Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
٦٣ - بَابُ
التَّعَاوُنِ فِي بِناءِ الْمَسْجِدِ
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ -
إِلَى قَوْلِه -: ﴿مِنَ الْمَهتَدِين﴾ [التوبة: ١٧، ١٨].
عمارةُ المساجدِ تكونُ بمعنيين :
أحدهما : عمارتُها الحسِّيَّة بِبنائها وإصلاحِها وترميمِها ، وما أَشْبَه ذلك .
والثاني : عمارتُها المعنوية بالصلاة فيها ، وذِكْرِ اللّه وتلاوة كتابه ، ونشرِ
العلم الذي أنزلَهُ على رسولِهِ ، ونحو ذلك .
وقد فُسِّرت الآيةُ بكلِّ واحدٍ من المعنيين ، وفُسِّرت بهما جميعًا ، والمعنى
الثاني أخصُّ بها .
وقد خَرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُّ وابنُ ماجه(١) من حديث دَرَّاج ، عن
أبي الهيثم، عن أبي سَعيدٍ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتاهُ
المسجدَ فاشهدوا له بالإيمان)»، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمَرُ مَسَاجِدَ اللَّه مَنْ آمَنَ بِاللَّه
وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ - الآية [التوبة: ١٨].
ولكنْ قال الإمامُ أحمد : هو منكرٌ .
وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ - وقُرِئ
((مَسْجِدَ اللَّه)) .
/
فقيل : إنَّ المرادَ به جميعُ المساجد على كلا القراءتين ؛ فإنَّ المفردَ
المضافَ يَعمُّ، كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل : المرادُ بالمسجد المسجدُ الحرامُ خاصّة ، كما قال: ﴿وَمَا كَانُوا
(١) أحمد (٦٨/٣ - ٧٦) والترمذي (٢٦١٧) وابن ماجه (٨٠٢).
٤٨٢
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
وقيل : إنّه المرادُ بالمساجد على القراءة الأخرى ، وأنه جَمَعَهُ لتعددٍ بِقَاعِ
المناسكِ هناك ، وكلُّ واحدٍ منها(١) في معنى مسجد . رُوي ذلك عن عِكْرِمة .
والله أعلم .
فَمَنْ قَالَ : إنّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصّة ، قال: لا يُمكَّن الكفارُ من
دخولِ الحرمِ كلِّه، بدليل قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وجمهورُ أهلِ العلمِ على أنّ الكفارَ يُمْنَعُونَ من سُكْنَى الحرم ، ودخولِه
بالكلية، وعمارته بالطوافِ وغيرِه، كما أَمَرَ النبيُّ وَّ مَنْ يُنَادِي: ((لا يَحْجِ بعدَ
العام مُشْركٌ))(٢).
ورَخَّصَ أبو حنيفة لهم في دخولِهِ دونَ الإقامةِ به .
ومَنْ قال : المرادُ جميعُ المساجد ، فاختلفوا :
فمنهم : مَنْ قال : لا يُمكَّنُ الكفارُ من قُربان مسجد من المساجد ، ودخوله
بالكلية .
ومنهم : من رَخَّصَ لهم في دخولِ مساجد الحِلِّ في الجملة .
ومنهم : من فرّق بين أهلِ الكتابِ والمشركينَ ، فرَخَّصَ فيه لأهلِ الكتابِ
دونَ المشركين .
وقد أفردَ البخاريُّ بَابًا لدخولِ المشرك المسجدَ ، ويأتي الكلامُ على هذه
المسألةِ هناك مستوقَى - إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى .
واتفقوا على مَنْعِ الكفارِ مِنْ إِظْهَارِ دينهِم في مَسَاجِدِ المسلمين ، لا نعلم
(١) في ((هـ)): ((منهما)) ..
(٢) البخاري (١٦٢٢) ومسلم (١٠٧/٤).
٤٨٣
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
في ذَلك خلافًا .
وهذا مما يدلُ على اتفاقِ الناس(١) على أنّ العمارةَ المعنويةَ مرادةٌ من الآية.
واختلفوا في تمكينهم من عمارة المساجدِ بالبُنْيانِ والترميم ونحوه على
قولين :
أحدهما : المنع مِنْ ذَلك ؛ لدخولِهِ في العمارةِ المذكورةِ في الآية ، ذَكَرَ
ذلك كثيرٌ من المفسرين كالواحدي وأبي الفرج ابنِ الجوزي ، وكلامِ القاضي
أبي يَعْلَى في كتاب ((أحكام القرآن)» يوافقُ ذلك وكذلك كِيَا (٢) الهراسي من
الشافعية ، وذكره البغوي منهم احتمالاً .
والثاني : يجوزُ ذلك ، ولا يُمنعون منه، وصَرَّح به طائفةٌ من فقهاء
أصحابنا والبغويُّ من الشافعية وغيرهم .
وهؤلاء ؛ منهم مَنْ حَمَلَ العمارةَ على العمارةِ المعنويةِ خاصّة ، ومنهم مَنْ
قال : الآيةُ إنّما أُريد بها المسجدُ الحرامُ ، والكفارُ ممنوعونَ من دخولِ الحرمِ
على كل وَجْهِ ، بخلافٍ بقيةِ المساجدِ ، وهذا جوابُ ابنِ عقيل من أصحابنا .
وقد رُوي عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز ، أنه استعمل طائفةً من النصارى في عمارةٍ
مسجدِ النبيِّ بَّهِ، لما عمَّرَه في خلافةِ الوليدِ بنِ عَبْدِ الْمَلك.
ويتوجه قولٌ ثالثٌ ، وهو : أنّ الكافر إن بَنَى مسجدًا للمسلمين من مَالِه لم
يمكَّن من ذلك، ولو لم يُبَاشِرِه بنفسِهِ ، وإنْ بَاشَر بناءه بنفسِهِ باستئجارِ المسلمين
له جَازَ، فإنّ في قَبولِ المسلمينَ مِنَّةَ الكفارِ ذُلاً للمسلمين ، بخلافِ استئجارٍ
الكفار للعملِ للمسلمين ؛ فإن فيه ذُلاً للكفارِ .
