Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
فَأَرْسَلَ إلى عائشةَ، فقالتْ: ذَكَ ما أخبرته أمُّ سَلَمَةَ ، فدخلنا على أمِّ سلمة ،
فَأَخْبَرْنَاهَا مَا قالتْ عائشةُ، فقالت: يرحمُها اللَّهُ، أَوَلَمْ أُخْبِرْهَا أنَّ رَسُولَ اللَّه
وَ لَ﴿ قد نَهَى عنهما ؟
وفي روايةٍ بهذا الإسناد(١): أن عائشةَ قالتْ: لم أَسْمَعْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ
وَلخلقه، لكن حدثتني أُمَّ سَلَمَةَ، فسألناها ، فذكرت القصةَ ، ثم قالت : ولقد
حدثْتُها أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ نَهَى عنهما.
ورواه حَنْظلة السَّدوسيُّ، عن عبد الله بن الحارث(٢)، قال: صلَّى بنا معاويةُ
العصرَ ، فَأَرْسَلَ إلى ميمونةَ رجلاً، ثم أتبعه رجلاً (٣) آخرَ، فقالتْ: إنَّ
رسولَ اللَّهُ وَِّ كان يُجهّزُ بَعْثًا، ولم يكن عندَه ظَهْرٌ، فجاءَه ظَهْرٌ من ظَهْرِ
الصدقة ، فجَعَلَ يقسمه بينهم ، فحبسوه حتى أَرْهَقَ العصر ، وكان يُصَلِّي قبل
العصرِ ركعتين، أو ما شاء اللَّه، فصلَّى العصرَ ثم رَجَعَ ، فصلَّى ما كان يُصلِّي
قبلها ، وكان إذا صلَّى صلاةً ، أو فَعَلَ شيئًا يُحِبُّ أن يُدَاومَ عليه .
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ (٤).
وفي رواية له بهذا الإسناد : أن معاويةَ أَرْسَلَ إلى عائشةَ ، فأجابته بذلك .
وكلاهما(٥) وهمٌ . والله أعلم .
وروايةُ يزيد بْنِ أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن [أُمِّ] سَلَمَةَ أصحٌّ.
وحنظلة هذا ، قال الإمامُ أحمد : منكرُ الحديث . وضَعَّفْه ابنُ مَعِين
والنسائيّ .
(١) ((المسند)) (٣١١/٦).
(٢) في الأصل: ((حنظلة)) خطأ.
(٣) في الأصل: ((رجالاً)). والمثبت من ((المسند)).
(٤) (٦/ ٣٣٤) .
(٥) في الأصل : ((وكلامها)).

٣٠٢
حديث : ٥٩٣
کتاب المواقيت
وقد رُوي عن عائشةَ ما يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَّه لم يكن يُصلِّي بعدَ العصرِ
شيئًا .
ففي ((صحيح مسلم))(١) عن عَبْدِ اللَّه بنِ شَقيقِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ
صَلَاةِ النَّبِّوَّهِ عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ
يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ،
ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصلي بِاللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فَهُنَّ الوِتْرُ، وَكَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ
صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
فهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يُصليِّ بعدَ العصرِ شيئًا في بيتها ؛ لأنه لو كَانَ ذَلكَ
لَذَكَرَتْهُ كَمَا ذكرتْ صلاتَه في بيتِها بعدَ الظهرِ والمغربِ والعشاءِ .
وقد خَرَّجه الإمامُ أحمد (٢)، وزادَ فيه : ((وركعتينِ قبلَ العصرِ)). ولم يذكر
بعدها شيئًا .
ورَوَى سَعْدُ (٣) بِنُ أَوْس: حدثني مِصْدَع أبو يَحْيِى ، قال : حدثتني عائشةُ -
وبيني وبينها سِتْرٌ -، أنَّ النَّبِيَّ نَّه لم يُصلِّ صلاةٌ إلا أَتبعها ركعتينٍ ، غيرَ الغَدَاةِ
وصلاة العصرِ ؛ فإنه كان يَجْعلُ الركعتين قَبْلهما .
خَرَّجْه بَقِيُ بْنُ مَخْلد .
فقد تبين بهذا كلِّه أن حديثَ عائشةَ كثيرُ الاختلاف والاضطراب ، وقد ردّه.
بذلك جماعةٌ ، منهم : الترمذيُّ والأثرمُ وغيرهما .
ومع اضطرابِهِ واختلافِه فتُقدم الأحاديثُ الصحيحةُ الصريحةُ التي لا اختلافَ
فيها ولا اضطرابَ في النهي عن الصلاةِ بعدَ العصرِ عليه .
(١) (٢/ ١٦٢) .
(٢) (٢١٦/٦) .
(٣) في الأصل : ((سعيد)) خطأ.

٣٠٣
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
وعلى تقديرِ معارضته لتلك الأحاديثِ ، فللعلماءِ في الجمع بينهما مَسَالِك :
المَسْلَكُ الأولُ :
أنَّ حديثَ عائشةَ يدلُّ على التطوعِ المداومِ عليه قبل الفريضة وبعدها ، إذا
فَاتَ شيءٌ منه فإنَّه يجوزُ قضاؤه بعدَ العصرِ .
وقد رُوي هذا المعنى عن زيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عبَّاسٍ ، وإليه ذَهَبَ الشافعيّ
والبخاريُّ والترمذيُّ وغيرُهم .
وَرَجَّح أكثرهم: أنَّ النبيَّ نَّ لم يداوم على ذلك، كما في حديثٍ أُمِّ سَلَمَةَ،
وقد تبينَ أن عائشةَ رَجَعَتْ إليها في ذلك .
وعلى تقديرِ أن يكونَ دَاوَمَ عليها فقد كَانَ وَّلَهَ يحافظُ على نَوافِلهِ كَمَا يحافظُ
٠
على فرائضِهِ ، ويقضي ما فَاتَه منها ، كما رُوي عنه أنه كان يقضي ما فَاتَه من
الصيامِ في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشةُ تقضي ما فَاتَها من رمضان - حتَّى
لا يأتي رمضان آخر وقد فَاتَه شيءٌ من نوافِلِه في العامِ الماضي فلمَّا صلَّى يومًا
ركعتين بعدَ العصر قضاءً لما فَاتَه من النوافلِ كان ذلك سببًا مجوِّزًا لمداومته على
مثلٍ ذلك .
وفي هذا نظر ؛ فإنَّه لمَّا فَاتَه صلاةُ الصبح بالنومِ ، وقَضَاهَا نهارًا لم يداوم
على مثلِ تلك الصلاةِ كلَّ يومٍ ، وكذلك لما قَضَى صلاةَ العصرِ يومَ الخندق .
واختلف الشافعيةُ فيمن قَضَى شيئًا من التطوعِ في وقتِ النهي : هل له
المداومة ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : أنه لا يجوزُ المداومة .
ورجّح الأكثرون: أنه وَّرِ لم يداوم على هذه الصَّلاة.
كما رَوَى ابنُ لهيعة ، عن عبد اللَّه بن هُبيرة ، قال: سَمِعْتُ قَبيصةَ بْنَ .
ذُؤيبٍ، أنَّ عائشةَ أخبرتْ آَلَ الزُبير، أنَّ رسولَ اللَّهِ بَلَهِ صَلَّى عندها ركعتينٍ بعدَ
العصرِ ، فكانوا يصلونها .

٣٠٤
حديث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
قال قَبيصةُ : فقال زيدُ بْنُ ثابت : يغفرُ اللَّهُ لعائشةَ ، نحن أعلمُ برسول الله
وَه من عائشةَ، إنَّمَا كَانَ كذلك لأنَّ أُناسًا من الأعراب أَتوا رسولَ اللَّهِ بِ ◌َل
بهجيرِ ، فقَعَدُوا يسألونه ويفتيهم حتى صلَّى الظهر ، ولم يُصَلِّ ركعتينِ ، ثم
قَعَدَ يفتيهم حتَّى صلَّى العصرَ ، فانصرف إلى بيته ، فذَكَرَ أَنَّه لم يصلِّ بعد الظهرِ
شيئًا، فصلاهما بعد العصر، يغفرُ اللَّهُ لعائشةَ، نحن أعلمُ برسولِ الله وَ لّ من
عائشةَ، نَهَى رسولُ اللَّهِ بِ لَّهعن الصلاةِ بعدَ العصرِ(١).
ورَوَى عطاءُ بنُ السائب ، عن سَعيد بن جُبير ، عن ابنِ عبَّاسٍ ، قال: إنَّما
صَلَّى النّبِيُّ وَّ الركعتين بعدَ العصرِ؛ لأنَّه أَتَاه مالٌ فشَغَلَه عن الركعتينِ بعدَ
الظهر ، فصلاهُما بعدَ العصرِ ، ثم لم يعد لهما .
خرَّجه الترمذيُّ، وقال : حديثٌ حسنٌ ، وابنُ حِبّان في ((صحيحه)(٢).
والمسلك الثاني :
أَنَّهِوَِّ كان مَخْصُوصًا بإباحةِ الصلاةِ بعدَ العصرِ، أو في أوقاتِ النهي مطلقًا،
وهذا قولُ طائفة من الفقهاءِ من أصحابِنا كابنِ بَطَّة ، ومن الشافعية وغيرهم .
ورَوَى إسحاقُ بْنُ راهويه في ((مسنده)) عن عبد الرزاق(٣)، عن مَعْمر، عن
أبي هارون العبدي ، عن أبي سَعيدِ الخدريِّ، قال : رأيتُ عَبْدَ اللَّهِ بن الزُّبير
يصلِّي ركعتين بعدَ العصرِ ، فقلتُ: مَا هَذا ؟ قال : أخبرتني عائشةُ عن رسولِ
اللّهِ وَّ، أَنَّهَ كَانَ يُصلِّي ركعتينِ بعدَ العصرِ في بيتي، قال: فأتيتُ عائشةَ ،
فسألتُها، فقالتْ: صَدَقَ، فقلتُ لَها: فأشهدُ لَسَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ وَلّهِ يقول :
((لا صلاةَ بعدَ العصر حتى تغربَ الشمسُ ، ولاَ صلاةَ بعد الفجرِ حتَّى تطلعَ
الشمسُ)، فَرَسُولُ اللَّهِ بِّهِ يفعلُ ما أُمِرَ ، ونحن نفعلُ ما أُمرنا .
(١) أخرجه أحمد (١٨٥/٥).
.(٢) الترمذي (١٨٤) وابن حبان (١٥٧٥).
(٣) وهو في ((مصنفه) (٤٢٩/٢).

٣٠٥
٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
كتاب المواقيت
أبو هارون ، ضعيفُ الحديث .
ولهذا المعنى قال طائفةٌ من العلماءِ: إنَّه إِذَا تعارضَ نهي النبي ◌َّ وفعله
أخذنا بنهيه ؛ لاحتمال أن يكون فعلُه خاصًا به ، كما في نهيه عن نكاحِ الْمُحْرِمِ
مع أنَّه نَكَحَ وهو مُحْرِمٌ ، إن ثَبَتَ ذلك، وكما كَانَ يواصلُ في صيامه ، ونَهَى
عن الوصالِ .
ويعضد هذا: ما رُوي عن النبيِ وَّه، أنه سُئِلَ: أَنقضيهما إذا فَاتَتَا ؟
قال : ((لا)) .
فرَوَى حمادُ بنُ سلمة، عن الأَزْرَقِ بن قَيْسٍ ، عن ذَكْوَان ، عن أُمِّ سَلَمَةَ،
قالتْ: صَلَّى رسولُ اللَّهِ وَ ◌ّه العصرَ، ثُمَّ دَخَلَ بيتي فصلَّى ركعتين، فَقُلْتُ:
يا رسولَ اللَّهِ ، صليتَ صلاةٌ لم تكن تصليها؟ فقال: ((قَدِمَ عليَّ مالٌ فَشَغَلَنِي عن
ركعتين كنتُ أركعهما بعدَ الظهر، فصليتُهما الآن)) . فقلتُ: يَا رسولَ اللَّه ،
أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال: ((لا)).
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)(١).
وإسناده جيد .
قال الدار قطنيُّ: ورُوي عن ذَكْوَان، عن عائشةَ، عن النبي ◌َّةُ. وعن
ذَكْوَان، عن عائشةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، عن النبيِّ وَِّ.
وقد ضعََّه البيهقيُّ بغيرِ حُجَّةٍ في ((كتاب المعرفة)).
وخرَّجه في ((كتاب السنن))(٢) من روايةٍ ذَكْوَان، عن عائشةً ، قالتْ :
حدثتني أمُّ سَلَمَةَ - فذكرت الحديثَ .
(١) أحمد (٣١٥/٦) وقد تقدم .
أما ابن حبان ، فأخرجه (١٥٧٤) (١٥٧٦) من غير هذا الطريق.
(٢) (٢/ ٤٥٧) .

