّى خلفَ القدريّ إِذا قال: لا يعلم الشيءَ حتى يكونَ ، فهذا
كافرٌ ، فإن صلَّى يُعيدُ .
وقال - أيضًا - في القدريِّ: إذا كانَ داعيًا مخاصمًا تعادُ الصلاةُ خلفه .
وهذا محمولٌ على من لا ينكِرِ منهم العلمَ القديمَ .
وقالَ في الخوارجِ : إذا تغلَّبوا على بلدٍ : صُلِّيَ خلفهم .
وقال - مرة - : يصلَّى خلفهم الجمعة ؛ صلَّى ابن عمر خلف نَجْدَةً
الحروري .
وقال في الرافضيِّ الَّذي يتناولُ الصحابةُ : لا يصلَّى خلْفَهُ .
وقالَ فيمنْ يقدم عليًا على أبي بكرٍ وعمر: إنْ كانَ جاهلاً لا علْمَ له فَصَلَّى
خلفه فأرْجو أنْ لا يكون به بأسٌ ، وإن كانَ يتخذه دينًا فَلا تصلِّ خلفه .
وقال في المرجئ - وهو: من لا يدخلُ الأعمالَ في الإيمانِ - : إن كان
داعيًا فلا يصلَّى خلفه .
وقال في الصلاة خلفَ أهلِ الأهواءِ : إذا كان داعيةً ويخاصمُ في بدعته فلا
يصلَّى خلفه ، وإلاَّ فلا بأس .
وهذا محمولٌ على البدع التي لا يكفّر صاحبها ، فأما ما يكفّر صاحبه فتعادُ
--

١٨٧
٥٦ - بَابُ إمامة المفتون والمبتدع
كتاب الأذان
الصلاةُ خلفه ، كما تقدم عنه .
قال حرب : قلت لأحمد : فتكرهُ الصلاةَ خلف أهلِ البدعِ كلِّهم ؟ فقال :
إِنَّهم لا يستوون .
وأما الصلاةُ خلفَ الفُسَّاقِ، فقال أحمد - فيمن يسكرُ - : لا يصلَّى خلفه ،
وفيمن تركَ شيئًا من فرائضِ الإسلامِ أو تعامل بالرِّبًا: لا يصلَّى خلفه ، ولا
خلْفَ من كلُّ بيعه عِينَة - يعني : نَسْأَةً ، ولا خلفَ من يكثرُ كذِبُهُ .
وسئل عن الصلاة خلف من يغتابُ النَّاس ؟ فقال: لو كان كلُّ من عصى اللَّه
لا يصلَّى خلفه، متى كان يقومُ الناسُ على هذا ؟
وفرق - مرة - بين المستترِ والمعلنِ .
قال أحمد بن القاسم : سئلَ أحمد عن الصَّلاة خلفَ من لا يُرْضى ؟ قال :
قد اختُلفَ فيه ؛ فإن كان لا يُظهرُ أمرَه في منكرٍ أو فاحشةٍ بَيِّنة أو مَا أشبه ذلك
فليصلِّ .
وفرَّق - مرة - بين الصلاةِ خلف الأمراءِ وغيرهم .
قال الميموني : سمعت أحمدَ قال : إذا كان الإمامُ من أئمة الأحياءِ يسكرُ فلا
أحبُّ أن أصلِّي خلفه البتة ؛ لأنَّ لي اختيار الأئمة ، وليسَ هو والي المسلمينَ ؛
لأنَّ ابن عمر سئلَ عن الصلاةِ خلف الأمراءِ ؟ فقالَ : إنما هيَ حسنةٌ ، لا أبالي
من شركني فيها .
ولهذا المعنى لم يختلف(١) في حضور الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجرٍ .
والمشهورُ عنه : إعادتها خلفَ الفاجرِ ، فإن كان يكفّر ببدعته ففي حضورها
معه روايتان ، ومع حضورها يعيدها ظهراً .
وحكي عنه : لا يعيد .
(١) في الأصل مشتبهة .
i

١٨٨
حديث : ٦٩٥ - ٦٩٦
كتاب الأذان
واختلفَ أصحابُنَا في حكاية المذهبِ في الإعادة خلفَ الفاسقِ :
فمنهم من قال : في الإعادة روايتان مطلقًا .