(١) في ((هـ)) المسلمين .
(٢) كذا في ((ق))، والمعروف أنه: ((إِلْكِيَا))، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن علي، مترجم
في ((السير)) (١٩/ ٣٥٠) و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٣١/٧).
وفي ((هـ)): ((كلام)).
٤٨٤
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
وقد اختلفَ الناسُ في هذا - أيضًا - على قولين :
أحدهما : أنّه لو وَصَّى الكافرُ بمالِ للمسجدِ أو بمالِ يعمر به مسجد أو يُوقَدُ
به ، فإنه تُقْبَلُ وَصِيَّتُه ، وصرَّح به القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) في مسألةٍ
الوقيد ، وكلامُهُ يدلُّ على أنه محلُ وفاقٍ ، وليس كذلك .
والثاني : المنع من ذلك ، وأنه لا تُقَبلُ الوصيةُ بذلك ، وصرَّح به الواحدي
في ((تفسيره)) وذَكَرَه ابنُ مزين في كتاب («سير الفقهاء))، عن يَحْيِى بن يحيى ،
قال : سمعتُ مالكًا، وسُئِلَ عن نصراني أَوْصَى بمالِ تُكْسَى به الكعبةُ ؟ فأنكر
ذلك ، وقال : الكعبةُ منزهةٌ عن ذلك .
وكذلك المساجد لا تجري عليها وَصَايَا أهلِ الكفرِ .
وكذلك قال محمدُ بنُ عبد اللّه الأنصاري قاضي البصرة: لا يصحُّ وقفُ
النصراني على المسلمين عمومًا، بخلاف المسلمِ المعين ، والمساجدُ مِن الوَقْفِ
على عمومِ المسلمين - : ذَكَرَهَ حَرْبٌ ، عنه بإسنادِه .
وَقَالَ عبدُ اللّه بنُ أحمد (١): سألتُ أبي عن المرأةِ الفقيرةِ تجيءُ إلى اليهودي
أو النصراني فتصدق منه ؟ قال : أَخْشَى أنّ ذلك ذلَّة .
وقال مُهَنَّا : قلتُ لأحمد : يأخذ المسلمُ من النصراني مِنْ صدقتهِ شيئًا ؟
قال : نعم ، إذا كان محتاجًا .
فقد يكون عن أحمد روايتان في كراهةِ أخذِ المسلم المعين من صدقة
الذِّمي، وقد يكون كَرِهَ السؤالَ ، ورَخَّصَ في الأخذِ منه بغيرِ سُؤَالِ . واللّه
أعلم .
وأمّا وَقْفُهم على عمومِ المسلمين كالمساجدِ ، فيتوجه كراهتُه بكلِ حالٍ ،
كما قاله الأنصاريّ .
(١) في ((مسائله)) (ص ٤٤٨).
٤٨٥
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
وقد ذَكَرَ أهلُ السير كالواقدي ومحمدُ بنُ سعد(١) أن رجلاً من أَحْبَارِ اليهودِ ،
يقال له: مُخَيْرِيقٌ، خَرَجَ يوم أحد يقاتل(٢) مع النبيِّ بَّ، وقال: إنْ أُصبتُ
في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيثُ شَاءَ ، فقُتل يومئذٍ ، فَقَضَ رسولُ اللّهِ
وَّ أموالَه، فقيل: إنَّه فرَقَها وتصدَّق بها، وقيل: إنَّه حبسها ووقفَها .
ورَوَى ابنُ سعد ذلك بأسانيد متعددة ، وفيها ضعفٌ . واللّه أعلم .
قال البخاريّ - رحمه الله - :
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثنا عَبدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارِ: ثنا خَالِدٌ الحَذَاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ:
قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاس وَلَابْنِهِ عَلَيٍّ: انْطَلقا إلى أَبِي سَعيد، فَاسْمَعًا مِنْ حَديثه ، فَانْطَلَقْنَا
فَإِذا هُوَ في حائِطِ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَى، ثُمَّأَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا، حَتَّى أَنَى عَلَى
ذكْرِ بناءِ الْمَسْجِدِ. قَالَ: كُنَا نَحْمِلُ لَبَةً لَبَةً، وَعَمّارٌ لَبِنَتَينِ لَبَِيْنٍ، فَرَآهُ النِبِيُّ ◌ِ،
فَجَعَلَ يَنْفُضُ الثَّابَ عَنّهِ، وَيَقُولُ:((وَيِحَ عَمَّارٍ(٣)، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَِّ وَبَدْعُونَهُ إِلَى
النَّارِ)). قَالَ : يَقُولُ عَمّارٌ : أَعُوذُ بِاللّه منَ الفتَنِ .
في هذا الحديث : حِرصُ العالِمِ المتسع علمُهُ على أولادِهِ ومَوَالِيه في
تعليمهم العلم ، حتّى يرسلهم إلى غيرهِ مِن العلماءِ ، وإنْ كان هو أعلمَ وأفقهَ ،
لما يرجى مِن تعليمهم من غيره ما ليس عنده .
وفيه : أنَّ الصحابةَ كانوا يعملون في حوائطهم وهي بساتينُهم وحدائقُهم
بأيديهم، وأنَّ أحدَهم كانَ إذا عَمِلَ في عَمَلِ دُنْيَاه الْقَى رِدَاءَه واكْتَفَى بِإِزَارِهِ ، فإذا
جاءَه مَنْ يطلبُ العلمَ أَخَذَ رداءَه ، وجَلَسَ معهم في ثوبين : إِزَارٍ ورِدَاءٍ .
وقولُ أبي سعيدِ : ((كنّا نَحْمِلُ لَبِنَة لَبِنَة، وعمَّار لبنتين لبنتين)) ، يدلُّ على أنَّ
أبا سعيدٍ شَهِدَ بناءَ المسجد وعَمِلَ فيه ، وهذا يدلُّ على أنّ المرادَ بناءُ المسجدِ ثاني
(١) ((لطبقات)) له (١/ ٢ / ١٨٢).
