Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
ثم رجعنا إلى بقية الحديث :
٤٨٧ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّه حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َهِ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةً
دُونَ الرُّوَةِ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوُجَاءَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطَحٍ سَهْلٍ حَتَّى يُغْضِيَ مِنْ
أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَثَةِ بِمِيلَيْنٍ ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلَهَا فَنْثَى فِي جَوْفِها، وَهْيَ قَائِمَةٌ
عَلَى سَاقٍ ، وَفِي سَاقِها كُبٌ كَثِيرَةٌ.
السَّرْحَة : شجرة، وتجمع على سَرْح كتمرة وتَمر ، وهو ضَرْبٌ من الشجر
له ثمر ، وقيل : هي شجرة بيضاء . وقيل : كل شجرة طويلة سَرْحَة .
وقال إبراهيم الحربي : السَرْحُ شجرٌ كبارٌ طوالٌ لا تُرعى ، يُستظل به ، لا
ينبت في رمل أبدًا، ولا في جبلٍ ، ولا تأكله الماشية إلا قليلاً، له غصنٌ أصفر.
وقد وَصَفَها بأنها ضخمة - أي : عظيمة - ، وأنه انكسر أعلاها فانثنى في
جوفها ، وأنها قائمة على ساق ، وفي ساقها كُثُبٌ كثيرةٌ .
وقد سبق أن الكُثُبَ جمع كَثِيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وَجْهِ الأرض .
والبَطْحُ : الواسع . والرُّوَيْئَة مكان معروف بين مكة والمدينة .
وأمَّا مكانُ هذه السَّرْحَة ، فلا يُعرف منذ زمان ، وقد ذَكَرَ ذلك بعضُ من
صَنَّفَ في أخبارِ المدينة بعد السَّبعمائة ، وذَكَرَ أنه لا يُعْرفُ في يومِهِ ذاك من هذه
المساجدِ المذكورةِ في هذا الحديث سوى مسجدِ الرَّوْحَاءِ ومسجدِ الغزالةِ ، وذَكَرَ
معهما مسجدًا ثالثًا ، وزَعَمَ أنه معروفٌ - أيضًا - بالروحاءِ ، عند عرق الظبية ، عند
جبل ورقان ، وذكر فيه حديثًا رواه الزبير بن بكَّار بإسناد ضعيف جداً ، وأن النبي
وَّ قال: ((لقد صَلَّى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيًا)). وهذا لا يثبت ، ولعله
أحد المسجدين بالروحاء ، وقد تقدم ذكرهما .
ثم رجعنا إلى بقية الحديث :

٦٠٢
حديث : ٤٨٨
كتاب الصلاة
٤٨٨ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ
وَرَاءَ العَرْجِ [كَبِيرَةٍ] (١)، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلى هَضْبَة عِنْدَ ذلكَ الْمَسْجِد قَبْران أَوْ ثَلاَثَةٌ ،
عَلَى الْقُبُورِ رَضْمٌ مِنَ حِجَارَةٍ، عَنْ يَمِنِ الطَّريقِ عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَريقِ، بَيْنَ أُولِئِكَ
السَّمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الْعَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالهاجِرَةِ ، فَيُصَلِّي
الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ .
وفي رواية الإمام أحمد (٢) لهذا الحديث زيادةٌ في هذا بعد قوله : ((وأنت
ذاهب عَلَى رَأْسِ خَمَسَةٍ أَمْيَالٍ مِنْ العَرْجِ فِي مَسْجِدٍ إلى هضبة)) - وذكر باقيه .
والتَّلْعَةُ : المكانُ المرتفع من الأرض .
قال الخطابي(٣): التَّلْعَة مَسِيلُ الماءِ مِن فَوْقَ لِأَسْفَل. قال: والهَضْبة فَوق
الكَثِيب في الارْتِفَاعِ ودُونَ الجَبَل. والرَّضُمُ: حِجارةٌ كِبارٌ واحِدتُها رَضْمة .
والسَّلمات : جمعُ سَلَمَة، وهي شَجرةٌ ورقُها القَرظ الذي يُدْبَغ به الأَدَمُ . وقيل:
السلم يشبه القَرظَ وليس به . انتهى ما ذكره .
وحَكَى غيرُهُ أنَّ الهَضْبة كلُ جبلٍ خُلق من صخرة واحدة وكل صخرة رأسية
تسمى هَضبة ، وجمعها هضَاب ـ : قاله الخليل .
وقال الأصمعي : الهضبة : الجبل المنبسط على الأرض . والسلَمات -
بالفتح - : شَجَرٌ ، والسلِمات - بالكسر - : حجارة . والرَّضْمُ والرِضام: دون
الهضاب -: قاله أبو عمرو . والواحدة [منها] رَضْمة. والعَرْج: مكان معروف
بين مكة والمدينة ؛ يقال : إنه عقبة .
(١) كذا بالأصول، وليست هذه اللفظة فى ((اليونينية)).
(٢) (٢/ ٨٧) .
(٣) (٤١٧/١) .

٦٠٣
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
رجعنا إلى بقية الحديث :
٤٨٩ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَات عَنْ
يَسارِ الطَّريقِ، في مَسِيلٍ دُونَ هَرْشِى، ذَلِكَ الْمُسَيَلُ لاَصِقٌّ بِكُرَاعٍ هَرْشِى، بَيْتَهُ
وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلَوَةٍ ، وَكَانَ عَبْدُاللّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةِ هِيَ أَقْرَبُ
السَّرَحَاتِ إِلَّى الطَّرِيقِ، وَهِيِّ أَطْوَلُهُنَّ.
قال الخطابي(١): هَرْشَى: ثَنِيَّةِ معروفة، وكُراعُها: ما يَمْتَد منها دُونَ سَفحها.
٠
حجر
وقال غيرُهُ : الغَلْوة - بفتح الغين المعجمة - : قَدْرُ رَمْيَةٍ بعيدةٍ بِسَهْمٍ أَوْ
وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا ، في هذا الموضع زيادة : ((غَلْوة
٠٫
سَهْم)) .
وقال صاحب ((معجم البلدان)): هَرْشى : ثَنِيَّة في طريق مكة ، قريبةٌ من
الجُحْفَةِ ، يُرى منها البحرُ ، ولها طريقان ، فكل مَنْ سَلَكَ واحدًا منهما أفضى به
إلى موضع واحد .
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللّهِ وَلَّ مَرَّ بوادي
الأزرق، فقال: ((أيّ واد هذا؟)) قالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى
موسى هابطًا من الثَّنَّة وله جُؤْارٌ إلى اللّه بالتلبية))، ثم أَتَى على ثنية هَرْشى ،
فقال: ((أي ثنية هذا؟)) قالوا : ثنية هَرْشى. قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن
مَتَّى على ناقة حمراء جعدة ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خُلْبَة ، وهو يلبي)) .
قال هشيم : يعني : ليفًا .
رجعنا إلى بقية الحديث :
(١) (١ / ٤١٧) .
(٢) (١٠٥/١) .