٣٠٦
حديث : ٥٩٣
کتاب المواقيت
ورجَّح الأثرمُ والبيهقيُّ: مَنْ رَوَاه عن حَمَّدٍ ، عن الأَزْرَقِ ، عن ذَكْوان ،
عن عائشةَ ، عن أُمِّ سَلَمَةَ .
وهذا مما يُستدلُّ به على أن عائشةَ إنَّما تَلَقَّتْ هذا الحديثَ عن أُمِّ سَلَمَةَ .
وخَرَّج أبو داود (١) من روايةِ ابنِ إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ،
عن ذَكْوان مولى عائشةً، أنَّها حدثته أنَّ رسولَ اللَّهِ وَِّ كان يُصلِّ بعدَ العصرِ ،
وینهى عنها .
وهذا يدلُّ على أنَّ عَائِشَةَ روت (٢) اختصاصَ النبي ◌َّهِ بهذه الصَّلاةِ.
ورُوي عنها من وجه آخر ، من رواية عُبيدة بن مُعتِّب ، عن إبراهيمَ ، عن
الأسودِ، عن عائشةَ، أن النبيَّ رَّ دَخَلَ عليها بعد العصرِ فصلَّى ركعتين .
فقلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أُحدِّثُ الناس؟ قال: ((لاَ، إنَّ بلاَلاَ عجّل الإقامةَ فلم
نصل الركعتين قبلَ العصر ، فأنا أقضيهما الآن)). قلتُ: يَا رسولَ اللَّه، أفنقضيهما
إِذا فَاتَتَا ؟ قال: ((لا)).
قال الدار قطنيُّ في ((العلل)): لا أعلمُ أَتَى بهذا اللفظِ غير عُبيدة بن مُعَتِّب ،
وهو ضعيفٌ .
قلت : رواية ذَكْوَان تعضِّدُه وتشهدُ له .
وقد رُوي عن أُمِّ سَلَمَةَ من وجهِ آخر : خَرَّجه ابنُ بَطَّة في مصنفٍ له في
مسألةِ الصلاةِ أوقات النهي ، من حديث ابنِ فضيل ، عن أبيه : حدثنا ابنُ
أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ سَمِعَهَا ذكرتْ صلاةَ
رَسُولِ اللّهِ وَ ◌ّ في ركعتينٍ، بينهما ركعتين بعدَ العصرِ، لم تَرَهُ صلَّى قبلَها ولا
بعدَها مثلَها ، وأنَّه أعلمها أنها ركعتان كان يصليهما قبلَ العصرِ ، فصلاهُمَا بعدَ
العصرِ. قال : فقلتُ له: أفنصليهما إذا فَاتَتَا؟ قال: ((لا)).
(١) (١٢٨٠) .
(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: ((رأت)).

٣٠٧
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
المسلك الثالثُ :
النسخُ ، وأهلُ هذا المسلك فرقتان :
منهم : مَنْ يَدَّعي أن أحاديثَ النهي ناسخةٌ للرخصةِ ؛ لأن النهي إنَّما يكون
عن شيءٍ تقدم فعلُه ، ولا يكون عن شيءٍ لم يُفْعَل بعدُ ، وهذا سَلَكَه ابنُ بَطَّةً
من أصحابِنا وغيره ، وفيه بُعدٌ .
ومنهم: من يَدَّعي أن أحاديثَ الرخصةِ ناسخةٌ للنهي، وهذا محكي عن
داود .
وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ، أن النبيَّ مَِّ صلَّى بعدَ العصرِ بعد نهيه عن ذلك
(١)
[ ... ](١) .
ومن الناسِ مَنْ يحكي عن داود أن النهي عن الصَّلاةِ في جميع الأوقاتِ
انتسخ بالصلاةِ بعدَ العصرِ .
وهذا بعيدٌ على أصولِ داود .
ومنهم مَنْ حكى عنه أنه خَصَّ النسخَ بالنهي عن الصلاةِ بعدَ العصر .
وهذا أشبه ، وقد حُكي مثلُه روايةً عن أحمد .
وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لَيْسَ في ذلك ناسخٌ ولا منسوخٌ ، وهو الصحيحُ .
وقد رَوَى جماعةٌ، عن النَّبِيِّبِّهِ، أنه لم يكن يُصلِّي بعدَ العصرِ شيئًا .
فَرَوَى أبو إسحاقَ ، عن عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عن عليٍّ ، قال: كَانَ رسولُ اللَّه
وَلَ﴿ يُصلِّي على إِثْرِ كُلِّ صَلَةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، إلا الفَجْرِ والعَصْرِ .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ خُزَيْمَةَ في «صحيحه))(٢).
(١) كلمة مطموسة .
(٢) أحمد (١٢٤/١) وأبو داود (١٢٧٥) وابن خزيمة (١١٩٦).

٣٠,٨
حديث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
وعاصمٌ ، وثَّقه جماعةٌ من الأئمة .
وَرَوَى زهيرُ بْنُ محمد، عن يَزِيَدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ، قال:
كُنْتُ أُسَافِرُ مَعَ النِبِيِّ نَّهِ، فَمَا رَأَيْتُه صَلَّى بَعْدَ العصرِ ولا بَعْدَ الصبحِ قَطَّ .
خَرَّجه الإمامُ أحمد (١).
وذكره الترمذيُّ في ((علله))، وقال: سألتُ عنه محمدًا - يعني : البخاريّ - ،
فَقَالَ: لا أَعْرِفُ ليزيد بن خُصَيْفة سماعًا من سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ . قَالَ : ولم نعرف
هذا الحديث إلا من هذا الوجه .
كذا قال .
وقد خَرَّجه من طريقٍ سعيد بن أبي الربيع : حدثنا سعيدُ بن سلمة : ثنا يزيد
ابن خُصَيْفة، عن ابن سَلَمَةَ بنِ الأكوع ، عن أبيه سَلَمَةَ - فَذَكَرَه - فأدخل بينهما:
((ابن سلمة))، لكنه لم يسمه .
وقد خَرَّج(٢) البخاري(٣) فيما سَبَقَ حديثَ معاويةَ ، أَنَّه قال : إنكم لتصلون
صلاةً، لقد صَحِبْنا رسولَ اللَّهِ وَ لَه فَمَا رَأَيْنَاه يصليها، ولقد نهى عنها - يعني:
الركعتين بعد العصر .
وقد ذكرنا فيما سَبَقَ عن عائشةَ حديثًا في هذا المعنى - أيضًا - ، وأنها قالتْ:
إن النبيَّ وَِّ لم يصلِّ صلاةً إلا أتبعها ركعتينِ ، غيرَ الغداةِ وصلاة العصرِ ؛ فإنَّه
كَانَ يجعلُ الركعتينِ قبلهما .
يُستأنس لدعوى النسخ: بقولِ أبي هريرة : قد كُنَّا نفعلُه - يعني: الصلاةَ
بعد العصر - ، ثُمَّ تركناه .
(١) (٤ / ٥١ ) .
(٢) في الأصل : ((خرجه)).
(٣) (٥٨٧).

