Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
٣ - بَابُ الإقامة واحدة إلا قوله: ((قد قامت الصلاة»
کتاب الأذان
وفي رواية عبد العزيز ، عن إسماعيل : زيادة رجلٍ ، وهو المثنَّى .
وقال ابن معينٍ : إسماعيلُ بن أبي خالدٍ يروي عن أبي المثنى الكوفي ، وهو
هذا - يعني : الذي روى عنه شعبة .
وخرَّج ابن أبي شيبة في ((كتابه))(١): ثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن
أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان بلالٌ يَشْفَعُ الأذانَ ويُوتر الإقامةَ .
وهذا في معنى رفع الحديث ، كما رواه شعبةُ .
قالَ : وثنا عبدةُ ، عن إسماعيلَ ، عن أبي المثنى ، أنَّ ابن عمر كان يأمرُ
المؤذنَ يشفعُ الأذانَ ويوترُ الإقامةَ ، لِيُعلِمَ المارَّ الأذانَ من الإقامةِ .
وقد رواه الإمامُ أحمدُ - فيما رواه عنه ابنه عبد اللَّه في ((كتاب العلل))(٣) -،
عن وكيعٍ كما ذكره البخاريُّ (٣).
ورواه أحمدُ - أيضًا - ، عن محمد بن يزيدَ ، عن إسماعيلَ ، عن المثنى ،
عن ابن عمرَ - مثله .
وعن محمدٍ بن يزيدَ ، عن حجاج، عن أبي المثنى ، عن ابن عمر - نحوه.
وذكر - أيضًا - حديثَ شعبةَ ، عن أبي جعفر المتقدم .
وروى أحمدُ - أيضًا - ، عن وكيع، [عن الثوري] (٤)، عن أبي جعفر المؤذنِ،
عن [أبي] سلمانَ ، عن أبي محذورةً .
وعن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان - أيضًا .
قال عبد الرحمن : ليس هو الفراء - يعني : أبا جعفر .
وهذا إشارة إلى اختلاف آخر على أبي جعفر ، عن أبي محذورةً ، أنَّه كان
(١) (١ / ١٨٦) .
(٢) (١٠٦٦) (١٠٧١) .
(٣) لكن عنده : ((أو ابن أبي المثنى)) .
(٤) هذه الزيادة والتي بعدها من ((العلل)) سقطتا من الأصل ((هـ)).

٤٢٢
حديث : ٦٠٧
كتاب الأذان
إذا بلغ: ((حيَّ على الفلاحِ)) في الفجرِ، قال: ((الصَّلاَةُ خيرٌ من النومِ)) - مرتين.
وخرَّجه أبو نعيمٍ في ((كتاب الصلاة)) عن سفيان ، عن أبي جعفر الفراء -
فذكره بمعناه .
وقد تقدَّم أن أبا جعفر ليس بالفراء ، بل هو المؤذن .
وخرجه النسائي(١) من طرقٍ عن سفيان ، ولفظُ حديثَه : عن أبي محذورة ،
قال: كنتُ أوْذِّنُ للنبيِّ وَّهُ، فكنتُ أقولُ في أذانِ الفجرِ الأولِ: ((حيَّ على
الصلاةِ ، حيَّ على الصلاةِ ، حيَّ على الفلاحِ ، حيَّ على الفلاحِ ، الصَّلاة خيرٌ
من النومِ ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ ، اللَّه أكبرُ اللَّه أكبرُ ، لا إلهَ إلا اللَّهُ)).
وقال : أبو جعفر ليس بالفراء .
وقد روي عن أبي محذورة : الأذانُ مَثْنَى مثنى، والإقامةُ مرةً مرةً من طرقٍ
غيرٍ قويةٍ .
وروي عنه، أنَّ النبيَّ ◌َِّ علَّمه الإقامةَ مِثْنى مثنى.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائي والترمذي(٢) من حديث هَمامٍ ، عن
عامر الأحول ، عن مكحول ، عن ابنِ مُحيريز ، عن أبي محذورةً ، أنَّ النبيَّ
وَلِِّ عَلَّمِه الأذانَ تَسْعَ عشْرَةَ كِلْمَةً، والإقامةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كِلْمَةً.
وصححه الترمذيُّ .
وخرَّجهُ مسلمٌ (٣) من رواية هشامٍ الدستوائي ، عن عامرٍ ، ولم يذكر فيه
الإقامةَ ، ولا عددَ كلماتِ الأذانِ ، بل ذكره مُفْصَّلاً ، والتكبيرُ في أوله مرتين .
وفي رواية : تمام التكبير في أوله أربعًا .
(١) «السنن» (١٣/٢).
(٢) أحمد (٤٠١/٦) وأبو داود (٥٠٢) والنسائي (٤/٢) والترمذي (١٩٢).
(٣) (٣/٢).
٠