٦٠٤
حديث : ٤٨٩ - ٤٩١
كتاب الصلاة
٤٩٠ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَِّيَّ: ﴿ كَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَسِيلِ الَّذِي
فِي أَدْنِى مَرِّ الظَّهْران قِبَلَ الْمَدِينَةِ حَيْنَ يَهْبطُ مِنَ الصَّفْراواتِ ، يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ
الْمَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلٍ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّ
وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ .
مَرُّ الظهران : معروف قريب من مكة ، ويسمى بطن مَرٍّ .
والصَّفْرَاوات : موضع قريب منه ، بينه وبين عُسْفَان .
رجعنا إلى بقية الحديث :
٤٩١ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّهِ كَانَ يَنْزِلُ بذي طُوِّى، وَيَبْتُ
حَتَّى يُصْبِحَ ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِيْنَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللّهِن ◌َّهَ ذَلِكَ عَلَى
أَكَمَةٍ غَلَيظَة ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، ولَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَة
غَلِيظَة .
هذه القطعة من هذا الحديث خَرَّجها مسلم في ((صحيحه)) (١) عن محمد بن
إسحاق المُسِِّيِّ ، عن أبي ضَمْرَة أَنَس بنِ عِياض ، بإسناد البخاري .
وذو طوى : يُروى بضم الطاء وكسرها وفتحها ، وهو وادٍ معروفٌ بمكةً بين
الثَنَّتَين ، وتُسمى إحداهما : ثَنَّة المدنيين ، تشرف على مقبرة مكة ، وثنية تهبط
على جبل يسمى : الحصحاص ، بحاء مهملة وصادين مهملين .
وكان بذي طوى مسجد بُنِيَ بعد النبيِ نَّةِ، ولم يكن النبيِ نَّه صَلَّى فيه،
وإنما صَلَّى أسفل منه على أكمة غليظة .
وذكر الأزرقي في ((أخبار مكة)) أن المسجد بَنَتْهُ زبيدة .
وخَرَّج من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جُرِيج ، عن موسى بن عُقبة ،
أن نافعًا حدثه، أَنَّ ابن عمر أخبره، أنَّ رسولَ اللّه وَلو كان يَنْزِل بذي طوى
(١) (٤ / ٦٢) .

٦٠٥
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
حين يعتمر وفي حجته حين حج ، تحت سَمُرة في موضع المسجد .
قال ابن جُريج: وحدثني نافع، أن ابن عمر حَدَّثْه، أن رسول اللّه وَ لِّ كان
يَنْزِل ذا طوى فَبِيتُ به حتى يُصلِّي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلَّى رسول اللّه
وَّ ذلك على أَكَمَةِ غليظة الذي بالمسجد الذي بُنِيَ ثَمَّ ، ولكنه أسفلُ من الجبل
الطويل الذي قِبَلَ الكعبة ، تجعل المسجد الذي بُني يسار المسجد بطرف الأكمة ،
ومصلَّى رسول اللّهِ وَ ل﴿ أسفل منه على الأكمة السوداء، تَدَعُ من الأكمة عشرة
أذرع ونحوها بيمين ، ثم تصلّ مستقبلَ الفُرْضتين من الجبل الطويل الذي بينه
وبين الكعبة .
كذا ذكره الأزرقي .
ومسلم بن خالد ، لم يكن بالحافظ .
وهذا إنما يعرف عن موسى بن عقبة عن نافع ، فجعله عن ابن جُریج، عنه.
وبقي من الحديث الذي خرجه البخاري :
٤٩٢ - وَأَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَِّّ ◌َ﴿ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ الَّذِي
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ
بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِّ ◌َِّ أَسْقَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ
عَشْرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثَمَّ تُصَلِّي مُسْتَقِبِلَ الفُرْضَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ
الْكَعْبَة .
وهذه القطعة خَرَّجها - أيضًا - مسلم (١) عن المُسَيِِّيِّ ، عن أبي ضَمْرة ، وأعاد
إسنادَها بعد تخريج القطعة التي قبلها .
وهذا كله يوهم أن هذه صفة موضع آخر صَلَّى فيه النبي وَّر قبل دخوله
مكة، وليس كذلك ، وإنما هو من تمام صفة موضع صلاته بذي طوى ، كما
(١) (٤ / ٦٢ - ٦٣) .

٦٠٦
حديث : ٤٩٢
كتاب الصلاة
ساقه الأزرقي في روايته .
والظاهر: أنه كان هناك مسجدان مبنيان بعد النبي وَجَلَّه ، ولا يعرف منهما
اليوم شيءٌ .
وفُرْضة الجبل - بضم الفاء - : مدخل الطريق إليه ؛ وأصله مأخوذ من
الفَرْض وهو القطع غير البليغ - : قاله الخطابي(١).
وفي مَبِيت النبي ◌َّ بذي طوى، وصلاته الصبح في هذا المكان: دليلٌ
على أن من كان قادراً على الدخول إلى مكة معاينة الكعبة فله أن يصلّي خارجًا
منها بغير معاينة ، وأن من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائلٌ أَصْلِيٌّ كالجبلِ فله أن
يصلِّ بالاجتهاد إلى الكعبة ، ولا يلزمه أن يعلو فوق الجبال حتَّى يشهد الكعبة ؛
لما في ذلك من الحَرَجِ والمشقة .
وهذا قولُ أصحابنا والشافعية ، ولا نعلم فيه خلافًا .
وهذا ((آخر أبواب المساجد))، وبعدها ((أبواب السترة))، وما يُصلَّى إليه،
والمرور بين يدي المصلي ، ونحو ذلك .
7
(١) (١ / ٤١٧) .