٣٠٩
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
خَرَّجه الإمامُ أحمد (١) من طريق معاوية بنِ صالحٍ ، عن عَبْدِ اللَّه بن
أبي قَيْسٍ ، أنه سَأَلَ عائشةَ عن الركعتينِ بعدَ العصرِ - فذكر حديثها .
قال عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي قيس: وسألتُ أَبَا هُريرة عنه ؟ فقال: قد كُثَّا نفعله ،
ثم تركناه .
ويحتمل عندي : أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه
آخر غير ما تقدم ، وهو :
مسلك رابع :
لم نجد أحداً سبق إليه ، وهو محتمل :
فنقول : يمكن أن تكون عائشة - رضي الله عنها - لما بَلَغَها عن عمرُ
وغيرِه من الصحابةِ النهيُ عن الصَّلاةِ بعدَ العصرِ حتَّى تغربَ الشمس ، ظنتْ أنهم
ينهون عن الصلاةِ بمجردِ دخولِ وقتِ العصرِ، كَمَا قَالَ ذلك كثيرٌ من العلماء أو
أكثرهم في النهي عن الصَّلاةِ بعدَ الفجر ، أن النهي يدخلُ بطلوعِ الفجرِ كما سَبَقَ
ذكْرُه .
وكانتْ عائشةُ عندها علمٌ مِن النبيِ وَّةِ، أنه يُصلِّي قبل صلاةِ العصرِ ركعتين
في بيتها، وكان عندها رواية عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى في بيتها مرة ركعتينِ
بعدَ العصرِ، فكانتْ تردُّ بذلك كلِّهِ قولَ مَنْ نَهَى عن الصَّلاةِ بعد العصرِ .
فإذا وَقَعَ التحقيقُ معها في الصلاةِ بعدَ صلاةِ العصرِ كما أرسلَ إليها معاويةٌ
يسألها عن ذلك تقولُ: لا أَدْرِي، وتحيل على أُمِّ سَلَمَةَ؛ لأنَّ صلاةَ النَّبِيِّ ◌َِ
بعد صلاة العصرِ لم تَرَهُ عائشةُ، إنَّما أخبرتها به أُمُّ سَلَمَةَ، وإنَّما رَأَتْ عائشةُ
صلاة النبيِ مَّهِ في بيتها ؛ وذلك بعدَ دخولِ وقتِ العصرِ وقبلَ صلاةِ العصرِ ،
مع أنَّها كانتْ - أحيانًا - تَرْوِي حديثَ أُم سلمة وترسله ، ولا تسمي مَنْ حدَّثَّها به .
وهذا وجهٌ حسنٌ يجمع بين عامةِ اختلافِ الأحاديث في هذا الباب ، إلا أنه
(١) (٦/ ١٨٨) .

٣١٠
حديث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
يُشكلُ عليه أحاديث :
منها : رواية يَحْيَى بن قيس: أخبرني عطاءٌ: أخبرتني عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه
وَلو لم يدخلْ عليها بعدَ صلاة العصرِ إلا صلَّى ركعتين.
خَرَّجه الإمامُ أحمد (١) عن محمدٍ بْنِ بكرِ البُرْسَاني، عن يَحْيَى ، به .
ورواه أحمدُ بنُ المقدام وغيرُه ، عن محمد بْنِ بكر ، ولم يذكروا لفظة :
((صلاة)).
ولعلَّ هذه اللفظة رواها محمدُ بْنُ بكر بما فَهِمَه من المعنى ، فكان تارةً
يذكرها ، وتارةً لا يذكرها، فإنَّ المتبادرَ عندَ إطلاقِ الصلاةِ بعدَ العصرِ الصلاةُ
بعدَ صلاةِ العصر ، لا بعدَ وقتِ العصرِ ، مع احتمالِ إرادة المعنى الثاني .
وقد رُوي عن عائشةَ - أيضاً -، أنَّ النبيَّ ◌ََِّ كَانَ لا يَدَعُ ركعتينٍ بعدَ الصبحِ.
وقد خرَّجه الإمام أحمد (٢) بهذا اللفظ .
والمرادُ : بعدَ وقتِ الصبح ، لا بعدَ صلاته ، بغيرِ إشكالٍ .
ومنها : ما رَوَى خَلاد بن يَحْيَى : ثنا عبد الواحد بن أيمن : حدثني أبي ،
قال : دخلتُ على عائشةَ ، فسألتُها عن ركعتينِ بعدَ العصرِ ؟ فقالتْ : والذي
ذَهَبَ بنفسِهِ، ما تَرَكَهُمَا حتَّى لَقِيَ اللَّهَ . فَقَالَ: يا أمَّ المؤمنين ، فإنَّ عُمَرَ كان
يَنْهَى عنها ويشدد فيها؟ قالتْ: صَدَقْتَ، كان نبيُ اللَّهِ بِ ◌ّهَ يُصلِّي بالناسِ
العصرَ ، فَإِذَا فَرَغَ دَخَلَ بيوتَ نسائه فصلاهما ؛ لئلا يروه فيجعلوها سُنَّة ، وكان
يُحب ما خفَّ على أمته(٣).
(١) (٢٥٣/٦) .
(٢) (٤٩/٦).
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١١٤/٦) مختصراً. والبخاري (٥٩٠) بمعناه دون ذكر قصة
عمرُ. والبيهقي في ((السنن)) (٤٥٨/٢) بلفظه ، كلهم من حديث أبي نعيم ، عن عبد الواحد
ابن أيمن ، عن أبيه به .

