Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٣٢ - بَابُ فضل التهجير إلى الظهر
کتاب الأذان
والتَّهْجيرُ : التبكيرُ إلى المساجدِ لصلاة الظهرِ ، والهَجِيرُ والهَاجَرَةُ : نصف
النهار .
ءِ
وخرج الإمام أحمد وأبو داود(١) من حديث زيد بن ثابت ، قال : كان النبيّ
وَهِ يُصَلِى الظُّهْر بالهَاجِرة، ولمْ يَكُنْ يصلِّى صلاة أشد على أصحاب النبيّ وَّه
منها . قال: فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وخرجه الإمام أحمد - أيضًا - والنسائي(٢) من حديث أسامة بن زيد ، قال :
كانَ رسولُ اللَّهِ وَّهَ يصلِّي الظهرَ بالهجيرِ، ولا يكونَ وراءَهَ إلا الصفُّ
والصَّفَّان، والناسُ في قائلتهم وفي تجارتِهِمْ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى
الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ .
وفيه : دليل على تعجيل الظهر .
والثالث : المبادرة إلى شهودِ العتمة والصبح ، وسيأتي القول فيه فيما بعد -
إن شاء اللّه تعالى .
وفيه : دليلٌ على جوازٍ تسمية العشاء العتمة ، وقد تقدم ذكره .
(١) أحمد (١٨٣/٥) وأبو داود (٤١١).
(٢) أحمد (٢٠٦/٥) والنسائي في ((الكبرى)) وكذا ابن ماجه (٧٩٥) آخره فقط.
1

٤٢
حديث : ٦٥٥ - ٦٥٦
کتاب الأذان
٣٣ - بَابُ
احْتِسَابِ الآثَارِ
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَوْشَبٍ: ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ النَّبِّ ◌َِّ: ((يَا بَنِي سَلَمَةَ، أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟)) .
٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمٍ : أَنَا يَحْتَى بْنُ أُيُوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ،
أَنَّبنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا منَ النَّبِّ ◌َ﴿ِ. قَالَ: فَكَرِهَ
النَّبِيُّ:﴿ أَنْ يُعْرُوا مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: ((أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟)) .
قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُ المَشْيُ فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ(١).
ساقه أولاً من حديث عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد مختصرًا ، ثم ذكر من
رواية يحيى بن أيوب المصري - وهو ثقة ، لكنَّه كثيرُ الوهم - مطوَّلاً ، وزادَ فيه
تصريح حميدٍ بالسماعِ له من أنسٍ ، فإن حميدًا قد قيلَ : إنَّه لمْ يسمَعْ من أنسٍ
إلا قليلاً ، وأكثر رواياته عنه مرسلة ، وقد سبق ذكر ذلك ، وما قاله الإسماعيليّ
في تسامح المصريين والشاميينَ في لفظة ((حدثنا)) وأنهم لا يضبطون ذلك .
وقد خرّجه في ((كتاب الحج)) (٢) من طريق الفزاري ، عن حميد ، عن أنس ،
قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرْبِ المسجدِ، فكره رسولُ اللَّه وَلِ أنْ
تُعْرَى المدينة ، فقال: ((يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟».
وبنو سلمة : قوم من الأنصار ، كانت دورهم بعيدة من المسجد ، فأرادوا
أن يتحولُوا إِلَى قرْبِ المسجد، فأمرهم النبيُّ وَّ بملازمة دورهم، وأخبرهمْ أنَّ
خطاهم يُكتب لهم أجرُها في المشي إلى المسجد .
(١) في ((اليونينية)): ((قال مجاهد: خطاهم آثارهم أن يمشي في الأرض بأرجلهم)) ، وفي نسخة :
((آثارهم والمشي في الأرض بأرجلهم)).
(٢) (١٨٨٧) .
1

٤٣
٣٣ - بَابُ احتساب الآثار
کتاب الأذان
وخرَّج مسلم في ((صحيحه)) (١) من حديث أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، قال :
كانت دارُنَا نائيةً من المسجدِ ، فأردنا أنْ نبيعَ بيوتَنَا فنقترب من المسجد ، فنهانا
رسول اللَّهِ وَلَه، فقال: ((إنَّ لَكُمْ بكل خطوةٍ درجةً)) .
ومن حديث أبي نضرة ، عن جابر ، قال : أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى
قُرْبِ المسجدِ ، والبقاعُ خالية. قال: فبلغ ذلك رسول اللَّه وَّ، فقال: ((يا بني
سلمة، دياركم تكتب آثاركم)) . فقالوا : ما يسرُّنَا أنا كنَّا تحولنا .
وقوله : ((دياركم)) بفتح الراء على الإغراء ، أي : الزموا دياركم .
وخرجه الترمذيَّ (٢) من حديث أبي سفيان السعدي ، عن أبي نضرة ، عن
أبي سعيد ، قال : كانت بنو سلمة في ناحية المدينة ، فأرادوا النُّقْلَة إلى قربٍ
المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْبِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
[يس: ١٢]، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إن آثاركم تكتبُ))، فلم ينتقلُوا .
وأبو سفيانُ ، فيه ضعف .
ءِ
والصحيحُ : رواية مسلمٍ ، عن أبي نضرة ، عن جابرٍ ، وكذا قاله الدارقطنيّ
وغيره .
١
:
وخرّج ابن ماجه(٣) من رواية سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، قال :
كانت الأنصارُ بعيدةً منازلُهم من المسجد ، فأرادوا أن يقربوا ، فنزلت: ﴿نَكْتُبُ
مَا قَدَّمُوا وَأَثَارَهُمْ﴾. قال: فثبتوا .
وقد ذكر البخاريُّ عن مجاهدٍ ، أنه فسر الآثار - يعني : في هذه الآية -
بالخُطَا، وزاد - أيضًا - بقوله: آثار المشي في الأرض بأرجلهم .
(١) (٢/ ١٣١) .
(٢) (٣٢٢٦) .
(٣) (٨٧٥) .

٤٤
حديث : ٦٥٥ - ٦٥٦
كتاب الأذان
وفي حديث أنس: فكره رسولُ اللَّهِ وَ لِّ أنْ يُعروا المدينُهُ أو منازلُهم.
يعني : يُخلوها فتصير عراةً من الأرض .
والعراءُ : الفضاءُ الخالي من الأرض ، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَتَبَذْنَاهُ
بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] .
وروى يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث ، عن حميد ، عن أنس ،
وقال : فكره أن يُعروا المسجد .
قال الإمام أحمد (١): وهم فيه . إنما هو : كره أن يُعروا المدينة.
وقد دلَّت هذه الأحاديثُ على أنَّ المشيَ إلى المساجدِ يكتبُ لصاحبه أجرُه ،
وهذا مما تواترتْ السننُ به .
وقد سبقَ (٢) حديث أبي موسى : ((أعْظمُ النَّاسِ أجرًا في الصلاة أبعدُهم
فأبعدُهم مَمْشَى)) .
وفي حديث أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ: ((وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة
صدقةٌ)) .
وقد خرجه البخاريِّ في موضع آخر .
وسبق - أيضًا - حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة(٣).
وفي ((المسند)) و((سنن أبي داود)) وابن ماجه(٤)، عن عبد الرحمن بن سعد ،
عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أجرًاً».
(١) الحديث في ((المسند)) (١٨٢/٣) يرويه أحمد عن يحيى بن سعيد، وأحمد وإنما يروى عن
القطان ، لا الأنصاري . والله أعلم .
وصرح الحافظ في ((أطراف المسند)) (٣٦١/١) بأنه القطان.
(٢) (٦٥١).
(٣) (٦٤٧) .
(٤) أحمد (٣٥١/٢ - ٤٢٨) وأبو داود (٥٥٦) وابن ماجه (٦٨٢).

٤٥
٣٣ - بَابُ احتساب الآثار
کتاب الأذان
وفي ((صحيح مسلم)) (١) عن أبي بن كعب ، قال : كان رجلٌ لا أعلَمُ رجلاً
أبعدَ من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاةٌ . قال : فقيل لَهُ - أو قلتُ له - :
لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماءِ أو الرمضاءِ ؟ قال : ما يسرُّني أنَّ منزلي إلى
جنبِ المسجدِ ، إنِّي أرِيدُ أنْ يكتب لي ممشايَ إلى المسجدِ ورجوعي إذا رجعتُ
إلى أهلي. فقال رسول اللَّه ◌ِّهِ: ((قد جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّ)).
وفي رواية له - أيضًا -: فقال له النبيُّنَّهِ: ((إنَّلك ما احتسبت))(٢).
وهذا يدلُّ على أنَّه يثابُ على المشي في رجوعهِ من المسجدِ إلى منزله .
وفي ((المسند)) و((صحيح ابن حبان))(٣) عن عبد اللَّه بن عمرو ، عن النبي
وَ لّر، قال: ((من راحَ إلى مسجد جماعة فخطوتاه: خطوةٌ تمحو سيئة، وخطوة
تكتب حسنةً ، ذاهباً وراجعًا)» .
وهذا المطلق قد ورد مقيدًا في حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة الذي
خرجه البخاريُّ فيما مضى .
وسيأتي بقيدين :
أحدهما : أنْ يخرج من بيته على طُهْرِ قد أحسنه وأكمله .
والثاني : أن لا يخرج إلا إلى الصلاة في المسجد ، فلو خَرَجَ لحاجةٍ له
وكان المسجدُ في طريقه فدخلَ المسجدَ فصلَّى ولم يكن خروجُهُ لذلك لم يحصلْ
له هذا الأجرُ الخاص .
وكذلك لو خرج من بيته غير متطهر ، لكنه يكتب له بذلك أجر ، غير أنَّ هذا
الأجرَ الخاص - وهو رفع الدرجاتِ وتكفيرُ السيئاتِ - لا يحصلُ بذلك .
(١) (٢ / ١٣٠) .
(٢) في الأصل: ((حسبت)) والتصويب من ((صحيح مسلم)) .
(٣) ((المسند)) (١٧٢/٢) وابن حبان (٢٠٣٩).
:
1
٤