(٢) في ((ق)): ((يتمايل)).
(٣) زاد في هامش ((ق)): ((تقتله الفئة الباغية))، وسيأتي ما فيه.
٤٨٦
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
مرة لا أوَّلَ مرة؛ فإنَّ جماعةً مِن أهلِ السِّير ذَكَرُوا أنَّ النبيَّ بِّهِ بعدما فَتَحَ اللهُ
عليه خيبرَ بنَى مسجدَه مرةً ثانية ، وزَادَ فيه مثلَه .
وإنَّما استشهدْنَا لذلك بمشاركةِ أبي سعيدٍ في بناءِ المسجد ، ونَقْلِ اللَّبِن ؛
لأنَّ أَبَا سعيد كَانَ لَه عند بناءِ المسجدِ في المرةِ الأولى نحو عَشر سنين أو دونها ؛
لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ ردَّه يومَ أُحد ولم يُجِزْهُ، وله نحو ثلاث عشرة سنة ، وكانت غَزْوة
أُحد في أواخرِ السنة الثالثة من الهجرة ، ومَنْ لَه عَشرُ سنين أو دونها فبعيدٌ أن
يعملَ مع الرجالِ في البنيان .
ويدلُّ على تجديدِ النبيِّ بَّهِ لعمارةِ مسجدِه أَدلَّةٌ أُخَر :
منها: أنّ عثمانَ وسّع مسجدَ النبيِّ وَِّ في حياتِه بإذنِ النبيِّ بَله ، فاشترى
له مكانًا من ماله ، وزادَه في المسجد .
روى ثُمَامَةُ بنُ حَزْنِ ، قَالَ : شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ ،
فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللّهِ والإسلامِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّ المسجدَ ضَاقَ بأهله، فقال
رسولُ اللّه ◌َّرُ: ((مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلانٍ فَيَزِيدُهَا في المسجدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي
الْجَنَّة)) ، فاشتريتُها مِن صُلْبِ مَالي ، فأنتم اليوم تَمْنَعُونِي أنْ أصلِّي فيها رَكْعتين ؟
قالوا : اللّهُمَّ نَعَمْ - وذكر الحديث .
خرَّجه النسائي والترمذي(١)، وقال : حديثٌ حسنٌ .
ورَوَىَ عَمْرُو (٢) بن جَاوَانَ، عَنِ الأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ ، قال : انطلقنا حُجَّاجًا ،
فمررنا بالمدينة ، فإذا الناسُ مُجْتَمِعُونَ على نَفَرِ في المسجدِ ، فإذا عليٌّ والزبيرُ
وطلحةُ وسعدٌ ، فلم يكن بأسرعَ من أنْ جَاء عثمانُ ، فَقَالَ لهم : أنشدكم بالله
الذي لا إله إلا هو، أتعلمونَ أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَيهِ قال: ((مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بني فُلان
غَفَرِ اللّهُ لَه))، فابْتَعْتُهُ، فأتيتُ رسولَ اللّه ◌َّهِ، فقلتُ: إني قد ابتعتُه ، فقال:
(١) النسائي (٢٣٥/٦) والترمذي (٣٧٠٣).
(٢) ويقال: ((عُمر)).
٤٨٧
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
((اجعَلُهُ في مسجدنا، وأَجْرُهُ لَكَ)) ؟ قالوا : نعم - وذكر الحديث.
خرَّجه الإمام أحمد والنسائي(١) .
وفي بعض الروايات : ((أحسبه قال : ابتعته بعشْرِينَ أَو بخمسةٍ وعِشْرِينَ
ألفًا)) .
وروى ابنُ لَهِيعة: حدثني يزيد بن عمرو المعافري ، قال : سمعتُ أبا ثور
الفهمي(٢)، قال: دخلتُ على عثمانَ، فقال: قد قال رسولُ اللّهِ وَّ: ((مَنَ
يشتري هذه الرَّبعة(٣) ويزيدُها في المسجد ، وله بيتٌ في الجنة ؟)) فاشتريتُها وزدتُها
في المسجد .
خرَّجه البزار في ((مسنده)(٤).
وخرَّج الإمامُ أحمد والنسائي(٥) من رواية أبي إسحاق السبيعي ، عن
أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن ، قال : أشرف عثمان - فَذَكَرَ الحديثَ ، وفيه : أنه
قال: أُنْشِدُ باللهِ مَنْ شَهِدَ رسولَ اللّهِ بَّر قال: ((من يوسع لنا بهذا البيتِ في
المسجد ببيت له في الجنة؟)) فابتعتُه من مَالي ، فوسعت به المسجد ، فانتشد له
رجال - وذكر بقيةَ الحدیثِ .
وفي سماعٍ أبي سَلَمَةَ من عثمانَ نظرٌ .
وقد اختلف في إسنادِه على أبي إسحاق :
فرواه ، عنه : ابنُه يونس وحفيدُه إسرائيلُ بنُ يونس ، كلاهما عن
(١) أحمد (٧٠/١) والنسائي (٤٦/٦ - ٢٣٤).
(٢) في الأصلين: ((الفهري)) خطأ.
(٣) في البزار: ((الزَّنَقَة))، وكذا ذكره ابن الأثير في «النهاية» (٣١٥/٢) والزنقة : ميل في الجدار
في سكة أو عُرقوب وادٍ .
(٤) (٤٤٨) .
(٥) أحمد (٥٣/١) والنسائي (٢٣٦/٦).
٤٨٨
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
أبي إسحاق ، عن أبي سَلَمَةَ .
ورواه زيد بن أبي أُنَيسة وشعبة وغيرهما ، عن أبي إسحاق ، عن أبي
عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان .
وقد خَرَّجَ البخاري في ((صحيحه)) (١) قطعةً من هذا الحديث من رواية شُعبة ،
ولم يَذْكر فيه المسجد ، إنما ذَكَرَ خصالاً أُخَر .
وكذلك خرَّجه النسائي والترمذي(٢) من حديثِ زَيَد بن أبي أُنيسة، وعند
الترمذي : ((وأشياء عَدّهَا)).
وقال : صحيحٌ غَرِيبٌ .
وقال الدار قطني(٣): قول شعبة ومَنْ تَابَعه أشبهُ بالصوابِ.
ومِن الأدلةِ على أنَّ النبيَّ نَّ جَدَّدَ عمارةَ مسجده مرةً ثانية : أنَّ وَفْدَ بني
حنيفة قَدِمُوا على النبيِّ وَّ وهو يبني مسجدَه، ومعلومٌ أنّ وفودَ العَرِبِ لم يَفِدْ
منهم أحدٌ على النبي ◌ِّ مسلمًا في السنة الأولى من الهجرة ، هذا أمرٌ معلومٌ
بالضرورة لكلِّ من عَرَفَ السِّيَر وخبرَها ، إنماُ قَدِمَتْ الوفودُ مسلمين بعد انتشارِ
الإسلامِ وظهورِه وقوتِه ، وخُصُوصًا وَفْد بني حنيفة ؛ فإِنّه قد وَرَدَ في ذَمِّهم
أحاديثُ متعددة في ((مسند الإمامِ أحمد)) والترمذي وغيرهما من الكتب، فكيف
يُظن بِهم أنهم سَبَقُوا الناسَ إلى الإسلام في أول سنة من سني الهجرة ؟
ويدل على قُدُومٍ وفد بني حنيفة والنبيُّمَ﴿ يبني مسجده: ما رَوَاهُ مُلاَزِمُ ابنُ
عَمْرو : حدثني جدِّي عبدُ اللّه بن بدر ، عن قيس بن طَلق ، عن أبيه ، قال :
بَنَيْتُ مَعَ رسول اللّه وَ ◌ّلهُ مَسْجِدَ المدينةِ، فَكَانَ يَقُولُ: ((قَدِّمُوا الْيَمامِي من
الطينِ ؛ فإنّه مِنْ أَحْسَنِكُمْ لَهُ مَسًا)» .
(١) (٢٧٧٨) تعليقًا.
(٢) النسائي (٢٣٦/٦) والترمذي (٣٦٩٩).
(٣) في ((العلل)) (٥٢/٣).
٤٨٩
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
خرّجْه [ ... ](١) ابنُ حِبّانَ في «صحيحه)(٢).
وخَرَّجه الإمامُ أحمد (٣)، وزادَ في آخرِه : ((وأشدكم منكبًا)) .
.. وعندِهِ(٤) عن مُلازِم ، عن سِرَاج بن عقبة وعبْدِ اللّه بن بدر ، عن قيس.
وخرّج النسائي(٥) بهذا الإسناد، عن طَلق، قال : خرجنا وفدًا إلى النبي
{َله ، فبايعناه وصلينا معه - وَذَكَرَ حديثًا .
فتبين بهذا : أنّه إنّما قَدِم في وفد بني حنيفة .
وخرّجه الدار قطني (٦) من رواية محمد بن جابر - وفيه ضعفٌ - ، عن قَيس
ابن طَلق، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللّه ◌ِ له وهم يؤسِّسون مسجدَ المدينة.
قال : وهم ينقلون الحجارةَ . قال : فقلتُ : يا رسولَ اللّه ، ألا ننقل كما
ينقلون ؟ قال : ((لا، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة، فأنت أعلم به)).
قال : فجعلت أخلطه ، و[هم](٧) ينقلونه .
وخرّجه الإمامُ أحمد(٨) من رواية أيوب ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : جئتُ
إلى النبيِ وَله وأصحابُه يَبْنُونَ المسجدَ. قال: فكأنّه لم يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ. قال:
فأخذتُ المِسْحَاةَ، فخَلَطْتُ بها الطِّينَ . قال : فكأنّه أعجبه أخذي للمِسْحَاةَ
(١) بياض بالأصلين .
(٢) (١١٢٢) .
(٣) راجع: ((المسند الجامع)) (٧/ ٥٧٤).
(٤) في ((ق)): ((وعنه)).
(٥) (٣٨/٢) .
(٦) (١/ ١٤٨) .
(٧) من ((هـ)).
(٨) هذا الحديث من الأحاديث الساقطة من النسخة المطبوعة من ((مسند أحمد)) وهذا الحديث ورد
في ((غاية المقصد في زوائد المسند)) (ورقة ٤٨) وراجع ((المسند الجامع)) (٧/ ٥٧٤) وعزاه
الهيثمي في ((المجمع)) لأحمد والحديث عند الطبراني في «الكبير» (٤٠٢/٨) وابن عدي
(٣٤٥/١) من رواية أيوب ، عن قيس ، عن أبيه مرفوعًا .
٤٩٠
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
وعَمَلي ، فقال: ((دَعُوا الحَنَفيَّ والطِين؛ فإنّ أَضْبَطُكُمْ للطِين)).
وأيوب ، هو : ابن عُتبة ، فيه لين .
وأما نفضُ النبيِّ بَّهُ عن عَمَّر الترابَ الذي أصابه من نقلِ اللَّبِن، فقد بوَّب
عليه البخاريُّ في ((السير)): ((مَسْحَ الغبارِ عنِ الناس(١) في السبيل)»، وخَرَّج فيه
هذا الحديث(٢) مختصرًاً، وفيه: فَمَرَّ به النبيُّ نَّهِ، فمَسَحَ عن رأسِهِ الغبارَ،
وقال : ((وَيْحَ عمّارِ ، يَدْعوهم إلى اللهِ، ويَدْعونهُ إلى النار)) .
وقوله : ((وَيْحَ عمّار))، وَيْح: كلمة رحمة - : قاله الحسنُ وغيرُه .
وروي مرفوعًا من حديث عائشة بإسناد فيه ضعفٌ .
وقيل : ويح : رحمة لِنَازِلِ به بَلِيَّة . وانتصابه بفعل مضمر ، كأنه يقول:
أترحم عمارًا ترحمًا .