٣١١
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
وهذا تصريحٌ بأنه كان يُصلِّيهما بعدَ صلاةِ العصرِ .
ويعضِّدِه - أيضاً - : روايةُ الأسودِ ومسروقِ ، عن عائشةَ، قالتْ: مَا كَانَ
النبيُّ ◌َِّ يأتيني في يومٍ بعدَ العصرِ إلا صلَّى ركعتين .
وقد خرَّجه البخاريُ (١) فيما سَبَقَ .
وقد رُوي - أيضًا (٢) - بنحوِ هذا اللفظ، عن هِشَامٍ ، عن أبيه، عن عائشةَ ،
قالتْ: مَا دَخَلَ رسولُ اللَّهِ فَلَّهِ بعدَ العصرِ إلا صلَّى ركعتينٍ عندي.
وإِنَّمَا كَانَ النبيُّ وَلَهِ يَدْخُلُ على عائشةَ بعدَ صلاةِ العصرِ ، كما في حديث
هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالتْ: كَانَ رسولُ اللَّهِ وَ لّ إذا انصرفَ من
العصرِ ودَخَلَ على نسائِه فيدنو من إحداهن - وذكرتْ قصةَ حفصة والعسل .
وقد خرّجه البُخاريُّ في ((النكاح)(٣).
ويُجاب عن ذلك كلِّه: بأنَّ روايةَ خَلَّدِ بْنِ يَحْيَى قد خَالَفَهُ فيها أبُو نعيم ،
ولم يذكر ما ذَكَرَه خَلَّد .
وقد خرَّج البخاريُّ حديثَ أبي نُعيم كما سَبَقَ دونَ حديث خَلَّد .
وقد دَلَّ على أنه غيرُ محفوظ: أنَّ فيه: أنَّ النبي ◌َِّ كان يدخلُ بيوتَ نسائه
فيصليها .
وقد صَحَّ عن أُمِّ سَلَمَةَ كما تقدمَ أنَّها قالتْ: لَمْ أَرَهُ صَلَّها إلا يَوْمًا واحدًا ،
وذكرتْ سببَ ذلك .
وأمَّا دخولُهُ وَ لِّ على نسائه بعد العصرِ، فذاك كان يفعلُه دائمًا أو غالبًا ،
وعائشةُ إنما أخبرتْ عَمَّا رَأَتْهُ يفعلُه في يومها المختص بها .
(١) (٥٩٣) .
(٢) (٥٩١) .
(٣) (٥٢٦٨) .

٣١٢
حديث : ٥٩٣
کتاب المواقيت
يدلُّ على ذلك: مَا خَرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه)(١) من حديثِ شُعْبَةَ ، عن
أبي إسحاقَ ، عن الأسودِ ومسروقِ ، قالا : نشهدُ عَلَى عائشةَ أنَّها قالتْ : مَا
كَانَ يَوْمُه الذي كان يكون عندي إلا صلاَّهُمَا رَسُولُ اللّهِ وَّر في بيتي - تعني:
الركعتين بعدَ العصْرِ .
فتبين بهذا أنَّها أَرَادَتْ يومَها المختصَّ بها الذي كان يكون مكثُه عندَها في
بيتها ، فكانَ يتوضأُ عندَها للعصرِ ويُصلِّي ركعتين ، ثم يخرجُ للصلاة ، ورُبما
كان يدخلُ بيتها في وقتِ العصرِ كذلك .
فدلَّ هذا : على أنَّ مُرَادَهَا : أنه كان يُصلِّي ركعتينٍ بعدَ دخولِ وقتِ العصرِ،
ولكن كان ذلك قبلَ صلاةِ العصرِ ، وكانت تظنُّ أنَّ هذا يَرُدُّ قولَ عُمَرَ ومَنْ وَافَقَه
بالنهي عن الصلاةِ بعدَ العصرِ ، وإنَّما كَانَ مرادُ عُمَرَ وغيرِهِ من الصحابةِ : النهي
عن الصَّلاة بعدَ صلاةِ العصرِ .
ولاشتباهِ الأمرِ في هذا عَلَى كثيرٍ مِن الناسِ كان كثيرٌ من الرواةِ يَرْوِي حديثَ
عائشةَ بالمعنى الذي يَفْهمه منه ، ولا يُفُرِّق بين وقتِ العصرِ وفعلِ العصرِ ، فَوَقَعَ
في ذلك اضطراب في ألفاظِ الروايات .
وقَدْ ظَهَرَ بهذا أنَّه لَمْ يَصح عن النبيِّ ◌ِِّ أنه صلَّى ركعتين بعدَ صلاةِ العصرِ،
إلا يومَ صلاهما في بيتٍ أُمِّ سَلَمَةَ ، وكانتْ عائشةُ ترويه عنها - أحيانًا - ، كما في
حديث ذَكْوَان عنها ، وأحيانًا ترسله ، كما في حديث أبي سَلَمَةَ عنها .
وفي رواية ابنِ أبي لَبيد ، عن أبي سَلَمَةَ ، أن عائشةَ لمَّا أَرْسَلَ إليها معاويةٌ
يسألها عن ذلك، قالت: ((لا عِلْمَ لي)) - تشيرُ إلى أنَّها لَيس عندها عن النبي وَّ
في ذلك شيءٌ سَمِعَتْهُ منه أو رَأَتْهُ يفعله - ((ولكن سَلُوا أُمَّ سَلَمَةَ)) - تشيرُ إلى أنَّها
هي التي أخبرتْ عن النبيِّ بََّ، أَنَّهَا رَأَتْهُ يفعلُ ذلك.
وفي روايةِ محمد بن أبي حَرْمَلَة، عن عائشةَ، أَنَّها حَدَّثَتْ عن النبيِّ وَل
(١) (٢/ ٢١١) .