٤٢٣
٣ - بَابُ الإقامة واحدة إلا قوله: ((قد قامت الصلاة))
کتاب الأذان
واختلف العلماءُ في صفةِ الإقامةِ على أقوالٍ :
أحدها : أنها فُرادى سوى التكبيرِ فَإِنَّه مرتين في أولها وآخرها ، وهذا قولُ
مالكِ والليثِ والشافعيِّ في القديم .
وممن روي عنه الأمر بإفرادِ الإقامة : ابنُ عمرَ وسلمةُ بن الأكوع وعطاءٌ
والحسنُ وعمرُ بن عبد العزيز وعروة ، ومكحولٌ والزهريُّ ، وقالا : مَضَتْ السنة
بذلك .
وقال بكيرُ بن الأشج : أدركتُ أهلَ المدينة على ذلك .
والقول الثاني : أنه تُفْرد الإقامة سوى التكبير ، وكلمة الإقامة فإنها تُثَنَّى،
وهو المشهورُ من مذهبِ الشافعيِّ وقولُ أحمدَ وإسحاق . وروي عن الحسن
ومكحولٍ والزهريِّ والأوزاعيِّ .
وللشافعية وجهٌ - ومنهم من حكاه قولاً - : أنه يفرد التكبيرَ - أيضًا - في أول
الإقامةِ وآخرِها ، مع إفرادِ لفظ الإقامةِ .
ولهمْ قولٌ آخر : أَنَّه يفرد التكبيرَ في آخرها خاصَّةً ، مع لفظِ الإقامة .
والثالث : أن الإقامةَ كالأذانِ مثنى مثنى ؛ لحديث أبي محذورة .
وروي ۔ أيضًا - من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ وعن بلال وعن أصحاب
محمد ، كما سبق ذكر الاختلاف عنه .
وهو قولُ الكوفيين : النخعيِّ والثوريِّ والحسنِ بن صالحٍ وأبي حنيفةَ
وأصحابِهِ وأبي بكرِ بن أبي شيبة ، وهو قولُ مجاهدٍ وابن المباركِ .
وروي عن عليَّ ، وذكره حجاج بن أرطاةَ ، عن أبي إسحاقَ ، عن أصحاب
عليّ (١) وابنِ مسعودٍ .
وروي - أيضًا - عن سلمةَ بن الأكوع(١).
(١) ((المصنف)) لابن أبي شيبةَ (١/ ١٨٧).

٤٢٤
حديث : ٦٠٧
کتاب الأذان
وقال النخعيَّ: لا بأسَ إذا بلغ ((حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ)) أن
يقولَها مرةً مرةً .
ولو أنَّ الأذانَ يؤذن فأقامَ ، فقالَ النخعيُّ والشعبيُّ : يُعيد الأذانَ .
وقال الثوريُّ: يجعلُ إقامتَه إذا قامَ [ ... ](١).
ومذهبُ مالك : أنه يُعيدُ الأذانَ ؛ لكنَّه يرى الإقامةَ فرادَى .
والرابعُ : أنه يَجُوز تثنيةُ الإقامةِ وإفرادها ، والإفرادُ أفضلُ ، وهو قولُ أحمدَ
وإسحاقَ وداودَ الظَّاهري وجماعة من فقهاءِ أهلِ الحديثِ ؛ لورودِ الحديثِ بذلكَ
كلِّه .
وكذا قال ابن خزيمةً ؛ لكنَّه قالَ : يجوزُ الترجيعُ في الأذانِ مع تثنيةِ الإقامةِ،
وتثنيةُ الأذانِ بغيرِ ترجيعٍ مع إفرادِ الإقامةِ .
فأمَّا تثنيةُ الأذانِ من غير ترجيعٍ وتثنيةُ الإقامةِ ، فلم يصحَّ ذلكَ عن النبيِّ
. 避
والخامسُ: إنْ أذَّن وأقامَ أفردَ الإقامةَ، وإنْ صلَّى وحدَه ، وإن اقتصرَ على
الإقامة ثنَّاهَا لتكونَ له تأذينًا ، روي ذلكَ عن أبي العاليةِ وسُليمان بن مُوسى ،
ونقلَهُ حربٌ عن إسحاقَ .
(١) كلمة غير واضحة، ولعلها: ((مرتين)) وانظر: ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٦٢/١).

٤٢٥
٤ - بابُ فضل التأذين
كتاب الأذان
٤ - بَابُ
فَضْلِ النَّذِینِ
٦٠٨ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى
لَا يَسْمَعَ النَّذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا نُوَّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا تُضِيَ
الَّغْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ
يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى)).
النَّداءُ بالصلاة ، المرادُ به : الأذانُ للصلاةِ .
والتَّثْويبُ ، المرادُ به : الإقامةُ؛ فإنَّه رجوعٌ إلى النِّداءِ ، يقالُ : ثَابَ
الرَّجلُ، إذَا رجعَ .
ومنه: قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةَ لْلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي:
يتردّدُونَ ويرجعونَ إليه .
ومنه : حديثُ أبي هريرةَ : ((إذَا تُوِّب بالصَّلاة فلا تَأْتُوهَا وأنتمُ تَسْعَون)) -
الحديث(١).
وقيلَ : سُمِيتِ الإقامةُ تثويبًا ؛ لترديدِ قولِه : ((قد قامتِ الصلاةُ) مرتين .
وهو بعيدٌ حكاه الخطَّبي(٢)، ورجّح أنها تسمَّى ((تثويبًا)) لرفعِ الصوتِ بهَا .
قالَ : والتثويبُ : الاستغاثةُ، وأصلُهُ أن يُلوحَ الرَّجلُ بثوبِهِ عند الفَزَعِ ،
يُعلم أصحابُهُ .
(١) أخرجه مسلم (١٠٠/٢).
(٢) في ((شرح البخاري)) له (٤٥٨/١ - ٤٥٩).