وقوله : ((يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) فيه : إخبارٌ بأنّ ذلك سيقع
له ، ولهذا تعوذ عمار عند ذلك من الفتن .
وفيه إشارة إلى أن عمَّارًا على الحق دون من خالفه .
وقد وقع في بعض [نسخ](٣) ((صحيح البخاري)) زيادة في هذا الحديث ،
وهي : ((تقتلهُ الفئةُ الباغية))(٤).
وقد خرّجه بهذه الزيادة الإمام أحمد(٥) عن محبوب بن الحسن ، عن خالد
الحذّاء ، عن عِكْرِمة ، سمع أبا سعيد يحدث عن بناء المسجد - فذكره ، وقال
(١) كذا بالأصل و((اليونينية))، ليس فيه اختلاف، وفي نسخة الفتح هكذا: ((الرأس في سبيل اللّه)).
(٢) (٢٨١٢) .
(٣) زيادة مني .
(٤) قال الحافظ ابن حجر: ((اعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في ((الجمع)). وقال: إن
البخاري لم يذكرها أصلاً ، وكذا قال أبو مسعود . قال الحميدي : ولعلها لم تقع للبخاري ،
أو وقعت فحذفها عمدًا. قال: وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث)) .
(٥) (٢٢/٣) .
٤٩١
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
مسـ
فيه : ((ويح عمار، تقتله الفئةُ الباغيةُ، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)).
وخرجه النسائي .
وقد رواه يزيد بن زريع وغيره ، عن خالد الحذّاء .
ولكن لفظة: ((تقتله الفئة الباغيةُ)) لم يسمعها أبو سعيد من النبي نَّ؛ إنّما
سَمِعها من بعضِ أصحابه عنه .
وقد خرّجه الإمامُ أحمد (١) من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن
أبي سعيد، عن النبي ◌َّ - فَذَكَرَ قصةَ بناءِ المسجد ، وقال : حدثني أصحابي -
ولم أسمعه - ، أن النبي ◌َّ جعل ينفض الترابَ عن عمّارِ، ويقول: ((وَيْحَ ابنِ
سُمَيَّةَ ، تقتلك الفئةُ الباغيةُ)).
وخرّج مسلمٌ في ((صحيحه))(٢) من حديث شعبة ، عن أبي مَسْلَمة: سمعتُ
أبا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَن أبي سعيد الخُدْرِيِّ ، قال : أخبرني مَنْ هُو خَيْر مِنّى أنّ
رسولَ اللّهِ بَّه قال لعمّارِ حين جَعَلَ يَحْفِرُ الخندقَ، جَعَلَ يَمْسَحُ رأسَه ويقول:
(بُؤْسَ ابنِ سُميَّةَ، تقتُلُكَ فئةٌ باغيةٌ)) .
وفي رواية له بهذا الإسناد تسمية الذي حدَّث أبا سعيد ، وهو أبو قتادة.
وفي رواية له - أيضًا - قال : أُراه - يعني : أبا قتادة .
كذا قال أبو نَضْرة في روايته عن أبي سعيد ، أنّ ذلك كان في حفرِ الخندق ،
والصحيح : أنّ ذلك كان في بناءِ المسجد .
وقد رَوَى الدَّرَاوردي ، عن العلاءِ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كنّا
نحمل اللَّبِنَ لمسجد النبيِ وَه، فكنّا نحملُ لَبنة لَبِنة ، وكان عمّار يحمل لَبنتين
لَبنتين، فقال رسولُ اللّهِ وَلّ: ((أبشر عمار، تقتُلُكَ الفئةُ الباغيةُ)).
خرّجه يعقوبُ بنُ شيبة في «مسنده))، عن أبي مصعب ، عن الدراوردي .
(١) (٥/٣) .
(٢) (٨/ ١٨٥) .
٤٩٢
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
وخرّجه الترمذي(١) عن أبي مصعب ، لكنه اختصره ، ولم يذكر فيه قصةً بناء
المسجد ، وقال : حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث العلاء .
وإسناده في الظاهر على شرط مسلم ، ولكن قد أعله يحيى بن معين (٢)، بأنّه
لم يكن في كتاب الدراوردي ، قال : وأخبرني مَنْ سَمِعَ كتابَ العلاءِ - يعني :
من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث . قال [يحيى] (٣): والدراوردي حفظه ليس
بشيءٍ ، كتابُه أصحُّ .
وهذا الحديث - أيضًا - مما يدل على أنّ بناء المسجد الذي قيل لعمّار فيه
ذلك كان بعد فتحٍ خَيْبر ، لأنّ أَبَا هريرة أخبر أنّه شَهِدَه .
ورُوي شهودُ أبي هريرة لبناءِ المسجدِ من وَجْهِ آخر ليس فيه ذكرُ عمّار .
خرّجه الإمامُ أحمد(٤) من رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو ، عن ابن عبد اللّه
ابن حَنْطب ، عن أبي هريرة ، أنّهم كانوا يحملون اللَّبِنَ إلى بناء المسجد ،
ورسولُ اللّهِ وَّه معهم. قال: فاستقبلت رسولَ بَخله وهو عارض لبنة على
بطنه ، فظننتُ أنها شقت عليه ، فقلتُ: نَاوِلْنيها يا رسولَ الله. قال: ((خُذْ
غيرَها يا أبا هريرة ؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة)) .
ولكن ابن حَنْطب ، هو : المطلب ، ولا يصح سماعُه من أبي هريرة .
ورَوَى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، عن عبد اللّه بن الحارث ،
سَمِعَ عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين: يا أبه ، أَمَا سمعتَ
رسولَ اللّهِ وَ لَهُ يقولُ، وهم يبنون المسجد، والنَّاسُ ينقلون لبنةً لبنة، وعمّار
ينقل لَبنتين لَبنتين، وهو يُوعك، فقال له رسولُ اللهِ،وَهُ: ((إنّك لحريصٌ على
(١) (٣٨٠٠) .
(٢) في رواية الدقاق (٣٦٢).
(٣) من ((هـ)).