٦٠٧
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
٩٠ - بَابٌ
سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ
خرَّج فيه ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
قال :
٤٩٣ - ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالكُ، عَنِ ابْنِ شَهَاب، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّه قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارِ أَثَانِ وَأَنَا
يَوْئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاخْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ،
فَمَرَّرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفَهِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَنَانَ تَرْتَعُ ، وَدَخَلْتُ فِي
الصَّفَهِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
وقد خرّجه - أيضًا - في ((كتاب العلم)) (١) عن إسماعيل ، عن مالك .
وخرَّجه في آخر ((المغازي)) في ((باب: حَجَّةَ الوَدَاعِ)) (٢) عن يَحْيِى بِن قَزَعَةُ ،
عن مالك .
وذكره تعليقًا ، قال : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابنِ شهابٍ ، قال :
حدثني عُبيد اللّه بن عَبْد اللهَ، أن ابنَ عبَّاسِ أخبره، أنه أَقْبَلَ يَسيرُ عَلَى حِمارٍ ،
ورسولُ اللَّهِ وَّهِ قائمٌ بمنى في حجَّةٌ الوداع يصلِّي بالناس، فسَارَ الحمارُ بين يَدَي
بعضِ الصفِّ ، ثم نَزَلَ عنه فصَفَّ مَعَ النَّاس .
ولكن هذا لفظ رواية يونس .
وقد خرَّجه به مسلم في (صحيحه)) (٣) من طريق ابنٍ وَهْبٍ ، عنه .
(١) (٧٦) .
(٢) (٤٤١٢) .
(٣) (٥٧/٢) .

٦٠٨
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
وخرّجه مسلم - أيضًا - من طريق ابنِ عُيينة ، عن الزهري ، وقال : والنبي
وَلم يصلِّي بعرفة .
ومن طريق معمر ، عن الزهري ، ولم يذكر فيه : منى ولا عَرَفة ، وقال :
في حَجَّة الوداع - أو يَوْمَ الفتحِ .
واقتصر من حديث ابنِ عُيينة ومَعْمر على هذا .
وذِكْرُ يَوْمٍ الفتح لا وَجْهَ له ؛ فإنَّ ابنَ عباس لم يكن قد نَاهز يومئذ الاحتلام،
ے
ولا كان النبي وَّ يصلِّي يومئذٍ بمنى ولا عَرَفة .
وفي رواية ابنِ عُبينة : جئتُ أنا والفضلُ على أتانٍ لَنَا .
وفي رواية(١) - أيضًا -: فلم يَقُل رسولُ اللَّهِ وَّ لَنَا شَيْئًا.
وقد خرَّجه النسائي(٢) بتمامه هكذا .
وخرَّج الترمذي(٣) حديث مَعْمَرٍ بتمامه، ولفظه: كنتُ رَدِيفَ الفضلِ على
أَتَانِ، فَجِئْنَا والنبيُّ وَ يصلِّي بأصحابِهِ بمِنَّى، فنزلنا عنها، فَوَصَلْنَا الصَّفَّ،
فَمَرَّتْ بين أيديهم ، فلم تَقْطَعْ صلاتَهم .
ففي هذه الروايات : أنَّ ابنَ عباس مرَّ على حمَارِهِ بين يَدَي بعض الصفِّ
والنبيُّ ◌َّهِ يصلِّي بِالنَّاس، فلم ينكرْ ذلك عليه أحدٌ، لا النَّبِيُّ ◌ٍَّ ولا أحد ممن
صلَّى خَلْفَه .
وبهذا استدلَّ البخاريُّ وغيرُه من العلماءِ على أنَّ سُتْرةَ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ
خَلْفَ؛ لأنَّ سُتْرةَ الإمامِ إذا كانتْ محفوظة كَفَى ذلك المأمومين، ولم يضرهم مرورٌ
مَنْ مرَّ بين أيديهم؛ ولذلك لا يُشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمامِ.
ولا نعلمُ أحدًا ذَكَرَ في حديث ابنِ عباس : ((إلى غير جدار)) غير مالك . وقد
(١) كذا، والأشبه: ((وفي روايته))؛ فإن هذا كله في حديث ابن عيينة عند النسائي. والله أعلم.
(٢) (٦٤/٢ - ٦٥).
(٣) (٣٣٧) .

٦٠٩
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
خرَّجه في ((الموطٍ)) (١) في موضعين ، ذَكَرَ في أحدهما هذه الكلمة ، وأسقطها في
الأخرى .
وقد قال الشافعي(٢): قول ابن عباس: ((إلى غيرِ جدار))، أراد - والله
أعلم - : إلى غير سُتْرةٍ .
واستدلَّ بذلك عَلَى أن السُّتْرةَ غير واجبةٍ في الصلاة .
وحَمَلَه غيرُهُ عَلَى أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يُصلِّي إلى عَنَزَةَ(٣)، فإنَّ هذه كانت عادتُه
فِي الأَسْفَارِ ، على ما يأتي - إن شاء اللهُ تعالى.
فكلامُ البخاريِّ قَدْ يدلُّ عَلَى هذا؛ لإدخاله هذا الحديث في أنَّ سُتْرةَ الإمام
سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَه .
وحَمَلَه الإمامُ أحمد - في رواية ابنِ منصور والأثرم - على مثل هذا .
لكن البخاريَّ قد خَرَّج الحديث، وفيه: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى إلى غيرِ جدار،
كما تقدَّمَ ، إلا أَنْ يقال : لا يَلْزِمُ مِنْ عَدمِ الجدارِ نفيُ استتارِهِ بِحَرْبَةٍ ونحوها .
وقد ذَكَرَ الأثرمُ أنَّ ابنَ أخي الزهري رَوَى هذا الحديث عن الزهري ، وذَكَرَ
فيه: أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى إلى غير سُتْرةٍ .
وقد رُوِيَ عن الإمامِ أحمد مثلُ قولِ الشافعي ، وأنه حَمَلَ الحديثَ على أنَّ
النبيَّ وَ لاَ صلَّى إلى غير سُتْرةٍ - : نَقَلَه عنه الحسنُ بن ثواب .
واسْتَدَلَّ بالحديثِ - في رواية جماعةٍ من أصحابِهِ عنه - على أنَّ مرورَ الحمار
بين يَدَي المصلِّي لا يقطعُ صلاتُه، وعَرَضَ به حديثَ أبي ذَرٍّ (٤).
وهذا إنَّما يكونُ إذا كَانَ يُصلِّي إلى غيرِ سُتْرةٍ .
(١) (ص ١١٥) .
(٢) راجع: ((الفتح)) لابن حجر (٥٧١/١) .
(٣) البخاري (١٨٧) ومسلم (٥٦/٢) .
(٤) أخرجه أحمد (١٤٩/٥، ١٥٥، ١٥٨، ١٦١) ومسلم (٥٩/٢) وأبو داود (٧٠٢) والنسائي
(٢/ ٦٣) وابن ماجه (٩٥٢).