٤٦
حديث : ٦٥٥ - ٦٥٦
کتاب الأذان
وأعلم أن الدارَ القريبة من المسجد أفضلُ من الدارِ البعيدة ، لكن المشي من
الدار البعيدة أفضل .
وفي ((المسند))(١) بإسنادٍ منقطع، عن حذيفة، عن النبيِّ وَّ، قال:
((فَضْلُ الدار القريبة من المسجد على الدار الشاسعة كَفَضْل الغازي على
القاعد» .
٠٠
(١) (٣٨٧/٥) .

٤٧
٣٤ - بَابُ فضل صلاة العشاء في الجماعة
كتاب الأذان
٣٤ - بَابُ
فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ
٦٥٧ - حَدَّثْنَا عُمَرُ بْنُ حَفْص، قَالَ: ثَنَا أَبِي: ثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ: ((لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ
الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فيهمَا لِأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ
المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ أَمُرَ رَجُلاً يَؤُ النَّاسَ، ثُمَّآخُدَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لا
يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ يَقْدِرُ) .
قد صرَّحِ الأعمشُ بسماعٍ هذا الحديث من أبي صالح ، وفي الغالب إنَّما
يخرج البخاريّ من حديث الأعمش عن أبي صالح ما صرَّح فيه بالسَّمَاعِ ، كهذا
الحديثِ ، والحديث الذي خرَّجه قبله في فضلِ الجماعة .
والمرادِ بِثِقَلٍ هاتين الصلاتين على المنافقين : ثقلُ شهودهما في المساجد ،
وباقي الحديث يدل على ذلك .
ويدلُّ عليه - أيضًا -: حديثُ أبيّ بن كعب، قال: صلَّى بنا رسول اللَّه وَهُ
يومًا الصبح، فقال: ((أشاهدٌ فلان؟)) قالوا: لا. قال: ((أشاهدٌ فلان؟))
قالوا : لا . قال : ((إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين ، ولو
تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الرُّكَب)».
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائيَّ وابن خزيمة وابن حبان في
(صحيحهما)) والحاكم(١).
وروى أبو داود الطيالسي : ثنا محمد بن أبي حميد ، عن أبي عبد اللَّه
(١) أحمد (١٤/٥) وأبو داود (٥٥٤) والنسائي (١٠٤/٢) وابن خزيمة (١٤٧٧) وابن حبان
(٢٠٥٦) (٢٠٥٧) والحاكم (٢٤٧/١ - ٢٤٨).
ـه

٤٨
حديث : ٦٥٧
کتاب الأذان
القرَّاظ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا يُحَافظُ المنافقُ أربعينَ ليلةً
على صلاة العشاء الآخرة(١) في جماعة)).
محمد بن أبي حميد ، فيه ضعف .
وفي («المسند»(٢) عن أبي بشر ، عن [أبي] عمير بن أنس ، عن عمومة له من
أصحاب النبيِّ وَّةِ، عن النبيِ وَّ، قال: ((لا يشهدهُمَا منافقٌ)) - يعني: صلاةَ
الصبحِ والعشاءِ .
قال أبو بشر : يعني لا يواظِبُ عليهما .
وروى مالك من ((الموطا)) (٣) عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن
المسيب، أنَّ رسول اللّه وَ لّ قال: ((بيننا وبين المنافقينَ شهودُ صلاة العشاء
والصبحِ، لا يستطيعونَهُمَا)) - أو نحو هذا.
وخرج ابن خزيمة والحاكم(٤) بإسناد صحيح ، عن ابن عمر ، قال : كنا إذا
فقدنا الإنسانَ في صلاةِ العشاءِ الآخرةِ(١) والصبحِ أسأنا به الظنَّ .
وإنما ثقلت هاتان الصلاتان في المساجد على المنافقين أكثر من غيرهما من
الصلوات لأن المنافقين كما وصفهم اللَّهُ في القرآن ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا
كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] والمرائي إنما ينشطُ
للعمل إذا رآه الناس ، فإذا لم يشاهدوه ثَقُلَ عليه العَمَلُ .
وقد كان النبيُّ ◌َّهِ يُصلِّي هاتين الصلاتينِ في الظَّلامِ ، فإنه كان يغلس بالفجرِ
غالبًا ويؤخر العشاءَ الآخرة ، ولم يكن في مسجده حينئذ مصباحٌ ، فلم يكن
يحضُرُ معه هاتين الصلاتينِ إلا مؤمنٌ يحتسب الأجرَ في شهودهما ، فكان
(١) في الأصل: ((الآخر)).
(٢) (٥٧/٥) .
(٣) (ص ١٠٠ - ١٠١) .
(٤) ابن خزيمة (١٤٨٥) والحاكم (٢١١/١).

