Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
٩٠ - بَابٌّ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
قال صاحبُ ((تهذيب المدوَّنَة)): ولا يُصلِّي في الحضرِ إلا إلى سُتْرة ،
ويصلِّي في السفر أو بموضعٍ يأمنُ فيه مرورَ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلى غيرِ سُتْرةٍ .
ويستدل لذلك بصلاةِ النبيِّ وَّ بمنّ إلى غيرِ جِدارٍ ، كما تقدَّمَ في روايةٍ
مالكٍ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ، وأنَّ الشافعيَّ وغيرَه فسروه بصلاته إلى غيرِ سترة
بالكلِّيّة .
وقد قيل : إنَّ فائدةَ السُّْرةِ مَنْعُ المرورِ بين يَدَي المصلِّي .
وقيل : كَفُّ النظِرِ عمَّا وراء السُّتْرةِ .
والأوَّلُ أَظْهَرُ وأشبهُ بظواهرِ النصوص ، والعَنَزَةُ ونحوها لا تكفُّ النظرَ .
وحيثُ تستحبُ الصلاة إلى السترة ، فليس ذلك على الوجوب عند الأکثرین،
وهو المشهورُ عند أصحابِ الإمامِ أحمد .
ومنهم مَنْ قال : هي واجبة ، لكنْ لا تبطلُ الصلاةُ بتركها حتَّى يوجد المرورُ
المُبْطِلُ للصلاةِ الذي لأجله شُرعت السترةُ .
وَقَالَ الأَثْرَمُ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ في صلاةِ النَّبِّ نَّهِ إلى غيرِ سُتْرةٍ إنْ كان
محفوظًا فإنَّمَا وَجْهُهُ إذا لم يجدْ سُتْرَةً أجزأهُ .
فحَمَلَهُ على حالةِ تعذرٍ وجودِ السترة، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ النَّبِيَّ وَّهِ لا يتعذر
عليه تحصيل ما يَسْتتر به ، وهو بمنىّ أو بعرفة ، ومعه الخلقُ العظيمُ من
المسلمينَ .
ورخَّصتْ طائفةٌ في الصلاةِ إلى غيرِ سُتْرةٍ مطلقًا ؛ روى جابرٌ ، عن الشَّعَبيِّ،
قال : لا بَأْسَ أن يصلّي إلى غيرِ سُتْرةٍ .
وقال ابنُ سيرين قلتُ لعَبيدة : ما يسترُ المصلِّي ، وما يقطعُ الصلاةَ ؟ قال :
يسترُهَا التقوى ويقطعُها الفجورُ . قال : فذكرتُه لشُريح، فقال : أَطْيبُ لنفسِكَ
أنْ تجعلَ بين يديكَ شَيْئًا .
٠٠

٦٢٢
حديث : ٤٩٥
كتاب الصلاة
خرَّجهما وكيع .
ورَوَى بإسنادهِ ، عن ابن مسعود ، قال : من الجفاءِ أنْ يصلِّي الرجلُ إلى
غيرِ سُتْرةٍ .
الحديث الثالث :
٤٩٥ - ثَنَا أَبُو الوَلِيدِ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبي
يُحَدِّثُ، أَنَّ النَِّّ ◌َ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ
وَالْعَصْرَ ركعتين ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالحمَار .
هذا - أيضًا - يدلُّ - كما دَلَّ عليه حديثُ ابنِ عمر - أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يُصلِّي
فِي أَسْفَارِهِ إلى عَنَزَةٍ تستره ممَّن يمر بين يَدَيْهِ ، وهذا ممَّا يضعف حملَ الأَثْرِمِ
لصلاة النبيِّ وَّةِ بمنّى أو عَرَفَة إلى غيرِ سُتْرةٍ على أنَّه تعذر عليه السُّتْرة ؛ فإنَّ
حديثَ أبي جُحَيْفة يدلّ على أن العَنَزَةَ كانت معه في حجَّةِ الوداعِ، وأَنَّه صلَّى
إليها بمكة .
وقوله : ((يَمُرُّ بين يديه المَرْأَةُ والحمارُ)) مما يُستدل به على أن مرورَهما بين
يَدَيِ المصلي إلى غيرِ سُتْرةٍ يقطعُ عليه صلاتَه، ولولا ذلكَ لم يكن لتخصيصِ
المرأةِ والحمارِ بمرورهما بين يَدَيْهِ من وراءِ السَّتْرة - معنّى .
وقولُهُ : ((يمر بين يديه المرأةُ والحمارُ)) - يعني: مِن وراءِ العَنَزَةِ، كما في
الرواية الأخرى : يمرُّون مِنْ وَرَائها ، وستأتي قريبًا - إن شاء اللّه تعالى.