٦١٠
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
وقد وَرَدَ في روايةِ التصريحُ بأنَّ النبيَّ وََّ كان يصلّي إلى غيرِ سُتْرةٍ . وفي
حديثٍ آخر التصريحُ بأنَّ ابنَ عباسٍ مَرَّ بِين يَدَي النبيِ نَّهِ .
فأمَّا الأولُ ، فمِن طريق الحكم ، عن يَحْيَى بن الجَزَّارِ ، عن أبي الصَّهْباء ،
قال : تَذَاكَرْنَا ما يقطعُ الصلاةَ عند ابنِ عبَّاسٍ ، قال: جِئْتُ أَنا وغُلامٌ مِنْ بَنِي
عبد المطّلب على حِمَارِ، ورَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصلِّي، فَنَزَلَ ونزلتُ وتركنا الحِمارَ
أمامَ الصَّفَِّ، فما بالاهُ ، وجاءتْ جَارِيتانِ من بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَدَخَلَتَا بَيْنَ
الصفِّ ، فما بَلَى ذلك .
خَرَّجه أبو داود - وهذا لفظه - ، والنسائي(١).
وخرّجه الأَثْرمُ، وعنده: ورسولُ اللَّهِ وَ﴿ يُصلِّي في أرضٍ خلاء .
وخرَّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) من طريق شُعبة ،
ولفظه: أنَّ النبيَّ وََّ صِلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ .
وقد ذَكَرَه الإمامُ أحمد بهذا اللفظ من حديثٍ شُعبة ، واحتج به ، ولم نجده
في («المسند» بهذا اللفظ.
وذَكَرَ الأثرمُ أن شُعْبَةَ ومنصورًا رَوَيًا في هذا الحديث: أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى في
فَضَاءِ من الأرضِ، لَيْسَ بَيْنَ يَدَيَه سُتْرَةٌ، ولعلَّ هذا مما تصرفوا في لفظه لِمَا فَهِمُوه
من معناه ، هكذا رَوَاه شُعبةُ ومنصورٌ ، عن الحَكَمِ ، عن يَحْيَى ، عن صُهَيْب .
ورواه شُعبة - أيضًا - عن عَمْرو بن مُرَّةً، عن يَحْيَى بن الجَزَّارِ ، عن ابنِ
عَبَّاسٍ - من غير ذكر: ((صُهَيْب)) في إسناده .
خرَّجه الإمام أحمد(٢) كذلك .
وقد رُوي عن مَنْصورٍ ، عن الحَكَمِ كذلك - أيضًا .
(١) أبو داود (٧١٦) والنسائي (٦٥/٢).
(٢) (١ / ٢٢٤) .
١

٦١١
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
خرَّجه ابنُ حِبَّان في ((صحيحه) (١) كذلك .
ورواه حَجَّاجِ ، عَنِ الحَكَمِ ، عن يحيى بن الجزَّر ، عن ابنِ عبَّاسٍ - من
غير ذِكْرِ : ((أبي الصَّهْباء)) - أيضًا -، ولفظ حديثه: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَ فِي
فَضَاءِ، لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيءٌ - ولم يزد على ذلك .
خرَّجه من طريقه الإمامُ أحمد(٢).
وأبو الصَّهْباء ، اسمه : صُهَيْب المدني ، وهو ثقة، وثَّقه أبو زُرْعَة وغيرُهُ .
ويُقال : إنه البكري ، وهو مدني ، لكن سُئل عن صُهَيَب هذا ، فَقَالَ : شَيْخٌ
مَنْ أهلِ البَصْرة . وهذا يدلُّ على أنَّه غيرُ المدني .
وصَحَّحَ أبو حاتم الرازي - فيما نَقَلَه عنه ابنه (٣) - كلاَ القولين: إدخالَ صُهيب
في إسناده ، وإسقاطَه .
وفي ((مسند الإمامِ أحمد)): أن يَحْيَى بنَ الجَزَّار لم يسمعه من ابنِ عبّاسٍ .
والظاهر : أنَّ ذلك من قولِ شُعْبةَ .
وكلامُ أحمد يدلُّ على أنَّ الصحيحَ دخولُه في الإسنادِ .
وذَكَرَ الإمامُ أحمد هذا الحديثَ ، واستدلَّ به عَلَى أنَّ الصلاة إلى غيرِ سُتْرةٍ
صحيحةٌ ، وقَالَ : لَيْسَ هو بذاكَ .
يعني : من جهة إسناده، ولعلَّه رَأَى أنَّ صُهيبًا هذا غيرُ معروفٍ ، ولَيْسَ هو
بأبي الصَّهْبَاء البكري مَوَلَى ابنِ عبَّاسٍ ؛ فإنَّ ذاك مدني .
وأما الثاني : فمِنْ طريقِ ابنِ جُرَيجٍ : حدثني عبدُ الكريم الجزري ، أن
مجاهدًاً أخبره ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: أتيتُ النبيَّ وَِّ أَنَا والفضلُ عَلَى أَتانِ ،
فمررنا بَيْنَ يدي رسولِ اللهِ وَله بعَرَفة وهو يُصلِّي المكتوبة ، ليس شيءٌ يَسْتُره ،
(١) (٢٣٨١) .
(٢) (١/ ٢٢٤) .
(٣) ((العلل)) (٢٤١).

