Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ ٩ - بَابُ الاستهام في الأذان كتاب الأذان وفعله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بامرأتينٍ له ، دفنهما في قبرٍ . وأما إنْ كان ثبت لأحدهما حقُّ التقدمِ في الصفِّ ، فليسَ لأحد أَنْ يدفعَه عنه، ولو كان أفضلَ منه ؛ لقولِ النبيِّ بِّهِ: ((لا يقيمُ الرجلُ [الرجلَ] من مجلسه فيجلسَ فيه ، ولكن تَفَسَّحُوا وتوسَّعُوا))(١). فإن كان السابقُ إلى الصف غلامًا لم يبلغ الحلمَ جاز تأخيره . فعله أبيّ بن كعبٍ بقيس بن عبادة ، وصرح به أصحابنا ، وهو ظاهرٌ كلام الإمام أحمدَ ، وقول سفيان . وكذلك إن قَدم رجل عبدًا له إلى الصفِّ ثم جاءَ ، فله أن يؤخره ويجلس مكانه . وإما إن تأخر السابقُ باختياره ، فهل يُكْره ، أم لا ؟ فيه قولان ، مبنيان على جواز الإيثار بالقُربِ . وظاهر كلامِ الإمامِ أحمدَ كراهَتُه ، حتى في حقِّ الابن مع أبيه ، وحكى عنه جوازهُ - أيضًا . وعلى القول بالجوازِ ، فلو قامَ من مكانه إيثارًاً لرجل ، فسبقَ إليه غيرُ المُؤْثَرِ ، فهل يستحقه ؟ فيه وجهان : أحدهما : يستحقه ؛ لأن المؤثِرَ سقط حقُّه بزواله عنه . والثاني : لا - وهو أصحُّ - ؛ لأن من كان أحقَّ بمكانه ، فلَهُ أن يجلس به بنفسه ، ويؤثر به غيره . ٠٠ وبهذا فسَّرِه الإمام أحمدُ ، واستحسن أبو عبيد ذلكَ منه . وإنما يسقطُ حقُّه إذا قام معرضًا عنه ؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو أحقّ بمجلسه ، فكذا إذا قام الإيثار غيره . (١) البخاري (٦٢٧٠) . ءِ ٤٨٢ حديث : ٦١٥ كتاب الأذان وفي قوله وَّل: ((لو يَعْلمون ما في النداء والصفِّ الأول، ولم يجدوا إلا أنْ يستهموا عليه لاستهموا عليه)): دليلٌ على أنَّ الأَذَانَ لا يُشرع إعادته مرةً بعد مرة ، إلا في أذان الفجر ، كما جاءت السنة به ، وإلا فلو شُرعت إعادته لما اسْتَهَمُوا ، وَلَأَذَّنَ واحدٌ بعد واحد . وقد صرح بمثلِ ذلك بعض أصحابنا ، وقال : مع التزاحم يؤذنُ واحدٌ بعدَ واحدٍ . وهو مخالفٌ للسنَّة . وروي عن عمر (١) ، أنه اختصمَ إليه ثلاثة في الأذان ، فقضى لأحدهم بالفجرِ ، وللثاني بالظهرِ والعصرِ ، وللثالث بالمغربِ والعشاءِ . وقد قيل : إنَّ أبا بكرِ الخلالَ خرجه بإسناده ، ولم أقفْ إلى الآن عليه . ولو قيل : إنه يؤذن المتشاحُون جملةً لم يَبْعُد . وقد نصَّ أحمد على أنه لو أذن على المنارة عدَّةٌ فلا بأسَ . وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه - متابعةً للشافعي وأصحابه - : يستحبُّ أن يقتصرَ على مؤذنَيْن ، ولا يستحب أَنْ يزيدَ على أربعةٍ . ثم قالوا : إن كان المسجد صغيرًا أَذن واحدٌ منهم بعدَ واحد ، وإن كان كبيراً أذَنُوا جملةً؛ لأنَّه أبلغُ في التبليغ والإعلام . وقال أصحابُ الشافعيِّ : إذا ضاقَ الوقتُ والمسجد كبيرٌ أذنوا في أقطاره ، وإن كانَ صغيرًا أذّنُوا معًا، إِلا أن تختلفَ أصواتُهم فيؤذنَ واحدٌ . واستدلُّوا بإذان بلال وابن أم مكتومَ ، وذاك إنما كان في الفجر خاصَّةً ، ولا يعرفُ في غيرِ الفجرِ ، إِلا في الجمعة من حين زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ على الزوراءِ . (١) في الأصل: ((ابن عمر))، والتصويب من ((الأوسط)) لابن المنذر (٤٠/٣). ٤٨٣ ٩ - بَابُ الاستهام في الأذان کتاب الأذان وحملَ ابن حبيب المالكي الاستهامَ على الأذانِ على الوقتِ المضَيَّقِ كالجمعة والمغرب . يشيرُ إلى أنَّه في الأوقاتِ المتَّسِعَة أنْ يؤذنَ واحدٌ بعد واحد . وقال حرب : قلت لأحمدَ : فالأذانُ يوم الجمعة ؟ [قال](١): إذا أذن على المنارة عدةٌ فلا بأسَ بذلك؛ قد كان يؤذن للنبيِّ ◌َِّ بلالُ وابنُ أم مكتوم ، وجاء أبو محذورةَ وقد أذن رجلٌ قبلَه فأذن أبو محذورةَ - أيضًا . وهذا النص يُشْعر بأنَّه يجوز أن يؤذنَ واحدٌ بعد واحدٍ في غير الفجرِ ، وهذا محمولٌ على جوازهِ إذا وقعَ أحيانًا ، لا أنه يستحبُّ المداومةُ عليه ، وأما أذانُ بلال وابن [أم] مكتوم فكانَ في الفجرِ ، ولم يؤذنَا جملةً ، فلا يدلُّ على الاجتماع على الأذان بحالٍ . وَّ أذانَ بلال، فقال: ((ليرجَعَ قائمكمْ، ويُوقِظَ وقد علَّل النبيّ نائمکم)»(٢). وهذا المعنى لا يوجدُ في غير صلاة الصبح ، ولا روي في غير الصبحِ أنه أُذَّن على عهد رسول اللّهِ مَّله مرتين . وفي ((الصحيحين)) (٣) عن ابن عمر: كان النبيِّ وَّةٍ في مسجد واحد مؤذنان: بلالٌ وابنُ أم مكتوم . وهذا يُستدلُّ به على أنه يُستحبُّ نصب مؤذنَيْن للمسجد خشية أن يغيبَ أحدهما فيؤذنَ الآخر ؛ لئلا يتعطلَ الأذانُ مع غيبته . (١) زيادة مني للسياق. (٢) أخرجه البخاري (٦٢١) ومسلم (١٢٩/٣) والنسائي (١١/٢). (٣) مسلم (٣/٢) (١٢٩/٣). وهو عند البخاري (٦٢٢) (١٩١٨) لكن ليس فيه هذا القدر . وسيأتي في الباب (١١) هذا الحديث وعزو المؤلف له لمسلم فقط . ٤٨٤ حديث : ٦١٥ کتاب الأذان والذي ذكر الإمام أحمدُ ، خرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا حفص ، عن الشيباني ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذَّن إنسانٌ ، فأذن هو وأقامَ . وهذا فعله أبو محذورة مرة ؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبلَه ، ولم يكن مع أبي محذورةَ مؤذنٌ راتبٌ غيره بمكةَ . قال ابنُ أبي شيبة : ثنا يزيد من هارون ، عن حجاج ، عن شيخٍ من م المدينة، عن بعض بني مؤذني النبيِّ وَّ، قال: كان ابن أم مكتوم يؤذن ويقيم بلالٌ ، وربما أذنَ بلال وأقامَ ابن أم مكتومٍ . إسناد ضعيف . ولو صحَّ لكانَ دليلاً على أنهما لم يكونا يجتمعان في أذان واحدٍ في غير صلاة الفجرِ . وروى وكيع في ((كتابه))، عن إسرائيلَ ، عن جابر ، عن عامر : كانَ لرسول اللَّهُ وَ لّ ثلاثة مؤذنين: بلالٌ وأبو محذورة وابن أمِّ مكتوم ، فإذا غابَ واحدٌ أذَّنَ الآخر. وقال رسولُ اللَّهُ وَّهِ: (لقد هَمَمْتُ أَنْ أجعل المؤذنين سنَّةً)). قال : فإذا أقيمت الصَّلاةُ اشتدُّوا في الطرقِ ، فآذنوا الناسَ بالصلاة . هذا مرسلٌ ضعيف ؛ فإن جابرًا هو الجعفي . وأبو محذورةً لم يكن يؤذن للنبيِّ وَّ بالمدينة. وقد خرجه البيهقي(٢)، عن الحاكم ، عن أبي بكر ابن إسحاق ، عن العباس ابن الفضل الأسفاطي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة : ثنا يحيى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كانَ للنبيِّ وَّ ثلاثة مؤذنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أم مكتوم . (١) (١ / ١٩٦) . (٢) (٤٢٩/١) . ٤٨٥ ٩ - بَابُ الاستهام في الأذان كتاب الأذان وقالَ : قالَ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - : هو صحيح . وليسَ كما قال ابن إسحاق . هذا في كتاب ابن أبي شيبة ((المصنف))(١). والصحيحُ : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي - مرسلاً . وروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل : ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق، عن الأسودَ، عن عائشةَ، قالتْ: كانَ للنبيِّ وَّ مؤذنانِ: بلال وعمرو بن أم مكتوم . وهذه الرواية أصحُّ . وخرج الدار قطني(٢) من رواية أولاد سعد القَرَظ، عن آبائهم ، عن جدهم سعدٍ، أن النبيَّ نَ ◌ّ قال له: (يا سعدُ، إذا لم ترَ بلالاً معي فأذنْ)). وفي إسناده ضعف . وفي الحديث : دليل على شرفِ الأذانِ وفضله ، واستحبابِ المنافسة فيه الأكابر الناسِ وأعيانهم ، وأنه لا يوكل إلى أَسْقَاطِ الناسِ وسِفْلَتهم ، وقد كان الأکابر ینافسون فيه . قال : قيس بن أبي حازم : قال