٦٢٣
٩١ - بابُ قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة
کتاب الصلاة
٩١ - بَابُ
قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّي والسُُّرَةِ ؟
٤٩٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ : ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ
سَهْلٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِوَّهَ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَعَرُّالشَّةِ.
٤٩٧ - حَدَّنَا المَكِِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ : كَانَ
جِدَارُ الْمَسْجِد عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، مَا كَادَتِ الشََّةُ تَجُوزُهَا .
هذا الحديث الثاني أحدُ ثُلاثِيَّات البخاريِّ ، وهي الأحاديث التي بَيْنَه وبين
النبيِّ وَّ فيها ثلاثةُ رجال.
وحديثُ سَهْلٍ يدلُّ عَلَى أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يُصلِّي قريبًا من الجدار بحيث لا
يكونُ بين موقفِه وبين الجِدارِ غير قَدْرِ ما تمر فيه الشاةُ .
وأما حديثُ سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ ، فتخريج البخاريِّ له في هذا الباب يدلُّ على
أَنَّه فَهِمَ منه أنَّ المنبرَ كان بإزاءِ موقفِ النبيِّ نََّ فِي صَلاَتِهِ أو متقدمًا عليه ،
مُتْنَحيًا عن جدار قبلة المسجد ، وبينهما خَلَلٌ لا تكاد تجوزُ منه الشاةُ .
وقد قيل : إنَّه يحتملُ أنَّ المرادَ به : أنه كانَ بَيْنَ المنبرِ وَبَيْنَ جِدارِ المسجد
الغربي خللٌ يسيرٌ ، لا تكادُ الشاةُ تجوز منه ، وأَنَّه ليس المرادُ به جدار القبلة .
لكن قد خرَّج البخاري(١) هذا الحديث في كتاب ((الاعتصام)) بلفظ صريحٍ في
المعنى الذي فَهِمَه منه هاهنا، عن ابنِ أبِي مَرْيم، عن أبي غسَّان ، عن أبي حازم،
عن سَهْلِ ، أَنَّه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبرِ ممر الشاة .
وخرَّج الإمامُ أحمد (٢)، عن حمَّد بن مَسعدة ، عن يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ ، عن
(١) (٧٣٣٤) .
(٢) (٥٤/٤) .

٦٢٤
حديث : ٤٩٦ - ٤٩٧
كتاب الصلاة
سَلَمَةَ ، قال : كَانَ بين المنبرِ والقبلةِ قدرُ مَمَرِّ شَاةٍ .
وفي القُربِ من السَّتْرةِ أحاديثُ أخر :
فمنها : ما خرَّجه البخاريُّ (١) في بابٍ مفردٍ بعد هذا من حديثٍ موسى بن
عُقبة ، عن نافع ، أنَّ عبدَ اللّه كان إذا دَخَلَ الكعبة مَشَى قِبل وَجْهِهِ حِين يَدْخُل،
وجَعَلَ البابَ قِبل ظهره يمشي حتى يكون بينه وبين الجدارِ الذي قبل وجههِ قريب
من ثلاثةِ أذرعٍ صلَّى به، يتوخَّى المكانَ الذي أخبره به بلالٌ أنَّ النبيَّ نَّهِ صَلَّى.
فيه .
ومنها : ما وَرَدَ في الأمرِ بالدُّنُوِّ مِن السُّرةِ من غير تقديرٍ بِشَيْءٍ :
فروى نافعُ بنُ جُبَيْر ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، يبلغُ به النبيِّ وََّ، قال:
(إذا صلَّى أحدُكُم إلى سُثْرةٍ فَلَيَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه صَلاَتَهُ) .
خرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي وابن حِبَّان في ((صحيحه))(٢).
وذكر أبو داود في إسناده اختلافًا ، وكذلك ذَكَرَه البخاري في ((تاريخه)).
وقد رَوَى - أيضًا - عن نافعٍ بنِ جُبير - مرسلاً ، وفيه : ((فإنَّ الشيطانَ يَمُرُّ
بينه وبينها)) .
وقال العُقيلي : حديثُ سَهْلِ هذا ثابتٌ .
وقال الميموني : قلتُ لأبي عبد اللّه - يعني: أحمد - : کیف إسنادُ حديث
النبيِّ وَّهُ : ((إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلَيَدْنُ من سترتِهِ))؟ قال : صالحٌ ، ليس بإسنادِهِ
بأسٌ .
ورَوَى ابنُ عجلان ، عن زيدِ بنِ أَسْلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري، عن أبيه ، قال: قال رسولَ اللَّهِ وَ له: ((إذا صلَّى أحدُكُم فليصلِّ إلى
سُتْرَة ، ولَيَدْنُ منها)) .
(١) (٠٦ ٥) .
(٢) أحمد (٢/٤) وأبو داود (٦٩٥) والنسائي (٦٢/٢) وابن حبان (٢٣٧٣).