٤٩
٣٤ - بَابُ فضل صلاة العشاء في الجماعة
کتاب الأذان
المنافقونَ يتخلَُّونَ عِنْهُمَا ويظنُّونَ أَنَّ ذلكَ يخْفَى على النَّبِيِّ وَ.
وأَيْضًا ؛ فالمَشْيُ إلى المساجدِ في هذينِ الوقتين أشقَّ ؛ لما فيه من المشي
في الظلم ؛ ولهذا ورَد التبشيرُ على ذلك، بالنُّورِ التَّامِّ يومَ القيامة من وجوه
متعددة .
من أجودها : ما خرجه أبو داود والترمذيُّ (١) من حديث بريدة ، عن النبي
حَله، قال: ((بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجدِ بالنُّور التام يومَ القيامة)).
وقال إبراهيم النخعي : كانوا يرون أنَّ المشْيَ إِلَى الصَّلاةِ في الليلة الظلماءِ
موجبةٌ - يعني : توجب لِصَاحِبِها الجنَّة .
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٢) عن عثمان، عن النبيِّ بَلَه، قال: ((منْ صلَّى
العشاءَ في جماعة فكأنما قامَ نصفَ الليلِ ، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما
صلَّی الليل كله)) .
وخرجه أبو داود والترمذيُّ (٣)، وعندهما(٤): ((ومن صلَّى العشاء والفجر
في جماعة ، كان له كقيامٍ ليلة)) .
وهذا يبين أنَّ الرواية التي قبلها إنَّما أُرِيد بها صلاةُ الصَّبح مع العشاءِ في
الجماعة .
قال الإمامُ أحمدُ في رواية المرُّوذي : الأخبارُ في الفجر والعشاء - يعني :
في الجماعة - أوكدُ وأشدُّ .
وروى وكيع في ((كتابه)) بإسناده ، عن عمر ، قال : لأنْ أشهدَ الفجرَ والعشاء
في جماعة أحبُّ إلي من أنْ أُحْيَ ما بينهما .
(١) أبو داود (٥٦١) والترمذي (٢٢٣).
(٢) (١٢٥/٢) .
(٣) أبو داود (٥٥٥) والترمذي (٢٢١) .
(٤) في الأصل : ((وغيرهما)).
أ

٥٠
حديث : ٦٥٧
کتاب الأذان
وعن أبي الدرداءَ ، قال : اسمعوا وبلغوا من خلفكم ، حافظوا على العشاء
والفجر ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْوًا (١).
وخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين - أيضاً .
وخرج بإسناده ، عن أبي هريرة ، قال : لو يعلم القاعدون ما للمشائينَ إلى
هاتينِ الصلاتين : صلاة العشاء وصلاة الفجرِ لأتَوهما ولو حبواً.
وروى مالك في ((الموطٍ)) (٢). بإسناده، عن عمر ، قال: لأن أشهدَ صلاةَ
الصبح - يعني : في جماعة - أحب إليَّ من أنْ أقوم ليلة .
وروى الحافظ أبو موسى بإسناده عن عقبة بن عبد الغافر ، قال : صلاةٌ
العشاء في جماعة تعدلُ حجةٌ ، وصلاة الفجرِ في جماعةٍ تعدل عمرة(٣).
ويروى بإسنادٍ منقطعٍ ، عن شداد بن أوس ، قال : من أحبَّ أن يجعلَهُ اللَّه
من الذينَ يدفعُ اللَّهُ بهم العذابَ عنْ أهلِ الأرضِ فليحافظْ على هاتينِ الصلاتينِ
في جماعة : العشاءِ الآخرة والصبحِ .
-
(١) وخرجهما ابن أبي شيبة (٢٩٢/١ - ٢٩٣).
(٢) (ص ١٠١).
(٣) وهو في ((الحلية)) (٢/ ٢٦١).
----