٦١٢
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
يحولُ بيننا وبينه .
خرَّجِه البزارُ .
وخرَّج الإمام أحمد (١) من طريقِ ابنِ أبي ذِئْبٍ ، عن شُعبةَ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ ،
عن ابنِ عَبَّاسِ، قال: جئتُ أَنَا والفضلُ عَلَى حِمَارِ، ورَسولُ اللَّهِ بِ لّه يُصلِّي
بالنَّاسِ في فضاءٍ من الأَرْضِ ، فمررنا بَيْنَ يَدَيَه ونحنُ عَلَيْهِ، حتَّى جَاوزنا عامة
الصَّفَهِّ، فما نَهَانَا ولا رَدَّنَا .
وشعبةُ هذا ، تُكُلِّم فيه .
فَعَلَى تقديرٍ أنْ يكونَ ابنُ عبَّاسٍ مَرَّ بَيْنَ يَدَي النبيِّ وَهَ وهو يُصلِّي إلى غيرِ
سُتْرةٍ ، فإنَّه يُحمل على أنَّه مَرَّ بين يَدَيه من بُعْدِ ؛ فإنَّه لا يُظن بالفضلِ وأخيه أن
يمرا على حِمَارِ بَيْنَ يَدَي النبيِّ وَجَهَ بِالقُرْبِ منه، وإذا كان مرورُهما بَيْنَ يَدَيْهِ
متباعدًا فإنه لا يضرُّ ، ومرورُهما عَلَى هذه الحال وجودُه كعدمه .
وعلى تقدير أنْ يكونا لم يمرَّأ إلا بَيْنَ يَدَي بعضِ الصَّفِّ، ولم (٢) يمرَا بَيْنَ
يَدَي النبيِّ ◌َّهِ، والرواياتُ الصحيحة إنما تدلُّ على ذلك فَمَعَ (٢) ما عُلم من عادة
النبيِّ ◌َّهِ مِنْ صَلاَتِهِ إلى العَنَزَةِ فِي أَسْفَارِهِ .
وقد رُوي ذلك من حديث ابنِ عبَّاسٍ - أيضًا .
خَرَّجه الإمامُ أحمد(٣): ثنا يزيد بن أبي حكيم : حدثني الحكم بن أبان ،
قال : سمعتُ عِكْرِمَةَ يَقولُ : قَالَ ابنُ عبَّاسٍ قال: رُكِزَتِ الْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ
وَهِ بِعَرَفَاتٍ، فَصَلَّى وَالحِمَارُ مِنْ وَرَاءِ العَنْزَةَ.
والظَّاهَرُ : أَنَّه أَشَارَ إلى مرورِهِ على الحمارِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيُسْتَدَلُّ بالحديث
حينئذٍ على أنَّ سُثْرةَ الإمامِ سترةٌ لِمَنْ خَلْفَه ، كما استدلَّ بِه البخاريُّ (٤).
(١) (٣٢٧/١ - ٣٥٢).
(٢) لعل الأشبه: ((فلم))، ((مع).
(٣) (٢٤٣/١) .
(٤) في هامش ((ق) كتب: ((حاشية بخط المصنف في أصله: إن كانت صلاته بمنى ، فحمله =
1

٦١٣
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
وسَواء كانَ النبيُّ بَهَ حينئذٍ يُصلِّي إلى سُثْرةٍ أو إلى غيرِ سُتْرةٍ ؛ لأنَّ قبلتَه
كانتْ محفوظة عن المرور فيها، وكانَ هو ◌َّرَ سُتْرَةً لِمَنْ وَرَاءَه؛ فَلِذَلكَ لم
يضرهم مرورُ الحمارِ بَيْنَ أَيْديهم .
وهذا قولُ جمهورِ العلماء : إنَّ سُتْرَةَ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَه .
قال ابنُ المنذرِ : رُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ النَخعيُّ ومالكٌ
والأوزاعيّ وأحمد . انتهى .
ورُوي - أيضًا - عن أبي قلابة وعن الشَّعبيِّ
٠
ورُوي [عنه] (١) ، عن مَسْروقٍ .
ولكن أنكره الإمامُ أحمد ، وذَكَرَه عبدُ الرحمن بنُ أبي الزَِّادِ ، عَنْ أَبِيه ،
عَنْ فقهاءِ المدينة السبعة في مشيخةٍ سوَاهُم مِنْ نُظرَائِهم أهلِ ثقةٍ وفضلٍ ، وهو
قولُ الثوري .
وقد رُوي فيه حديثٌ مرفوعٌ :
خَرَّجه الطبراني(٢) من رواية سُويد بن عَبْد العزيز، عن عَاصِمِ الأَحْول ، عن
أَنَسٍ ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، قال: ((سُثْرةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ» .
ولكن لا يصحُّ ؛ وسُويد هذا ضعيفٌ جدًا .
وقد أنكرَ الإمامُ أحمد عليه أنه رَوَى عن حُصَين ، عن الشَّعبي ، عن مَسْروق
أنَّه قال : سُتْرةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَه ، وَقَالَ : إنَّما هو قولُ الشَّعبي . فكيف لو
سَمَعَ أنَّه رَوَى ذلك بإسنادٍ له عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ ؟
ومنهم مَنْ قال: الإمامُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَه، وهو قولُ طائفةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكِ.
ومعنى كونِ سُتْرة الإمامِ سترة لِمَنْ خَلْفَه : أنَّ المأمومين لا يُشرع لهم أن
بعضهم على أن الحرم يجوز المرور فيه)) .
=
(١) من ((ق)).
(٢) في ((الأوسط)) (٤٦٥) .