٦٢٥
كتاب الصلاة ٩١ - بابُ قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة
خرَّجه الإمامَ أحمد وأبو داود وابن ماجه(١) .
ورُوي هذا المتنُ من وجوه أخر عن النبي ◌َّ .
ورَوَى إسحاق بن سُوَيَد ، عن عمر ، أنه رأى ، رجلاً يصلِّي متباعدًا عن
القِبلة ، فقال : تقدَّم، لا يفسدُ الشيطانُ عليكَ صلاتَكَ ، أما إنِّي لم أقلْ إلا ما
سمعتُ من رسولِ اللَّهِ وَِّ .
خرَّجه الإسماعيليُّ وغيره(٢).
وهو منقطع ؛ فإنَّ إسحاق لم يسمع من عمر .
وقد رُوي عنه مرسلاً .
ورُوي عنه ، عمن حدثه ، عن عمر .
ورَوَى مُصْعَبُ بنُ ثَابت ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشةَ ،
قالتْ: قَالَ رسولُ اللّهِ وَلِّ: ((أَرْهِقُوا القبلة)).
خرجه البزار (٣) والأثْرمُ .
وقال الدار قُطْنيُّ - فيما نقله عنه البَرْقَاني - : لم يَرْوه إلا مُصْعَبُ بن ثابت ،
وليس بالقوي .
ومعنى إرهاق القبلة مضايقتُها ومزاحمتُها والدِّنُوُّ منها - : فسَّرَه به ابنُ قُتيبة
وغيرُهُ ، وتوقف أحمد في تفسيره .
وخرَّجه الجُوزِجَاني، ولفظه: ((إذا صلَّى أحدُكُم فليصلِّ إلى سُتْرةٍ ،
ولَيَقْرُبْ منها)» .
وفي البابِ أحاديثُ أخرُ مسندةً ومرسلةً :
(١) أحمد (٣٤/٣ - ٤٣ - ٤٩ - ٥٧ - ٩٣) وأبو داود (٦٩٨) وابن ماجه (٩٥٤).
(٢) عبد الرزاق (١٦/٢) من طريق ابن جريج عن عمر.
(٣) (٥٨٨ - كشف).

٦٢٦
حديث : ٤٩٦ - ٤٩٧
كتاب الصلاة
ورَوَى وكيعٌ بإسنادِه عن ابن مسعود ، قال : يصلِّي وبينه وبين القبلة مقدارُ
مَمَرِّ رجل .
وعنه : قال : لا يصلِّين أحدُكم وبينه وبين القبلة فجوة .
وسُئل الحسنُ : هل كانوا يرقبون في البعدِ شيئًا ؟ قال : لا أعلمُهُ .
وقال ابنُ المنذر : كان عبدُ اللّه بنُ مَعْقِل يَجْعل بينه وبين سترته ستة أذرعٍ .
وقال عطاء : أقلُّ ما يكفيك ثلاثةُ أذرعٍ ، وبه قال الشافعي .
وقال مُهَّنَا : سألتُ أحمد عن الرجلِ يصلِّي ، كم يكونُ بينه وبين القبلة ؟
قال: يدنو من القبلة ما استطاع، ثم قال: إنَّ ابنَ عمر قال : صلَّى رسولُ اللّه
وَّ في الكعبة، فكان بينه وبين الحائطِ ثلاثةُ أذرع .
وقال الأَثْرِمُ : سُئِل أبو عبد اللّه عن مقدارِ ما بين المصلِّي وبين السارية ؟
فذَكَرَ حديثَ ابنِ عمر هذا . قيل له : يكون بينه وبين الجدارِ إذا سَجَدَ شِبْرٌ ؟
١
قال : لا أدري ما شِبْر .
قال الأثرمُ: ورأيتُهُ يتطوعُ وبينه وبين القبلةِ كثيرٌ (١) ، أذرع ثلاثةٌ أو أكثر .
قال ابنُ عبد البر(٢): ولم يُحدَّ مالكٌ في ذلك حدّاً .
ثم أشار ابنُ عبد البر إلى أنَّ الآخذين بحديثِ سَهْل بنِ سعد الذي خرَّجه
البخاريَّ في قدرِ مَمَرِّ الشاةِ أَوْلى .
وقال في موضعٍ آخر : حديث ابنِ عمر أصحّ إسنادًا من حديث سهل ،
وكلاهما حسنٌ .
قلتُ : ولو جَمَعَ بين حديثٍ سهل وابن عمر فَأَخَذَ بحديث ابن عمر في
النافلة وحديث سهل في الفريضة لكان له وَجْهُ؛ فإنَّ صلاةَ النبيِّ وَّ في الكعبةِ
(١) في ((ق)): ((شيء كثير)).
(٢) (٤ / ١٩٧ - ١٩٨) .

٦٢٧
٩١ - بابُ قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة
كتاب الصلاة
كانتْ تطوعًا، وسَهْلٌ إنما أخبر عن مقامِ النبيِّ وَّ في مسجدِه الذي كان يُصلِّي
فيه بالناسِ الفرائضَ .
وقال القرطبيُّ : قدَّره بعضُ الناس بقدر شِبْر .
قلت : هذا فيما يفصل عن محلٌّ سجوده ، لا عن محل قيامه ، كما سُئل
عنه الإمامُ أحمد فيما سَبَقَ .
قال : ولم أحدَّ في ذلك حدًا ، إلا أنَّ ذلك بقدرِ ما يَرْكَع فيه ويَسْجُد ،
ویتمکن من دفع من يمر بين يديه .
قال : وقد حَمَلَ بعضُ شيوخِنَا حديثَ مَمَرِّ الشاة على ما إذا كان قائمًا ،
وحديثَ ثلاثةِ أذرعٍ على ما إذا رَكَعَ أو سَجَدَ .
كذا وجدتُه ، وينبغي أن يكون بالعكس ؛ فإنَّ الراكِعَ والساجدَ يدنوان(١) من
السَّتْرةِ أكثر من القائم كما لا يَخْفَى .
وذَكَرَ صاحبُ (المهذب)) مِن الشافعية: أنَّ مَمَرَّ العَنْزِ قدرُ ثلاثةِ أذرعٍ، فَعَلَى
قولِه يتَّحدُ معنى حديثٍ سهل وحديث ابن عمر ، وهو بعيدٌ جِدًا .
ومتى صلَّى إلى سُتْرةٍ وتباعدَ عنها ، فقال أصحابُ الشافعي : هو كما لو
صلَّى إلى غيرِ سُتْرة ، في المرورِ بين يَدَيْهِ ودفعِه للمارِّ ، على ما سَبَقَ حكاية
مذهبهم .
(١) في الأصل ((يدنو).