٤٢٦
حديث : ٦٠٨
كتاب الأذان
وهذا الذي قاله ضعيفٌ ، ولو كان صحيحًا لكانَ تسميةُ الأذان تثويبًا أحقَّ من
الإقامة .
وفي الحديثِ : دليلٌ على فَضْلِ الأذانِ ، وأَنَّه يطردُ الشيطانَ حتى يُدبرَ عنده
وله ضُراطٌ ، بحيثُ لا يسمعُ التأذينَ .
والأذانُ والإقامةُ في هذا سواءٌ .
وضراطُ الشيطان ، محمولٌ على ظاهرِهِ عندَ كثيرٍ من العلماءِ ، ومنهم من
تأوّله ، ولا حاجةَ إلى ذلكَ .
وفي ((صحيح مسلم) (١) عن الأعمش ، عن أبي سفيانَ ، عن جابرٍ ، عن
النبيِّ بَّهَ، قال: ((إِنَّ الشيطانَ إذَا سمعَ النداءَ بالصلاةِ ذَهَبَ حتَّى يكونَ مكانَ
الرَّوحاء)» .
قال الأعمشُ : سألتُه عن الرَّوحاء ، فقال : هو من المدينة ستةٌ وثلاثون
ميلاً .
أسيري عمر و ك منويه (زاء حالياً
محمد
وروى النيسابوري ، عن بشير بن عمرو ، عن عمر بن الخطاب ، قال : إذا
رأيتم الغِيلانَ فأذِّنوا بالصلاةِ .
وروى الحسن ، عن سَعْد بن أبي وقَّاص ، قال: أُمِرْنَا إذا رأينا الغُولَ أن
يناديَ بالصلاةِ .
خرَّجهما ابن أبي الدنيا(٢).
(١) (٢ / ٥) .
(٢) وراجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألباني (١١٤٠).
و((الغُوُل)) أحد «الغيلان)»، وهي جنس من الجن والشياطين ، كانت العرب تزعم أن الغول
في الفلاة تتراءى للناس ، فتتغول تغولاً ، أي : تتلون تلوُّنًا في صور شتَّى ، وتغولهم أي :
تضلهم عن الطريق وتهلكهم . (نهاية) .

٤٢٧
٤ - بابُ فضل التأذين
کتاب الأذان
وقال مالكٌ : استُعملَ زيدُ بن أسلمَ على معدن بني سليم ، وكان معدنًا لا
يزالُ الناسُ يُصابونَ فيه من قِبَلِ الجنِّ ، فذكروا ذلكَ لزيد بن أسلمُ ، فأمرهُم
بالأذانِ ، وأن يرفعُوا أصواتَهم به ، ففعلُوا فارتفعَ ذلك عنهم ، وهُمْ عليه حتَّى
لیوم .
قال مالكٌ : وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلمَ .
وفي ((صحيح مسلم))(١)، عن سهيلٍ بن أبي صالحٍ ، قال : أرسلني أبي إلى
بني حارثةَ ، قال : ومعي غلامٌ لنا - أو صاحبٌ لنا - ، فناداه منادٍ من حائط
باسمِهِ . قال : وأشرفَ الذي معي على الحائطِ فلم يَرَ شيئًا ، فذكرتُ ذلك
لأبي ، فقال : لو شعرتُ أنَّك تَلْقَى هذا لم أُرْسِلْكَ ؛ ولكن إذا سمعتَ صوتًا
فنادي بالصلاة ؛ فإنّي سمعتُ أبا هريرةَ يحدِّث عن رسول اللّهِ وَّةِ، أَنَّه قالَ:
(إنَّ الشيطانَ إذا نُودي بالصلاة ولَّى وله حُصَاصٌ﴾(٢).
وقد قيل في سرِّ ذلك : إِنَّ الموذنَ لا يسمعُهُ جنٌّ ولا إنسٌ إلا شهدَ له يومَ
القيامةِ ، كما سيأتي في الحديث بعدَ هذا ، فيهربُ الشيطانُ من سماعِ الأذانِ
ويضرطُ ؛ حتى يمنعُهُ ضراطُه من استماعه ، حتى لا يُكلَّف الشهادةَ به يومَ
القيامة .
وقيلَ : إن إعلانَ التكبيرِ له سِرٍّ في إِذَابَةِ الشيطانِ ، وقد جَاءَ في حديثٍ
ضعيفٍ: ((إذا رأيتُم الحريقَ فكِّرُوا؛ فإنَّه يُطْفته))(١)، والشيطانُ خُلق من النارِ،
فهو يذوبُ من سماعِ التكبيرِ وإعلانِهِ .
وكذلك الإعلانُ بالتهليلِ :
(١) (٦/٢).
(٢) الحصاص : شدة العَدْوِ وحِدَّتْه. وقيل: هو الضُّراطُ . (نهاية).
(٣) هو حديث ضعيف كما قال المؤلف ، ولعبد اللَّه بن لهيعة معه قصة معروفة ، راجعها في
ترجمته من كتب الرجال مثل ((التهذيبين)) و((الكامل)) لابن عدي و((الميزان)) وغيرها.