٣١٣
٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
كتاب المواقيت
بمثلٍ حديثٍ أُمِّ سَلَمَةَ ، فإنْ كَانَ هذا محفوظًا فقد أرسلت الحديثين عنها ،
ويحتملُ أن تكونَ أخبرتْ عمَّا رَأَنْهُ، وأن يكونَ مَرَادُها: أن النبيَّ ◌َّه كان يُصلِّي
ركعتينٍ قبلَ وقتِ العصرِ - تعني : بعد الظهرِ - ، فشُغِلَ عنهما أو نسيهما ، ثم
صلاَّهما بعدَ العصرِ - تعني : بعد وقتِ العصرِ ، قبلَ صلاةِ العصرِ - ، ثم
أثبتهما من حينئذٍ ، فداومَ عليهما قبلَ صلاةِ العصرِ وبعدَ دخولِ وقتِ صلاةِ
العصرِ .
وروايةُ ابن أبي لَبيد أشبهُ من رواية ابنِ أبي حرملة ، وكلٌّ منهما ثقةٌ مخرَّجٌ
له في «الصحيحين)) .
وقال البيهقيُّ في حديثِ ابن أبي لَبيد : إنه حديثٌ صحيحٌ .
وإِنَّمَا رَجَّح ابنُ عبد البر روايةَ ابن أبي حَرْمَلَة على روايةٍ ابن أبي لَبيد
لموافقته في الظاهر لِمَا فَهِمَه من سائرِ الرواةِ عن عائشةَ في الصِّلاةِ بعدَ العصرِ ،
وقد بينا الفرق بينهما
فإنْ قِيلَ : فقد فَرَّقَتْ عائشةُ بين ركعتي الفجرِ والعصرِ ، فقالت : ((لم يكن
يَدَعُ ركعتينٍ قبلَ الفجرِ ، وركعتين بعد العصرِ»، كما في حديث الأسودِ وغيرِه ،
عنها كما سَبَق ، ولو أرادت (١) الوقتَ دونَ الفعلِ لسَوَّتْ بينهما ، وقالتْ: بعد
الفجرِ وبعد العصرِ .
فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنه رُوي عنها أنها قالت(٢): كان النبي ◌َّلَهُ لا يَدَعُ ركعتين بعدَ
الصبح . وقد خرَّجه الإمامُ أحمد(٣) من روايةِ ابنِ المنتشر ، عنها .
فهذا كقولنا : لا يَدَعُ ركعتينِ بعدَ العصرِ سواءٌ .
(١) في الأصل ((هـ)): ((أراد)).
(٢) في الأصل: ((أنه قال)).
(٣) (٦٣/٦ - ١٤٨) .

٣١٤
حديث : ٥٩٣
کتاب المواقيت
والثاني : أنَّ ركعتي الفجرِ لم يكن فيها اختلافٌ بين الصحابةِ أنَّها قبلَ
الصلاةِ، ولم يكن أحدٌ منهم يُصلِّي بعد الصبح تطوعًا ، ولا نَقَلَه عن النبيِّ
وَّ ، فلذلك كانتْ أحيانًا تقول: كانَ يُصلِّي قبلَ الفجرِ ، وأحيانًا تقول: بعدَ
الصبحِ ؛ لأن المعنى مفهومٌ .
وأمَّا الركعتان بعدَ العصرِ ، فَهُمَا اللتانِ وَقَعَ فيهما الاختلافُ بين الصحابة ،
وكان كثيرٌ منهم يُصلِّيهما ، وكان ابنُ الزُّبِير قد أشاعهما بعد موتٍ عمرُ ، وكان
عُمَرُ في خلافتهِ ينهى عنهما ، ويعاقبُ عليهما ، وكانت عائشةُ تخالفه في ذلك ،
وكانت تَرْوِي أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى عندها بعدَ العصرِ؛ لتردَّ على مَنْ قَالَ : لا
يُصلَّى بعدَ العصرِ .
ز
ولكن لَيْسَ في روايتها ما يردُّ عليهم ؛ لأنَّهم إنَّما نَهوا عن الصلاةِ بعدَ صلاةٍ
العصرِ، وهي كَانَ عندَها علم أنَّ النبي ◌َّ صلَّى ركعتين بعدَ دخولِ وقتٍ
العصرِ. ولعلَّ عُمَرَ كانَ يَنْهَى عن الصلاةِ بعدَ دخول وقتِ العصرِ ، كما نَهَى ابنه
وغيره عن الصلاةِ بعد طلوعِ الفجرِ سِوى ركعتي الفجر ، وكانتْ عائشةُ تنكر ذلك
لكنَّها كانتْ تسوِّى بين حكمٍ ما قبلَ الصلاةِ وبعدَها في الرخصةِ في الصلاةِ .
فتبين بهذا كلِّه: أنَّه لم يصحَّ عن النبيِ وَِّ أنه صلَّى ركعتين بعدَ صلاةٍ
العصرِ ، سِوى ما رَوَتْهُ عنه أُمُّ سَلَمَةَ وَحْدَهَا .
فإنْ قِيلَ : فَقَدْ سَبَقَ عن زَيْدِ بنِ خالدٍ وتميمِ الداريِّ ، أنهما رَوَيَا عن النبيِّ
وَخَّ، [أنه] صلاَّهما(١).
(١) حديث زيد بن خالد: أخرجه أحمد (١١٥/٤) من حديث عبد الرزاق، نا ابن جريج ،
قال : سمعت أبا سعيد الأعمى يخبر عن رجل يقال له : السائب مولى الفارسيين ، عن زيد
ابن خالد .
وحديث تميم الداري : أخرجه أحمد - أيضاً - (٤/ ١٠٢) من حديث حماد بن أسامة ، أنا
هشام عن أبيه قال : خرج عمر ، حتى مرَّ بتميم الداري .
وعروة لم يسمع من عمر .

٣١٥
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
قيلَ: لَيْسَ إسنادُ واحدٍ منهما مما يُحتج به ؛ لأنَّ حديثَ تميمٍ منقطعُ
الإسناد ، وحديثَ زيدِ بنِ خالدٍ فيه مجهولان ، ولعلَّ مُرادَهُمَا : الصَّلاةُ بعدَ
وقتِ العصرِ ، قبلَ صلاةِ العصرِ - أيضًا .
ولعلَّ كثيرًا ممَّن نُقِلَ عنه من الصحابة الصَّلاةُ بعدَ العصرِ أَرادُوا ذلك -
أيضًا - ، ومَعَ هذا فلا يقطع عليهم أنَّهم أَرَادُوا الصَّلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ .
وقد رُويت الصلاةُ بعدَ العصرِ عن أبي موسى، عن النبي ◌َِّ، من رواية
أبي دَارِسِ النصريِّ (١): حدثنا أبو بكر بن أبي موسى ، عن أبيه ، أنه كان يُصلِّي
بعدَ العصرِ ركعتينٍ، ويحدِّثُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ صلَّى ركعتينِ بعدَ العصرِ في
منزلِ عائشةَ .
خرَّجِه بقيُّ بْنُ مَخْلد .
وخرَّجه الإمامُ أحمد (٢) مختصرًا، ولفظه: عن أبي موسى ، أنه رأى النبيّ
وَلِ ﴿ يُصلِّي ركعتينِ بعدَ العصرِ.
وَهَذا - أيضًا - يحتمل أنه رآه يُصلِّي بعدَ دخولِ وقتِ العصرِ.
وأبو دَارِس، اسمه : إِسماعيلُ بنُ دارس ، قال ابنُ المديني : هو مجهولٌ
لا أَعْرِفُهُ .
وقال ابنُ مَعِين : ضعيفُ الحديثِ . وقال مرةً: ما بِه بأس إنَّما رَوَى حديثًا
واحداً . وقال أبو حاتم : ليس بالمعروف .
ويُقال فيه - أيضًا - : أبو دراس ، وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي حاتم ، وهو
واحدٌ .
(١) كذا بالأصل بالنون، وفي ((تاريخ البخاري)) (١/ ١/ ٣٥٢): ((البصري)) بالباء، وفي
((الجرح والتعديل)) (١ / ١/ ١٦٨) عن أبي حاتم وأبي زرعة: ((يعد في البصريين)).
(٢) (٤ / ٤١٦) .