٦٢٨
حديث : ٤٩٨
كتاب الصلاة
٩٢ - بَابُ (١)
الصََّةِ إِلَى الْحَرْبَّةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْمَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِبْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَتْ تُرْكَزُ لَهُ الحَرْبَةُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا .
قد تقدم هذا الحديثُ بأبسط من هذا السياقِ .
%
(١) هذا الباب بحديثه وشرحه من ((ق)) فقط.

٦٢٩
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
٩٣ - بَابُ
الصَّلاَةِ إِلَى العَنَزَةِ
٤٩٩ - حَدَّثْنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي ، قَال:
خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ بالهَاجِرَةِ، فَأَتِي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَاً، فَصَلَّى بِنَ الظُّهْرَ
وَاَلْعَصْرَ ، وَبَيْنَ يَدَّهِ عَزَةٌ، وَالْمَرَأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا .
٥٠٠ - حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، ثَنَا شَاذَانُ ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي مَيْمُونَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ إِذَا خَرَجَ
لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُأَنَا وَغُلاَمٌ، وَمَعَنَا عُكَّزَةٌ أَوْ عَصِى أَوْ عَنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ
حَاجَتَه نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ .
((شَاذَانُ)، هو : أسودُ بن عامر ، وشاذان لقبٌ له .
وحديث أنس قد خرّجه في ((كتاب الوضوء))(١)، في ((أبواب الاستنجاء)) ،
وذَكَرَنَا هناك فائدةَ حملِ العَنّزَةِ .
وظاهر تبويب البخاري يدلُّ على التفريق بين العَزَةِ والحَرْبَةِ ، وأكثرُ العلماءِ
فسَّرُوا العَنَزَةَ بِالحَرْبة .
وقال أبو عُبيد : العَنَزَةُ عصا قدر نصف الرمْحِ أو أكثر ، لها سِنَانٌ .
وقد خرَّج مسلم (٢) حديثَ ابنِ عمر الذي خرَّجه البخاري في الباب الماضي
من حديثِ عُبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، أن النبيَّ وَّوَ كان تُرْكَزُ له العنزةُ
ويُصلِّي إليها .
قال عُبيد اللّه : وهي الحَرْبة .
(١) (١٥٠) .
(٢) (٥٥/٢) .

٦٣٠
حديث : ٤٩٩ - ٥٠٠
كتاب الصلاة
وقد فرَّق قومٌ بين العنزة والحربة ، فعن الأصمعي قال : العَنَزَةُ: ما دُوِّرَ
نصلُه ، والحَرْبَةُ : العريضةُ النصل .
وأشار بعضُهم إلى عكس ذلك .
وصلاتُهُ وَّ إلى العَنَزَةِ والحَرْبةِ يستفادُ منه: أن السُّتْرةُ يُستحب أنْ يكونَ
عرضُها كعرْضِ الرمحِ ونحوه ، وطولُها ذِراعٌ فما فوقه .
قال ابنُ المنذر: جاء الحديثُ عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إذا وَضَعَ أحدكم بين
يديه مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فليصل ، ولا يُبالي مَنْ مرَّ وراء ذلك))(١).
وقال أَنَسُ وأبو هريرة بذلك في الطُّول .
وقال الأوزاعيُّ : يُجزئُ السهمُ والسوطُ والسيفُ .
وقال عطاء (٢): قَدْر مُؤْخِرَةَ الرَّحْل يكون حَالُقُها على وَجْه الأرض ذراعًا .
وبه قال الثوريُّ وأصحابُ الرأي .
وقال مالكٌ والشافعيُّ : قَدْر عظم الذراع فصاعدًا .
وقال قتادة : ذراعًا وشبْرًا(٣).
وقال الأوزاعيُّ: يسترُ المصلي مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ، وبه قال الثوريُّ .
انتھی .
وسُئل أبو العالية عن السُتْرة ؟ فقال: طول الرَّحْلِ، والعَرْضُ ما عرض
أحبّ إليَّ .
وقال ابنُ عبد البرِّ : قال مالكٌ : أقلُ ما يُجزئُ المصلِّي في السَّرة غلظُ
(١) أخرجه أحمد (١٦١/١، ١٦٢) ومسلم (٥٤/٢، ٥٥) وأبو داود (٦٨٥) والترمذي (٣٣٥)
وابن ماجه (٩٤٠) وابن خزيمة (٨٠٥، ٨٤٢، ٨٤٣) والبيهقي في ((السنن الكبرى"
(٢٦٩/٢) كلهم من حديث موسى بن طلحة ، عن أبيه ، مرفوعًا.
(٢) عبد الرزاق (٩/٢) والبيهقي (٢٦٩/٢) بمعناه .
(٣) البيهقي (٢٦٩/٢) .