٦١٤
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
يَنْصِبوا بَيْنَ أيديهم سُتْرةً غير سُتْرةِ إمامِهِم ، وأنَّه لا يضرُّهم من مَرَّ بَيْنَ أيديهم إذا
لم يمر بين يَدَيْ إِمَامِهم .
ويدلُّ على ذلك - أيضًا - : ما رَوَى هشام بنُ الغَازِ ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ ،
عن أبيه، عن جَدِّ، قال: هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّبَّهِ ثَنِيَّة أذَاخِرِ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ .
يعني: إلى جدر - فاتخذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ ، فجاءَتِ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا
زَلَ يُدَارِثُهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنَهُ بالجدر ، ومَرَّتْ مِنْ وَرَآتِهِ .
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود(١).
وهذا يدلُّ على أنَّ المرورَ بين الإمامِ وسترتِهِ محذورٌ ، بخلافِ المرورِ بَيْنَ
يَدَيْ مَنْ خَلْفَه، إذا كانت سترةُ الإمام محفوظةً .
وأمَّا جوازُ المرورِ بين يدي المأمومينَ إذا كانت سترةُ إمامهم محفوظةً ففيه
قولان :
أحدُهما : أنه منهيٌّ عنه - أيضًا - نَصَّ عليه في رواية الأثرم ، في الرجل
يكون خلف الإمامِ وبَيْنَ يَدَيْهِ صَفٌّ ، فيكون في الصّفِّ الذي بين يديه خللٌ عَنْ
يَسَارِهِ لَيْس هو بحذائِهِ ، أيمشي إليه فيسده ؟ قال: إنْ كان بحذائه فَعَلَ فأمَّا أن
يمشي مُعترضًا فيؤذي الذي إلى جنبِهِ ويمر بين يَدِيْهِ فَلاَ .
وهذا يدلُّ عَلَى أنَّ المشي بَيْنَ يَدَيْ المأمومينَ داخلٌ في النهي .
ومِنْ أصحابنا مَنْ حَمَلَ ذلك على كراهةِ التنزيه ، بخلافِ المشي بين الإمامِ
والمنفرد .
والكراهةُ قولُ أصحابِ الشافعي - أيضًا - ، وسيأتي عن الشافعي ما يدلُّ عليه.
وقال سفيانُ : لا يعجبني ذلك .
وذَكَرَ مالكٌ في «الموطٍ))(٢) أنه بلغه ، أنَّ ابنَ عُمُرَ كان يكره أنْ يَمر بین يَدَي
(١) أحمد (١٩٦/٢) وأبو داود (٧٠٨)، وعندهما: ((بهمة)).
(٢) (ص ١١٥).

٦١٥
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
٠٠٠
النساء وَهُنَّ يصلين .
وحَمَلَه بعضُهم على كراهةِ المرورِ بَيْنَ يَدَيْ صفوفِ النساءِ في مؤخر المسجد
إذا صلين مع الإمامِ .
والقولُ الثاني : جوازُهُ مِن غيرِ كراهةٍ ، وأَنَّه غيرُ داخلٍ في النهي ، وقد
حَكَاه بعضُ أصحابِنا روايةً عن أحمد ، إذا كان مشيُهُ لحاجة ؛ كمشيه إلى فُرْجة
في الصَّفِّ ، أو إذا لم يجد موضعًا يصلّي فيه .
وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من أصحابِنا ؛ فإنهم استدلوا بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ عَلَى أن
سُتْرةَ الإمامِ سترةٌ لِمَنْ خَلْفَه، وجعلوا عدمَ الإنكارِ على ابنِ عبَّاسٍ دليلاً على
ذلك .
وكلامُ ابنِ عبَّاسٍ يدلُّ عليه - أيضًا - ؛ فإنه استدلَّ بعدمِ الإنكارِ عَلَى الجوازِ.
وهو مُسْتَلْزِمٌ لعدم بطلان الصلاة ، وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابهِ .
ذَكَرَ مالكٌ في ((الموطٍ))(١): ((باب: الرُّخْصةِ في المرورِ بَيْنَ يَدَيْ المصلِّي))،
وخَرَّج فيه حديثَ ابنِ عبَّاسٍ هذا ، ثم قال : بَلَغني أنَّ سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ كان
يمرَّ بين يَدَيْ بعضِ الصفوفِ والصلاةُ قائمةُ .
قَالَ مالك: وأنا أُرِى ذَلِكَ واسعًا، إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ بعد أن يُحْرِمَ الإمامُ
ولم يجد المرءُ مَدْخلاً إلى المسجدِ إلا بَيْنَ الصفوفِ .
وقد ذَكَرَ أبو داودَ في ((سننه)»(٢) بعضَ كلامِ مالكٍ ، عن القَعْنبي ، عنه .
وقال سُفيان الثوري : إذا انتهى إِلَى المسجدِ والطريق بَيْنَ أَيْديهم ، فإنَّه
يَمْشِي مُعْترضًا حتَّى يدخلَ المسجدَ .
وفي ((تهذيب المدونةَ) للبرادعي : ولا بأسَ بالمرورِ بَيْنَ الصفوفِ عرْضًا ،
(١) (ص ١١٥).
(٢) عقيب رقم (٧١٥) .

٦١٦
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
والإمامُ سترة لَهُم، وإن لم يكونوا إلى سترة ، وكذلكَ مَنْ رَعَفَ وأَحْدَثَ
فليخرج عرْضًا ، وليس عليه أن يرجعَ إلى عَجُزِ المسجدِ .
وذَكَرَ ابنُ عَبْدِ البر في ((التمهيد))(١) أنَّ المأمومَ لا يدفع مَنْ مَرَّ بين يَدَيْه ،
وقال: لا أعلمُ بَيْنَ أهلِ العلمِ فِيهِ خِلاَفًا .
وذَكَرَ في ((الاستذكار)) قولَ مالكِ الذي ذَكَرَه في ((الموطٍ))، وذَكَرَ أنَّ مالكًا
يُرْخِّصُ في ذَلِكَ لِمَن لم يجد منه بُدًا ، وأن غيرَه لا يَرَى به بأسًا - يعني: بكلِّ
حال ، سَواء اضطر إليه أو لا - ؛ لحديث ابنِ عبَّاسٍ . قال: وقد قدَّمنا أن الإمامَ
سترةٌ لِمَنْ خلفه ، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صفٍّ . قال :
ويحتمل هذا أن يكون المَارّ لم يجد بُدًا كما قَالَ مالكٌ . ولكن الظاهر ما قدمنا
من الآثَارِ الدَالةِ عَلَى أنَّ الإمامَ سترةٌ لِمِنْ خَلْفَه .
وهذا الكلامُ يدلُّ عَلَى أنَّ للعلماء اختلافًا : هل الرُّخصةُ تختصُّ بحالٍ
الضرورة أم تعمُّ ؟
وقد حكَى بعضُ أصحابنا روايةً أخرى عن أحمد ، بأنَّ مَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ
فُرْجَةٌ فلا يُكْره له أن يمشي عَرْضًا بين الصفوف حتَّى يقوم فيها .
وهذا قولٌ ثالثٌ بالرخصةِ في ذلك لحاجة إليه ، وإن لم يكن ضرورة .
وذَكَرَ البيهقي في كتابه ((المعرفة)) عَنِ الشَّافعيِّ في القديم، أنه ذَكَرَ قولَ
مَالكِ في هذا ، واعتراضَ مَنِ اعترض عليه ثُمَّ أَخَذَ في الذَّبِّ عنه ، واحتَج
بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهِ ، وأَشَارَ إلى أنَّ ذلكَ إِنَّمَا قَالَه في المرورِ بَيْنَ يَدَيْ
المتنفلين الذين عليهم قَطْعُ النافلةِ للمكتوبة ، ولا يَجِدُ الداخلُ طَريقًا غير الممرِّ
بَيْنَ أيديهم .
ومعنى هذا : أنَّه إنَّما يجوزُ المرورُ [للضرورة](٢) بين يَدَيْ مَنْ يُصلِّي صلاةً
(١) (٤ / ١٨٧ ) .
(٢) من ((ق)).