ومنهم من قال: إنْ لم يعلم فسقه فلا إعادة ، وإن علم ففي الإعادة روايتان.
ومنهم من قالَ : إن كان مستترًا لم يُعِدْ ، وإن كانَ متظاهرًا ففي الإعادة
روايتانِ .
فأما من يكفّر ببدعته فحكمه حكمُ الكفارِ .
ولذلك فرَّق إسحاق بن راهويه بين القدريّ والمرجئ ، فقال في القدريِّ :
لا يصلَّى خلفه . وقال في المرجئ: إن كان داعيةً لم يصلَّ خلفَه .
وقال حرب : ثنا ابن أبي حزم القطعي : ثنا معاذ بن معاذ : ثنا أشعث ، عن
الحسن ، في السكران يؤم القومَ ؟ قال: إذا أتمَّ الركوعَ والسجودَ فقد أجزاً عنهم.
وقال محمدُ بن سيرين : يعيدونَ جميعًا ، والإمامُ .
وحكى ابن المنذر ، عن مالك ، أنه قال : لا يصلَّى خلف أهلِ البدعِ من
القدرية وغيرهم ، ويصلَّى خلف أئمة الجورِ .
وعن الشافعيِّ ، أنه يجيزُ الصلاةَ خلفَ من أقامَ الصَّلاة ، وإن كان غير
محمود في دينه .
اختار ابن المنذر هذا القولَ ، ما لم تُخْرِجْه بدعته إلى الكفرِ .
وفي ((تهذيب المدونة)): تجزئ الجمعة وغيرها خلفَ من ليس بمبتدعٍ من
الولاة ، وإذا كان الإمامُ من أهل الأهواءِ فلا يصلَّى خلفه ولا الجمعةُ ، إلا أن
يتقيه، فليصلِّها معه، وليعدْ ظهرًا. ووقف مالكٌ في إعادة من صلَّى خلفَ
مبتدعٍ . وقال ابن القاسم : يعيد في الوقتِ . انتهى .
وفي مصنف عَلَى مذهب سفيان الثوريِّ : تكره إمامة أهلِ البدعِ والأهواءِ

١٨٩
٥٦ - بَابُ إمامة المفتون والمبتدع
کتاب الأذان
الداعية إلى ذلك ؛ سئل سفيان عن الصلاة خلفَ الأمراء الذين يقولون :
طاعتنا للَّه طاعةٌ، ومعصيتنا للَّه معصيةٌ ؟ قال : كان الحجاجُ يقولُ ذلك ، وهم
يصلُّون خلفَ رافضيٍّ أو قدريٍّ فليعدِ الصَّلاةُ(١)، ولا يصلَّى خلف من يقول :
الإيمان قولٌ بلا عملٍ .
وحديثُ أنس الذي خرجه البخاريُّ في هذا الباب يُستدلَّ به على الصلاة
خلفَ أئمة الجورِ وأعوانهم ؛ وقد جعلَه البخاريُّ دليلاً على إمامةِ المبتدعِ -
أيضًا - كما يطاع في غير معصية، إذا كانَ له ولايةٌ على النَّاسِ، فإنَّه أَمَرَ بطاعتهمْ
مطلقًا، مع أنَّه وَّ أخبرَ بأنَّه يكونُ من بعده ولاةٌ يغيِّرونَ ويبدِّلون، ونهى عن
قتالهم ما أقاموا الصلاة ، ولم ينه عن الصلاة وراءَهم ، وإنما أمرَ بالصلاةِ في
الوقت إذا أخَّر الأمراءُ الصلاة عن الوقتِ ، وأمرَ بالصلاةِ معهم نافلةً ، وقد سبقَ
هذا الحديثُ في ((المواقيت)).
ويستدلُّ به على صحة الصلاة النافلةِ خلفَ الفاجرِ .
ومن أصحابنا من قالَ : تصحُّ النافلةُ خلفهم بغير خلافٍ في المذهب .
وقد روي عن أحمد رواية أخرى أنَّه لا يصلَّى التروايحِ خلفَ من يسكر .