٦٣١
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
الرمح ، وكذلك السوط إنْ كان قائمًا ، وارتفاعها : قَدْر عظم الذراع ، هذا أقلّ
ما يُجْزئ عنده ، ولا تفسد عنده صلاة مَن صلَّى إلى غيرِ سترة ، وإنْ كان ذلك
مکروهًا له .
وقول الشافعي في ذلك كقولِ مالكٍ .
وقال الثوري وأبو حنيفة : أقلُّ السترة : قَدْر مُؤْخِرة الرَّحْلِ ، ويكون
ارتفاعها على ظهرِ الأرضِ ذراعًا ، وهو قولُ عطاء .
وقال قتادةُ : ذِراعٌ وَشِبْرُ(١).
وقَالَ الأوزاعيُّ : قَدْر مُؤْخِرة الرَّحْل ، ولم يحدَّ ذراعًا، ولا عَظْمَ ذِراع ،
ولا غيرَ ذلك، وقال: يُجْزِئُ السهمُ والسوطُ والسيفُ - يعني في الغِلظ . انتهى.
وفي ((تهذيب المدوَّنَة)) للبرادعي المالكي : ويستره قَدْر مُؤْخِرة الرَّحْلِ ، وهو
نحو من عَظم الذِراع. قال مالكٌ: وإني لأحبُّ أَنْ يكون في جِلَّةٍ(٢) الرمح أو(٣)
الحربة ، وليس السَوطُ بِسُتْرة . انتهى .
وأمَّا مذهبُ الشافعي وأصحابه ، فيُستحب عندهم أنْ يكون ارتفاعُ السُّتْرةِ قَدْر
مُؤْخِرة الرَّحْل ، واختلفوا في تقديرها ، فالمشهور عندهم : أنها نحو ثُلثي ذراع
فصاعدًاً . وقيل : ذراع ، وأمَّا عرضُها فلا حَدَّ له عندهم ، بل يكفي الغليظ
والدقيق .
وأمَّا مذهبُ أحمد وأصحابه ، فنصَّ أحمد على أنَّ السُّنْرةَ قَدْر مُؤْخرة
الرَّحْلِ، وأَنَّ مُؤْخِرة الرَّحلِ ذراعٌ - : نَقَلَهُ عنه أكثرُ أصحابِه .
ونَقَلَ ابنُ القاسم ، عنه في قَدْر ما يَسْتر المصلِي ، قال : قدر عظم الذِراع
من الأشياء ، وهو كَمُؤْخِرةِ الرَّحْل .
(١) في ((ق)): ((أو شبر))، وكأنه حك الألف.
(٢) أي في مثل غلظه .
(٣) في ((ك)) و((هـ)): ((و)).

٦٣٢
حديث : ٤٩٩ - ٥٠٠
كتاب الصلاة
وهذا مثل قول من قدَّره بنحو ثُلثي ذراع ؛ لأنَّ ذلك هو طولُ عَظم ذِراع
الإنسان .
وأمَّا عرضُها فلا حدَّ له عند أصحابنا ، إلا أنَّه كلما غلظ كان أولى.
وقال إسحاق : قَدْر مُؤْخِرة الرَّحْل ذراع .
وقد خَرَّجَ البخاريُّ حديثَ الصلاةِ إلى مُؤْخِرة الرَّحْلِ من حديث ابنِ عمر ،
وسيأتي قريبًا - إنْ شاء اللّه .
وخَرَّجَ مسلمٌ (١) من حديث سِمَاكِ، عَنْ مُوسَى بِنِ طَلْحَةٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْحة
ابن عُبيد اللّه، عن النبيِّ نَّ، قَالَ: ((إذا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مَؤْخِرَةٍ
الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلاَ يُبالي بمن مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ) .
قال علي بن المديني : إسنادُه حسنٌ .
وخَرَّجَ مسلمٌ (٢) - أيضًا - مِن حديثِ أبي الأَسْود ، عن عُرْوَةَ ، عن عائشةً ،
أنَّ النبيِ ◌ّهِ سُئِلَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ: ((كَمُؤْخَرَة
الرَّحْل)) .
ومن حديث(٣) عَبْدِ اللّه بنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّوَ، قَالَ:
(إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصلِّي فَإِنَّ يَسْتُرُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيِّهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ)) .
وخَرَّجَ الإمامُ أحمد (٤) مِن روايةٍ عَبْدِ الملك بن الرَّبِيعِ بن سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيه ،
عن جَدِّه، قال: قال رسُول اللّهِ وَلَهُ : ((يستُر الرجلَ في صلاته السَّهمُ، وإذا
صَلَّى أحدُكُمْ فَلَسْتِرْ بِسَهمٍ)) .
(١) (٥٤/٢).
(٢) (٥٥/٢).
(٣) مسلم (٥٩/٢) .
(٤) (٣ / ٤٠٤) .