٤٢٨
حديث : ٦٠٨
کتاب الأذان
قال أبو الجوزاء : ماللشيطان طردٌ عن القلب غيرُ ((لا إله إلا اللَّه))، ثم تلا:
﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نَفُورا﴾ [الإسراء: ٤٦].
ويُكره لمن كانَ جالسٌ أن يُبادرَ إلى القيامِ ، ولو إلى الصلاة ؛ لأنَّ فيه
مشابهةً بالشيطانِ في إدبارِهِ عند سماعِ الأذانِ .
قال الإمامُ أحمدُ في رواية الأثرمِ ، وسئلَ عن الرجلِ يقومُ حينَ يسمعُ
المؤذنَ ، يبادرُ يركعُ ؟ قال : يستحبُّ ركوعُه بعدما يفرغُ المؤذنُ أو يقربُ من
الفراغ ؛ لأنَّه يُقال : إنَّ الشيطانَ ينفرُ حين يسمعُ الأذانَ .

٤٢٩
٥ - بابَ رفع الصوت بالنداء
كتاب الأذان
و
٥ -باب
رفعِ الصَّوْتِ بالنِّدَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد العَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا ، وَإِلاَّ فَاعْتَزِلْنَا .
قال وكيعٌ : ثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي ، أنَّ مؤذنًا
أَذَّنَ فَطَرَّبَ في أذانه ، فقال له عمرُ بنُ عبد العزيز : أَذِّنْ أذانًا سمحًا ، وإلا
فاعتزلنا(١).
وخرج الدار قطنيُّ (٢) هذا مرفوعًا من حديث ابن عباسٍ ، وإسناده لا يصحُّ .
وروي عن ابن عمر ، أنه قال لمؤذن : إني أبغضك في اللَّهِ ؛ إنَّك تبغي في
أَذَانِك(٣) .
يشير إلى أنه يتجاوزُ الحدَّ المشروعَ بتمطيطه والتَّطريب فيه .
وفي رواية : أنه قال : إنك تَخْتَالُ في أذانك .
كأنه يشيرُ إلى النَّفْخيم في صوته والتَّشَادُقِ والتَّكُبُّر (٤).
وقال أحمدُ في التطريبِ في الأذانِ : هو محدَث .
يعني: أَنَّه لم يكنْ على عهْدِ النّبِيِّ ◌ِِّ.
والقول في الأذان بالتَّطْرِيب كالقولِ في قراءةِ القُرْآن بالتَّلْحينِ. وَكَرِهَه مالكٌ
والشَّافِعِيُّ - أيْضًا .
وقالَ إسحاقُ : هو بدْعَةٌ - : نقله عنه إسحاق بن منصورِ .
ـا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٧/١).
وانظر: ((تغليق التعليق)) (٢٦٥/٢) .
(٢) (٢٣٩/١) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٨١) وابن عدي (٧/ ٢٦٥٠).
(٤) لعل الأشبه: ((والتكسُّر)).

٤٣٠
حديث : ٦٠٩
كتاب الأذان
ونقلَ عنه حرْبٌ ، قال : التَّسْميحُ أحبُّ إليَّ ، فإن كان يؤذن بأجرِ فإني
أَكْرهه - يعني : التطريبَ - ، وإن من كان بغير أَجْرٍ ، وكان أنشطَ للعامَّة فلا
بَأْسَ .
وقد يُستدلُّ لذلك بقولِ ابن عمرَ: إني أُبغضكَ في اللَّه؛ إنَّك تحسن
صوتك - يعني : في الأذانِ - ؛ لأجلِ الدراهمِ .
وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله .
قال البخاري - رحمه الله - :
٦٠٩ - ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
أَبِ صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّالمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ
قَالَ لَه : إِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ
للصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنَِّاءِ؛ فَإِنَّهُ (لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنِّ وَلاَ إِنْسٌ
[وَلاَ شَيْءٌ(١) إِلَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
قَالَ أَبُو سَعيد: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول اللَّه ◌ِلّهِ .
كذا روى مالك(٢) هذا الحديثَ .
ورواه ابن عيينةَ، عن شيخهِ ، فقالَ : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي صعصعة .
قال الشافعيُّ : أصابَ مالكٌ في اسمِ الرجلِ ، وأخطأ ابن عيينةَ فيما أُرى .
وذَكَرَ الإمَامُ أَحْمَدُ هذا المعنى - أيضًا .
وَقَد تَقَدَّمَ بِهَذَا الإِسْنَادِ في أوائلِ ((كتاب الإيمانِ»(٣) حديث: ((يُوشِكُ [ أن
(١) من ((اليونينية)).
(٢) وهو في ((الموطإِ) (ص ٦٦) .
(٣) برقم (١٩) .