٥١
٣٥ - بابُ اثنان فما فوقهما جماعة
كتاب الأذان
٣٥ - بَابُ
اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالك
ابْنِ الحُوَيْرِثِ ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿، قَالَ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذْنَا وَأَقِيمَا ،
وَلَيَؤُمَّكُمَا(١) أَكْبَرُكُمَا)) .
وقد تقدم هذا الحديث في ((أبواب الأذان)) ، خرجه البخاريُّ هناك من حديث
الثوريِّ، عن خالد الحذاء، ولفظ حديثه: أتى رجلانِ النَّبِيَّ ◌َّهِ يريدانِ السَّفَرَ،
فقال النبيُّ وَِّ: ((إذا أنتما خرجتما فأذِّنا وأقيما، وليؤمكما أكبر كما)) .
وخرجه هناك - أيضًا - من حديث أيوبَ ، عن أبي قلابة ، عن مالكِ بن
الحويرثِ ، قال: أتيتُ النَّبِيَّ وَّ في نفر من قومي، فأقَمْنا عنده - فذكر الحديث
- ، وفي أخره : ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذنْ أحدكم، وليؤمكم أكبركم» .
فرواية أيوبَ تدلُّ على أنهم كانوا جماعةٌ ، فلا يحتج بها على أن الاثنين
جماعة ، وإنَّما يحتج لذلك برواية خالد الحذاء ؛ فإنه ذكر في روايته أنهما كانا
اثنين، وأنَّ النبيَّ وَّ أمرهما أنْ يؤمهما أكبرهما، فدلَّ على أنَّ الجماعة تنعقد
باثنين .
وفي هذا المعنى أحاديث أُخر :
منها: حديث أبي بن كعب، عن النبيِّ بََّ، قال: ((صلاةُ الرجل مع
الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلينِ أزكى من صلاتِهِ مع الرّجُلِ ،
وما كثر فهو أحبُ إلى اللَّهِ) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في
(١) في ((اليونينية)): ((ثم ليؤمكما)).

٥٢
حديث : ٦٥٨
كتاب الأذان
((صحيحهما)) والحاكم(١).
ومنها: حديث أبي سعيد، أن النَّبِيَّ وَّ أَبْصَرَ رجلاً يصلِّي وحده ، فقال :
((أَلاَ رَجُلٌ يتصدَّقُ على هذا فيصلِّي معه؟)) .
خرَّجه الإمامُ أَحْمدُ وأبو داودَ (٢)، وهذا لفظُه، وخرَّجه الترمذيُّ (٣) بمعناه
وحسَّنَه ، وقد سَبَقِ ذِكْرُه .
وخرج أبو داودَ في كتاب ((المراسيلِ)) (٤) معناه من حديث مكحول والقاسم
ابن عبد الرحمن - مرسلاً -، وفي حديثهما زيادة: فقال النبيّ وَّ: ((وهذه منْ
صَلاة الجَماعَة)) .
وخرجه الإمام أحمدُ (٥) من روايةِ القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي وَار،
ولفظُه : ((هذان جماعَةٌ)) .
وفي إسناده ضعف ، والمرسل أشْبه .
وخرَّج ابن ماجه (٦) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن أبي موسى، عن النّبِيِّبَّ، قال:
((الاثْنَان فما فوقهما جماعةٌ» .
وخرَّج البيهقيُّ (٧) معناه من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيف - أيضًا .
ولا نعلمُ خلافًا أن الجماعةَ تنْعقد باثنينِ إذا كانا من أهلِ التكليف ، ولو كان
(١) أحمد (١٤٠/٥) وأبو داود (٥٥٤) والنسائي (١٠٤/٢) وابن خزيمة (١٤٧٦) (١٤٧٧) وابن
حبان (٢٠٥٦) (٢٠٥٧) والحاكم (٢٤٨/١).
(٢) أحمد (٥/٣ - ٤٥) وأبو داود (٥٧٤) .
(٣) (٢٢٠) .
(٤) (٢٦) .
(٥) (٢٥٤/٥ - ٢٦٩) .
(٦) (٩٧٢) .
(٧) (٦٩/٣).
جـ
حـ

٥٣
٣٥ - بَابُ اثنان فما فوقهما جماعة
کتاب الأذان
ولا نعلمُ خلافًا أن الجماعةَ تَنْعقد باثنينٍ إذا كانا من أهلِ التكليف ، ولو كان
المأمومُ امرأةً .
فإن كان المأمومُ صبِيًّا ، فهل تنعقدُ به الجماعة ؟
فيه روايتانِ عن أحمدَ في الصلاة المكتوبة ، فأمَّا النافلة فتنعقدُ كما صلَّى
النبيُّ ◌َ﴿ بالليلِ بابنِ عباسٍ وحده .
وأكثر العلماء على أنه لا فرق بين الفرض والنفل في ذلك ، وهو قولُ
أبي حنيفة والشافعي .

