Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
٥٩ - بابُ الصلاة إذا قدم من سفر
كتاب الصلاة
الشكر للسلامة)) . ولم يورد في ذلك أثراً ولا نصًا عن أحمد ، ولا غيره في
القدوم بخصوصه ، وسجود الشكر للقدوم من الجهاد أو غيره سالمًا لا يعلم فيه
شيء عن (١) سلف، إنما الذي جاءت به السنة . صلاة ركعتين في المسجد عند
القدوم .
(١) لعل الصواب: ((عمَّن)) أو: ((عن السلف)).

٤٦٢
حديث : ٤٤٤
كتاب الصلاة
٦٠ - بَابُ
إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
٤٤٤ - حَدَّثْنَا عَبَّدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ : أَبَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرْقِيِّ، عَنْ أَبِي ◌َتَادَةَ السَّلَمِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِ قَالَ: ((إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) .
أبو قتادة السَّلَمي منسوب إلى بني سَلِمة - بكسر اللام - ، بطن من
الأنصار من الخزرج ، واسم أبي قتادة ، الحارث بن ربعي . وقيل : اسمه :
النعمان .
وأما النسبة إلى بني سلمة ، فيقال فيها : سَلَمي بفتح اللام . هذا ما اتفق
عليه أهل العربية واللغة . ووافقهم على ذلك جماعة من أهل الحديث. وكذلك
قيده أبو نصر بن ماكولا في «إكماله)) وغيره .
وحكى الحازمي عن أكثر أهل الحديث أنهم يكسرون اللام ، ويقولون :
سلمي .
وفي الحديث : الأمر لمن دخل المسجد أن يركع ركعتين قبل جلوسه ،
وهذا الأمر على الاستحباب دون الوجوب عند جميع العلماء المعتد بهم . وإنما
يُحكى القول بوجوبه عن بعض أهل الظاهر .
وإنما اختلف العلماء : هل يكره الجلوس قبل الصلاة أم لا ؟
فروي عن طائفة منهم كراهة ذلك ، منهم : أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو
قول أصحاب الشافعي .
ورخص فيه آخرون ، منهم : القاسم بن محمد وابن أبي ذئب وأحمد بن

٤٦٣
٦٠ - باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين
كتاب الصلاة
حنبل وإسحاق بن راهويه .
قال أحمد : قد يدخل الرجل على غير وضوء ، ويدخل في الأوقات التي لا
يُصلى فيها .
يشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد لوجب على الداخل إليه
أن يتوضأ ، وهذا مما لم يوجبه أحد من المسلمين .
وأما الداخل في أوقات النهي عن الصلاة ، فللعلماء فيه قولان مشهوران،
وهما روايتان عن أحمد ، أشهرهما : أنه لا يصلي ، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وعند الشافعي يصلي .
وربما تأتي هذه المسألة في موضع آخر - إن شاء اللّه.
وروي عن جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كان يقال : إذا دخلتَ
مسجدًا من مساجد القبائل فلا بأس أن تقعد ولا تركع ، وإذا دخلت مسجدًا من
مساجد الجُمَعِ فلا تقعد حتى تركع .
ولعل أهل هذه المقالة حملوا قول النبي وَالاول: ((إذا دخل أحدكم المسجد))
على المسجد المعهود في زمنه ، وهو مسجده الذي کان یجمع فيه ، فیلتحق به ما
في معناه من مساجد الجُمَعِ دون غيرها .
والجمهور حملوا الألف واللام في ((المسجد)) على العموم لا على العهد .
وروى الإمام أحمد في ((المسند)) (١): ثنا حسين بن محمد : ثنا ابن
أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة، عن جابر بن عبد اللّه، أن النبي بَّ أتى
مسجدَ بعض الأحزاب ، فوضع رداءه ، فقام ورفع يديه مدًا يدعو عليهم، ولم
يصلِّ ، ثم جاء ودعا عليهم وصلَّى .
وفي كتاب ((العلل)) لأبي بكر الخلال ، عن أبي بكر المرَّوذيِّ ، قال : قيل
(١) (٣٩٣/٣) .