(٤) (٢/ ٣٨١) .
..
٤٩٣
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
الأجر ، وإنّك لَمن أهل الجنة ، وإنّك لتقتُلُكَ الفئةُ الباغية)).
خرّجه يعقوبُ بنُ شَيبة في ((مسنده)) بتمامه .
وخرّجه الإمامُ أحمد والنسائي في ((الخصائص)) - مختصرًا. والحاكم(١).
وفي إسناده اختلافٌ على الأعمش .
وهو - أيضًا - مما يدلُّ على تأخر بناء المسجد حتّى شَهِدَه عمرو بن العاص
وابنه عبد اللّه .
ورَوَى ابنُ عونٍ ، عن الحسن ، عن أُمِّه، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: لما كان يومُ
الخندق، وجَعَلَ الناسُ يحملون لَبِنة لَبِنة ، وجَعَلَ عمَّارٌ يحمل لبنتين لبنتين ، حتى
اغْبر شعرُ صدرِه، فقال له النبيُّ نَّةِ (( وَيْحَكَ يا بنَ سُميَّةً، تقتلك الفئةُ الباغيةُ)).
خرَّجه [ ... ](٢).
وخرّجه(٣) مسلم مختصرًا، أنَّ النبي ◌َِّ قال لعمار: (( تقتله الفئة الباغية)).
وذِكْرُ حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظرٌ ، والصوابُ : بناءُ المسجد ،
يدل على ذلك وجهان :
أحدهما : أنَّ حفر الخندق لم يكن فيه نقل لَبِن ، إنما كان يُنقل التراب ،
وإنما يُنقل اللبن لبناء المسجد .
والثاني: أنَّ حديث أمّ سَلَمَةَ قد رُوي بلفظ آخر ، أنها قالت : ما نسيت
الغبار على صدر رسول اللّه وَ له، وهو يقول:
((اللهم إنَّالخير خير الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة ))
(١) أحمد (١٦١/٢ - ٢٠٦) والنسائي في ((الخصائص)) (١٦٥) والحاكم (٣٨٧/٣).
(٢) في ((هـ)) بياض، وفي ((ق)) علامة لحق، ولم يظهر شيء في الهامش. والحديث في
((المسند)» (٢٨٩/٦ - ٢٩٠) بنحوه .
(٣) (١٨٦/٨).
٤٩٤
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
إذ جاء عمار فقال: (( وَيْحَكَ - أو وَيْلك - يا بنَ سُميَّةٌ، تقتلك الفئةُ الباغيةُ)).
وأم سلمة أين كانت من حَفْرِ الخندق ؟ إنّما كانتْ تشاهد بناء(١) المسجدَ في
المرة الثانية ، لأنّ حجرتَها كانت عند المسجد .
وقد اخْتُلُف في حديث : (( تقتل عمارًاً الفئةُ الباغيةُ)).
فذَكَرَ الخلاّل في كتاب ((العلل))(٢): ثنا إسماعيل الصفار: سمعت
أبا أمية الطرسوسي يقول : سمعتُ في حلقةُ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا: (( تقتل عمارًا الفئةُ الباغيةُ)) ، فقالوا : ما فيه
حدیثٌ صحيحٌ .
قال الخلال : وسمعتُ عبْدَ اللّه بن إبراهيم يقول : سمعتُ أبي يقول :
سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول : رُوي في عمّار: (( تقتله الفئةُ الباغيةُ)) ثمانيةٌ
وعشرون حديثًا ، ليس فيها حديثٌ صحيح .
وهذا الإسناد غير معروف ، وقد روي عن أحمد خلافُ هذا :
قال يعقوب بن شيبة السَّدوسي في ((مسند عمّارِ)) من ((مسنده)): سمعتُ أحمد
ابن حنبل سُئِلَ عن حديثِ النبيِ وَلَّ في عمّار: ((تقتلك(٣) الفئة الباغية)) فقال
أحمد: كما قال رسولُ اللّهِ وَّه: ((قتلته الفئةُ الباغية)). وقال: في هذا غيرُ
حديثٍ صحيح، عن النبي ◌َّ، وكَرِهَ أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا.
وقال الحاكم في ((تريخ نيسابور)) : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى
العارض(٤) - وأثنى عليه - يقول: سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني: جَزَرة -
يقول : سمعت يحيى بنَ معين وعلي بن المديني يصححان حديث الحسن ، عن
(١) من ((هـ)).
(٢) (١٣١ - من المنتخب له لابن قدامة) بتحقيقي.
(٣) في هـ ((تقتله)).
(٤) في ((هـ)): ((الفارض)).
٤٩٥
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
أمِّه، عن أمِّ سلمة: ((تقتل عمارًا الفئةُ الباغيةُ)).
وقد فَسّر الحسنُ البصري الفئة الباغية بأهل الشام : معاوية وأصحابه .
وقال أحمد : لا أتكلمُ في هذا ، السكوتُ عنه أسلم .
وقول النبي وَّ في بناء المسجد: (( وَيْحَ عمار ، يَدْعوهم إلى الجنة،
ويدعونهُ إلى النّار )) هو من جنسِ الارتجاز كما كان يقول في بناءِ المسجد في
أول أمره(١) :
((اللهم إنّ العيشَ عيشُ الآخِرَةُ فاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ والمُهَاجِرَةُ))
ومثل ارتجازه عند حفرِ الخندق بقول ابنٍ رَوَاحة :
((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا))
ورَوَى محمد بن سَعْد (٢): أبنا عبد اللّه بن نُمير، عن الأَجلح ، عن
عبد اللّه بن أبي الهُذيل، قال: لما بنى رسولُ اللّهِ وَهِ مسجده، جَعَلَ القومُ
يحملون، وجعل النبيُّ رَّله يحمل هو وعمَّار، فجَعَلَ عمر يرتجز ، ويقول:
نَحْنُ المُسْلِمونَ نبني المَسَاجِدا
وجَعَلَ رسولُ اللّهِ وَلَه يقول: ((المساجد)).