٤٣١
٥ - باب رفع الصوت بالنداء
كتاب الأذان
يكون] خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَفَ الجبال)» - الحديث ، وذكرنا الاختلاف
في إِسناده على مالك ، وأنه سماه بعضهم عنه كما سماه ابن عيينةَ ، والصحيحُ
خلافه .
وروى هذا الحديث عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الرحمن بن
أبي صعصعة ، كما رواه مالكٌ ، إلا أنَّه لم يرفعه .
وما تضمنه حديثُ أبي سعيد من سُكْنى البادية بالغنمِ فقد سبق القول فيه
مستوفَّى في ((كتاب الإِيمان)) عند الكَلام على حديثه المشار إليه .
وما تضمنه من الأذان للصلاة بالبَادِيَةَ ، فيأتي بسطُ القولِ فيه عند تَبْويب
البخاريِّ عَلَى ((الأَذَانِ في السَّفَرِ)) - إن شاء اللَّه.
أما الأمرُ برفعِ الصَّوْتِ فِي الأَذَانِ ، فإنَّمَا هو من قولِ أبي سعيدٍ ، واستدل له
بقول النبيِّ نَّهِ: ((لاَ يَسْمَعُ صَوْتَ المؤذن)) - الحديث .
كذا رواه ابن عيينة صريحًا ، وكذا ما قبله كلَّه من قولِ أبي سعيدٍ .
وقد روي نحوه عن أبي هريرة .
روى وكيعُ وأبو نعيم في ((كتابيهما)»: ثنا أبو العنبس سعيدُ بن كثير ، عن
أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : ارْفَعْ صوْتَك بالأَذَانِ ؛ فإنه يشهدُ لك كلّ شيء
سَمَعَكَ .
لفظ وكيعٍ ، وخرجه عنه ابن شيبة(١).
ولفظُ أبي نعيم ، قال : من أَذَّنَ فَلْيُسْمِعْ؛ فإنَّهُ يشهدُ له يومَ القيامة ما انتهى
إليه صوته من سمعه .
وخرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن الزبيرِ بن عدي ، عن رجلٍ ، عن ابن
عمر ، أنه قال الرجل : ما عملك ؟ قال : الأذانُ . قال : نعم العمل عملُك ؛
(١) (١ / ٢٠٥) .

٤٣٢
حديث : ٦٠٩
کتاب الأذان
يشهدُ لك كلُّ شيءٌ سَمِعَك .
ورى وكيع، عن الأعمشِ ، عن مجاهد ، قال : المؤذنُ يَشْهد له كل
رطْبٍ ويابسٍ سَمِعَهُ.
ورواه غيرُهُ عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ - مرسلاً -، عن النبيِّ بَله.
.
قال الدار قطنيُّ(٢): هو أشبه .
قال : ورواه عمارُ بن رزيق ، عن الأعمشِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عمر -
مرفوعًا .
--.. ..
قال: ورواه محمدُ بن عبيد الطنافسي وعمرو بنُ عبد الغفار ، عن الأعمش ،
عن مجاهد ، عن أبي هريرة - مرفوعًا .
وقد خرجه الإمام أحمدُ (٧) من رواية عمار بن رزيق كما تقدم ، ومن رواية
زائدة عن الأعمشِ ، عن رجلٍ ، عن ابن عمرَ - مرفوعًا .
ورواه عبد اللَّهِ بنُ بشر ، عن الأعمش كروايةٍ عمارٍ بن رزيقٍ .
وروي عن إسماعيلَ بن زكريا ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عباس -
مرفوعًا .
قال الدارقطنيَّ في موضعٍ من («علله)»: الصحيحُ : الأعمش ، عن مجاهد ،
عن ابن عمر - مرفوعًا .
وهذا يخالفُ قوله في مسند أبي هريرة : إن إرساله أصحّ .
ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن الأعمشِ ، عن مجاهد ، عن ابن عمر -
موقوفًا .
(١) وعنه ابن أبي شيبة (٢٠٥/١).
(٢) في ((العلل)) (٢٣٦/٨).
(٣) (١٣٦/٢) .

٤٣٣
٥ - باب رفع الصوت بالنداء
کتاب الأذان
ورواهُ حفص بن غياث ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة -
مرفوعًا .
وروي مرفوعًا من وجهٍ آخرَ: من روايةٍ شعبة ، عن موسى بن أبي عثمانَ ،
عن أبي يحيى، عن أبي هريرةَ، عن النبيِ بَلَه، قال: ((المؤذِّنُ يُغْفر له مَدَّ
صوته ، ويشهدُ له كلُّ رطْب ويابس)) .
= (١)
خرجه أبو داود والنسائي(١).
وخرجه ابن ماجه(٢)، وعنده : ((ويَسْتغفر له كلَّ رطْب ويابس)) .
وخرجه ابن خزيمة وابن حبانَ في ((صحیحیهما))(٣).
وقال ابن حبانَ: أبو يحيى هو سمعان(٤) مولى أسلم، [حدثني] (٥) أبي يحيى.
وموسى بن أبي عثمانَ كوفيٌّ ، أثنى عليه سفيانُ ، ووصفه بالخيرِ . وقال
أبو حاتم : شيخٌ .
وله طريق آخر : من روايةٍ منصورٍ بن المعتمر ؛ واختُلف عليه :
فرواه وهيب ، عن منصورٍ ، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة ، عن عطاء ،
عن أبي هريرةَ ، عن النبيِ وَه.
وسألَ وهيبٌ منصورًا ، عن عطاء هذا ، فقالَ : هو رجلٌ . قال : وليسَ
ابنَ أبي رباح ولا ابنَ يسارٍ .
(١) أبو داود (٥١٥/١) والنسائي (١٣/٢).
(٢) (٧٢٤) .
(٣) ابن خزيمة (١/ ٣٩٠) وابن حبان (١٦٦٦).
(٤) تصحف اسمه في الأصل ((هـ)).
(٥) كذا وهو تصحيف ظاهر، ونص كلام ابن حبان في ((الصحيح)) (٥٥٣/٤): ((أبو يحيى هذا
اسمه سمعان مولى أسلم من أهل المدينة ، والد أنيس ومحمد ، ايني أبي يحيى الأسلمي،
عن جلة التابعين)).
(٦) في الأصل : ((يحيى عن ابن عباس)) وهو تصحيف وإقحام .