٦٣٣
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
وفي رواية له - أيضًا - بهذا الإسناد : ((ليستتر أحدَكُم في صلاته ، ولو
بِسَهْمٍ».
وخَرَّجه الحاكم (١)، وقال : صحيحٌ عَلَى شرطِ مسلم .
وخَرَّج الحاكمُ - أيضًا - من حديث أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال :
((يجزئُ من السُُّرة مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ، ولو بدِقة شعرة)) .
وزَعَمَ أَنَّه صحيحٌ على شرطهما ، وليس كذلك ؛ فإنّ هذا تفرد برفعه محمد
ابن القاسم الأَسَدِي ، عن ثَوْر بن يزيد ، عن يزيد (٢) بن يزيد بن جابرٍ ، عن
مكحول ، عن يزيد بن جابر(٣)، عن أبي هريرة .
والأَسَدي ، ضعيف جداً .
قال الدار قطني : غيرُهُ لا يَرْفَعُه - يعني: أنَّه يقفه على أبي هريرةً(1).
٩
وسُئِل ابنُ معين عن حديث أبي هريرة الموقوف . فقال : هو مستقيم
الإسناد .
ورَوَى مسعر ، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد اللّه ، عن أبي هريرة:
يجزئ المصلِّي مثل مُؤْخِرةِ الرَّحْلِ في مثل جِلَّةِ السوطِ .
كذا رواه الحفاظ عن مسعر ، وهو المحفوظ - : قاله الدارقطني وغيره .
(١) (٢٥٢/١). وليس في المطبوع ما ذكره المؤلف عنه.
(٢) في الأصول: ((ثور بن يزيد ، عن مكحول، عن يزيد ... )) وذكر مكحول في هذا الموضع
خطأ وإن كان ثور يروي عنه فالحديث في ((المستدرك)) وكذا في ((الكامل)) (٢٢٥٣/٦) على
الصواب، وإن كان وقع ذكره في ((الميزان)) (١١/٤) في هذا الموضع، إلا أن الإسناد فيه
هكذا : ((ثور عن مكحول، عن يزيد بن جابر ، عن أبي هريرة .. )).
وانظر ((المعرفة)» للفسوي (٤٥٣/٢ - ٤٥٤) .
(٣) في ((المستدرك)): ((يزيد بن حارثة)). خطأ.
(٤) رواه عبد الرزاق (١٢/٢ - ١٣) عن الثوري ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن أبيه ،
عن أبي هريرة - موقوفًا .

٦٣٤
حديث : ٤٩٩ - ٥٠٠
كتاب الصلاة
وأبو عبيد اللّه ، هو: مسلم بن مشْكَم صاحب معاذ - : قاله يعقوب بن
سفيان(١) [وابن ناجية](٢).
والوليد ومسلم شاميان ثقتان .
ورَواه أبو هشام الرفاعي ، عن حفص بن غياث ، عن مسعر - فرفعه .
خرَّجه الإسماعيلي .
وأبو هشام ليس بالقوي .
وسنذكر - إنْ شَاءَ اللّه - حديث الصلاة إلى العصا .
وهذا كله مما استُدلَّ به على مالك في قوله : إن ما كان دون عرض الرمح
لا تحصل به سنة الاستتار .
وعن أبي العالية ، قال : يستر المصلِّي كحرف القلم .
خرَّجه وكيع (٣).
وأما إذا لم يجد ما يصلِّ إليه ، إلا ما كان دون مُؤْخِرة الرَّحْلِ في
الانتصاب ، مثل حجرٍ أو عصًا لا يستطيع نصبها ، فهل يضعها بين يديه ويصلِّي
إليها ، أم لا ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنه يصلِّي إلى ذلك إذا لم يجد غيره ، وحكاه ابن المنذر عن
سَعيد بن جُبير والأوزاعي وأحمد ، وهو قول إسحاق - أيضًا .
وروى ابنُ أبي شيبة في ((كتابه))(٤) عن الشَّعْبِيِّ ونافع بن جبير نحوه .
وقال طائفةٌ من الشافعية : إذا لم يجد شيئًا شاخصًا بسط مصلى .
(١) ((المعرفة والتاريخ)) (٤٥٤/٢ - ٤٥٥).
(٢) كذا في ((ك)) و((هـ)) وفي ((ق)): ((واتر ناجية))، ولم أتبينه، وأظنه تصحيفًا.
(٣) وهو في ابن أبي شيبة (٢٤٨/١) وتصحف فيه .
(٤) (٢٤٨/١ - ٢٤٩) .
١

