Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ١٨ - بَابُ وقت المغرب كتاب المواقيت العشي عليها ، والمعنيَّ بِتَوَاريها بالحجاب : تواري قُرْصها عن أَعْين الناظرين ، بما حَجَبَها عنها مِن الأرضِ. وخرَّج مسلم(١) حديث سَلَمَةَ، ولفظه: كان النبيِّ وَّهِ يُصلِّي المغربَ إذا غربت الشمسُ وتوارتْ بالحِجَابِ . وخرَّجه أبو داود(٢)، ولفظه: كان يُصلِّي ساعةَ تغرب الشمس، إذا غَابَ حاجبُها . وهذا الحديثُ والذي قبلَه يدلان على أنَّ مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقتُ صلاةِ المغربِ ، كما يُفْطِرِ الصائمُ بذلك ، وهذا إجماعٌ من أهلِ العلم - : حكاه ابنُ المنذر وغيرُه . قال أصحابنا والشافعية وغيرُهم : ولا عِبْرةَ ببقاءِ الحمرة الشديدة في السماءِ بعد سقوطِ قرصِ الشمس وغيبوبته عن الأبصار . ومنهم مَنْ حَكَى روايةً عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة ، وبه قال الماورديُّ من الشافعية . ولا يصح ذلك . وأما إن بَقِيَ شيءٌ من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلا بد من ذهابه. وحكَى الطحاويُّ عن قومٍ ، أنَّهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم ، ولم يسمِّهم . والظاهر : أنه قولُ طائفة من أهلِ البدع كالروافضِ ونحوهم ، ولم يقل ذلك أحدٌ من العلماء المعتد بهم . وروى أبو نُعيم الفَضْلُ بْنُ دُكَيْن : ثنا إسرائيل ، عن طارق ، عن سعيد بن المسيَّب ، قال : كَتَبَ عُمرُ إلى أمراء الأمصار : لا تصلُّوا المغربَ حتى تشتبك النجوم . (١) (٢ / ١١٥) . (٢) (٤١٧) . ١٦٢ حديث : ٥٦٠ - ٥٦١ كتاب المواقيت وهذا إنما يدل على استحباب ذلك ، وقد رُوي عن عُمر خلاف ذلك موافقة لجمهور الصحابة . والأحاديث والآثار في كراهة التأخير حتَّى يطلع النجم كثيرة جدًا : ومن أجودِها : ما رَوَى ابنُ إسحاق : ثنا يزيد بن أبي حَبيب ، عن مَرْتَدِ بْنِ عبد اللّه ، قال : قَدِمَ علينا أبو أَيُّوبَ غازيًا وعُقبةُ بن عامرٍ يومئذٍ على مِصْرَ ، فَأَخَّرَ المغربَ ، فقام إليه أبو أَيُّوب ، فقال له : ما هذه الصلاةُ يا عُقْبَةُ ؟ قال : شُغِلْنَا. قال: أما سَمِعْتَ من رسولِ اللّهِ وَّ ◌ِلهِ يقول: ((لاَ تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ - أَوْ قَالَ: عَلَى الْفطْرَة - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ إلى أن تَشْتَبَكَ النَّجُومُ)) ؟ خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود وابنُ خُزيمة في ((صحيحه)) والحاكمُ وصححه(١). وقد خُولف ابن إسحاق في إسناده ، فرواه حَيْوَةُ بن شُريح ، عن يَزَيد ابن أبي حَبيب ، عن أَسْلِمَ أبي عِمْران ، عن أبي أيوب ، قال : كنَّا نُصلِّي المغربَ حين تجب الشمس . ورواه ابنُ لَهيعة، عن يزيد، ورَفَعَه إلى النبي ◌ََّ(٢). وقال أبو زُرْعَةٌ (٣): حديث حَيْوَةً أصح . وخرَّج الإمامُ أحمد(٤) معناه من حديث السائبِ بْنٍ يزيد، عن النبيِّ أَيِّ وخرَّجه ابنُ ماجه(٥) من حديث العبَّاس بن عبد المطلب، عن النبيِّ نَّ ٠ (١) أحمد (١٤٧/٤) (٤١٧/٥ - ٤٢٢) وأبو داود (٤١٨) وابن خزيمة (٣٣٩) والحاكم (١/ ١٩٠ - ١٩١) . (٢) أخرجه أحمد (٤١٥/٥) . (٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٠٦). (٤) (٤٤٩/٣) . (٥) (٦٨٩) . ١٦٣ ١٨ - بَابُ وقت المغرب كتاب المواقيت وقد رُوي عن عُمَرَ بْنِ عبد العزيز ، أنَّه أخرَّ ليلةً المغربَ حتَّى طَلَع نجمان ، فأعتقَ رقبتين كفارةً لتأخيرِه . فأمَّا الحديثُ الذي خرَّجه مسلم (١) من حديث أبي بَصْرة الغِفَاريِّ ، قال : صلَّى بنا رسولُ اللّهِ وَّهِ العصرَ، فقال: ((إنَّ هذه الصلاةَ عُرضَتْ عَلَى مَنْ قَبْلُكُمْ فَضَيَّعُوهَا ، فَمَنْ حَافَظَ عليها كَانَ لَهِ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، وَلاَ صَلاةَ بَعْدَها حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، والشاهد النجم . فقد اختلف العلماءُ في تأويله : فمنهم مَنْ حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تُصلَّى ، وهو قولُ من كَرِهَ ذلك من العلماء ، وقال: قوله : ((لا صلاةَ بعدها)) إنما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتَّى تُصلَّى المغرب ، فإذا فُرِغ منها حينئذٍ جَازَ التنفلُ ، مے وحينئذٍ تطلع النجومُ غالبًا . ومنهم مَن قال : إنما أراد أنَّ النهي يزولُ بغروبِ الشمس ، وإنما علقه بطلوعِ الشاهدِ لأنَّه مَظِنَّةٌ له ، والحكمُ يتعلق بالغروبِ نفسِهِ . ومنهم مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشاهد نجمٌ خَفی یَرَاهِ مَنْ كَانَ حَدید البصر بمجرد غروبِ الشمس ، فرؤيتُهُ علامةٌ لغروبها . وزَعَمَ بعضُهم : أنَّ المرادَ بالشاهد الليلُ ، وفيه بعُدٌ . وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ تعجيلَ المغربِ في أوَّلِ وقتها أفضلُ ، ولا خلافَ في ذلك مع الصَّحو في الحضر ، إلا ما رُوي عن عُمَرَ كما تقدم ، ورُوي عنه خلافه من وجوه . فأمَّا في الغيم ففيه اختلافٌ سَبَقَ ذكرُهُ، وأمَّا في السفرِ فيُستحب تأخيرُها ليلة النحرِ بالمزدلفة من دَفَعَ من عرفة حتَّى يصليها مع العشاءِ بالمزدلفة كما فَعَلَ (١) (٢٠٨/٢) . ١٦٤ حديث : ٥٦٠ - ٥٦١ کتاب المواقيت النبيُّ ◌َلَّ(١). وفي صحةِ صلاتها في طريقه قبلَ وصولِه إلى المزدلفة اختلافٌ يُذكر في موضعٍ آخر - إن شاء الله . وأمَّا في غير تلك الليلة في السفر فيجوز تأخيرُها للجمع بينها وبين العشاء . وقال مالكٌ : يُصلِّي المقيمُ المغربَ إذا غربت الشمسُ ، والمسافرُ لا بأسَ أنْ يمد ميلاً ثم ينزل فيُصلِّي . وقد رُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، ورُوي عن النبيِّ نَّهِ - أيضًا . وكذلك رَخَّص الثوريُّ في تأخيرِها في السفرِ دونَ الحضر ، وَقَالَ : كانوا يكرهونَ تأخيرها [في الحضرِ دون السفرِ](٢). وهل يُستحب أنّ يفصلَ بين أذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة ؟ فيه قولان : أحدهما: يُستحب، وهو قولُ النخعيِّ والثوريِّ وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : يفصل بينهما بسكتة بِقَدْرِ ثلاث آيات قائمًا ؛ لأنَّ مبناها على التعجيلِ ، والقائمُ أقربُ إليه ، فإنْ وَصلَ الإقامة بالأذان كُره عنده . والقولُ الثاني : لا يُستحب الفصل بجلوسٍ ولا غيرِه ؛ لأنّ وقتها مضيق ، وهو قولُ مالك . وقال أحمد : الفصلُ بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يُصلُّون الركعتين في عهدِ النَّبِيِّ وَِّ بين الأذانِ والإقامة للمغرب . كما سيأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالی. (١) البخاري (١٦٦٨) ومسلم (٧٣/٤) من حديث أسامة. (٢) من هامش ((م)). ١ ١٦٥ ١٨ - بَابُ وقت المغرب كتاب المواقيت وعند الشافعيِّ وأصحابه : يفصل بينهما فصلاً يسيرًا بقعدة أو سكوت ونحوهما. الحديث الرابع : قال : ٥٦٢ - ثنَا آدَمُ: ثنا شُعْبَةُ: ثنا عَمْرُو بْنُ دينار، قال : سَمعْتُ جَابِرَ بْنَ زَّيِّد، عَن عَبّدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى النَِّيَُّ سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَنًا جميعًا. قد سَبَقَ هذا الحديث في ((باب: تأخير الظهر إلى العصر)) والكلام عليه مستوفّى . ومقصودُ البخاريِّ بتخريجه في هذا الباب : أن يستدل به على جوازِ تأخيرٍ المغربِ إلى آخرِ وقتها قبل غروب الشفق ، وأنَّ وقتها ممتدٌّ إلى غروبِ الشفقِ ، فإنَّ النبيَّ وَِّ صلاها مَعَ العشاءِ جميعًا في الحضر من عِلَّةُ(١)، وقد حَمَلَه طائفةٌ من العلماءِ على أنَّه أخَّر المغربَ إلى آخرِ وقتها ، وقدَّمَ العشاء في أوَّلِ وقتها ، كذلك حَمَلَه عليه أبو الشعثاء وعمرو بن دينار ، وأحمد في رواية عنه ، وتبويب البخاريِّ هنا يدلُّ عليه . وعلى هذا التقدير ، فهو دليلٌ ظاهرٌ على امتدادٍ وقتِ المغرب إلى مغيبٍ الشفقِ . ويدلُّ على ذلك صريحًا: ما في ((صحيح مسلم))(٢) عن عَبْدِ اللّه بن (١) كذا بالأصلين: ((من علة)). وضبب عليها في ((هـ)). وأظن الصواب : ((من غير علة)) . فإن السياق والاستدلال يقتضيان أن تكون ((من غير علة))، وإلا فلِمَ حمله العلماء على محامل واجتهدوا في توجيهه ولو كان من علة لما أشكل ، ثم إنه دل عليه صريحًا ما في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عباس الآتى ؟ (٢) (٢ / ١٥٢ - ١٥٣). ١٦٦ حديث : ٥٦٢ کتاب المواقيت شقيق ، قال : خطبنا ابنُ عبَّاسِ يومًا بعد العصرِ حتَّى غربتِ الشمسُ وبدت النُّجُومُ، فجَعَلَ الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ. قال : فجاءَه رجلٌ من بني تَميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصَّلاة الصَّلاة، فقال ابنُ عبّاس : أتعلمني السنةَ لا أَمَّ لك؟! ثم قال: رأيتُ رسولَ اللّهِ بِّهِ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاء . قال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيءٌ ، فأتيتُ أبا هريرة فسألتُه ، فصدَّق مقالته . وممن ذَهَبَ إلى أَنَّ وقتَ المغرب يمتد إلى مَغيبِ الشفق : الحسنُ بن حَيِّ والثوريُّ وأبو حنيفة ومالكُ في ((الموطٍ»، والشافعيُّ في قولٍ له رجَّحه طائفةٌ من أصحابِه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، ورُوي عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ . وخرَّج مسلم(١) من حديثِ عَبْدِ اللّه بْنِ عَمْرو بن العاص، عن النبيِّ وَّ ، قال : ((إذا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فإنَّه وقتٌ إِلى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ). وفي رواية له - أيضًا -: ((وقتُ المغرب ما لم يسقط ثور الشفق)). وفي رواية له - أيضًا(٢) - : ((وقتُ صلاة المغرب ما لم يَغب الشَّفَقُ)). وقد اختلف في رفعِه ووقفه . وخرَّج مسلم - أيضًا(٣) - من حديث بُرَيْدَةَ، أن سائلاً سأل النبي ◌َّ عن مَواقيت الصلاة - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أنه صلَّى في اليومِ الأوَّلِ المغربَ حين وَجَبَتِ الشَّمْسُ، وفي اليومِ الثاني صلَّى قبل أنْ يَقَعَ الشَّفَقُ، وقال: ((ما بين ما رَأَيْتَ وَقْتُ) . (١) (١٠٤/٢) . (٢) (١٠٥/٢). (٣) (١٠٥/٢ - ١٠٦). ١ ١٦٧ ١٨ - بَابُ وقت المغرب كتاب المواقيت وخرَّج الإمام أحمد والترمذيُّ (١) من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّهِ: ((إنَّ الصَّلاَة أَوَّلاَ وآخرًا)) - فذكر الحديث ، وفيه : ((وإنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، وإنَّ آخرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ)) . وله عِلَّة، وهي أنَّ جماعةً رَووه عن الأعمش ، عن مُجاهد ، قال : كان يُقال ذلك . وهذا هو الصحيحُ عند ابنِ معين والبخاريِّ والترمذيِّ وأبي حاتم والبزارِ والعقيليُّ والدارقطنيِّ وغيرهِم . وذَهَبَ طائفةٌ إلى أنَّ للمغرب وقتًا واحدًا حين تغرب الشمسُ ، ويتوضأ ويُصلِّي ثلاث ركعات ، وهو قولُ ابنِ المبارك ، ومالك في المشهور عنه ، والأوزاعي ، والشافعي في ظاهرِ مذهبه . واستدلوا: بأنَّ جبريلَ صلَّى بالنبيِّ وَِّ المغربَ في اليومين في وقتٍ واحدٍ، وصلَّى به سائر الصلوات في وقتين . وزَعَمَ الأَثْرِمُ أنَّ هذه الأحاديث أثبت ، وبها يعمل . ومَنْ قال : يمتدٌّ وقتُها ، قال : قد صَحَّ حديثُ بُريدة ، وكان ذلك من فعلٍ النبيِّ وَّر بالمدينة ، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل . وفي حديث عبد اللّه بن عَمْرو: أنَّ النبيَّ رَ ◌ّ بِيَّن ذلك بقوله، وهو أبلغُ من بيانِه بفعله . ويعضده: عمومُ قولِهِ وَّهِ في حديث أبي قَتَادَةَ: ((إنَّما التفريطُ في اليقظة، أن يؤخرَ صلاةً حتَّى يدخلَ وقتُ الأخرى))(٢)، خَرَجَ من عمومِ ذلك الصبح بالنصوص والإجماع ، بقي ما عداها داخلاً في العموم . . . (١) أحمد (٢٣٢/٢) والترمذي (١٥١). (٢) أحمد (٢٩٨/٥ - ٣٠٥) ومسلم (١٣٨/٢ - ١٣٩). ١٦٨ حديث : ٥٦٢ کتاب المواقيت ولأنَّ النبيَّ نَّ أَمَرَ مَنْ حَضَرَه العَشاء بتقديمه على