٦١٧
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
مكروهةً ، وهو مَنْ يتنفلُ بعد إقامة الصلاة ، أو يطيلُ في نافلتِهِ وقَدْ أُقيمتِ
الصَّلاةُ .
ولكن أصحاب مالكِ حَمَلُوا كلامَ مالكِ عَلَى عُمُومِه في حالِ الضرورةِ كما
تقدم ، وهذا الكلامُ مِن الشَّافعيِّ يدلُّ عَلَى أنَّ المأمومينَ لا يجوزُ المرورُ بين
أيديهم إذا كانوا يَقْتَدونَ بصلاةِ الإمامِ لضرورةٍ ولا غيرِها ، كما قَالَه أحمد في غير
حالِ الضرورةِ في روايةِ الأَثْرَمِ .
وقَالَ أصحابُ الشافعيِّ: إذا وَجَدَ الداخلُ (١) فُرْجَةً في الصَّفِّ الأَولِ، فَلَه
أَنْ يمر بَيْنَ يَدَي الصَّفَهِّ الثاني ويصف فيها ؛ لتقصير أهلِ الصفِّ الثاني بتركها .
وهذا موافقٌ لكلامِ الشافعي ، حيثُ لَم يُجِزِ المرورَ إلا مَعَ تقصيرِ المصلينَ ،
لكنَّه يخصُّهُ بحالِ الضرورةِ وأصحابُه لم يخصُّوه بذلك .
ونص الشافعي في كتاب ((مختلف الحديث)) على أنَّ المرورَ بين يَدَيْ المصلِّي
إلى غير سترةٍ مباحٌ غيرُ مكروه ، واستدل بحديثِ ابنِ عبّاسِ هذا ، وبحديثٍ
المطّلب بنِ أبي وَدَاعة (٢) .
وذهبت طائفةٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ سُتْرةَ الإمامِ ليست(٣) سترةٌ لِمَنْ خَلْفَه مِن
المأمومينَ :
فروى الجوزجاني وغيرُهُ من طريق ابنِ سيرين ، أنَّه بَلَغَه ، أنَّ الحَكَمَ
الغفاري أمَّ جيشًا ، وأنه كان بين يديه رُمْحٌ ، فمرَّ به ما يقطع الصلاة ، فأعادَ
بالقومِ الصلاةَ ، فلمَّ انصرفَ ذُكِرَ ذلكَ له ، فقال : أولم تروا إلى ما مرّ بين
أيدينا؟ فأنا ومن يَليني قد سَتَرَنَا الرَّمْحُ، فإنَّما أعدتُّ الصلاةَ مِن أجلِ العامة (٤) .
(١) في ((ق)): ((الرجل)).
(٢) أخرجه أحمد (٣٩٩/٦) وأبوداود (٢٠١٦) والنسائي (٦٧/٢) وابن ماجه (٢٩٥٨) وابن
خزيمة (٨١٥) والحميدي في ((مسنده)) (٥٧٨) .
(٣) ((ليست)) سقطت من ((ق)).
.(٤) عبد الرزاق (١٨/٢) بمعناه.

٦١٨
حديث : ٤٩٣
كتاب الصلاة
قال ابنُ المنذر في ((كتابه الكبير» : ورُوي عن عطاء نحوه .
ورَوَى عُمَرُ بنُ شبة في كتاب ((أخبار قضاة البَصْرة): ثنا محمدُ بنُ حاتم : ثنا
إسماعيلُ بنُ إبراهيم : ثنا يونسُ ؛ قال : كان موسى بنُ أنس يصلِّي بالناسِ فِي
صَحْنِ المسجدِ، فكان كَلْبٌ يمر بين أيديهم، فسألوا الحسنَ، فقال: أمَّا الإمامُ ومن
كان إلى ساريةٍ ومن كان خَلْفَ الصفِّ فلا يعيد ، ومن كان بين السواري فَلُيُعِد .
وأما على تقديرٍ أنْ يكونَ ابنُ عبَّاسٍ مَرَّ على الأَثَانِ بَيْنَ يَدَي النبيِّ ◌َ، وهُو
يصلّي إلى غيرِ سُتْرةٍ ، ولم ينهه عن ذلك ، فهذا يحتمل وجوهًا :
أحدها : أن يكون مَرَّ بين يَدَيْهِ من بُعْدِ ، والمارُّ أمامَ المصلي إلى غير سترة
عن بُعْدِ كالمارّ خلفَ سُتْرته .
ولكن خرَّج الإمامُ أحمد(١) من حديث الحسن العُرَنَّي ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،
قال: أقبلتُ على حِمَارِ ورسولُ اللّهِ بَلهَ يُصلِّي بالناسِ، حتى إذا كنتُ قَرِيبًا منه
نزلتُ عَنْه، وخلَّيْتُ عنه، ودخلتُ مَعَ النبيِّ ◌ََّ في صلاته، فما أَعادَ صلاتَه ،
ولا نَهَاني عمَّا صنعتُ .
والحسنُ العُرَنِي لَمْ يسمِعْ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ - : قاله الإمامُ أحمد ، فحديثه عنه
منقطع .
والثاني : أن يحملَ على أنَّ الاستتارَ في الصلاةِ غيرُ واجبٍ ، وإنَّما هو على
الاختيار ، وهذا حكَاه البيهقيُّ عَنِ الشافعيِّ .
ولكن يُقال : فالمرورُ بين يَدَيْ المصلِّي إلى غير سُتْرةٍ، إمَّا أنه حرامٌ ، أو
مكروهٌ ، فَكَيْفَ أقرَّ عليه ولم ينكر ؟
وقد يجابُ : بأنه إذا كان مكروهًا ، فإنكارُهُ غيرُ واجب .
ولأصحابنا وَجْهُ : أن من صلى إلى غير سُتْرَةٍ لم يكن المرورُ بَيْنَ يَدَيْه منهيًا
(٢) (١/ ٢٤٧) .
١