٦٣٥
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
وروي عن أبي سعيد ، قال : كنا نستتر بالسهم والحَجَر في الصلاة .
ذَكَرَهُ ابنُ المنذر(١) .
والثاني : تُكْره الصلاة إلى ذلك .
قال ابنُ المنذر : كَرِهَ النخعيُّ الصلاة إلى عصا يَعْرِضها .
وقال الثوريُّ : الخطُّ أحبُّ إليَّ من هذه الحجارة التي في الطريق إذا لم يكن
ذراعًا(٢) .
وَحَكَى بعضُ مَنْ صَنَّ في مذهب سفيان : أنَّ سفيان سُئِلَ : هل يُجزئ
الحبْلُ الممدود المعترض ؟ قال : لا يغني من السترة .
ورَوَى حربٌ بإسنادِهِ ، عن النخعيِّ، أَنَّ سُئِلَ عن الرجل يصلِّي يستتر بحبل
معترضًا ؟ قال : لو كان الحبلُ بالطول كان أحبّ إليَّ .
وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاةَ إلى المستطيل أولى من الصلاة إلى المعترض
عنده ؛ لأن المستطيلَ أشبهُ بالسُّتْرة القائمة .
والأكثرون ، كالأوزاعي والثوري وأحمد يرون أنَّ المعترض أولى ؛ ولهذا
رجحوا في الخطِّ أن يكون معترضاً .
ولو صلَّى وبين يديه ما يمنعُ الاستطراق من نَهَرِ أو نحوه ، فهل هو سُتْرة ؟
قالت طائفةٌ : هو سُتْرة ، منهم الحسنُ والأوزاعي .
ورُوي ذلك عن ابنِ عمر بإسنادٍ ضعيفٍ .
خرَّجِه كلَّه حَرْبٌ الكرماني .
وقال : سألتُ إسحاقَ عن ذلك ، فقال : إذا كان نهرًا تجري فيه السفنُ فلا
يصلِّي ، وإن لم يكن تجري فيه فهو أسهل .
(١) عبد الرزاق (١٣/٢).
(٢) عبد الرزاق (١٤/٢).

٦٣٦
حديث : ٤٩٩ - ٥٠٠
كتاب الصلاة
يشير إسحاق إلى أنَّه إذا كان تجري فيه السفن فهو طويقٌ مسلوك ، فلا يصلّي
إليه بدون سترة تحول بينه وبينه .
وأيضًا ؛ فالصلاة إلى النهرِ الجاري مما يُلهي المصلِّي ؛ فإنَّه ممَّا يستحسن
النظر إليه ، وقد سَبَقَ كراهة الصلاة إلى ما يُلهي.
وقال سفيان : إذا صلَّى على حائط قدر ثلاثة أذرع أو نحو ذلك فأرجو أن
يكون سترة ، ما لم يكن طريقًا .
وسُئل النخعيُّ عن الصلاة على السطح ، والناس يمرون بين يديه ؟ قال :
يتأخر حتَّى لا يراهم .
ونقل الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز مثل قول
النخعي .
قال الوليد : وقال مالك : إن كان ارتفاع السطح مثل مُؤْخِرة الرَّحْل فأكثر من
ذلك فصلِ .
وأما الخَطُّ في الأرضِ إذا لم يجد ما يستتر به ففيه قولان :
أحدهما : أنه يحصل به الاستتارُ - أيضاً - ، وهو قولُ أبي هريرة ، وعطاء ،
وسعيد بن جُبير ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه - ورجحه
كثيرٌ من أصحابه أو أكثرهم - وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور .
والثاني: أنه ليس بسترة، وهو قول مالك، والنخعي، والليث، وأبي حنيفة ،
والشافعي في الجديد .
وقال مالك : الخطُّ باطلٌ .
واستدل من قال بالخطِّ بمَا رَوَى إسماعيل بن أُميَّة ، عن أبي محمد عَمْرو بن
حُرَيْث العُدري، عن جَدِّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَفيه: ((إذا
صلَّى أحدكم فليجعلْ تلقاءَ وجهه شيئًا ، فإنْ لم يجدْ فلينصب عَصًا، فإنْ لم يجد

٦٣٧
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
عصًا فليخط خَطًا ، ثم لا يَضُرَّهُ ما مرَّ بين يَدِيْهِ)) .
خرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه))(١).
وحُكي عن ابنِ المديني أنه صححه .
وحكى ابنُ عبد البر عن أحمد وعلي بن المديني أنهما صححاه .
وأحمد لم يُعرف عنه التصريحُ بصحته ، إنَّما مذهبه العمل بالخطِّ ، وقد
يكون اعتمد على الآثار الموقوفة لا على الحديث المرفوع .
فإنَّه قال في رواية ابن القاسم : الحديثُ في الخطِّ ضعيفٌ .
وكان الشافعيُّ يقول بالخطِّ ، ثم توقف [فيه ، وقال : إلا أن يكون فيه
حديث يثبت .
وهذا يدل على أنه توقف](٢) في ثبوتِهِ(٣).
وقال ابنُ عُيينة لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث ، ولم يجئ إلا من هذا
الوجه .
وذَكَرَ أنَّ هذا الشيخ الذي رَوَى عنه إسماعيل بن أُمية سُئل عنه فخلَّط فيه .
١
ذَكَرَ ذلك أبو داود في («سننه» بإسنادِهِ عن ابنِ عُيينة .
وقد اختُلف على إسماعيل في تسمية شيخه ، وفيمن رواه عنه شيخُه :
فقيل : عنه كما ذكرنا .
وقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن محمد بن حُريث .
وقيل : عنه ، عن أبي عَمْرو بن حُريث .
وأمَّا الاختلاف فيمن رواه عنه شيخه .
(١) أحمد (٢٤٩/٢) وأبو داود (٦٩٠) وابن ماجه (٩٤٣) وابن حبان (٢٣٦١) (٢٣٧٦).
(٢) سقط من ((ق)).
(٣) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٨١/١٢).

٦٣٨
حديث : ٤٩٩ - ٥٠٠
كتاب الصلاة
١
فقيل: عن إسماعيل، عن شيخه هذا - على اختلاف في تسميته كما تقدم - ،
عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن جَدِّه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن أبي هريرة - بغير واسطة بينهما .
وقال أبو زُرعة : الصحيح : عن إسماعيل ، عن أبي عمرو بن حُريث ، عن
أبيه ، عن أبي هريرة .
ونَقَل الغلابي في ((تاريخه)) عن يحيى بن معين ، أنه قال : الصحيح :
إسماعيل بن أمية ، عن جَدِّ حُريث - وهو : أبو أمية ، وهو من عُذْرة .
قال : ومَنْ قَالَ فيه : عَمْرو بن حُريث فقد أخطأ .
وهذا الكلام يفيد شيئين :
أحدهما : أن إسماعيل بن أمية هذا هو ابن حُريث ، وهو يَروي هذا
الحديث عن جده حُريث العذري ، عن أبي هريرة .
وكذا رواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل ، عن حريث بن
عمَّار ، عن أبي هريرة .
والثاني : أنَّ إسماعيل هذا ليس هو ابن أمية القرشي المشهور ، بل هو :
ابن أمية بن حُريث العذري .
وهذا غريب جداً ، ولا أعلمُ أحدًا ذَكَرَ إسماعيل هذا ، وهذا الحديث قد
رواه الأعيان ، عن إسماعيل ، منهم : الثوري وابن جُريج وابن عيينة ، وإنما
يَروي هؤلاء عن إسماعيل بن أمية الأُمَوِي المكي الثقة المشهور ، ويمتنع أن
يروي هؤلاء كلَّهم عن رجلٍ لا يعرف ، ولا يذكر اسمُه في تاريخٍ ولا غيره .
٠٠

٦٣٩
٩٣ - بَابُ الصلاة إلى العنزة
كتاب الصلاة
ولكن هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل وأبوه وجده قد قيل : إنّهم
مجهولون .
وقد اختلف - أيضاً - في رفع هذا الحديث ووقفه على أبي هريرة ، لكنِ
الأکثرون رفعوه .
وقال الدار قطني (١): رفعه عن إسماعيل بن أمية صحيح .
وقد رُوي عن أبي هريرة من وَجْه آخر :
رَوَى وكيع في ((كتابه))، عن أبي مالك، عن أيوب بن موسى، عن المَقْبُري،
عن أبي هريرة ، قال : إذا صلَّى أحدكُم فلم يجد ما يستره فليخط خطًا .
وقد رُوي عن الأوزاعي ، عن أيوب بن موسى ، عن أبي سَلَمَةَ - مرفوعًا .
وقيل : عن الأوزاعي ، عن رجلٍ من أهل المدينة ، عن أبي هريرة -
موقوفًا .
قال الدارقطني : والحديثُ لا يثبت .
قلت: وقد رُوي في الخطِّ بين يدي المصلِّي حديثٌ مرفوعٌ مِن حديث أنس.
خرَّجه حمزة السهمي في ((تاريخ إستراباذ»(٢) .
وإسنادُه مجهول ساقط بمرة .
واختلف القائلون بالخطِّ : هل يخط طولاً ، أو عرضًا كالهلال ؟ على
قولين :
قال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق : يكون عرضًا .
وقال عمرو بن قيس وغيره : يكون طولاً .
وأجازه أحمد على كل حال ، ولكن المعترض عنده أولى .
(١) في ((العلل)) (٢٧٨/١٠ - ٢٨٥).
(٢) (ص ٥١٨ - آخر ((تاريخ جرجان)) له).

٦٤٠
حديث : ٥٠١
كتاب الصلاة
٩٤ - بَابُ
السَُّةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا
٥٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جُحْيِّفَةً،
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ بالهاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ،
وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيِّهِ عَنَزَةٌ ، وَتَوَضَأُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بَوَضُوئِهِ.
مرادُ البخاري : أنَّ السُّرة تُشرعُ بمكةَ وغيرها، واسْتَدِلَّ بأنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى
بِالْبَطْحَاء - وهو أبطحُ مكة - في حجته إلى عَنَزَةَ.
وقد اختلف العلماءُ في حكم مكة في السُّترة : هل حكمها كحكم سائر
البلدان ، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أنَّ حكمها في سترةِ الصلاة حكمُ سائرِ البلدان ، وهو اختيارُ
البخاريِّ وقول [ ... ](١) والشافعي ، وحُكي رواية عن أحمد.
ورُوي نحوه عن ابنِ عمر :
قال أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكين في ((كتاب الصلاة)): ثنا جعفر بن بُرقان ، عن
يزيد الفقير ، قال : كنتُ أُصلِّي إلى جنب ابنِ عمر بمكة ، فلم أَرَ رجلاً أكره أن
یمر بین یدیه منه .
ثنا عبد العزيز الماجشون ، عن صالح بن كَيسان ، قال : رأيتُ ابنَ عُمَرَ
يصلّي في الكعبة ، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه ، يبادره - قال : يرده .
وروى ابنُ أبي شَيبة (٢) بإسناده عن يحيى بن أبي كثير ، قال : رأيتُ أنس بن
مالك في المسجد الحرام قد نصب عصًا يصلّي إليها .
القول الثاني : أنَّ مكة تجوز الصلاة فيها إلى غير سترة ، والمرور بين يدي
(١) بياض .
(٢) (١/ ٢٤٨) .
٦