٤٦٤
حديث : ٤٤٤
كتاب الصلاة
لأبي عبد اللّه - يعني : أحمد - : حديث حميد بن عبد الرحمن ، عن هشام بن
سعد، عن نعيم المُجمِّر، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، أنه دخل المسجد
فاحتبى ، ولم يصلِّ الركعتين - أمحفوظ هو ؟ قال : نعم .
قال المرُّوذي : ورأيت أبا عبد اللّه كثيرًا يدخل المسجد ، يقعد ولا يصلي،
ثم يخرج ولا يصلي في أوقات الصلوات .
وهذا الحديث غريب جداً، ورفعه عجيب ، ولعله موقوف . والله أعلم .
وقال جابر بن زيد : إذا دخلت المسجد فصلِّ فيه ، فإن لم تصلِّ فيه
فاذكر اللّه ، فكأنك صليت فيه .
والصلاة عند دخول المسجد تسمى : تحية المسجد ، وقد جاء ذلك عن
النبي لة :
خرج ابن حبان في ((صحيحه))(١) من حديث أبي ذر ، قال : دخلتُ المسجدَ
فإذا رسولُ اللّهِ وَ لَّ وَحْدَه، فقال: ((يا أبا ذر، إن للمسجد تحيةً، وإن تحيته
ركعتان ، فقمْ فاركعهما))، فقمتُ فركعتهما ، ثم عدت فجلست إليه - وذكر
الحديث بطوله .
وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ، تكلم فيه
أبو زرعة وغيره .
وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر ، وكلها لا تخلو من مقال .
وتسمى - أيضًا - حق المسجد .
وروى ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرو
ابن سليم الزرقي، عن أبي قتادة، قال: قال رسول اللّه وَله: «أعطُوا المساجد
حقَّها)) قالوا : وما حقها ؟ قال: ((تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا))(٢).
(١) (٣٦١) .
(٢) أخرجه ابن خزيمة (١٨٢٤) وابن أبي شيبة (٢٩٩/١).

٤٦٥
٦٠ - باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين
كتاب الصلاة
واعلم أن حديث أبي قتادة قد روي بلفظين :
أحدهما : (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)) .
كذا رواه مالك ، وقد خرجه البخاري هاهنا من طريقه كذلك .
وهذا اللفظ يقتضي الأمرَ لهم(١) بالصلاة قبل الجلوس ، فمن جلس في
المسجد كان مأمورًا بالصلاة [قبل جلوسه .
ومن لم يجلس فيه ، فهل يكون مأمورًا بالصلاة ؟] (٢) ينبني على أن القَبْلِيَّةُ(٣)
المطلقة هل تصدق بدون وجود ما أضيفت إليه أم لا ؟ وفيه اختلاف قد سبق
ذكره في «باب : غسل القائم يده من النوم قبل إدخالها الإناء)).
فإن قيل : إنها لا تصدق بدونه ، فالأمر لا يتناول من لا يجلس ، وإن قيل:
إنها تصدق بدونه تناولَه الأمرُ .
واللفظ الثاني : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا یجلس حتی یرکع ركعتين)) .
وقد خرجه البخاري في ((أبواب: صلاة التطوع)) (٤) من رواية عبد اللّه بن
سعيد - هو : ابن أبي هند - ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير - بإسناده .
وهذه الرواية إنما فيها النهي عن الجلوس حتى يصلي ، فمن دخل ولم
يجلس ، بل مرَّ في المسجد مجتازًا فيه ، أو دخل لحاجة ثم خرج ولم يجلس لم
يتناوله هذا النهي .
ولكن خرجه أبو داود(٥) من رواية أبي عميس ، عن عامر بن عبد اللّه ، عن
رجل من بني زريق ، عن أبي قتادة، عن النبي بَ له، بنحوه، زاد فيه: ((ثم
(١) من ((هـ)).
(٢) سقط من ((هـ)).
(٣) في ((هـ)): ((الصلاة)) خطأ.
(٤) (١١٦٧) .
(٥) (٤٦٨) .

٤٦٦
حديث : ٤٤٤
كتاب الصلاة
لیقعد بعدُ إن شاء ، أو ليذهب إلى حاجته)) .
وهذه الزيادة تدلُّ على تناول الأمر لمن قعد ومن لم يقعد ، ولعلها مدرجة
في الحديث .
وقد خرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) هذا الحديث من
هذا الوجه ، ووقفه كلَّه على أبي قتادة .
وقد فرق أحمد وإسحاق بين أن يجلس الداخل في المسجد ، فقالا : لا
يجلس فيه حتى يصلي . قالا: وأما إذا مرَّ فلا بأس ، ولا يتخذه طريقًا . نقله
إسحاق بن منصور عنهما .
وكان ابن عمر يمر في المسجد ولا يصلي فيه(١).
وفي ((تهذيب المدونة)): قال مالك : ومن دخل المسجد فلا يقعد حتى
يركع ركعتين ، إلا أن يكون مجتازًا لحاجة ، فجائز أن يمر فيه ولا يركع ، وقاله
زيد بن ثابت ثم کره زيد أن يمر فيه ولا يركع ، ولم يأخذ به مالك .
وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول اللّه ◌َ يه يدخلون المسجد ثم
يخرجون ولا يصلون . قال : ورأيت ابن عمر يفعله(٢).
وكان سالم بن عبد اللّه يمر فيه مقبلاً ومدبرًا ولا يصلي فيه .
ورخص فيه الشعبي .
وقال الحسن : لا بأسَ أن يُسْتَطْرَقَ المسجد .
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - ، أنه مر في المسجد فصلى
فيه ركعة ، وقال : إنما هو تطوع(٣). وقال: كرهت أن أتخذه طريقًا .
(١) ابن أبي شيبة (٢٩٩/١).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٩٩/١).
(٣) عزاه ابن حجر في ((التلخيص)) (٢٦/٢) للبيهقي، ولم نجده ، وقال: ((في سنده قابوس
ابن أبي ظبيان ، وهو لين)) .