وقد كان عمّارٌ اشتكى قبل ذلك ، فقال بعضُ القوم : لَيَمُوتَنَّ عَمّارٌ اليومَ ،
فسمعهم النبيُّ نَّهِ، فنفضَ لَبِتَتَه، وقال: ((وَيْحَكَ)) - ولم يقل: وَيْلك -
(( يا بنَ سُميَّة ، تقتُلُكَ الفئةُ الباغية » .
وهذا مرسلٌ .
وخرّجه البزار(٣) من رواية شَريك، عن الأَجلح، عن عبد الله بن
(١) في ((هـ)): ((مرة)).
(٢) (٣/ ١ / ١٧٩) .
(٣) (١٤٢٨) .
٤٩٦
حديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
أبي الهُدْيل، عن عمّارٍ، عن النبيِ وَلَّ، أنّه قَالَ له: ((تقتُلُكَ الفئةُ الباغية)).
ثم قال : رواه أبو التَّاح، عن عبد اللّه بن أبي الهُذيل - مرسلاً، لم يقل:
عن عمّارٍ(١).
قلت : وقد خرّجه الطبراني(٣) بإسنادٍ فيه نظر، عن حمّاد بن سَلَمَةَ ، عن
أبي النَّيَّاح، عن أنسٍ، أن النبيَّ وَّ كان يبني المسجد ، وكان عمّار يحمل
صخرتين ، فقال: ((وَيْحَ ابنِ سُميَّةٌ ، تقتله الفئةُ الباغيةُ) .
والمرسلُ أشبه . والله أعلم .
ورَوَى حمّاد بن سَلَمَة في ((جامعه)»(٣)، عن أبي جعفر الخطمي ، أن
عبد اللّه بن رواحة كان يقول وهم يبنون مسجد قباء :
أفلح من يعالجُ المساجدا
فقال النبي ◌َّل : ((المساجد)).
يقرأ القرآن قائمًا وقاعدا.
فقال النبيّ وَّ: ((قاعدا)).
ولا يبيت الليل عنه راقدا
فقال النبيّ وَلِ: ((راقدا)).
وفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان :
٠
إحداهما : ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة ، والحث على العمل ،
فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل ، وزوال ما يعرض للنفس من الفُتُور
والكسلٍ عند سماع ثواب العمل وفضله ، أو الدعاء لعامله بالمغفرة .
والثانية : أنّ المتعاونين على معالجة الأعمال الشَّاقة كالحمل والبناء ونحوها.
(١) أخرجه ابن سعد (١/ ٢/ ٣).
(٢) في ((الأوسط)) (٦٣١٥).
(٣) ورواه عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) (٥٢/١) عن التبوذكي ، عنه .
٤٩٧
٦٣ - بابُ التعاون في بناء المسجد
كتاب الصلاة
قد جرتْ عادتُهم بالاسترواحِ إلى استماع بعضِهم إلى ما ينشده بعضُهم ، ويجيبه
الآخرُ عنه ، فإنّ كلَّ واحدٍ منهم يتعلق فكرُهُ بما يقولُه صاحبُه ، ويطرب بذلك ،
ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله ، فيخف [بذلك على النفوسِ معالجة تلك
الأثقال، وربما نسي ثقل المحمول](١) بالاشتغال بسماع الارتجاز ، والمجاوبة
عنه .
ويُوخذ من هذا أنواعٌ من الاعتبار :
منها : حاجةُ النفس إلى التلطفِ بها في حمل أثقال التكليف ، حتى تنشط
للقيام بها ، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس ، من الطاعات .
ومنها : احتياجُ الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعاونه على
طاعة اللّه، وينشطه لها بالمواعظ وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرَ
والتّقوى﴾ [المائدة: ٢] وقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
سُئِلتْ أُمُّ الدرداء : ما كان أفضلُ عملٍ أبي الدرداء ؟ قالت : التفكرُ .
قالت: ونَظَرَ إلى ثورين يخدَّان في الأرض، ثم استقلاً بعملهما ، فتعب أحدُهما،
فَقَامَ الآخرُ . فَقَالَ أبو الدرداء : في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا ،
وكذلك المتعاونون على ذِكْرِ اللّه عَزّ وجَلّ .
خرّجه ابنُ أبي الدنيا في ((كتاب التفكر))(٢).
(١) سقط من ((هـ)).
(٢) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٨/١ - ٢٠٩).
٤٩٨
حديث : ٤٤٨ - ٤٤٩
كتاب الصلاة
٦٤ - بَابُ
الاسْتَعَانَةِ بالنَّجَّارِ وَالصُّنَّعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالمَسْجِد
٤٤٨ - حدَّنا قُتََّةُ: ثنا عَبْدُ العَزِيزِ: حدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ : بَعَثَ
رَسُولُ اللّهِوَّه إلى امْرَأَةٍ: (( مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَّيْهِنّ)) .
٤٤٩ - حدثنا خَلاَّدٌ: ثنا عَبْدُ الوَاحد بنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبيه، عَن جابر، أنَّ امرأةٌ
قالتْ: يا رَسُولَ اللّه، أَلاَ أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فإنَّ لِي غُلاَمًا نَجَّارًا؟ قالَ:
ء
((إنْ شِئْت))، فَعَمَلَت الْمِنْبَرَ .
في هذين الحديثين كليهما : أنَّ النَّجارَ الذي صَنَعَ المنبرَ كان غلامًا لامرأةٍ .
وحديثُ سهلٍ مختصرٌ ، قد أتمه البخاريُّ في مواضع ، وقد سَبَقَ بتمامه في
((باب: الصلاة في المنبر والسطوح))، وفيه : أنّ سهلاً سُئِل : من أي شيءٍ
المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني ، هو من أَثْل الغابة ، عُمله فلانٌ
مولى فلانة - وَذَكَرَ الحديث .
وخَرَّجَ ابنُ سعدٍ (١) وغيرُهُ من حديثِ عبّاس بنِ سهل بن سعد، عن أبيه ، أنه
ذَكَرَ المنبر ، فقال : لم يكن بالمدينة إلا نجّر واحدٌ ، فذهبتُ أنا وذلك النّجَّارُ
إلى الخانقَّيْنِ (٢)، فقطعت هذا المنبر من أَثْلَةِ .