وقد روي حديث مرفوع في كراهة الصلاة خلف الفاجرِ في غير الجمعة .
خرجه ابن ماجه(٢) من رواية عبد اللَّهِ بن محمد العدويّ ، عن عليّ بن
زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابرٍ، قال: خطبنا رسولُ اللَّهِ وَجَر ،
فقال : ((إنَّ اللَّه قد افترض عليكمُ الجمعَةَ في مقامي هذا إلى يومِ القيامةِ ، فمن
تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادلٌ أو جائر استخفَافًا بها ، وجحودًا لها ؛ فلا
جمعَ اللَّه له شملَه، ولا باركَ له في أمره، ألا ولاً صلاة لَه، ولا زكاةَ له ، ولا حجّ
(١) كذا السياق، والظاهر أن سقطًا وقع، وتقدير الكلام: ((كان الحجاج يقول ذلك وهم يصلون
[خلفه. فمن صلى] خلف رافضي ... )).
(٢) (١٠٨١) .
:

١٩٠
حديث : ٦٩٥ - ٦٩٦
کتاب الأذان
له ، ولا بركةَ حتى يتوبَ، ألا لا تؤمَّنَّ امرأةٌ رجلاً، ولا يؤمّ أعرابيّ مهاجرًاً، ألا
ولا يؤمّ فاجرٌ مؤمنًا إلا أن يقهرَه بسلطان يخافُ سيفَه وشرطَه)) .
والعدوي هذا ، قالَ البخاريُّ وأبو حاتم : منكرُ الحديثِ(١). وقال أبو حاتم:
مجهولٌ(١). وقال الدارقطني : متروكٌ .
قال العقيلي(٣): وقد روي هذا من وجه آخر يشبه هذا في الضعفِ .
وذكر الدارقطنيُّ في ((العللِ)) أنَّه رواه أبو فاطمةَ مسكينُ بن عبد اللَّه الطفاويُّ
وحمزة بن حسان ، عن علي بن زيد - أيضًا - ، ورواه الثوريَّ عن علي بن زيد
أيضًا .
ثم خرجه من طريق مهنا بن يحيى الشاميِّ - صاحب الإمام أحمد - : حدثنا
زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان ، عن علي بن زيد - فذكره مختصراً .
وهذا إسنادٌ قويٌّ ؛ إلا أن الحديث منكرٌ - : قاله أبو حاتم الرازيّ.
وقال الدار قطنيُّ : هو غير ثابت .
وقال ابن عبد البر : أسانيده واهيةٌ .
قلت : وقد روي أوله من طرق متعددة ، كلها واهيةٌ .
(١) انظر: التاريخ الكبير (٣/ ١/ ١٩٠) والجرح والتعديل (٢/ ٢/ ١٥٦).
(٢) في ((الضعفاء)) له (٢٩٨/٢).

١٩١
٥٧ - بَابُ يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين
کتاب الأذان
٥٧ - بَابُ
يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ بِحِذَاتِهِ سَواءٌ إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ
مراده بهذا التبويبِ : أنه إذا اجتمعَ في الصلاة إمامٌ ومأمومٌ (١) فإنَّ المأمومَ
١
يقومُ عن يمينِ الإمامِ بحذائِه سواءً - أي : مساويًا له في الموقف ، من غير تقدّم
ولا تأخرٍ .
٦٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ ، قَالَ: سَمعْتُ سَعيدَ
ابْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِله
العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ،
فَجَعَنِي عَنْ يَمِيِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَّعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّنَامَ حَتَّى سَمِعْتُ
غَطيطَهُ - أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةَ .
((الغطيط)): صوتُ تردد النفسِ، ومنه: غطيطُ البَكْرِ (٢). و((الخطيط)):
نحوه . والغين والخاء متقاربا المخرجِ .
والمقصودُ من هذا الحديث في هذا الباب : أن الإمامَ إذا لم يأتمَّ به غيرُ
واحدٍ ، فإنه يقيمه عن يمينهِ بحذائهِ ، ولو كانَ صبيًا لم يبلغِ الحُلُمَ .