٦١٩
٩٠ - بَابٌ سترة الإمام سترة لمن خلفه
كتاب الصلاة
عنه ، إنما النهي يختصُّ بمن صلَّى إلى سترةٍ ، فَيُّنْهَى عن المرور بينه وبين
السُتْرةِ ، وهو قولُ ابنِ المنذرِ .
وقَالَ أصحابُ الشافعيِّ: لا يَحْرُمُ المرورُ بَيْنَ يَدَيْ المصلِّي إلى غيرِ سُتْرةٍ ،
بل يُكْره .
وهل للمصلِّي إلى غيرِ سُتْرَةٍ أن يَدْفَعَ المارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ؟ عَلَى وَجْهِينٍ لهم ،
أصحُّهما : ليسَ له الدفعُ .
والثالث : أن يكونَ مرورُ ابنِ عبَّاسِ بَيْنَ يَدَي النبيِّ وَّ بمنّى كما في روايةِ
مَالكِ وغَيْرِهِ من أصحابِ الزهريِّ ، وحُكْمُ الحَرَمِ أَنَّه يجوزُ المرورُ فِيهِ بَيْنَ يَدَي
المصلِّي دونَ سائرِ البُلْدَان - : قاله طائفةٌ مِن أصحابِنَا ، وستأتي هذه المسألةُ فيما
بعدُ حَيْثُ بَوَّب البخاريُّ عليها .
وقد رُوي ما يخالفُ هذا ، وأنَّ المارَّ يُرَدُّ بالأَبْطِحِ ، فَرَوَى ابنُ لَهِيعة :
حدثني حَبَّن بنُ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بن زَيْدٍ وأبي بَشِيرِ الأَنْصَارِي،
أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ صلَّى بِهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ وامْرَأَةٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَأَشَارَ إليها النبيِّ نَّ أَنْ
تَأَخَّرِي، فَرَجَعَتْ حَتَّى صَلَّى ثُمَّ مَرَّتْ .
خَرَّجه الإمامُ أحمد(١).
وابنُ لَهِيعة ، حالُه مشهورٌ .
الحديث الثاني :
قال :
٤٩٤ - ثَا إِسْحَاقُ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ ،
فَيُصَلِّي إِلَيَهَا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا
الأُمَرَاءُ .
(١) (٢١٦/٥) .

٦٢٠
حديث : ٤٩٤
كتاب الصلاة
في هذا الحديثِ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كان إذا صلَّى في فضاءٍ مِن الأرضِ صلَّى
إِلى الْحَرْبَةِ ، فَيَرْكُرُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثم يُصلِّي إليها ، فكان يفعلُ ذلك في العيدين ؛
لأَنَّه كان يُصلِّيهما بالمصلَّى ، ولم يكنْ فيه بناءٌ ولا سُتْرة ، وكان يفعل ذلك في
أسفاره - أيضاً - ؛ لأنَّ المسافرَ لا يجد غالبًا جدارًا يستتر به ، وأكثر ما يصلِّ في
فضاء من الأَرْضِ .
وخرَّج ابنُ ماجه(١) من طريق الأوزاعي : أخبرني نافع ، عن ابنِ عُمَرَ ، أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ كَانَ يَغْدُو إلى المصلَّى في يوم عيدٍ، والعَنَزَةُ تُحمل بَيْنَ يَدَيْهِ ،
فإذا بَلَغَ المصلَّى نُصبت بَيْنَ يَدَيْهِ ، فيصلِّي إليها، وذلك أنَّ المصلَّى كان فضاءً
ليس شَيْءٌ يستترُ به .
وخرَّج البخاريُّ أولَه دونَ آخرِهِ .
وقال أبو نُعيم : ثنا سُفيانُ ، عن إسماعيلَ بنِ أُمِيَّةً ، عن مَكْحول ، قَالَ :
كانتْ تُحمل الحَرْبةُ مع رَسُولِ اللّهِ وََّ؛ لأنَّه كان يُصلِّي إليها .
وما ذُكر فِي حديثِ ابنِ عُمَرَ مِنِ اتخاذِ الأمراءِ لها ، فالأمراءُ الذين عَنَاهم في
زمنه إنَّما اتخذوها تعاظمًا وكبرًا، لم يتخذوها لأجلِ الصَّلاةِ كما كان النّبِيُّ ◌َ
يتخذها للصلاة .
وفي الحديث : دليلٌ على استحبابِ السَّتْرة للمصلِّي وإنْ كَانَ في فضاءِ ،
وهو قولُ الأكثرين .
ورخَّص طائفةٌ من العلماءِ لِمَنْ صلَّى في فضاءٍ أَنْ يصلّي إلى غيرِ سُتْرةٍ ،
منهم : الحسنُ وعُروة .
وكانَ القاسمُ وسالم يُصلِيان في السفرِ إلى غير سُتْرةٍ . وروي عن الإمام
أحمد نحوه ــ : نقله عنه الأثرم وغيره (٢). وهو - أيضاً - مذهبُ مالك .
(١) (٠٤ ٣ ١) .
(٢) في ((ق)) تقديم وتأخير في الكلام أخل بمعناه .