ئے
وخَرَّج الطبراني(٣) بإسنادٍ ضعيف، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَّ كان يخطب
إلى جِذْعٍ ، فمَرَّ روميٌّ فقال : لو دعاني محمدٌ لجَعَلْتُ له ما هو أَرْفَقُ من هذا ،
فِدُعِي لرسولِ اللّهِ وَّه، فَجَعَلَ له المنبر أربع مراقٍ - وذكر الحديث.
(١) (١/ ٢/ ١٠).
(٢) موضع معروف، وفي الطبقات ((الخافقين)).
(٣) في ((الأوسط)) (٢٢٥٠).
:
٤٩٩
٦٤ - بَابُ الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر
كتاب الصلاة
وخرّج ابن سعد (١) عن الواقدي ، بإسنادٍ له ، عن أبي هريرة - وبعض
الحديث بإسناد آخر -، أن النبيَّ ◌َّ ◌ََّ كان يَخْطُبُ إلى جِذْعٍ في المسجد قائمًا ،
فقال: ((إنّ القيامَ قد شَقَّ عليَّ))، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرًا كما
رأيتُ يُصنع بالشام؟ فشاورَ رسولُ اللّهِ بِ لَهَ المسلمين في ذلك، فرأوا أنْ
يتخذه ، فقال العباسُ بنُ عبد المطلب: يا رسولَ اللّه، إن لي غُلامًا - يقال
له : كِلَب ◌ِ أَعْمَلُ النَّاسِ، فقال رسولُ اللّهِ وَهِ: (مُرْه أَنْ يَعْمَله)) ، فأرسله
إلى أَثْلةٍ بالغابة ، فقطعها ، ثم عمل منها درجتين ، ومقعدًا ، ثم جاء به فوضعه
في موضعه اليوم - وذكر حديثًا طويلاً .
وإسنادُه لا يُعتمد عليه .
وخرّج أبو داود (٢) من طريق عَبْدِ العزيز بن أبي رَوَّاد ، عن نافع ، عن ابن
عمر، أنَّ النبيَّ وَجّ لما بدَّن قال له تميمٌ الداريُّ: ألا أتخذ لك يا رسولَ اللّه منبرًاً
يَجْمَعُ - أو يحمل - عِظَامَك؟ قال: ((بلى))، فاتخذ له منبرًا مِرْقاتين .
وخرّج الطبراني(٣) من رواية شيبة أبي قلابة عن الجُرَّيْري، عن أبي نَضْرةَ، عن
جابرٍ، أنّ النَّبِيَّ نِّ كان يَخْطُبُ إلى جِذْعٍ ، فقيل له: إنّ الإسلامَ قد انتهى،
وكَثُرَ النَّاسُ، فلو أَمَرْتَ بصَنْعةِ شيءٍ تشخص عَلَيْهِ، فقال لرجلٍ: ((أتصنعُ
المنبرَ؟)) قال: نعم. قال: ((ما اسمُكَ؟)) قال: فلانٌ. قال: (لستَ صَاحِبَه))،
فدعا آخرَ ، فقال : ((أتصنعُ المنبرَ ؟)) فقال مثل مقالته ، ثم دعا آخر، فقال :
نَعَمْ - إنْ شَاءَ اللّهُ - قال: ((ما اسمُكَ؟)) قال: إِبْرَاهِيمُ . قال: ((خُذْ في صنعته)).
وخرّجه عبدُ بنُ حُميد في ((مسنده))، عن علي بن عاصم، عن الجُريري، عن
أبي نَضْرة ، عن أبي سعيد .
(١) (١ / ٢ / ٩) .
(٢) (١٠٨١).
(٣) في ((الأوسط)) (٥٢١١) .
٥٠٠
حديث : ٤٤٨ - ٤٤٩
كتاب الصلاة
وَرَوَى عَبْدُ الرزاق(١)، عن رجل مِن أسلم - وهو إِبراهيمُ بنُ
أبي يحيى - ، عن صالح مولى التَوْأَمة ، أن باقوم مولى العاص بن أمية صنع
للنبيّ وَلّ منبره من طرفاءَ، ثلاث درجات.
ورواه محمد بن سُليمان بن مسمول ، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن
أبي سَبْرة ، عن صالح مولى التوأمة : حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص ،
قال: صنعتُ لرسولِ اللّه وَل منبراً من طرفاء الغابة، ثلاث درجات: القعدة،
ودرجتيه .
وكلا الإسنادين واه جدًا .
وقد رُوي عن ابن سيرين ، أنّ باقوم الرومي أسلم ، فلم يدر به سهيل بن
عمرو، ومات ولم يدع وارثًا، فدفع النبيُّ نَِّ ميراثَه إلى سهيل.
ذَكَرَ ذلك ابنُ منده في كتاب ((معرفة الصحابة)).
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب(٢): الغلام اسمه: مينا . ومولاته : لا نعلم
أحدًا سماها .
ثم رَوَى بإسنادِه(٣)، عن هارون بن موسى : ثنا محمد بن يَحْيِى، قال : قال
إسماعيل بن عبد اللّه: الذي عَمِلَ المنبرَ: غلامُ الأنصارية(٤)، واسمه : مينا .
وممّا يدخلُ في هذا الباب : حديثُ قيس بن طَلق ، عن أبيه ، في استعانةِ
النبيِ وَّهُ به(٥) في بناءِ المسجدِ في عَمَلِ الطينِ ، وقد سبق في البابِ الماضي.
(١) (١٨٢/٣ - ١٨٣). وعنده (باقول) بدل (باقوم) وانظر الفتح (٢٧٠/٢).
(٢) في ((الأسماء المبهمة)) (ص ٢٩٣) .
(٣) السابق (ص ٢٩٤) .
(٤) في ((هـ)): ((لأنصارية)).
(٥) من ((هـ)) .