وهذا كالإجماعِ من أهلِ العلمِ .
وقد حكاهُ الترمذيُّ في ((جامعه)(٣) عنْ أهلِ العلمِ من أصحابِ النَّبِيِّ وَِّ فمن
بعدهم ، قالُوا : إذا كانَ الرجلُ معَ الرَّجُلِ يقومُ عن يمينِ الإِمامِ .
وحكاهُ ابن المنذرِ عن أكثرِ أهلِ العلمِ ، وسمى منهم : عمر بن الخطاب
وابن عمر وجابر بن زيد وعروةَ ومالكٌ وسفيان والأوزاعيّ والشافعي وأصحابُ
(١) في الأصل: ((إمام أو مأموم)).
(٢) البكْر : الفتى من الإبل عند ترويضه يشدُّ حبل في خناقه ، فيسمع له غطيط .
(٣) (٤٥٢/١).
----

١٩٢
حديث : ٦٩٧
كتاب الأذان
الرأي . قال : وبه نقول .
قلت : وهو - أيضًا - قولُ الشعبيِّ وأحمدَ وإسحاقَ .
قال ابنُ المنذرِ : وفيه قولان آخران :
أحدهما عن سعيد بن المسيبِ ، أنه قال : يُقيمه عن يساره .
قلت : وروي - أيضًا - عن النخعي(١)، أنَّه يقوم من خلفه ما بينَه وبينَ أن
يركَعَ، فإنْ جَاءَ أحدٌ وإلاَّ قامَ عن يمينه . انتهى .
وروى أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن الحسن بن عبيد اللَّه ، عن إبراهيم ،
قال : كنتُ أقومُ خلفَ علقمة حتَّى ينزلَ المؤذن قائمًا، كان يقومُ خلْفَه إذا علمَ
أَنَّه يلحقُ غيره قريبًا .
وروى وكيع في ((كتابه)) عن الحسن، قال : إذا صلَّى الرجلُ ومعه رجلٌ
واحدٌ ونساءٌ ؛ أقامَ الرجلَ خلفه وأقامَ النساءَ خلفَ الرجلِ .
وقد روي في حديث ابن عباس، أنَّ النبيَّ وَّ أقامَه عن يسارِه ، وروي أنَّه
قامَ خلفه ، وكلاهما لا يصحُّ .
أما الأول : فمن روايةٍ كثير بن زيد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن کُريب ،
عن ابن عباسٍ - فذكر الحديث ، وفيه : قال : فقمتُ عن يمينه ، فأخذني
فجعلني عن يسارِهِ .
قال مسلم في كتاب ((التمييز)): هذا غلطٌ غير محفوظ ؛ لتتابعِ الأخبارِ
الصحاحِ برواية الثقاتِ على خلاف ذلك ، أنَّ ابن عباسِ إنما قامَ على يسارِ النبيُّ
وَ لَه فحوله حتى أَقَامَه عن يمينِهِ .
ثم خرجه من طرق متعددة ، عن كريب ، عن ابن عباسٍ كذلك . ومن
طريق سعيد بن جبيرٍ وعطاءٍ وأبي نضرة والشَّعْبي وطاوس وعكرمة ، كلهم عن
ابن عباس كذلك .
(١) كذا، وفي («الأوسط)) (١٧٢/٤): ((والقول الثاني: عن النخعي ... )).

١
١٩٣
كتاب الأذان ٥٧ - بَابُ يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين
وأما الثاني : فخرَّجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١) من رواية أبي يزيد الخراز : ثنا
النضر بن شميل : ثنا يونس ، عن أبي إسحاقٍ : حدثني عبد المؤمنِ الأنصاريُّ ،
قال: قال ابن عباس: كنت عند رسول اللَّه وَله، فقام إلى سِقَاءِ فتوَّضاً وشربَ
قائمًا ، فقمت فتوضأتُ وشربت قائمًا ، ثم صففتُ خلفَه ، فأشارَ إليَّ لأوازي به
أقوم عن يمينه ، فأَبَيْتُ، فلما قضى صلاته قال: ((ما منعكَ [أن لا تكون](٢)
وازيتَ بي ؟)) قلتُ: يا رسولَ اللَّه ، أنتَ أجلُّ في عيني وأعزّ من أن أوازي
بك. فقال : «اللهمَّ، آته الحكمةَ» .