الصلاة(١)، ولولا اتساعُ وقتِ المغربِ لكانَ تقديمُ العَشَاء تفويتًا للمغرب عن وقتها للأكل، وهو غيرُ جائز. ولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب للعُذر بالاتفاق من القائلين : بأنَّ وقتها واحد ، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلا مَعَ امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصَّلاتين . ولعلَّ البخاريَّ إنما صَدَّر البابَ بقولِ عطاء : ((يجمعُ المريضُ بين المغربِ والعشاء)) لهذا المعنى الذي أشرنا إليه . واللهُ أعلم . ومتى غَابَ الشَّفَقُ ، فات وقتُ المغربِ بإجماع مَنْ سَمَّينا ذكره . ورُوي عن عطاء وطاوس : لا يفوتُ حتَّى يفوت العشاءُ بطلوعِ الفجر ، وحُكي روايةً عن مالك - أيضًا - ، والأحاديث المذكورة ترد ذلك. واختلفوا في الشَّفَقِ الذي يفوتُ وقتُ المغربِ بمغيبه : هل هو الحُمرة ، أو البياض؟ على قولين . ومذهب الثوريِّ ومالك والشافعيِّ: أنَّه الحمُرة . ومذهب أبي حنيفة والمُزني : أنَّه البياض . واختلف قولُ أحمدَ وأصحابِه في ذلك ، وسنذكره فيما بعد - إنْ شاء اللّه تعالى . (١) البخاري (٦٧١) (٦٧٢) (٦٧٣) ومسلم (٧٨/٢ - ٧٩) من حديث عائشة وأنس وابن عمر. ١٦٩ ١٩ - بَابُ من كره أن يقال للمغرب العشاء كتاب المواقيت ١٩ - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: الْعِشَاءُ ٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ : ثَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيّدَةَ: حَدَّثْنِي عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِّيُّ، أَنَّ الَِّّ ◌َ قَالَ: (َلاَ تَغْلِبَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلاَئِكُمُ المَغْرِبِ)). قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: هِيَ الْعِشَاءُ. عبد اللّه المزني ، هو : ابن مُغَفَّل - رضي الله عنه. وقد استدلَّ بهذا الحديثِ مَنْ كَرِهَ تسميةَ المغربِ العشاءَ ، وهو قولُ أصحاب الشافعي وغيرِهم . وقال أصحابنا : لا يُكْرَه ذلك، واستدلُّوا بأنّ العشاءَ تُسمى العشاءَ الآخرة ، كما قَالَ النِبِيُّنَّهِ: ((أَيُّما امْرَأَةُ أَصَابَتْ بَخُورًا فلا تَشْهَدْ مَعَنَا العشاءَ الآخِرَةَ)). خرَّجه مسلم (١). وسيأتي بعضُ الأحاديث المصرحة بذلك ، فدلَّ على أنَّ المغربَ العشاءُ الأولى. وأَجَابَ بعضُهم بأنَّ وصفَ العشاء بالآخرة لأنها آخر الصلوات ، لا لأنَّ قَبْلَها عشاءً أخرى . وقد حُكي عن الأصمعيِّ ، أنه أنكرَ تسميتها العشاء الآخرة ، ولاَ يُلتفت إلى ذلك . وفي (صحيح مسلم)) (٢) عن عَلَيٍّ، أنَّ النبيَّ رَّهِ صلَّى العصرَ يومَ الأحزابِ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ : المغربِ والعشاءِ . (١) (٢ / ٣٤) . (٢) (١١٢/٢) . ١٧٠ حدیث : ٥٦٣ کتاب المواقيت قال أصحابُنَا : وحديث ابْن مُغَفَّل يدلُّ عَلَى أنَّ تسميتَها بالمغربِ أفضلُ ، ونحن نقولُ بذلك . ومِنْ متأخريهم مَنْ قَالَ : حديثُ ابْنِ مُغَفَّل إنَّما يدلُّ على النهي عن أنْ يغلبَ اسمُ العشاءِ على المغرب حتَّى يُهجر اسمُ المغرب ، أو يقلَّ تسميتها بذلك ، كما هي عادةُ الأعراب ، فأمَّا إذا لم يغلب عليها هذا الاسمُ فلا يتوجه النهي حينئذٍ إليه . وقد تقدم أنها تُسمى صلاة البَصَرِ - أيضًا - ، فإذا سُميت بذلك مِن غيرِ أنْ يهجر تسميتها بالمغرب ، ويغلب تسميتها بذلك ؛ جاز . ١٧١ ٢٠ - بَابُ ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا كتاب المواقيت ٢٠ - بَابُ ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالعَتَمَةِ ، وَمَنْ رَأَهُ وَاَسعًا مراده : أنَّ العشاءَ الآخرة تُسمى العشاء ، وتُسمى العَتَمَة، وأنَّه يجوزُ تسميتُها بالعَتَمَة من غيرِ كراهة ، وإنْ كان تسميتُها بالعشاء أفضل اتباعًا لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ ، أو أكثرهم ، وهو ظاهرٌ كلامٍ أحمد ، وقول أكثر أصحابه ، وكذا قال الشافعيُّ في ((الأم)) (١): أحب إِليَّ أن لا تُسمى العشاء الآخرة عَّمَة ، وهو قولُ كثيرٍ مِن أصحابِهِ ، أو أكثرهم . ومنهم مَنْ قَالَ : يُكره أنْ تُسمى عَتَمَةَ ، وهو وَجْهٌ ضعيفٌ لأصحابِنا . وقد رُوي عن طائفة من السَّفِ ، منهم : ابنُ عُمَرَ وكان يكرهه كراهةٌ شديدة، ويقول: أوَّلُ مَن سماها بذلك الشيطانُ . وكَرِهَهُ - أيضًا - ابنُهُ سَالمٌ وابنُ سِیرین . وخرَّج مسلمٌ (٢) من حديثِ عَبْد اللّه بن أبي لَبيدٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ وَّهِ، قَالَ: ((لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ على اسْمِ صلاتكُمْ، أَلا إنَّها العشاءُ، وهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِلِ». وفي روايةٍ له - أيضًا - : ((لاَ تَغْلِنَّكُمُ الأَعْرابُ عَلَى اسمٍ صلاتكِمُ الْعِشَاءِ، فإنَّها في كتاب اللّه العشَاءِ، وإنها تُعْتِمُ بِحِلابِ الإِبلِ)) . كذا رَواه ابن أبي ◌َبيدٍ ، عن أبي سَلَمَةَ . وابنُ أبي لَبيدٍ كان يُتهم بالقدر. وقال العقيليَّ: كان يخالف في بعض حديثه. (١) (١/ ٦٤) . (٢) (١١٨/٢). ١٧٢ ٢٠ - بَابُ ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا كتاب المواقيت وتابعه عليه ابن أبي لَّيْلَى ، عن أبي سَلَمَةَ ، وابنُ أبي لَيْلَى ليس بالحافظ . ورواه عَبْدُ الرحمن بن حَرْمَلَة، عن أبي سَلَمَةً، عن النبيِّ ◌َِّ- مرسلاً . وقيل : عن ابنِ حَرْمَلَة ، عن سعيد بنِ المسيّب ، عن أبي هريرة - مرفوعًا . وخرَّجه ابنُ ماجه (١). وليس بمحفوظ . وفيه - أيضًا (٢) - : عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبيّ ◌َچل ٠ وفي إسنادِهِ جَهَالةٌ . وقد حَمَلَه بعضُ أصحابِنَا على كراهةِ نفي الكمال دون الكراهة ، وحَمَلَه بعضُهم على كراهة هُجرانِ اسمِ العشاءِ وغَلبة اسمِ العَتَمَةِ عليها كفعلِ الأعراب . وتسميتُها في كتابِ اللّه بالعشاءِ لا يدلُّ على كراهةٍ تسميتها بغيره ، كما أنَّ اللَّه تعالى سمَّى صلاة الصبح صلاة الفجر ، ولا يُكره تسميتها صلاةَ الصبحِ . خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثًا مسندًا ، وذَكَرَ فيه أحاديثَ كثيرة تعليقًا ، وقد خرَّج عامتها في مواضع أُخر مِن كتابِهِ ، فَقَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ: ((أَثْقَلُ الصَّلاَةَ عَلَى المُنَافقينَ العِشَاءُ وَالْفَجْرُ)). وَقَالَ : ((لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ)) . حديث أبي هريرة قد أسنده في ((باب: فضل صلاة العشاء في جماعة))(٣)، وخرَّج قبله في ((باب: فضل التهجير إلى الظهر))(٤) من حديث أبي هريرة - مرفوعًا -: ((لو يَعْلَمُون ما في الْعَتَمَةِ والصبح)). وخرَّجه أيضًا - في ((باب: الاستهام على الأذان)»(٥). (١) (٧٠٥) . (٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٦٦/١) والبخاري في ((التاريخ)) (١/ ٢/ ١٥٣) والبزار (١٠٥٥) وأبو يعلى (٢/ ١٧٣) . (٣) باب رقم (٣٤) من ((كتاب الأذان)). (٤) باب رقم (٣٢) منه . (٥) باب رقم (٩) منه . ١٧٣ ٢٠ - بَابُ ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا كتاب المواقيت ثم قَالَ الْبُخَارِيُّ : فَالاخْتِيارُ أَنْ يَقُولَ: الْعِشَاءُ؛ لقَوْل اللَّه: ﴿وَمِنْ بَعْد صَلاة الْعَشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] . قال : وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسى: كُنَّا نَاوَبُ إِلَى النَّبَِّ عِنْدَ صَلَةِ الْعِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِها. حديثُ أبي موسى هذا قد خرّجه بعد هذا قريبًا في ((باب : فضل العشاء)) ، وخرَّجه في مواضع أخر ، وقد علَّقه هنا بقوله : ((ويُذكر))، فدلَّ على أنَّ هذه الصيغةَ عنده لا تَقْتَضِي ضَعْفًا فيما علقه بها ، وأنه يُعلِّقُ بها الصحيحَ والضعيفَ ، إلا أنَّ أغلبَ ما يُعلّقُ بها ما ليس على شرطِهِ . ثم قال : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَِّيُّ ◌َِّ [بالعَشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ عَائِشَةَ أَعْتَمَ النَِّيُّ ◌َلُ](١) بِالْعَتَمَةِ. حديثُ عائشة خرَّجه في ((باب: فضل العشاء))، ولفظُه: ((أَعْتَمَ بالعِشَاءِ)). وحديثُ ابنِ عباس خرَّجه في ((باب: النوم قبل العشاء))، بلفظ حديث عائشة . وخرَّج مسلم (٢) حديثَ عائشة، ولفظُه: ((أَعْتَمَ رسولُ اللَّهِ وََّ ليلةً بصلاة العشاءِ ، وهي التي تُدْعَى الْعَتَمَةُ)). وخرَّج النسائي (٣) حديثَ عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ، وعنده فيهما: أعْتَمَ رسولُ اللَّهِ وَهُ بِالْعَتَمَة . (١) سقط من الأصلين. (٢) (١١٥/٢). (٣) (٢٦٥/١) . ١٧٤ ٢٠ - بَابُ ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا كتاب المواقيت وخرَّج أبو داود(١) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: صلَّيْنا مَعَ رسولِ اللّه وَُّ صِلَاةَ العَتْمَةِ. ومِن حديث(٢) مُعاذٍ بن جبل، قال: أَبْقَيْنَا (٣) النبيِ وََّ في صلاةِ العَتَمَة. ثُم قَالَ البُخاريُّ : وَقَالَ جَابِرٌ : كَانَ النَِّيُّ ◌َلَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ. حديثُ جابرٍ قد خرَّجه البخاريُّ في الباب الذي بَعْدَ هذا ، وقد خَرَّجه فيما مَضَى - أيضًا . قال : وَقَالَ أَبُو بَرْزِةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ. حديث أبي بَرْزَةَ هذا خرَّجه فيما مَضَى في ((باب: وقت العصر)) ولفظه : ((وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤخر من العشاءِ التي تَدْعُونَها العَتَمَةَ». ثُم قَالَ : وَقَالَ أَنَسُ: أَخَّرِ رَسُولُ اللَّه ◌َلِ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ. حديثُ أَنَسِ هذا خَرَّجه النسائي(٤)، وخرجه البخاريُّ في مواضع ، ولفظه : ((أَخَّرِ العِشَاءَ» . وخرَّج مسلم(٥) من حديثِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ليلةٌ نَنْتَظِرُ رسولَ اللَّهِ وَل (١) (٤٢٢) . (٢) (٤٢١) . (٣) في الأصلين: ((أتينا)) خطأ. وأبقينا معناها انتظرنا ، انظر النهاية (١٤٧/١). (٤) (١/ ٢٦٨) . (٥) (١١٦/٢) . ١٧٥ ٢٠ - بَابُ ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا کتاب المواقيت لصلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ . ثُم قَالَ البخاريُّ : وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو أَيُّوبَ(١): صَلَّى النَِّيَُّ المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. وحديثُهما في جمعِ النبيِّ ◌َّهِ بين المغرب والعشاءِ بالمُزْدَلِفَة، وقد خَرَّجه البخاريُّ في ((كتاب الحج)(٢). وخَرَّجه مسلم - أيضًا (٣). وأما الحديث الذي أسنده في هذا الباب : فقال : ٥٦٤ - حدّثنا عَبدانُ: أبنا عَبْدُ اللَّهِ: ثنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَفِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الَّهِ لَيْلَةً صَلَةَ الْعِشَاءِ - وَهْيَ الِي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ -، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: (أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مائَة سَنَةً [ مِنْهَا](٤) لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدِّ) . في هذا الحديثِ : أنَّ صلاةَ العشاء يدعوها الناسُ العَتَمَةَ ، وكذا في حديثٍ عائشةَ وأبي بَرْزَةَ ، وهذا كلُّه يدلُّ على اشتهارِ اسمِها بين الناسِ بالعَتَمَةِ ، وهو الذي نَهَى النبيُّ وَّهِ، وكان ابن عمرُ وغيره يكرهونه أنْ يغلبَ عليها اسمُ العتمة حتَّى لا تُسمى بالعشاء إلا نادراً . وأما إذا غَلَبَ عليها اسمُ العشاء ، ثم سُميت - أحيانًا - بالعتمة بحيث لا يزولُ بذلك غَلَبَةِ اسمِ العشاءِ عليها ، فهذا غيرُ منهي عنه ، وإنْ كان تسميتُها بالعشاءِ - كما سمَّاها اللهُ بذلك في كتابه - أفضل . (١) في ((اليونينية)) زيادة: ((وابن عباس - رضي اللّه عنهم)). (٢) (١٦٧٣) . (٣) (٧٥/٤) . (٤) من ((اليونينية)). ١٧٦ حديث : ٥٦٤ کتاب المواقيت وأمَّا ما قَالَه وَلَّ مِن أَنَّه: ((لاَ يَبْقَى عَلَى رأس مائة سنة من تلك الليلة أحدٌ» ، فمرادُه بذلك : انخرامُ قرِنِهِ وموتُ أهلِه كلهم الموجودين منهم في تلك الليلةِ على الأرضِ ، وبذلك فَسَّره أكابرُ الصحابة كعليٌّ بْنِ أبي طالب وابنِ عُمر وغيرهما . ومَنْ ظَنَّ أَنَّه أرادَ بذلكَ قيامَ الساعةِ الكبرى فقد وَهِمَ ، وإنَّما أرادَ قيامَ ساعةٍ الأحياءِ حينئذٍ وموتهم كلهم ، وهذه الساعةُ الوسطى ، والساعةُ الصغرى موتُ كلِّ إنسانٍ في نفسِهِ ، فمَنْ مَاتَ فقد قامتْ ساعتُهُ الصغرى ، كذا قَالَه المغيرةُ بْنُ شُعْبَة وغيرُه(١). ١ (١) راجع: ((تبييض الصحيفة)) لشيخنا الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف - حفظه اللّه تعالى - (١٢٧/١ - رقم ٤٣). ٠ ١٧٧ ٢١ - بَابُ وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا کتاب المواقيت ٢١ - بَابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ نَأَخَّرُوا ٥٦٥ - حدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّد ابْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ : ابْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ-، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلاَةَ النَِّّ ◌ِهِ، فَقَالَ: كَانَ النَِّيَُّلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ ، وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ ، وَإِذا قَلُّوا أَخَّرَ ، والصُّبْحَ بِغَلَسِ . هذا الحديثُ : دليلٌ على أنَّ الأفضلَ في صلاةَ الإمامِ العشاءَ الآخرة مراعاةٌ حال المأمومين المصلين في المسجد ، فَإِن اجتمعوا في أوَّلِ الوقتِ فالأفضلُ أنْ يُصلّي بهم في أوَّلِ الوقتِ ، وإنْ تأخروا فالأفضلُ أنْ يُؤْخِرَ الصلاةَ حتَّى يجتمعوا؛ لِمَا في ذلك من حصولِ فضلِ كثرةِ الجماعةِ ، ولئلا يُفَوِّت صلاةَ الجماعة لكثير من المصلّين . وتبويب البُخاريِّ : يدلُّ على استحباب ذلك ، وهو - أيضًا - قولُ عَطاء وأبي حنيفة ، وأحمد ، نص عليه في رواية الأثرم ، قال : يُؤخرها ما قَدَرَ بعدَ أن لا يَشُقَّ على النَّاسِ . وهو المذهبُ عند القاضي أبي يعلى في ((كتاب الجامع الكبير)» من غيرِ خلافٍ . ومن الأصحاب من حكَى روايةً أخرى عن أحمد : أنَّ تأخيرَها أفضلُ بكلِّ حال . والصحيحُ : مَا قَالَه القاضي، وأنَّ المذهبَ أنَّ تأخيرَها أفضلُ ، إلا أن يشقَّ على المأمومين ، أو يشقَّ على مَنْ كان يصلِّي وحده . وقال عَطَاءٌ : الأفضلُ تأخيرُها ، إمامًا كان أو منفردًا، إلا أن يشقَّ عليه أو ١٧٨ حديث : ٥٦٥ كتاب المواقيت على الجماعة فيُصَلِّيِها وَسَطًا لاَ مُعَجَّلَةٌ وَلاَ مُؤَخَّرَةً . خرَّجه مسلمٌ بإسنادِه عنه في «صحيحه))(١) . ورُوي أن عُمَرَ كَتَبَ إلى أبي مُوسى كتابًا ، وقال فيه : صَلِّي (٢) العشاء ما لم تخف رقاد الناس . خرَّجه البيهقي(٣). وَقَوْلُ النَّبِ وَِّ: ((إِنَّه لوقتُها، لولا أنْ أشق على أمتي)) يدل على أنَّه كان يُراعي حالهم إذا شَقَّ عليهم التأخير إلى وقتِها الأفضل . وقد رُوي عن النبيِ نََّ، أنه وَصَّى معاذَ بْنَ جبل لمَّا بَعَثَه إلى اليمن: ((أن تعجلَ العشاء في الصيف ، وتؤخرها في الشتاء)) ، وذلك مراعاة لحال المأمومين . وقد قال ابنُ أبي هريرة - من أعيان الشافعية - : إنَّ قولي الشافعي في استحباب تأخير العشاء وتقديمها ليسا على قولين ، بل على حالين : فإنْ عَلِمَ مِن نفسه أنَّه إذا أخَّرِها لا يغلبه نومٌ ولا كسلٌ استُحب تأخيرُها ، وإلا فتعجيلُها ، وجَمَعَ بين الأحاديث بهذا . وضعَّف الشاشي قولَه في ذلك، ورَدَّ عليه صاحبُ ((شرح المهذب))، ورجَّح ما قاله ابنُ أبي هريرة ، وقال : هو ظاهر ، أو الأرجح . والله أعلم. (١) (١١٧/٢ - ١١٨). (٢) كذا بالأصل ، وله وجه . (٣) (٣٧٦/١) وعبد الرزاق (٥٣٥/١). ١٧٩ ٢٢ - بَابُ فضل العشاء · كتاب المواقيت ٢٢ - بَابُ فَضْل العشاء ٠ فيه حديثان : الأول : ٥٦٦ - حدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ: ثنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتَهُ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولَ اللَّهِعَ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْدُوَ الإِسْلاَمُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ : نَامَ النِّسَاءُ وَالَصِّيَانُ ، فَخَرَجَ ، فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: ((مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ)) . قولُهُ وَلَهِ: (مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ))، قد فَهِمَتْ منه عائشةُ - رضي اللّه عنها - أنَّ الصلاةَ لم يكن يجتمع لها بغير المدينة . وقد خَرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخر (١)، وفيه : قال: ((وَلاَ يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة))، ولعلَّ هذا مُدْرَجٌ مِن قولِ الزهري أو عُرْوة ، وقد كان يُصلَّى بالمدينة في غيرِ مسجد النبيُّ ونَ*، كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار . وقد رُوي ما يدل على أنَّ مُرادَ النبيِّ نَِّ: أنَّه لاَ يصليها أحدٌ من أهلِ الأديان غيرِ المسلمين . ففي ((صحيح مسلم))(٢) من حديث مَنْصُورٍ، عن الحَكَمِ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ عُمر، قال: مَكَثْنَا ذاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ لِصَلاةِ عِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلينا حين ذَهَبَ ثُلُثُ الَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَلا نَدْرِي أشيءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غيرُ ذِلِكَ؟ فقال حِينَ خَرَجَ : ((إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دين غيرُكُمْ، وَلَوْلاَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذه السَّاعَةَ))، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى. (١) (٥٦٩) . (٢) (١١٦/٢) . ١٨٠ حديث : ٥٦٦ كتاب المواقيت وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) من روايةِ عاصمٍ ، عن زِرُّ ، عن ابن مسعود ، قال : أخَّرَ رسولُ اللّهِ وَّهَ صلاةَ العشاءِ، ثم خَرَجَ إلى المسجدِ، فإذا النَّاسُ ينتظرون الصَّلاةَ، فَقَالَ: ((أَمَا إنَّه لَيْسَ مِن أهلِ هذه الأديان(٢) أحدٌ يذكر اللهَ هذه الساعة غيركم))، قال: وأُنزلت هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وخرجَّه يعقوبُ بن شَيْبة في ((مسنده))، وقال : صالحُ الإسنادِ . وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود(٣) من روايةٍ عاصمٍ بن حُميد السَّكُوني ، أنه سَمِعَ معاذَ بْنَ جَبَلٍ قال: رقبنا النبي ◌ِّفي صلاة العَتَمَةِ، فتأخر حتَّى خَرَجَ، فقال: ((أَعْتمُوا بهذه الصلاة ؛ فإنكم قد فُضِّلْتُم بها على سائر الأمم ، ولم تُصلِّها أُمةٌ قبلكم» . وعاصم هذا؛ وثَّقه ابنُ حبان والدارقطنيُّ ، وهو مِنْ أصحاب مُعاذ . وخرَّج أبُو مُسلم الكجيِّ في ((سننه)) من حديث الشَّعبي ، قال : بَلَغَنِي أن رسولَ اللّه ◌َ له أخَّر صلاةَ العشاء ذاتَ ليلةٍ حتَّى ذَهَبَ من الليل ما شاء اللّه، ثم جَاءَ ، فقال : ((هذه الصلاةُ لم يُعطها أحدٌ من الأمم قبلكم - أو غيركم - فَمَنْ كَانَ طالبًا إلى الله عز وجل حاجة لآخرة أو دنيا فليطلبها في هذه الصلاة)) . وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على فضلِ ذِكْرِ اللَّه تعالى في الأوقات التي يَغْفُلُ عمومُ النَّاسِ فيها ، ولهذا فُضل التهجدُ في وسطِ الليلِ على غيرِه من الأوقات ؛ لقلةٍ مَن يذكر اللهَ في تلك الحال . (١) (٣٩٦/١) . (٢) في ((م)): (([من أهل ملة] من أهل هذه الأديان))، وما بين المعقوفين ألحق بهامشه، ولم نجده في ((المسند))، وليس هو في ((هـ)). (٣) أحمد (٢٣٧/٥) وأبو داود (٤٢١) . وعند أبي داود : ((أبقينا)) . وقد تقدم مثله .