عمر : لو كنتُ أُطِيقُ الأذان مع الخِلِّيفى لأذَنْت(٣). وقالَ عبد اللَّه بن الحسن : قال ابنُ أبي طالب : ما آسى على شيءٍ ، إلا أني كنتُ وددت أني كنت سألتُ للحسنِ والحسينِ الأذانَ . (١) كأن هذه الجملة علَّقت بالحاشية ، ثم أقحمها الناسخ بالأصل. (٢) (٢٣٦/١) . (٣) ابن أبي شيبة (٢٠٤/١) وعبد الرزاق (٤٨٦/١). ٤٨٦ حديث : ٦١٥ کتاب الأذان وعن سعد بن أبي وقاص ، قال : لأن أقوى على الأذان أحبُّ إليَّ من أن أحجَّ وأعتمرَ وأجاهدَ (١) . وعن عمُرَ وابن مسعودٍ - معناه(٢). وعن ابن الزبيرِ، قال: وددت أنَّ رسول اللّهِ وَلَهِ أعطانا النِّداءَ (٣). وقال النخعي : كانوا يستحبون أنْ يكونَ مؤذنيهم فقهاؤهم؛ لأنَّهم(٤) وُلُّوا أمرَ دينهم . وقال الحسنُ : قال عمرُ : لا يستحي رجلٌ أن يكونَ مؤذنًا . وقال زاذانُ (٥): لو يعلمُ الناسُ ما في فضلِ الأذانِ لاضطربوا عليه بالسيوف. وقال شبيل بن عوف(٦)، قال عمرُ : مَنْ مؤذنوكم ؟ قلنا : عبيدُنَا وموالينا . قال : إنَّ ذلك لنقصٌ بكم كبيرٌ . وروى قيسُ بن أبي حازم ، عن عمر - مثله - ، قال : وقال : لو أطقت الأذانَ مع الخِلِّيفى لأذَّنْتُ . وقال يحيى ابن أبي كثير(٧): حُدِّثْت أنَّ رسولَ اللَّهُ وَِّ قال: ((لو علمَ الناسُ ما في الأَذَان لتحارَّوه)). قال: وكان يُقال : ابتدرُوا الأذان ، ولا تبدروا الإمامة . وقال حماد بن سلمة : أبنا أبو غالب ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : (١) ابن أبي شيبة (٢٠٣/١). (٢) أثر ابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٢٠٤/١). (٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢١ - القطعة التي حققتها منه). و((الأوسط)) (٦٣٠٩). (٤) في الأصل : ((لأدلهم)). (٥) ابن أبي شيبة (٢٠٣/١) . (٦) ابن أبي شيبة (٢٠٤/١) وعبد الرزاق (٤٨٧/١). (٧) ابن أبي شيبة (٢٠٤/١). ٤٨٧ ٩ - بَابُ الاستهام في الأذان کتاب الأذان المؤذنونَ أمناءٌ للمسلمين ، والأئمةُ ضمناءٌ. قال: والأذانُ أحبُّ إليَّ من الإمامة . 2 (١) خرجه البيهقي (١). وممن رأى الأذان أفضلَ من الإمامة : الشافعيُّ في أصحِّ قوليه ، نص عليه في ((الأم))، وعلى كراهَةِ الإمامة ؛ لما فيها من الضمان . وهو - أيضًا - أصحَّ الروايتينِ عن أحمدَ . وروى أبو حمزةَ السكريُّ ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، قال: ((الإمامُ ضامنٌ والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمةَ واغفرْ للمؤذنيين)). قالوا : يا رسولَ اللَّه، تركتنا نتنافسُ في الأذان ، فقال: ((إن من بعدكم زمانًا سفْلَتهم مؤذنوهم» . خرجه البزارُ (٢). وقال : لم يتابع عليه أبو حمزة . يعني : على الزيادة التي آخره ؛ فإنَّ أول الحديث معروفٌ بهذا الإسناد ، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما(٣) . وقال الدارقطنيُّ : هذه الألفاظُ ليست محظوظةٌ . قلت : وقد رويت بإسناد ضعيف ، عن يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش - أيضًا . ذكره ابن عدي(٤). وفي إسناد الحديث اختلاف كثير ، وقد روي موقوفًا على أبي هريرة . (١) (١/ ٤٣٢) . (٢) (٣٥٧) والبيهقي (٤٣٠/١). (٣) أبو داود (٥١٧) والترمذي (٢٠٧) وأحمد (٢٨٤/٢ - ٤٢٤ - ٤٦١ - ٤٧٢) . (٤) (٥ / ١٨٩٧) . ٤٨٨ حديث : ٦١٥ كتاب الأذان قال الشافعي في ((الأم))(١): أحب الأذان؛ لقول رسول اللَّه وَّل: ((اللهم اغفر للمؤذنين))، وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها . واستدل من رجح الإمامة - وهو أحد قولي الشافعي ، وحُكيَ روايةً عن أحمد -: بأن النبيِّ وَّهِ والخلفاء بعده كانوا يتولَّوْنَ الإمامةَ دون الأذانِ . وأجيبَ عن ذلكَ بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذانِ بمصالحِ المسلمين التي لا يقومُ غيرهم فيها مقامَهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ؛ ولهذا قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخِلِّيفى لأذنتُ . والخلِيفى : الخلافة(٢). وأما الإمامةُ ، فلم يكن لهمْ بدٌّ من صلاةٍ وهم أئمة الناسِ في أمورٍ دينهم ودنياهم ، فلذلك تقلدوا الإمامة ، ومن قدرَ على الجمع بين المرتبتين لم يُكره له ذلك ، بل هو أفضلُ ، وكلام عمر يدل عليه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . وقال مصعب بن سعد : هو من السنَّة . وللشافعية وجهٌ بكراهة الجمعِ . وفي النهي عن الجمع حديث مرفوع : خرجه البيهقيّ وغيره ، وهو غير صحيح . وقال الماورديَّ منهم : للإنسان في الأذان والإمامة أربعةُ أحوال: حالٌ يمكنه القيامُ بهما والفراغُ لهما ، فالأصل أنْ يجمع بينهما . وحالٌ يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ، ويقدر على الأذانِ لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالانفرادُ له بالأذان أفضلُ . وحالٌ يعجز فيه عن الأذان لضعف صوته (١) (١ / ١٤١ ) . (٢) قال ابن الأثير (٦٩/٢): ((الخلِيفى - بالكسر والتشديد والقصر - : الخلافة، وهو وأمثاله من الأبنية ، كالرِّمِّيَّا والدّلِّيلَى، مصدر يدل على معنى الكثرة، يريد به : كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنَّتها)). ٤٨٩ ٩ - بَابُ الاستهام في الأذان كتاب الأذان وقلة إبلاغه ، ويكون قيمًا بالإمامةِ لمعرفتهِ بأحكامِ الصلاة وحسن قراءته ، فالإمامةُ له أفضلُ . وحالٌ يقدرٌ على كلِّ واحدٍ منهما ويصلحُ له ، ولا يمكنه الجمعُ بينهما ، فأيهما أفضلُ ؟ فيه وجهان . ٤٩٠ ١٠ - بَابُ الكلام في الأذان کتاب الأذان ١٠ - بابُ الكَلاَمِ فِي الأَذَانِ وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَد في أَذَانِهِ . وَقَالَ الحَسَنُ : لَاَ بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ وَيَقِيمَ . روى وكيع في ((كتابه))(١) عن محمد بن طلحة ، عن جامعٍ بن شداد ، عن موسى بن عبد اللَّه بن يزيد الخطمي، عن سليمان بن صرد - وكانت له صحبةٌ -، أنه كان يؤذنُ في العسكرِ ، وكان يأمرُ غُلاَمه في أذانه بالحاجة . وعن الربيع بن صبيح، عن الحسنِ، قال: لا بأسَ أن يتكلّمَ في أذانه بالحاجةِ . وروى ابن أبي شيبة من طرق [عن] الحسن ، أنه لا بأسَ أن يتكلم في أذانهِ بالحاجة ، وإقامته . واختلفَ العلماءُ في الكلام في الأذان والإقامة على ثلاثةِ أقوالِ : أحدها : أنَّه لا بأسَ به فيهما ، وهو قولُ الحسنِ والأوزاعيِّ . والثاني : يُكْره فيهما ، وهو قولُ ابن سيرين والشعبي والنخعي وأبي حنيفة ومالكِ والثوري والشافعي ، وروايةٌ عن أحمدَ . وكلُّهم جعل كراهةَ الكلام في الإقامة أشدَّ . وعلى هذا ؛ فلو تكلَّمَ لمصلحةٍ ، كردِّ السلامٍ وتشميتِ العاطسِ ، فقال الثوريُّ وبعضُ أصحابنا : لا يُكْره . والمنصوصُ عن أحمدَ في روايةٍ على بن سعد (٢) أنَّه يُكْره ، وهو قول مالك وأبي حنيفةَ . (١) وابن أبي شيبة (١٩٢/١) عنه. (٢) كذا بالأصل ، ولعل الصواب : ((سعيد)). وهو الشَّالنجيُّ ، وقد تكرر ذكره . ٤٩١ ١٠ - بَابُ الكلام في الأذان كتاب الأذان وقال أصحابُ الشافعي: لا يُكْرِه ، وترْكُه أوْلى . وكذلك الكلامُ لمصلحة ، فإن كانَ لغير مصلحةٍ كُرِهَ . وقال إسحاق : إن كانَ لمصلحةٍ غيرِ دنيوية كردُّ السلامِ والأمرِ بالمعروفِ فلا يُكْره ، وإلا كُره ، وعليه حَمَلَ ما فعله سليمان بن صرد . ووافق ابنُ بطة من أصحابنا قولَ إسحاق ، إن كانَ لمصلحة . ورخَّص في الكلام في الأذان عطاءٌ وعروةُ . والقولُ الثالث(١): يكره في الإقامة دون الأَذان ، وهو المشهورُ عن أحمد ، والذي نقله