٥٤
حديث : ٦٥٩
كتاب الأذان
٣٦ - بَابٌ
مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، وَفَضْلِ المَسَاجِدِ
قدْ تقدم في فضلِ انتطارِ الصلاة في المسجدِ من حديث أبي صالحٍ ، عن
أبي هريرةَ ، ومن حديث أَبي بردة ، عن أبي موسَى .
وخرَّج في هذا الباب ثلاثَةَ أحاديث :
الحديثُ الأولُ :
٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ أَبِي الزَّنَّادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي
مُصَلَّهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ
مَدَامَت الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لاَ يَمْتَعُهُ أَنْ يَتْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّالصَّلاةُ)).
دَلَّ هذا الحديث على فضلٍ أمرين :
أحدهما : الجلوسُ في المصلى ، وهو موضع الصلاة التي صلاها :
والمراد به في المجلس(١) دونَ البيتِ ، وآخر الحديث يدلُّ عليه .
قال ابن عبد البر : ولو صلَّت المرأة في مسجد بيتها وجَلَستْ فيه تنتظرُ
الصَّلاةِ فهي داخلةٌ في هذا المعنى إذا كان يحبسها عن قيامها لأشغالها انتطارُ
الصَّلاة .
(وإنَّ الملائكةَ تصلِّي عليه ما لم يُحدثْ)) وقد فسر صلاة الملائكةَ عليه
بالدعاء لهُ بِالمغفرة والرحمة ، والصلاةُ قد فسرتْ بالدعاء ، وفسرتْ بالثناءِ والتنويه
بالذكرِ ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هو تنويه منهم بذكره وثناءٌ عليه بحسن عمله .
وقد قيل : صلاتهم عليه مقبولة ما لم يحدث .
وقد اختلف في تفسير الحدثِ : هل هو الحدثُ الناقضُ للوضوء ، أو
(١) الأشبه: ((المسجد)). وانظر ما سيأتي (ص ٥٦ - ٥٧).

٥٥
٣٦ - بَابُ من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
كتاب الأذان
الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال التي لا
تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هذا الاختلاف في ((كتاب الطهارة)).
وذهب مالكٌ وغيره إلى أنَّه الحدثُ الناقضُ للوضوء، ورجحه ابن عبد البرِّ ؛
لأنَّ المحدث وإن جلس في المسجدِ فهو غير منتظرِ للصلاة؛ لأنه غير قادر عليها.
والثاني : أن منتظر الصلاة لا يزالُ في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه .
وقد فسر ذلك بأنه «لا يمنعه أن ينقلبُ إلى أهله إلاَّ الصَّلاة)»، وهذا يشملُ
من دخلَ المسجد للصلاة فيه جماعة قبل إقامة الصلاة فجلس ينتظرُ الصلاة ،
ومن صلَّى مع الإِمامِ ثم جلسَ ينتظر الصلاةَ الثانيةَ .
وهذا من نوعٍ الرباط في سبيل اللَّه، كما قال النبي وََّ: ((ألا أدلكم على ما
يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟)) قالوا : بلى يا رسول اللَّه . قال :
((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطَا إلى المَسَاجد، وانتظار الصلاة بعد
الصلاةِ؛ فذالكمُ الرباطُ ، فذالكمُ الرباطُ» .
خرجه مسلم(١) من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقد وردَ تقييدُ ذلك - أيضاً - بما لم يحدث .
خرجه البخاريُّ في ((أبواب نواقض الوضوء))(٢) من رواية ابن أبي ذئب ، عن
المقبري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّ، قال: ((لا يزالُ العبدُ في صلاة ما
كانَ في المسجد ينتظرُ الصلاة، ما لم يُحْدث)). فقال رجلٌ أعجمي : ما الحدثُ
يا أبا هريرة ؟ قال : الصوت - يعني : الضَّرْطة .
وقد سبق الكلامُ عليه في موضعه ، وذكرنا اختلاف الناس في تفسير الحدث
والمراد به .
(١) (١ / ١٥١) .
(٢) (١٧٦) .

٥٦
حديث : ٦٥٩
کتاب الأذان
وقد فسَّرِه أبو سعيد الخدري كما فسَّرَه أبو هريرة - أيضًا .
خرجه الإمام أحمد(١).
ومعنى كونه في الصلاة - والله أعلم - : أن له أجرَ المصلي وثوابه بحبس
نفسه في المسجدِ للصلاةِ .
وليس في هذا الحديث ، ولا في غيره من أحاديث الباب الاشتراطُ للجالسَ
في مصلاً، أَنْ يكونَ مشتغلاً بالذكرِ ، ولكنَّه أفضلُ وأكملُ ، ولهذا وردَ في فضلٍ
من جلسَ في مصلاه بعد الصبحِ حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ ، وبعدَ العصرِ حتى تغربَ
أحاديث متعددة .
وهل المرادُ بمصلاًهُ نفس الموضع الذي صلَّى فيه أو المسجد الذي صلى فيه
کله مصلّی له ؟ هذا فيه تردد .
وفي ((صحيح مسلم)(٢) عن جابر بن سمرة، أنَّ النَّبِيَّ وَّ كانَ إذا صلَّى
الفجرَ جلس في مصلاه حتى تطلع الشمسُ حسناءَ .
وفي رواية له : كان النبي وَّ لا يقوم من مصلاهُ الذي يصلي فيه الصبحَ أو
الغداةَ حتَّى تطلعَ الشمسُ ، فإذا طلعتِ الشمس قامَ .
ومعلومٌ؛ أنه رَّـ لم يكنْ جلُوسُه في الموضع الذي صلَّى فيه ؛ لأنه كان
ينفَتِلُ إلى أصحابه عقبَ الصلاةِ ويقبلُ عليهم بوجْهِهِ .
وخرَّجه الطبراني(٣)، وعنده: كان إذا صلَّى الصبح جلس يذكر الله حتى
تطلع الشمس .
ولفظة: ((الذكر)) غريبة .
(١) (٩٦/٣) .
(٢) (١٣٢/٢) .
(٣) في ((الصغير)) (٢/ ١٥٠). وأورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٠٧/١٠) وقال: ((هو في
الصحيح غير قول: يذكر اللَّه)).