٤٣٤
حديث : ٦٠٩
كتاب الأذان
وكذا رواهُ زائدة وفضيل بن عياض، عن منصور ، عن ابن عبادُ، عن
عطاء - رجل من أهل المدينة - ، عن أبي هريرة - موقوفًا غيرَ مرفوعٍ .
وكذا رواه جرير ، عن منصورِ ، عن يحيى بن عباد ، عن رجلٍ من أهلِ
المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفًا .
ورواه عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن منْصورِ، عن عبَّادِ بن أنس ، عن
أبي هريرة، عن النبيِّ وَّهِ .
وخرجه عنه الإمامان: أحمد وإسحاق في ((مسنديهما)).
قال أبو زرعة الرازيَّ والدارقطنيُّ : حديثُ معمر وَهْمٌ ، والصحيحُ : حديث
منصور .
قلت : ويشهدُ لقولِ منصورٍ : أن أبا أسامةَ رواهُ عن الحسنِ بن الحكم ،
عن أبي هُبيرة يحيى بنِ عباد ، عن شيخٍ من الأنصارِ ، عن أبي هريرةَ ، عن
النبيِّ ◌َِّ .
وخرجه عنه ابنُ أبي شيبة في ((كتابه)(٦).
قال الدار قطنيُّ : الصحيحُ: قولُ زائدةَ وفضيلٍ بن عياض وجرير، عن منصور.
يعني : الموقوفَ . والله أعلم .
وخرج الإمامُ أحمدُ والنسائي (٧) من حديث قتادةَ ، عن أبي إسحاقَ الكوفي ،
عن البراءِ بن عازبٍ، أن النبيَّ وََّ قال: ((المؤذِّنُ يُغفر له مدَّ صوته، ويصدقه
(١) في الأصل: ((عن أبي عباد)).
(٢) (١ / ٤٨٤) .
(٣) في ((المصنف)) و((المسند)): ((أنيس)).
(٤) (٢/ ٢٦٦) .
(٥) في ((المصنف)): ((علي)).
(٦) (١ / ٢٠٤) .
(٧) أحمد (٢٨٤/٤) والنسائي (١٣/٢).

٤٣٥
٥ - بابَ رفع الصوت بالنداء
کتاب الأذان
من سمعَه من رطب ويابس ، وله مثلُ أجر من صلَّى مَعَه)).
وأبو إسحاق هذا ، قال أحمد : ما أظنُّه السَّبيعي .
وذكر الترمذيَّ في ((العلل)) أنه لا يعرف لقتادة سماعًا من أبي إِسْحَاق
الکوفيّ.
وقوله: ((لا يسمع مَدَى صوت المؤذن)): المدى : الغايةُ حيثُ ينتهى
الصوتُ.
وقوله : ((كلُّ رَطْب ويابس)) يدلُّ على أن الجمادات سواءٌ كانت رطبةً أو
يابسةً فإنَّ لها سماعًا في الدنيا وشهادةً في الآخرة .
فدل ذلك على صحَّة أشياءَ مختلف في بعضها :
منها : إدراكُ الجمادات ونطقها .
وقد أثبتَ ذلك جمهورُ السَّلْف ، سواءٌ كانتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً ، كما دلَّ عليه
قوله : ﴿يَا جِبَالَ أَوَبِي مَعْهُ﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله: ﴿وَإِن مِّن شَيءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بحمده ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وخصَّ الحسنُ التسبيحَ بما كان رطبًا قبل أن يَيْبَسَ .
والجمهورُ على خلافه .
وأما من قال : تسبيحُها : دلالاتها على صانعها بلسان الحال ، فقولٌ ضعيف
جدًّا، والأدلَّةُ الكثيرةُ تبطله .
ومنها : أنَّ الجمادات [ ... ](١) يومَ القيامة .
وقد دلَّ على ذلك حديثُ عبد اللَّهِ بن أُنَيْسِ فِي سُؤَالِ الحَجَرِ والعُود .
والحديث الصحيحُ : أن الغالَّ يأتي بما غلَّ من بقرِ وغنم وصامتٍ ورقاعِ
(١) كلمة غير واضحة، ولعلها: ((تبعث)) أو ((تجيء)) أو ما يشبه ذلك. والله أعلم.