عنه عامة أصحابه ، واستدلَّ بفعلٍ سليمان بن صرد . وقال الأوزاعيُّ: يردُّ السلام في الأذان ، ولم (٣) يرده في الإِقامَةِ . وقال الزهريُّ : إذا تكلّم في إقامته يُعِدُ . والفرقُ بينهما: أنَّ مبنى(٣) الإقامةِ عَلَى الحَدْرِ والإسراعِ، فالكلامُ ينافي ذلك. ومتى كانَ الكلامُ يسيرًا بنى عليه ما مضى من الأذانِ والإقامةِ عند جمهورِ العلماء، إلا ما سبق عن الزهري في الإِقامةِ. وروي عنه مثله في الأذان - أيضًا. ووافقه بعض أصحابنا في الكلام المحرمِ خاصةً ، في الأَذانِ والإِقامة . وإن طالَ الكلامُ بَطل ما مَضَى ، ووجبَ عليه الاسئنافُ عند الأكثرينَ ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالموالآَةِ فِي الأَذَانِ ، ولا يحصلُ به الإِعْلَمُ ؛ لأنَّه يُظَنُّ متلاعبًا . وللشافعي قولان في ذلك . وحاصلُ الأمر : أن الكلام في الأذان شبيه بكلام الخاطبِ في خُطبته . والمشهور عن الإمامِ أحمدَ، أنه لا يكرهُ الكلام للخاطبِ، وإنما الكراهة للسَّمع. (١) في الأصل: ((الثانى)) خطأ. (٢) كذا ، ولعل الصواب: ((ولا)). (٣) في الأصل: ((مثنى)). ٤٩٢ ١٠ - بَابُ الكلام في الأذان كتاب الأذان وذهبَ كثيرٌ من العلماء إلى التسوية بينهما . وأما ما حكاه البخاري عن الحسن من الضحك في الأذان والإقامة ، فمراره: أن الضحكَ في الأذانِ والإقامةِ لا يُبْطلهما ، كما يبطلُ الصلاةَ ، ولا بأسَ بالأذان والإقامةِ وإن وقع في أثنائها ضحكٌ ، غُلِبَ عليه صاحبُه ، ولم يرد أنَّه لا بأسَ أَنْ يتعمد المؤذنُ الضحكَ في أذانِه وإقامته ؛ فإنَّ ذلكَ غفلةٌ عظيمةٌ منه عن تدبرِ ما هو فيه من ذكرِ اللَّهِ، وقدْ كانَ حالُ الحَسَنِ عَلَى غير ذلكَ من شدَّةٍ تعظيمِ ذكرِ اللَّهِ فِي الأَذَانِ وَغَيْرِهِ والخشوعِ عند سماعه . وقد روى ابنُ أبي الدنيا في ((كتاب الرقة والبكاء)»(١) بإسناده ، عن يحيى البكاء ، عن الحسن ، قال : إذا أذن المؤذنُ لم تَبْقَ دابة برٌّ ولا بحرِ إلا أصغت واستمعت . قال : ثم بكى الحسنُ بكاءً شديداً . وبإسناده(٢)، عن أبي عمران الجوني ، أنه كانَ إذا سمع الأذان تغير لونُه ، وفاضتْ عيناه . وعن أبي بكرِ النهشلي (٣) نحوه - أيضًا - ، وأنه سُئِلَ عن ذلك، فقال : أشبهه بالصريخ يوم العرضِ ، ثم غشيَ عليه . وحُكيَ مثل ذلك عن غيرِه من الصالحين - أيضًا . وعن الفضيل بن عياضٍ(٤)، أنه كان في المسجد ، فأذنَ المؤذنُ ، فبكى حتى بلَّ الحَصَى ، ثم قال : شبَّهتُه بالنِّداءِ ، ثم بكى . ولكن إذا غلب الضحك على المؤذن في أذانه بسببٍ عَرَض له لم يُلَمْ على ذلك ، ولم يبطل أذانه . (١) رقم (١٤١). (٢) رقم (١٣٩). (٣) رقم (١٥٣) (١٥٤). (٤) رقم (١٤٥) . ٤٩٣ ١٠ - بَابُ الكلام في الأذان كتاب الأذان وقد روى عن علي ، أنه كان يومًا على المنبرِ ، فضحك ضحكًا ما رُئي ضحكَ أكثرَ منه ، حتى بدت نواجذُه ، ثم قالَ : ذكرتُ قولَ أبي طالب لما ظهرَ علينا، وإنَّا معَ رسولِ اللهِ وَ له ونحنُ نصلّي معه ببطن نخلة ، فقال : ماذا تصنعانِ يا بن أخي؟ فدعاه (١) رسولُ اللَّهُ وَ لَه إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تصنعانٍ بأسٌ ، ولكنْ والله لا تعلوني اسْتِي أبدًا، فضحكَ تعجبًا لقول أبيه . خرَّجه الإمام أحمد (٢) بإسناد فيه ضعفٌ . قال البخاري - رحمه الله - : ٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ : خَطَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمِ رَزْغٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ: ((حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: ((الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ)) ، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وإِنَّهَا عَزْمَةٌ . ((الرزغ)): بالزاي وبالغين المعجمة ، هو : الوحل . يقال : أرزغت السماءُ إذا بلَّت الأرضَ . ويقال له - أيضًا -: ((الردغ)) بالدال المهملة . وقيل : إن الرزغ - بالزاي - أشد من الردغ . وقيل : هما سواء . قال الخطابي(٣): الرَّزغة: وحل شديد، وكذلك الرَّدغة. ورزغ الرجلُ [إذا ارْتَكَمَ](٤) في الوحلِ ، فهو رَزِغْ . وقد خرجه البخاريُّ - أيضًا - في ((باب: هل يصلِّي الإمامُ بمن حضر ، وهل يخطبُ يومَ الجمعةِ في المطر ؟))