٣١٦
حديث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
وله طريقٌ آخرُ مِن روايةٍ يَحْيَى بنِ عاصم صاحبِ أبي عاصم : حدثنا محمد
ابن حمران بن عبد اللّه : حدثني شعيب بن سالم ، عن جعفر بن أبي موسى ،
عن أبيه، أنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَّهَ كَانَ يُصلِّي بعدَ العصرِ ركعتينِ ، وَكَانَ أبو موسى
يُصلِّيهما .
خرَّجه الطبراني في ((الأوسط))(١).
وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يُعرف .
ورَوَى محمد بن عبيد اللَّه الكوفي ، عن [أبي](٢) إسحاق ، عن البراءِ ،
قال: غزوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَ لِ ثماني عشرة غَزْوة، فما رَأَيْتُهُ تاركًا ركعتينٍ
قبلَ الظهرِ ، وركعتين بعدَ العصرِ(٣).
غريب منكر ، والكوفي ، لعلَّه : العرزمي ، وهو متروكٌ ، وإلا فهو
مجهولٌ .
فهذه أحاديثُ الصلاةِ بعدَ العصرِ وما فيها .
ويمكن أن نسلك في حديث عائشةَ مَسْلَكًا آخرَ ، وهو : أنَّ صلاةَ الركعتينِ
للداخلِ إلى منزله حسنٌ مندوبٌ إليه ، وقد وَرَدَ في فضلِه أحاديث في أسانيدها
نظرٌ .
فخرَّج البزار(٤) في الأمرِ بهِ ، وأنه يَمْنَعُ مدخلَ السوء: حديثًا عن أبي هريرة -
مرفوعًا ، في إسناده ضعفٌ .
(١) (٧١٣٤) .
(٢) زيادة مني ، وهو السبيعي. والله أعلم.
(٣) أخرجه أحمد (٢٩٢/٤، ٢٩٥) وأبو داود (١٢٢٢) والترمذي (٥٥٠) والحاكم (٣١٥/١)
وابن خزيمة (١٢٥٣)؛ كلهم من حديث أبي بُسرة الغفاري ، عن البراء ، به . دون لفظة :
((وركعتين بعد العصر)) .
(٤) (٧٤٦ - كشف) .

٣١٧
٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
كتاب المواقيت
وَرَوَى الأوزاعيَّ، عن عثمان بنِ أبي سَوْدة، أنَّ رَسُولَ اللَّهُ بِّهِ قَالَ:
((صلاةُ الأوابين)) - أو قال: ((صلاةُ الأبرار - ركعتان إذَا دَخَلْتَ بيتَكَ ، وركعتان
إذا خَرَجْتَ منه))(١).
وهذا مرسل
.
ويُروى عن هشامٍ بن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، قالتْ: مَا دَخَلَ رسولُ اللَّه ◌ِلَهُ
بيتي قَطُّ إلا صلَّى ركعتينِ .
قال أبو بكر الأثرمُ : هو خَطَأُ .
كَأَنَّه يشيرُ إلى أنَّه مختصرٌ من حديثِ الصَّلاةِ بعدَ العصرِ .
وممَّن رُوي عنه أَنَّه كَانَ يُصلِّي إِذَا دَخَلَ بيتَه وإذا خَرَجَ منه: عبدُ اللَّهِ بْنُ
رَوَاحةُ(٢)، وثابتٌ البُنَاني .
وإذَا كانتْ هذه صلاةً مستحبةً فلا يَبْعُد أن تَلتحقَ بذواتِ الأسبابِ فيها ،
كتحية المسجدِ ونحوِها ، وفي هذا نظرٌ . واللهُ أعلم .
ومقصودُ البُخاريِّ بهذا البابِ : أنَّه يجوزُ قضاءُ الفوائت من النوافل الراتبة
فيما بعدَ العصرِ ، كما يقولُه الشافعيُّ .
وقد احتج الشافعيّ - أيضًا - لذلك : بما رَوَى سَعْدُ بْنُ سَعيد الأنصاريَّ،
قَالَ : حَدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ التيمي ، عن قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : رَأَى النبيّ
وَّهِ رَجَلَاً يُصَلِّي بَعْدَ صلاةِ الصبحِ رَكْعَتَّيْنِ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ بِ ◌ّل: ((صلاةُ
الصبح ركعتان))(٣)، فقال: إني لم [أكن] صليتُ الركعتينِ اللتينِ قَبْلَهَا ، فصليتهما
الآن، فَسَكَتَ رسولُ اللَّهِ وَهِ .
(١) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٧٩) .
(٢) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)» (١٢٨٣).
(٣) في الأصل: ((ركعتين)). وفي رواية أحمد وابن ماجه والحاكم: ((أصلاة الصبح مرتين)).