٤٣٦
حديث : ٦٠٩
كتاب الأذان
تخفق(١). وأنَّ مانعَ الزَّكاةِ يُجعل له مالُه صفائحَ يُكْوَى به(٣).
كما دلَّ عليه قوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جهنّم﴾ [التوبة: ٣٥].
وَأَمَّا قوله في الحديث الآخر: ((يُغْفر له مَدَى صَوْتُه)).
فقيل : معناه : لو كانت ذنوبه أَجْسَامًا لغُفر له منها قدرُ ما يملأ المسافة التي
بينه وبين منتهى صوته .
وقيل : معناه : تمدُّ له الرحمة بقدر مدِّ الأذان .
وقال الخطابي(٣): معناه أنَّه يستكملُ مغفرةَ اللَّهِ تعالى إذا استوفى وُسْعَه فى
رفع الصوت ، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت .
ورفعُ الصَّوْتِ بالأذان مستحب؛ ولهذا قال النبيُّ وَّ لعبد الله بن زيد لما
رأى الأذانَ في منامِهِ: ((أَلْقه عَلَى بلال؛ فإنه أندى صَوْتًا منك)).
خرَّجه أبو داود(٤) وغيره .
والمؤذن ، إما أن يؤذنَ لنفسه ، أو يؤذنَ للجماعة ؛ فإن أذَّن للجماعة فلا
يحصلُ الإتيانُ بالأذان المشروعِ في حقهم حتى يُسْمِعهم .
قال الإمام أحمدُ في رواية حنبل ، في رجل ضعيف الصوت ، لا يرفعُ صوته
ولا يخرج من المسجد ، فإذا كان يُسمع أهلَ المسجدِ والجيرانَ فلا بأس .
قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا ، أنه إذا لم يُسمع الجيران لم يصبْ سنة
الأذان؛ لأن القصد من الأذان الإعلامُ، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصودُ.
فأما كمالُ السنة فهو : أن يرفع صوته نهاية جهده ، ولا يزيد على ذلك حتى
يخشى على نفسه ضررًا .
(١) البخاري (١٤٠٢) (٢٣٧٨) (٣٠٧٣) (٩٦٥٨) ومسلم (١٠/٦).
(٢) مسلم (٣/ ٧٠) .
(٣) في ((معالم السنن)) (٣٥٤/١ - ٣٥٥ - بهامش أبي داود) .
(٤) (١ / ٤٩٩) وقد تقدم.

٤٣٧
٥ - باب رفع الصوت بالنداء
كتاب الأذان
قال أحمدُ في رواية حنبلَ : يرفعُ صوته ما استطاعَ .
وقال الميموني : رأيت أحمدَ وهو يؤذِّن ، صوتًا بين الصوتين ، وكان إلى
خفض الصوت أقرب .
قال القاضي : ظاهرُ هذا ، أنه لا يرفعُ صوته رفعًا يخرجه عن طبعهِ .
ومن الأصحابِ من جعل هذه رواية ثانيةً ؛ بأنَّ التَّوسطَ في رفعِ الصوتِ
أفضلُ .
وفي ((المراسيل)) ) لأبي داود، عن ابن سيرين ١، أن بلالاً جعلَ أصبعيه
في أذنيه في بعض أذانه ، أو في إقامته ، بصوتٍ ليسَ بالرفيعِ ولا بالوضيعِ .
ومتى خَافَتَ ببعضه فهو كمخافَتِهِ بكلِّه عند أصحابنا .
وإن كان يؤذنُ لنَفْسِهِ فَلَهُ أنْ يُسرَّ بِه ؛ لأنه لا يُعْلم غيره .
وقال أصحابُ الشافعي : يستحبُّ له أن يرفع صوته ما أمكنه ، بحيثُ لا
يلحقه ضررٌ ، فإن أسرَّ به لم يصحّ على الصحيحِ عندهم .
ولهم وجْهٌ : أنه يصحُّ ، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر .
ووجْهٌ ثالثٌ : يصحُّ إن سرَّ بعْضِهِ خاصَّةً ، ونصَّ عليه الشافعيُّ في
٣(٣)
[مكان](٣).
قال الماورديَّ منهم : لو سمَّع واحدًا من الجماعة أجزأه ؛ لأن الجماعة
تحصل بهما .
وأما من يؤذن لنفسه ، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم . وقيل :
(١) (٢٤) .
(٢) في الأصل : ((ابن سفيان)) خطأ.
(٣) كتب مكانها كلمة غير واضحة، وهي قريبة من: ((الأم))، ثم كتب هذه فوقها ، فكأن هذا
هو الصحيح . والله أعلم .
،

٤٣٨
حديث : ٦٠٩
کتاب الأذان
يشترط إسماع من عنده . والمذهبُ : الأولُ .
ومتى رفعَ صوتَه رفعًا يَخْشى على نفسه الضررَ منه كُرِهِ .
وقد قال عمر لأبي محذورة لمَّا سمعه يؤذنُ بمكة : أما خَشِيتَ أن ينشق
مَرَيْطَاؤُكَ ؟
ذكره أبو عبيد وغيره .
والمَرَيْطَاءِ : بالَمْدِ والقصرِ .
قال أبو عبيد : والمحفوظُ : المدُّ . قال : وهو قولُ الأصمعي . قال :
وقال الأحمر : هي مقصورةٌ . قال : وقال أبو عمرو : تُمدُّ وتقصرُ .
وهي ما بين السَّرَّةِ والعَانَةِ - : قاله أبو عبيد والأكثرون .
وقيل : ما بين الصدرِ والعانة .