إسناد مجهول ؛ فلا تعارضَ به الرواياتِ الصحيحةِ الثابتةِ .
وقد روي من وجه أصحّ من هذا ، أنه وقفَ خلْفَه فقدَّمه إلى يمينِهِ .
خرجه أبو نعيم في «كتاب الصلاة)) : حدثنا محمد بن شريك : ثنا عكرمة بن
خالد، قال : قال ابن عباس: بتُّ عند رسولِ اللَّه وَّ في بيتِ ميمونةَ - وهي
خالتُه -، فلما قامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ من الليلِ يصلِّي قُمْتُ خلْفَه، فأهوى بيده فأخذَ
برأسي ، فأقامني عن يمينه إلى جنبه .
محمد بن شريك هذا ، مكيٌّ ، وثقه الإمام أحمد .
وقد دلَّ حديثُ ابن عباسٍ هذا على انعقادِ الجماعة بالصبيِّ في النفل ، وهذا
متفقٌ عليه ، فأما في الفرضِ ففيه روايتانِ عن أحمدَ ، والأكثرونَ على انعقاده
بالصبيِّ - أيضًا - ، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي ؛ لأنَّ الصبي يصحّ نفله ،
والجماعة تنعقد بالمتنفلِ، وإن كان الإِمامُ مفترضًا؛ بدليل قولِ النبيِّ نَّ: ((من
يتصدق على هذا فيصلِّي معه؟))(٣).
(١) (٣١٥/١) .
(٢) زيادة من ((الحلية)).
(٣) تقدم .
:

١٩٤
حديث : ٦٩٨
كتاب الأذان
٥٨ - بَابُ
إِذَا قَامَ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى بَمِيِهِ
لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ()
٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ وَهْب : ثَنَا عَمْرُو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعيد ، عَنْ
مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنٍ عَّاسٍ، قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُوَةَ وَالنََِّّ﴾
عِنْدَهَا تَلْكَ اللَّْلَةَ، فَتَوَضَأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمَّتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَّنِي فَجَعَلَنِي عَنْ
يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى ◌َفَحَ - وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ - حَتَّى أَتَاهُ
المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأَ .
قَالَ عَمْرٌو : فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ◌ُرَيْبٌ بِذَلِكَ .
((أحمد)) هذا غير منسوب ، قد روى عنه البخاريَّ في مواضع عن عبد الله بن
وهب ، وقد اختُلِفَ فيه :
فقيلَ : هو أحمدُ بن عبد الرحمنِ بن وهبٍ ابن أخي عبد الله بن وهب ـ :
قاله أبو أحمد الحاكم وغيره .
وأنكرَ آخرون أنْ يكونَ البخاريُّ روى عن ابن أخي ابن وهب في
(صحيحه))؛ لما اشتهر من الطعن عليه، لا سيما في آخر عمره .
وقالوا : إنه أحمدُ بن صالح ، أو أحمدُ بن عيسى التُّسْتَرِيُّ ؛ فإنَّهما يرويان
عن ابنٍ وهب ، وقد روى البخاريُّ عنهما في ((كتابه)) من غير شكٍّ .
ومن قال : إن أحمدَ هذا ، هو : ابنُ حنبلٍ ، فقد أخطَأَّ ؛ فإن الإمامَ أحمدَ
لا یروي عن ابن وهب ، بل عن أصحابه .
والأظهرُ: أَنَّه أحمد بن صالح ؛ وبذلك جزمَ أبو عبد الله بن منده ، قال:
(١) في نسخة: ((صلاتهما)).

١٩٥
٥٨ - بَابُ إذا قام عن يسار الإمام فحوله الإمام
کتاب الأذان
لم يخرِّجِ البخاريَّ عن أحمدَ بن عبد الرحمن في «صحيحه)) شيئًا ، وكلما قالَ في
((الصحيح)): ((حدَّثنا أحمد: ثنَا أبن وهب)) فهو ابن صالح المصريّ ، وإذا روى
عن أحمد بن عيسى نسبه(١). والله أعلم .