٥٧
٣٦ - بَابُ من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
کتاب الأذان
وفي تمام حديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم : وكانوا يتحدثون
فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون ويتبسم .
وهذا يدلُّ على أنَّه لم ينكر على من تحدث وضحِكَ في ذلك الوقتِ ، فهذا
الحديث يدل على أن المراد بمصلاه الذي يجلس فيه المسجدُ كله .
وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا وغيره .
وقد روي عن أبي هريرة ما يخالف هذا .
روى مالكٌ في ((الموط))(١) عن نعيم المجمر ، أنه سمع أبا هريرة يقولُ : إذا
صلَّى أحدكم ثم جلسَ في مصلاه لم تزل الملائكةُ تصلِّى عليه ، تقول : اللهمَّ
اغْفِرِ له ، اللهم ارْحمه ، فإن قامَ من مصلاً، فجلسَ في المسجد ينتظرُ الصَّلاة لم
تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليه في مصلاه حتَّى يصلي .
فهذا يدلُّ على أنه إذا تحولَ من موضعٍ صلاته منَ المسجد إلى غيره منَ
المسجد انقطعَ حكم جلوسه في مصلاه ، فإن جلسَ ينتظرُ الصَّلاة كان حكمهُ
حكمَ من ينتظرُها، وصلَّتْ عليه الملائكةُ - أيضًا - ، فإن لم يجلسْ منتظرًا
للصلاة فلا شيءْ لَهُ؛ لأنَّه لم يجلسْ في مصلاً، ولا هو منتظرٌ للصَّلاة .
قال ابنُ عبد البرِّ : إلا أنَّه لا يقالُ : إنَّه تصلِّي عليه الملائكة .
يعني : على المتحول من مكانه وهو ينتطر الصلاةَ كما تصلِّي على الذي في
مصلاه ينتطر الصلاة .
يشير إلى أنَّ الحديث المرفوع إنما فيه صلاة الملائكة على من يجلسُ في
مصلاه لا علىَ المنتظرِ للصلاةِ .
ولكنْ قد روي في حديث مرفوع ، فروى عطاء بن السائب ، عن أبي
عبد الرحمن السُّمي، عن علي، قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ له يقول: ((من
صلّى الفجر ثمَّ جلس في مصلاهُ صلَّت عليه الملائكةُ ، وصلاتُهم عليه : اللهم
(١) (ص ١١٨).

٥٨
حديث : ٦٦٠
کتاب الأذان
اغفر له ، اللهم ارحمه، ومن ينتطرُ الصلاة صلَّتْ عليه الملائكة ، وصلاتهم عليه :
اللهمَّ اغفرْ له، اللهم ارحمه)».
خرجه الإمام أحمد(١) .
وقال علي بن المديني : هو حديث كوفيٌّ ، وإسناده حَسَنٌ .
وذكر ابن عبد البرِّ - أيضًا - أنه يحتملُ أن يكون بقاؤهُ في مصلاً، شرطًا في
انتظار الصلاة - أيضًا - ، كما كان شرطًا في الجلوسِ في مصلاه .
وهذا الذي قاله بعيدٌ ، وإنما يمكنُ أن يقالَ فيمن صلَّى صلاةً ثم جلسَ ينتظرُ
صلاة أخرى ، فأمَّا من دخلَ المسجدَ ليصلي صلاة واحدة وجلسَ ينتظرُهَا قبلَ أنْ
تقامَ فأيُّ مصلّى لَهُ حتى يشترط أن لا يفارقه ؟
قال : وقيامُهُ منْ مجلسِهِ ، المرادُ به: قيامُه لعرض الدنيا، فأمَّا إذا قَامَ إلى
ما يعينه على ما كان يُصنعه في مجلسه منَ الذِّكْرِ .
يعني : أنه غير مرادٍ ، ولا قاطع للصلاة عليه . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الحديث الثاني :
٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَُيْبُ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصٍ بْنِّ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ، قَالَ:
(سَبْعَةَ يُظَلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلَّهُ يَوْمَ لَ ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةٍ
رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَبًّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا
عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَال ، فَقَالَ : إِنِّي
أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يُّمِنُهُ، وَرَجُلٌ
ذَكَرَ اللَّهِ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) .
هذه السبعة اختلفت أعمالهم في الصورة ، وجمعها معنى واحد ، وهو
(١) (١٤٤/١ - ١٤٧) .