(٥) عن عبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبي ، عن (١) في الأصل: ((فدعاهم))، والمثبت من ((المسند)). (٢) (٩٩/١ - ١٤١). (٣) في ((شرح البخاري)) (١/ ٤٦٥) . (٤) في الأصل كلمة غير واضحة ، والمثبت من المصدر المذكور . (٥) برقم (٦٦٨) . ٤٩٤ حديث : ٦١٦ کتاب الأذان حماد، عن عبد الحميد وعاصم خاصة، وفصل حديث أحدهما من حديث الآخر. وفي حديث عبد الحميد عنده : قال : كأنكم أنكرتمْ هذا ، إن هذا فعلَه من هو خيرٌ مني - يعني: النبيَّ ◌َِّهِ . وخرجه - أيضاً - في ((كتاب الجمعة)) (١) من طريق ابن عليَّة، عن عبد الحميد ، قال : أنا عبد اللَّه بن الحارث ابن عَمِّ محمد بن سيرين : قال ابن عباسٍ لمؤذنه في يومٍ مطيرٍ (٢): إذا قلتَ: ((أشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّه وأشهد أن محمدًا رَسُول اللَّه))، فلا تقلْ: ((حيَّ على الصلاة)). قلْ: ((صلُّوا في بيوتكمْ)) ، فكأنَّ الناسَ استنكروا ، فقالَ : قد فعلَه من هو خيرٌ مني . وفي هذه الرواية : زيادةٌ على ما قبلها من وجهينِ : أحدهما : أنه نسب فيها عبد اللَّه بن الحارث هذا : هو الأنصاريَّ البصريّ نسيب ابن سيرين وخَتَنُهُ على أخته (٣). وكذا وقعَ في ((سنن أبي داود)) - أيضًا (٤). وفي ((سنن ابن ماجه))(٥) من رواية عباد المهلِّبي ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل . وابن نوفل هذا ، هو: الهاشميُّ، ويلقب «بَّه))، وكلاهما ثقة ، مخرج له في ((الصحيحين)) . فالله أعلم . والثاني: أن في هذه الرواية: أن ابن عباسٍ نَهَى المؤذنَ أن يقولَ: ((حيَّ على الصلاة))، وأمره أن يبدلها في قوله: ((صلَّوا في بيوتكم)) . (١) (٠١ ٩ ) . (٢) في الأصل: ((لمؤذنه يومًا مطيرًا)). (٣) في الأصل: ((ابنته)) خطأ، وعلى الصواب في (تهذيب الكمال)) (١٤/ ٤٠٠) و((الجرح)) (٣١/٢/٢) . (٤) (١٠٦٦) . (٥) (٩٣٩) . ٤٩٥ ١٠ - بَبُ الكلام في الأذان کتاب الأذان وقد خرجهما مسلمٌ - أيضًا (١) - كذلك. وعلى هذه الرواية ، فلا يدخلُ هذا الحديثُ في هذا البابِ ، بل هو دليلٌ على أنَّ المؤذنَ يومَ المطر مخيَّرٌ بين أن يقول: ((حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح))، وبين أن يبدل ذلك بقوله: ((صلُّوا في رحالِكُمْ أو بيوتكم))، ويكون(٢) ذلكَ من جملةِ كلماتِ الأذانِ الأصلية في وقت المطرِ . وهذا غريب جداً ، اللهم إلا أن يحمل على أنه أمره بتقديم هذه الكلمة على الحيعلتينِ ، وهو بعيدٌ مخالفٌ لقوله : لا تقل : ((حي على الصلاة))، بل ((صلُّوا في بيوتكم)) . والذي فهمه البخاريُّ: أنَّ هذه الكلمة قالها بعد الحيعلتين أو قبلهما ، فتكون زيادةَ كلامٍ في الأذان لمصلحة ، وذلك غير مكروه كما سبق ذكرُهُ ؛ فإن من كره الكلام في أَثْنَاء الأَذانِ إنما كَرِهِ مَا هو أَجْنَبِيٌ منهَ ، ولا مصلحةً للأذان فيه . وكذا فهمه الشافعيّ ؛ فإنه قال في كتابه: إِذَا كانتْ ليلةً مطيرة ، أو ذاتَ ريح وظلمة يستحبُّ أنْ يقولَ المؤذنُ إذا فرغ من أذانه : ((ألا صلوا في رحالكم)) فإنْ (٣) قاله في أثناء الأذانِ بعد الحيعلة فلا بأسَ . وكذا قال عامة أصحابه ، سوى أبي المعالي ؛ فإنه استبعدَ ذلك أثناء الأذانِ(٤). وأما إبدالُ الحَيْعَلَتَيْن بقوله: ((أَلاَ صَلُّوا في الرِّحال))، فإنه أغربُ وأغربُ . وفي البابِ - أيضًا - عن نعيم بن النحام . خرجه الإمام أحمد(٥): ثنا عبد الرزاق: أبنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن (١) (٢/ ١٤٨) . (٢) من هنا تبتدئ الكراسة الأولى ، المشار إليها بالرمز (س). (٣) في الأصل: ((فإنه)). (٤) في الأصل: ((فإنه استعد في ذلك ... ))، والمثبت من ((س)). (٥) (٤/ ٢٢٠) . ٤٩٦ حديث : ٦١٦ كتاب الأذان شيخٍ قد سمَّه، عن نعيم بن النحام، قال: سمعتُ مؤذنَ النبيِّ وَّر في ليلة باردة، وأنا في لحافي ، فتمنيت أن يقولَ : ((صلُّوا في رحالكم)) ، فلما بلغ حيًّ على الفلاح، قَالَ: ((صَلُّوا في رحالكم))، ثم سألتُ عنها(١)، فإذا النبيُّ بَّهِ أمره بذلك . في إسْنَاده مجهولٌ . وله طريق آخر : خرجه الإِمام أحمدُ - أيضًا(٢) - : ثنا عليّ بن عياش : ثنا إسماعيل بن عياش: ثنا يحيى بن سعيد : أخبرني محمد بن يحيى بن حبَّان ، عن نعيم بن النحام ، قال : نُودي بالصبحِ في يومٍ باردٍ ، وأنا في مِرْطِ امرأتي ، فقلت: ليتَ المنادي قالَ: ((ومن قعدَ فلا حرجَ عليه))، فإذا منادي النَّبِيِّ بَه في آخر أَذَانِهِ قال : ((وَمَنْ قعد فلا حرجَ عليه)) . وخرجه أبو القاسم البغوي في ((معجم الصحابة)» من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حَبّان(٣)، عن نعيم ، به - بنحوه ، ولم يقل : ((في آخر أذانه)) . وقال : هو مرسلٌ . يشير إلى أن محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من نعيم . ورواية سليمان بن بلال عن يحيى أصحُّ من رواية إسماعيل بن عياش ؛ فإنَّ إسماعيل لا يضبط حديثَ الحجازيين ، فحديثه عنهم فيه ضعفٌ . وخرجه البيهقي(٤) من رواية عبد الحميد بن أبي العشرين ، عن الأوزاعي ، (١) في الأصل: ((عنه)) وعلى الصواب في ((س)) و((المسند)). (٢) (٤ / ٢٢٠) . (٣) كذا وقع في الأصل و((س)) في هذا الموضع ، مثل الرواية السابقة، لكن كلام المؤلف عقبه يدل على أن الصواب في هذا الموضع: ((عن محمد بن إبراهيم التيمي)). والله أعلم. (٤) (١ / ٤٢٣) . ٤٩٧ ١٠ - بَابُ الكلام في الأذان کتاب الأذان عن يحيى بن سعيد ، أنَّ محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه ، عن نعيم ابن النحام - فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: فلَمَّا بلغَ: ((الصلاةُ خَيْرٌ من النوم))، قال : ((وَمَنْ قعدَ فلا حرج)) . وروى سفيان بن عيينة ، [عن عمرو بن دينار] ، عن عمرو بن أوسٍ : أنبأنا(١) رجل من ثقيف، أنه سمع منادي رسولِ اللَّهُ وَل يقولُ - في ليلة مطيرة في السفر - ، يقول: ((حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاحِ ، صلوا في رحالكم» . خرجه النسائي (٢). وقد روى عبيد اللَّه والليثُ بن سعد ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، أنه كانَ ربما زادَ في أذانه : ((حيَّ على خيرِ العملِ))(٣). (١) في الأصل: ((أبنا)) وفي (س)): ((أنا))، والمثبت من ((السنن)). (٢) (٢/ ١٤ - ١٥). واستدركت الساقط منه . (٣) ابن أبي شيبة (١٩٦/١). ٤٩٨ : حديث : ٦١٧ کتاب الأذان ١١ - بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ ٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْد اللَّه، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: (إِنَّ بِلاَلاَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْثُوم))، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ . كذا روى القعنبيّ هذا الحديثَ عن مالك ، ووافقه ابن أبي أويس وابن مهدي وعبد الرزاق وجماعة . وهو في ((الموطأ)(١) عن ابن شهاب ، عن سالم - مرسلاً ، وكذا رواه الشافعيُّ والأكثرون عن مالكٍ . ورواه سائر أصحابِ الزهريِّ ، عنه ، عن سالم ، عن أبيه - مسندًا . وقد خرجه مسلم(٢) من رواية الليثِ ويونسَ ، عن ابن شهابٍ كذلك ، ولم يخرجه من طريق مالك . ورواه معمر وابن إسحاق ، عن الزهري ، عن ابن المسيب مرسلاً - أيضًا . وقوله في آخر الحديث : ((وكان رجلاً أعمى)) قد أدرجه القعنبي في روايته عن مالكِ في حديثه الذي خرجه عنه البخاريَّ ، وكذا رواه أبو مسلم الكجي عنِ القعنبيِّ . وكذا رواه عبد العزيز بن [أبي] سلمة بن الماجشون ، عن الزهريِّ ، عن سالم ، عن أبيه ، وأدرجه في الحديث . (١) (ص ٦٩) . (٢) (١٢٨/٣) . ٤٩٩ ١١ - بَابُ أذان الأعمى إذا كان له من يخبره كتاب الأذان وخرج البخاريُّ حديثه في موضع آخر . والحديثُ في ((الموطٍ)) ، كلُّه ، عن ابن شهابٍ ، عن سالمٍ - مرسلاً ، فالذي في آخره يكونُ من قولِ سالمٍ حينئذٍ . وقد بين جماعةُ من رواةٍ ((الموطِ» أنه من قول ابن شهاب ، منهم : يحيى ابن يحيى الأندلسي . وقد رواه الجماعة عن القعنبيِّ ، عن مالك ، فأسندوا الحديثَ ، وجعلوا قوله: ((وكانَ رجلاً أعمى)) - إلى آخره من قول الزهريِّ، منهم: عثمان بنُ سعيد الدارمي والقاضي إسماعيل وأبو خليفة الفضلُ بن الحُباب وإسحاقُ بن الحسن . وروى هذا الحديثَ ابنُ وهب ، عن الليث ويونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه - فذكر الحديث ، وزادَ : قال يونس في الحديث : وكان ابنُ أمُّ مكتومٍ هو الأعمى الذي أنزلَ اللَّهُ فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، كان يؤذِّن مع بلالٍ . قال سالم : وكان رجلاً ضِرِيرَ البصر ، ولم يكنْ يؤذن حتى يقولَ له الناسُ حين ينظرونَ إلى بزوغ الفجر : أذِّنْ . خرجه البيهقي(١) وغيره . وخرج مسلم في ((صحيحه))(٢) من حديث عبيد اللَّه بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: كانَ لرسول اللّه ◌َ لّ مؤذنان: بلالٌ وابنْ أم مكتوم الأعمى . وعن عبيد اللَّه ، عن القاسم ، عن عائشةَ - مثله. ومن طريق هشامٍ بن عروةً ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان ابنُ أم مكتوم يؤذنُ لرسولِ اللهِ وَ لَّه وهو أَعْمَى. كذا خرَّجه من رواية محمد بن جعفر ، عن هشامٍ . (١) (١ / ٣٨٠) . (٢) (٣/٢) . ٥٠٠ حديث : ٦١٧ كتاب الأذان ورواه وكيعٌ وأبو أسامة ، عن هشامٍ ، عن أبيه - مرسلاً . ومقصود البخاريِّ : الاستدلالُ بحديثِ ابن عمر على أنَّ أذانَ الأعمى غير مكروهِ ، إِذا كان له من يخبرهُ بالوقتِ ، وسواءٌ كان البصيرُ المخبرُ له مؤذنًا معه ، كما كان بلالٌ وابنُ أم مكتوم ، أو كانَ موكَّلاً بإخبارِهِ بالوقت من غير تأذينٍ . وهذا هو قولُ أكثر العلماءِ ، منهم : النخعي والثوريَّ ومالك والشافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وإن لم يكن معه بصير يخبره بالوقت كُره أذانه ، ولو كان عارفًا بالوقت بنفسه . قال القاضي من أصحابنا : لأنَّ معرفته بنفسه يعمل بها في حقِّ نفسه دون غيره . وقال ابنُ أبي موسى من أصحابنا : لا يؤذن الأعمى إلا في قرية فيها مؤذنونَ ، فيؤذنُ بعدَهم ، وإنْ كانَ في قريةٍ واحدةٍ لم يؤذن حتى يتحقق دخولَ الوقتِ . وقالت طائفة : يُكْرَهُ أَذانُ الأعمى ، روي عن ابن مسعودٍ وابن الزبير . وعن ابن عباسٍ ، أنه كره إقامته . وحكى الإمامُ أحمد عن الحسنِ ، أنه كره أذانَ الأعمى . وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه . وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمدَ ، وتأولها على أنه لم يكن معه ما يهتدي به . قال ابن عبد البر : وفي الحديث دليلٌ على جواز شهادة الأعمى على ما اسْتَيْقَتَه من الأصواتَ ، ألا تري أنه كان إذا قيل له - يعني : ابنَ أمِّ مكتوم - : أصبحتَ قَبِلَ ذلك ، وشهد عليه ، وعمل به . انتهى .