وقد استدلَّ البخاريُّ بهذا الحديثِ على أنَّ من قامَ عن يسار الإِمامِ ، فحوله
إلى يمينِهِ لم تفسُدْ صلاتُه - وفي بعضِ النُّسَخِ : صَلاتُهما - ، أما صلاةُ الإمامِ فلا
تفسد بمده له بیده وتحويله من جانب إلى جانبٍ .
وقد خرّج البخاريُّ هذا الحديث فيما بعد ، وفيه : أنه أَخَذَ برأسهِ من
ورائه ، فجعلَه على يمينه .
وإنَّما حوَّلَه النبيُّ وَلَهِ من وراءِ ظهرِهِ لئلاَّ يكونَ مارًا في قبلته .
وقد خرجه مسلم(٣) من حديث عطاء ، عن ابن عباس ، وفي حديثه :
قال : فقمتُ إلى شِقِّه الأيسرِ، فَأَخَذَنَي من وراءِ ظهرِهِ (٣)، فَعَدَّلَنِي كَذَلك مِنْ
وراءِ ظهرِهِ إلى الشِّقِّ الأيمنِ .
وفي رواية له - أيضًا(٤)- فتناوَلَني من خلف ظهرِهِ ، فجعلني على يمينِهِ .
وقيلَ فيه معنَّى آخر ، وهو : أنَّه لو أداره من بين يديْهِ لتقدمَ المأمومُ على
إِمامِهِ في الموقفِ ، وأما صلاةُ المأمومِ فلا تفسدُ بمشيه من أحدٍ جانبي الإِمامِ إلى
جانبه الآخر ؛ لأنَّ هذا عملٌ يسيرٌ في الصلاة فلا تفسدُ به الصَّلاةُ.
وقد اختلفَ الناسُ في حدِّ العملِ اليسيرِ الذي يُعْفى عنه في الصلاة فلا يبطلُها .
فالصحيحُ عند أصحابِنا أنه يرجعُ فيه إلى عُرْفِ النَّاسِ من غير تقديرٍ له بمرّةٍ
أَوْ مرَّتين .
(١) وكذا جزم أبو نعيم في ((المستخرج)) بأنه: أحمد بن صالح ، وأخرج الحديث من طريقه - :
قاله في ((الفتح)) .
(٢) (٢/ ١٨٢).
(٣) في هامش الأصل: ((في ظهري)) - أي : أن هذا في نسخة.
(٤) (٢ / ١٨٣) .

١٩٦
حديث : ٦٩٨
كتاب الأذان
ومنهم من قدَّره بالمرةِ والمرتينِ ، وجعلَ الثلاثَ في حد الكثرةِ ، وكلامُ
أحمدَ مخالفٌ لهذا مع مخالَفَتِهِ للسننِ والآثارِ الكثيرةِ .
وللشافعية في الخطوتينِ والضربتينِ وجهانِ .
ومن الحنفيةِ من قال : الكثيرُ ، ما لم يمكن إقامَتُهُ إلا باليدينِ كالإِرْضَاعِ ،
واليسيرُ : ما يمكنُ بإحداهُمَا .
ومنهم من قال : الكثيرُ : ما لو رآه النَّاظِرُ لاستيقنَ أنَّه ليسَ في صلاةٍ .
واليسيرُ : بخلافه .
ومنهم من قدَّرَ المشْي المبطلَ بما جاوز محلَّ السجودِ .
والرجوعُ فيه إلى العرفِ أظْهرُ ؛ لأَنَّه ليسَ له حدٌّ في الشرعِ .
وقد وردتِ السُّنَّةَ بالعفوِ عمَّا لا يعدُّ كثيراً عرفًا، كتأخيره وتأخيرِ الصفوفِ
خلْفَه في صلاة الكسوف . ومشيه حتى فتحَ البابَ لعائشة . وقد تأخَّر أبو بكرٍ
بحضرته من مقامِ الإمامِ حتى قامَ في صفِّ المأمومينَ ، ورفعَ يديْه وحمِدَ اللَّه .