٣١٨
حديث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجه والحاكم(١).
وقال الترمذيُّ (٢): إسنادُه ليس بمتصل؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يَسْمَع
من قَيْس. ورَوَه بعضُهم عن سَعْدٍ، عن مُحمد، أنَّ النبيَّ نَّهَ خَرَجَ فَرَأَى
فَيْسًا .
وذَكَرَ أَبُو داود(٣) أن يَحْيَى بن سعيد وأخاه عبد ربه رَوَيَاه - مُرْسَلاً - ، أنَّ
النبيَّ نَّهِ خَرَجَ فَرَأَى قيسًا يُصلِّي.
وقيس جدهما - هو أخوهما (٤).
وقد رَوَى الليثُ، عن يَحْيَى بن سعيد، عن أبيه ، عن جَدِّ، أَّه جَاءَ
والنبيُّ بِّ يُصلِّي - فَذَكَرَهَ .
خرَّجِه ابنُ حِبَّن في ((صحيحه)) والدار قطني والحاكمُ (٥).
وزَعَمَ أنه صحيحٌ ، ولَيْسَ كذلك .
قال ابنُ أبي خيثمة : ذُكر عن أبيه ، أنه قال : يُقال : إن سعيدًا لم يسمعُ
من أبيه قیس شيئًا .
فهو - أيضاً - مرسلٌ .
وقد ضَعََّ أحمدُ هذا الحديثَ ، وقال : ليسَ بصحيحٍ .
وقد رواه عبدُ الملك بن أبي سليمان ، عن قيسٍ بن سعد ، عن عطاء ، عن
النبي وَّله - مرسلٌ.
(١) أخرجه أحمد (٤٤٧/٥) وأبو داود (١٢٦٧) وابن ماجه (١١٥٤) والحاكم (٢٧٥/١) .
(٢) (٢٨٦/٢) .
(٣) (١٢٦٨) .
(٤) كذا السياق ، ولعل الصواب : ((وسعد أخوهما)).
(٥) ابن حبان (٢٤٧١) والدارقطني (٣٨٤/١) والحاكم (٢٧٤/١ - ٢٧٥) وكذا ابن خزيمة (١١١٦).

٣١٩
كتاب المواقيت ٣٣ - بَابُ ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها
وذَكَرَ أبو داود والترمذي : أن ابنَ عُبينة قال : سَمِعَ هذا الحديث عطاءٌ من
سَعْدِ بنِ سعيد .
فَعَادَ الحديثُ إلى حديث سعيدِ المتقدم .
وقد رَوَاه الضعفاءُ ، فأسندوه عن عطاءِ ، وإسنادُه ووصله وهم :
فرواه أيوبُ بن سُويد ، عن ابنِ جُريج ، عن عَطَاءٍ ، عن قَيْس(١).
وأيوب ضعيفٌ ، وَهِمَ في إسنادِهِ له عن قَيْسٍ .
ورَوَه سعيدُ بنُ راشد السماك، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عُمَرَ ، عن النبيِّ
وسعيدٌ هذا ، ضعيفٌ .
صَلى الله
ـوسـ
ورَوَاَه محمدُ بنُ سُليمان بن أبي داود الحراني ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن
جابرٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ .
ومحمد بن سُليمان ، يقال له : البُومَة ، ضعيفُ .
والصحيحُ عن عطاء : المرسلُ - : قَالَه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما .
وممَّن ذَهَبَ إلى هذا الحديث ورَخَّصَ في صلاةٍ ركعتي الفجر بعد صلاةٍ
الفجرِ وقبل طلوعِ الشمس : عطاءٌ وطاوس وابنُ جريج ، والشافعيَّ - فيما نَقَلَه
عنه المزني .
وهو روايةٌ عن أحمد، واختارها صاحبُ ((المغني))، وقَصَر الجوازَ على
قضاءِ ركعتي الفجرِ بعدَها ، وقضاءِ السنن الراتبة بعدَ العصرِ ، وقضاءِ الوتر بعدَ
طلوعِ الفجرِ ، لورودِ النَّصِّ بذلك .
وقد نَصَّ أحمدُ في روايةِ ابنِ منصورٍ عَلَى جوازِ قضاءِ السننِ الفائتةِ بعدَ
العصرِ، كما فَعَلَ النبيُّ ◌َهِ.
۔۔
وفي روايةِ المُرُّوذي على قضاءِ الوترِ بعدَ طلوعِ الفجرِ .
(١) الطبراني في «الكبير» (٣٦٨/١٨).

٣٢٠
حدیث : ٥٩٣
كتاب المواقيت
واختلفت الروايةُ عنه في قضاءِ سُنَّةِ الفجرِ بعدَ الصلاةِ . والمشهورُ عند أكثرٍ
أصحابنا : أنَّ الحكمَ يتعدى إلى قضاءِ جميعِ السننِ والرواتبِ في جميعِ أوقاتٍ
النهي ، وفعل جميعِ ذواتِ الأسبابِ فيها ، كصلاة الكسوفِ وتحيةِ المسجد ،
وحكَوْا في جوازِ ذلك كلِّه روايتين عن أحمدَ في جميعٍ أوقات النهي .
ولو قيل : إنَّ الخلافَ مختصٌّ بالوقتين الطويلين دونَ الأوقاتِ الثلاثةِ الضيقةِ
لكانَ أقرب .
ولا يُعرف لأحمدَ نَصَّ بجوازِ شيءٍ من ذلك في الأوقاتِ الضيقةِ .
هذا ، والتفريق هو قولُ إسحاقَ بينِ راهويه ، وهو متوجه .
والمشهورُ عن أحمدَ : أنَّ ذلك لا يُفعل في أوقاتِ النهي ، وأنْ سُنَّة الفجرِ
إِنَّمَا تُقْضَى بعدَ طلوعِ الشمسِ .
حتَّى نَقَلَ عَبْدُ اللَّه بنُ أحمد (١)، أنه سَأَلَ أَبَاه، فَقَالَ لَه : حُكِيَ عنكَ أنكَ
تقولُ: يُصلِّيهما إذا فَرَغَ من الصَّلاةَ؟ فَقَالَ: ما قلتُ هذا قَطُّ .
ولابن بَطَّة في ذلك مصنفٌ مفردٌ في منعِ ذلك، وهو اختيارُ الخِرَقِي
وأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يَعْلى .
وحُكِيَ جوازُه عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، ورَجَّحه طائفةٌ
من المتأخرين منهم .
وقال ابنُ أبي موسى : الأَظْهرُ عنه أنَّه لا يَفْعل شيئًا من ذلك في وقتِ
النهي ، لكنَّه استثنى مِن ذلك قضاءَ قيامِ اللََّلِ والوترِ بعدَ طلوعِ الفجرِ .
ورَوَى نافعٌ، عن ابنِ عُمَرَ ، أَنَّه كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الفجرِ قَضَاهُما مِن
الضحى(٢).
(١) في ((مسائله)) (ص ١٠٤).
(٢) البيهقي (٤٨٤/٢) .