٤٣٩
٦ - بابُ ما يحقن بالأذان من الدماء
كتاب الأذان
٦ - بَابُ
ما يُحْقَنُ بِالأَذَانِ(١) مِنَ الدِّمَاءِ
٦١٠ - حَدَثِي قَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْقَرَ، عَنْ حُمَّيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّيِّ
﴿، أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَغْزُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ ، فِإِنْ سَمِعَ أَذَانًا
كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْرَ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ
لَيْلاً ، فَلَمَّ أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ، وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي
لَتَمَسُّ قَدَ النَِِّّ﴿َ. قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَ بِمَكَاتِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْاُالنِّيَّ ◌َّل
قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ◌ٍَّ قَالَ: «اللَّهُ
أَكْبرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ. خَرِبَتْ خَيْرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحٌ المُنْذَرِينَ) .
في هذا الحديثِ فوائدُ كثيرة :
منها: أنَّ النبي ◌ََّ كان لا يُغِيرُ على العدوِّ .
والإغارة : تَبِيتُ (٢) العدوِّ ليلاً .
وقد جاءت نصوصٌ أُخر بإِبَاحَةِ الإِغَارة ، وموضع ذكر ذلك ((كتاب الجهاد)) -
إن شاء الله .
ومنها: التَّفَاؤُلُ؛ فإنَّ النبيَّ وََّ لَمَّا رَآهُمْ خَرجوا بالمكَاتِلِ - وهي: الزَّبِيلُ
والقُفَافُ -، والمَسَاحِي - وهي: المِجْرَفَةُ(١-، وهذه آلات الحَرَّاث(٤)، ووقع
الأمر كذلك .
ومنها : التكبير على العدوِّ عند مشاهدته.
(١) في ((الأصل)): ((في الأذان)).
(٢) في الأصل : ((تبنت)) خطأ.
(٣) في الأصل تصحفت إلى: ((المرور)) أو ((المرمة)).
(٤) في الأصل: ((الحراب)).
،

٤٤٠
حديث : ٦١٠
كتاب الأذان
ويحتمل أن يكونَ سرُّ ذلك أن التكبير طاردٌ لشيطان الجنّ تقارنهم(١)، فإذا
انهزمت شياطينُهم المقترنة بهمْ انهزمُوا ، كما جَرَى للمشركين يومَ بدرٍ ، فإن
إبليسَ كان معهم يعدهم ويُمِنِِّهمْ ، فلمَّا انهزمَ انهزمُوا .
وقولهم : ((محمدٌ والخميسُ))، فيه روايتان : الخميسُ ، والجيشُ ، وهما
بمعنَّی واحد .
وسمِّي الجيشُ خميسًا ؛ لأنه ينقسم خمسة أجزاء : مقدمة ، وسَاقَة ،
وميمنة ، وميسرة ، وقلب .
ومنها - وهو المقصود بهذا الباب -: أنه وَجُهُ كان يجعلُ [الأذان](٢) فرقَ ما
بين دار الكفر ودار الإسلام، فإن سمع مؤذنًا [للدار] ) كحكم ديار الإسلام ،
فيكفُ (٤) عن دمائِهِمْ وأموالِهِمْ، وإِنْ لم يَسْمع أذانًا أغارَ عليهم بعد ما يُصبح .
وفي هذا : دليل على أن إقامة الصلاة توجب الحكمَ بالإسلام ؛ فإنَّ الأذان
إنَّما هو دعاءٌ إلى الصلاة ، فإذا كان موجبًا للحكم بالإسلام ، فالصلاة التي هو
(٥)
المقصود الأعظم أولى .
ولا يقالُ : إنما حكم بإسلامهم بالأذان لما فيه من ذكر الشهادتين ؛ لأن
الصلاةَ تتضمن ذلكَ - أيضًا - ، فإذا رأَيْنا من ظَاهِرُهُ يُصلي - ولا سيما في دار
الحربِ أو دارٍ لم يُعلم أنها دارُ إسلامٍ - حكمنا بِإِسلامهِ لذلك . وهو قولُ كثير من
العلماء ، وهو ظاهرُ مذهبِ أحمدَ .
(١) كذا. ولعل الأشبه: ((لشياطين الجن التي تقارنهم)).
(٢) زيادة للسياق .
(٣) مشتبهة في الأصل، وإن كانت كما أثبتها فيكون في الكلام سقط ، وتقديره : ((للدار [كان
حكم الدار] كحكم ... )) .
(٤) في الأصل: ((فكيف))!
(٥) كذا .