وأذن في قتلِ الحيةِ والعقربِ في الصلاةِ ، وكلُّ هذه الأفعالِ تزيدُ على المرتينِ
والثلاث .
وقد سبقَ القولُ في حملِهِ وََّ أُمامةَ في الصلاةِ، وأَنَّه كانَ يحملُها إذا قامَ
ويضعُها إذا ركَعَ .
واستَدَلَّ بحديث ابن عباسِ المخرج في هذا الباب الشافعيُّ ومن وافقه على
أنَّ من أساءَ الموقفَ وصلَّى عن يسارِ الإمام ، فإن صلاتَه صحيحةٌ مع الكراهةِ ،
وألحقوا به من صلَّى خلفَ الصفِّ وحْدَه .
ووجه استدلالهم به: أن النبيَّ وَ﴿ لم يبطلْ تحريمته وأقرَّه على البناء
عليها .
وأمَّا الإمامُ أحمدُ ، فعنده لا تصحّ صلاةُ من وقفَ علَى يسارِ الإمامِ إذا لم

١٩٧
٥٨ - بَابُ إذا قام عن يسار الإمام فحوله الإمام
كتاب الأذان
يكنْ عن يمينه أحدٌ .
وإنما يبطُلُ عنده إذا استمرَّ في موقِفِه حتى ركَعَ الإِمامُ ورفعَ ، فأمَّا إنْ كَبَّر
على يسارِ الإِمامِ ، ثم تحوَّل إلى يمينِهِ ، أو وقفَ عن يمينِ الإمامِ آخرٌ قبلَ
الركوعِ ، فإنَّ الصلاةَ عندهُ صحيحةٌ .
وكذا لو جاءَ آخرُ إلى خلفِ الإمامِ ، فتأخرَ القائمُ عن يسارِه إلى القائمِ
خلفه ، فاصْطَفَّا جميعًا قبلَ الركوعِ .
وحكى القاضي في ((شرح المذهب)) عن ابن حامد ، أنَّه حكى رواية عن
أحمد ، أنه يصحُّ الوقوفُ عن يسارِ الإمامِ في النافلة خاصَّةً ، كما كَبَّر ابن عباسٍ
عن يسارِ النبيِّ ◌َّ في النافلة .
والصحيح عن أحمد : الأول .
فإن قيل: فقد صلَّى النبيّ وَّوَ بجابر عن يمينه، ثم جاءَ آخر فقامَ عن
يسارِهِ، فأخرهما النبيُّ ◌َله .
خرجه مسلم في ((صحيحه))(١).
ولم يدل ذلكَ على أنَّ صلاة الاثنينِ عن جانبي الإمامِ لا تصحَ .
قيل : إنَّما صحَّ قيام الاثنينِ عن جانبي الإِمامِ ؛ لأنَّ ابنَ مسْعود فعله ،
ورواهُ عنِ النَّبِيِّ بَّهِ، ولَيْسَ في القيامِ عن يسارِ الإمامِ نصُّ يدلُّ على صحةِ صلاةِ
من أتمَّ صلاته عن يسارِهِ . والله أعلم .
وأيضًا ؛ فالوقوفُ عن جانبي الإمامِ مشروعٌ في حقِّ العُراة وحقِّ النساءِ ، وأما
القيام عن يساره خاصة ، فليس بمشروعٍ بحالٍ .
(١) (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤) .
١

١٩٨
حديث : ٦٩٩
كتاب الأذان
٥٩ - بَابُ
إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ(١) فَّهُمْ
٦٩٩ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه
ابْنِ سَعِيدٍ بْنِ جُبيٍّ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيّمُونَةَ ، فَقَامَ
النَِّيُّفَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي
وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِنِهِ .
استدلَّ البخاريُّ بهذا على أَنَّ من أحرمَ بالصَّلاةِ منفردًا ، ثم حضرَ في أثناءِ
الصَّلاةِ من ائتمَّ بِهِ، فإنه ينوي الإمامةَ، وتصحُّ صلاتُه وصلاةُ من ائتمَّ به على
هذه الحال .