٥٩
٣٦ - بَابُ من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
كتاب الأذان
مجاهدتهم لأنفسهم ، ومخالفتهم لأهوائِها ، وذلك يحتاجُ أوَّلاً إِلى رياضة شديدة
وصبر على الامتناعِ مما يدعو إليه داعي الشهوةِ أو الغَضَبِ أو الطَّمَعِ ، وفي
تجشم ذلك مشقة شديدةٌ على النفسِ ، ويحصلُ لهَا بِهِ تألُّمٌ عظيمٌ ، فإن القلبَ
يكادُ يحترقُ من حرِّ نارِ الشهوةِ أو الغضبِ عند هيجانها إِذَا لم يُطْفَءُ ببلوغِ الغرضِ
من ذلك ، فلا جَرَم كان ثوابُ الصبرِ على ذلك أنه إذا اشتدَّ الحرُّ في الموقفِ ،
ولم يكن للناسِ ظلِّ يُظِلُّهُمْ وَيَقِيهمْ حرَّ الشمسِ يومئذٍ ، كان هؤلاء السبعة في
ظلِّ اللَّهِ عز وجل ، فلم يجدوا لحرِّ الموقف ألمًا جزاءً لصبرهمْ على حرِّ نارِ
الشهوة والغضبِ في الدنيا .
وأوَّل هذه السبعة : الإمام العادل .
وهو أقربُ الناسِ من اللَّه يومَ القيامةِ ، وهو على منبرٍ من نورٍ على يمينٍ
الرحمن عز وجل (١)، وذلكَ جزاءٌ لمخالفته الهوى ، وصبره عن تنفيذ ما تدعوه
إليه شهواتُه وطمعُه وغضبُه ، مع قُدْرَتِه على بلوغٍ غرضه من ذلك ؛ فإن الإمامَ
العادلَ دَعَتْه الدُّنْيا كلها إلى نَفْسِها ، فقال : إني أخافُ اللَّه رب العالمين.
وهذا أنفع الخلقِ لعبادِ اللَّه ، فإنه إذا صلحَ صلحتِ الرعية كلها .
وقد روي أنه ظلُّ الله في الأرض(٢)؛ لأن الخلق كلهم يستظلُّون بظلِّه، فإذا
عدلَ فيهم أظلَّه اللَّه في ظلِّه .
والثاني : الشاب الذي نشأ في عبادة اللَّه عز وجل .
فإن الشَّباب شُعبةٌ من الجنونِ(٣)، وهو داعٍ للنفس إلى استيفاء الغرض من
شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة ، فمن سَلِم منه فقد سَلِم .
(١) لحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (٧/٦) .
(٢) راجع: ((كشف الخفاء)) (١٤٨٧).
(٣) روى موقوفًا عن ابن مسعود. أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (١٣٨/١) وروي مرفوعًا. راجع
((كشف الخفاء)» (١٥٣٠) .
1

٦٠
حديث : ٦٦٠
کتاب الأذان
وفي الحديث : ((عَجبَ ربُّك من شابٍّ ليستْ له صَبْوة))(١).
وفي بعضِ الآثارِ : يقول اللَّه : ((أيُّها الشابُ التاركُ شهوته ، المتبذلُ شبابه
من أجْلِي ، أنت عندي کبعضٍ ملائكتي)) .
والثالث : الرجل المعلَّق قلبه بالمساجد .
وفي رواية : ((إذا خرجَ منه حتَّى يعودَ إليْه))، فهو يحبُّ المسجد ويألفه
لعبادة اللَّه فيه ، فإذا خرجَ منه تعلَّق قلبه به حتى يرجعَ إليه ، وهذا إنما يحصلُ
لمن ملك نفسَه وقادها إلى طاعة اللَّه فانقادتْ له ؛ فإن الهوى إنَّما يدعو إلى
محبَّ مواضعِ الهوى واللعبِ ، إما المباحِ أو المحظورِ ، ومواضع التجارة
واكتسابِ الأموالِ ، فلا يقصر نفسَه على محبّة بقاعِ العبادة إلا مَنْ خالفَ هواه ،
وقدَّم عليه محبة مولاه .
وقد مدح عُمَّارَ المساجد في قوله : ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا
اسْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَّ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمَّا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (٢٧)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مَن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وفي ((المسند)) و((سنن ابن ماجه)(٢) من حديث أبي هريرة، عن النبي وَّر ،
قال : ((لا تَوَطَّنَ رَجُلٌ المساجدَ للصلاة والذكر إلا تبشبشَ اللَّه به كما يتبشبشُ
أهلُ الغائبِ بغائبهم إذا قَدِمَ)) .
وروى ابن لهيعةَ ، عن دراجٍ ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيدٍ ، عن النبيِّ
حَ *، قال: ((منْ أَلفَ المسجد أَلفَهُ اللَّهُ»(٣).
(١) أحمد (١٥١/٤) وأبو يعلى (٢٨٨/٣).
(٢) ((المسند)) (٣٠٧/٢ - ٣٢٨ - ٣٤٠ - ٤٥٣) وابن ماجه (٨٠٠).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٣٨٣) وابن عدي (٤/ ١٤٧٠).