فتضمن ذلكَ مسألتينٍ مختلفًا فيهما :
إحداهما :
أنَّ من لم ينوِ الإِمامة في ابتداءِ صلاته : هل يصحّ أن يأتمَّ به غيرُه ، أم لا ؟
وفي المسأَلَةِ أقوالٌ :
أحدها : يجوزُ ذَلِكَ ، فلا يشترطُ أَنْ ينوي الإِمامُ الإِمامة ، بل لو نوى
المأمومُ الاقتداءَ بمنفردٍ جازَ ، هذا قولُ مالك والشافعيّ والثوريّ - في رواية -
وزفر ، وحكي رواية عن أحمدَ .
والقولُ الثاني : لا يجوزُ بحالٍ ، وهو ظاهرُ مذهبٍ أحمدَ ، وقولُ الثوريّ
- في رواية إسحاق .
واستدلَّ لهم بأنَّ الجماعةَ قربةٌ وعبادةٌ ، فلا تنعقدُ إلاَّ بإمامٍ ومأمومٍ ، وفضلها
(١) في الأصلِ: ((قومًا)) والمثبت من ((اليونينية)).
-

١٩٩
٥٩ - بَأَبُ إذا لم ينو الإمام أن يؤم ، ثم جاء قوم فأمهم
کتاب الأذان
مشتركٌ بينهما، فلا يحصلُ لهما ذلك بدون النية، عملاً بظاهر قوله {وَلاَ: ((إنَّما
الأعمالُ بالنيات ، وإنَّما لأمرئ ما نَوَى)) .
وأجابَ بعضُ أصحابِنا عن حديثِ ابن عباسٍ، بأنَّ النبيِّ وََّ إمامُ الخلقِ
على كلِّ حالٍ ، فلا يحتاجُ إلى نية الإمامةِ ، فلا يلحق به غيره .
والقولُ الثالث : يصحّ ذلك في الفرض دون النفلِ(١)، وهو روايةٌ منصوصةٌ
عن أحمدَ ، استدلالاً بحديث ابن عباسٍ هذا .
والقول الرابع : إنْ أَمَّ رَجُلٌ رَجُلاً لم يحتجْ أن ينوي الإِمامةَ، وإن أمَّ امرأةً
احتاجَ إِلى نية الإِمامة ، وهو قولُ أبي حنيفةً وصاحبيه .
المسألة الثانية :
إذا أحرمَ منفردًا، ثم نَوَى الإمامةَ ، وفيه - أيضًا - أقوالٌ:
أحدها : أنه لا يجوزُ ذلك، وهو قولُ أكثرٍ أصحابنا ، بناءً على أصلِهم في
أنَّ الإمامَ يشترطُ أنْ ينوي الإِمامةَ على ما سبق ، فيصيرُ ذلك من ابتداء صلاته .
والثاني : يجوز ذلك، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالك والشافعيّ ، بناءً على
أصولهم في أنَّ نيةَ الإمامِ للإمامة ليستْ شرطًا ، على ما سبق .
ووافقهمْ بعضُ أصحابِنَا لمعنى آخر ، وهو : أنَّ طرفي الصلاة يجوزُ أن
يكونَ في أوَّلها إمامًا وفي الآخر منفردًا، وهو المسبوقُ إذا استخْلَفه الإمامُ ،
فكذا بالعكس .
والثالث : أنه يجوزُ في الفرضِ دون النفل(١)، وهوَ المنصوصُ عن أحمدَ ؛
لحديثِ ابن عباسٍ هذا .
والظاهرُ: أنَّ النبيَّ وَّ نَوى إمامَته حينئذ؛ لأنَّه أداره إلى يمينه ، وأوقفه
موقفَ المأمومِ .
(١) الأشبه: ((النفل دون الفرض))؛ فإنَّ حديث ابن عباس هذا كان في النافلة، ولم يكن في
الفريضة .

٢٠٠
حديث : ٦٩٩
كتاب الأذان
وفي معناه: حديثُ: صلاةِ النبيِّ وَّ بالليل في رمضانَ في حجرته ،
واقتداءِ الناسِ به في المسجدِ ، وسيذكره البخاري فيما بعدُ (١).
(١) (٢٠١٢) .