٤٦٧
٦٠ - باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين
كتاب الصلاة
جدة .
ومرَّ طلحة في المسجد ، فسـ
ومر فيه الزبير فركع ركعة أو سجد سجدة .
خرجه وكيع في ((كتابه)) .
وفي أسانيد المروي عن عمر وطلحة والزبير مُقَال .
وفي جواز التطوع بركعة قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد .
وقد بوب البخاري على أن ((التطوع لا يكون إلا ركعتين يسلم فيهما))(١).
وخرج فيه حديث أبي قتادة هذا مع غيره .
[والشافعية خلاف فيما إذا صلى ركعة : هل يقضي بذلك حق المسجد ، أم
لا ؟ والصحيح عندهم أنه لا يقضيه بذلك](٢).
وأما الاقتصار على سجدة فقول غريب .
وفي النهي عن اتخاذ المسجد طريقًا أحاديث مرفوعة متعددة ، في أسانيدها
ضعف .
وروِّيْنا من طريق الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن سالم ، عن أبيه،
قال : لقي عبدَ اللهِ رجلٌ فقال : السلام عليك يا بن مسعود . فقال عبد الله:
صدق الله ورسوله؛ قال رسول اللّه وَل: ((من أشراط الساعة أن يمر الرجل في
المسجد لا يصلي فيه ركعتين ، ولا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وأن يُبرِّدَ
الصبيُّ الشيخ)(٣).
الحكم بن عبد الملك ، ضعيف .
(١) ((كتاب التهجد)) باب (٢٨).
(٢) سقط من ((هـ)).
(٣) أخرجه الطبراني (٣٤٢/٩ - ٣٤٤).
وقوله: ((أن يُبَرِّدَ الصبيُّ الشيخ)» أي: يشتمه، ومنه: ((لا تُبَرِّدُوا عن الظالم)، أي :
لا تشتموه وتدعوا عليه ، فتخففوا عنه من عقوبة ذنبه . (النهاية) .

٤٦٨
حديث : ٤٤٤
كتاب الصلاة
ورواه - أيضاً - ميمون أبو حمزة - وهو ضعيف جدًا - ، عن إبراهيم ، عن
علقمة ، عن ابن مسعود - مرفوعًا(١).
وخرجه البزار(٢) من رواية بشير بن سلمان أبو (٣) إسماعيل ، عن سيار ، عن
طارق ، عن ابن مسعود ، عن النبي وَلّ - بمعناه.
وخرجه الإمام أحمد(٤) بغير هذا اللفظ ، ولم يذكر فيه المرور في المسجد ،
وذكر خصَالاً أُخَر .
وأما من مرَّ على المسجد ، فهل يستحب له الدخول إليه لقصد الصلاة فيه ؟
لا نعلم في ذلك إلا ما رواه سعيد بن أبي هلال : أخبرني مروان بن عثمان ، أن
عُبيد بن حُنين أخبره ، عن أبي سعيد بن المعلى ، قال : كنا نغدو إلى السوق
على عهد رسول اللّه ◌َّله، فنمر على المسجد ، فنصلي فيه.
خرجه النسائي(٥).
وبوب عليه : ((صلاة الذي يمر على المسجد)).
ومروان بن عثمان ، قال فيه الإمام أحمد : لا يعرف . وقال أبو حاتم
الرازي : ضعيف .
(١) أخرجه الطبراني (٩/ ٣٤٤).
(٢) (١٤٥٩) (٣٤٠٧ - كشف) .
(٣) كذا في الأصلين بالرفع .
(٤) ((المسند)» (٤٠٧/١ - ٤٠٨، ٤١٩ - ٤٢٠) .
(٥) (٥٥/٢) .

٤٦٩
٦١ - بابُ الحدث في المسجد
كتاب الصلاة
٦١ - بَابُ
الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: ((إنَّ المَلائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في
مُصَلَّهُ الَّذِيِ صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّاغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّارْحَمْهُ» .
قد سبق ذكر هذا الحديث في ((أبواب الوضوء)) ، وخرجه البخاري في
(باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)» (١) من رواية المَقْبُري ، عن
أبي هريرة .
وذكرنا هناك أن الحدث(٢) قد فسر بحدث اللسان والأعمال، وفسر بحدث
الفرج ، وبهذا فسره البخاري .
ومقصوده: أنه يجوز تعمد إخراج الحدث في المسجد؛ لأن النبي وَ الد
ذكره ، ولم ينه عنه ، إنما أخبر أنه يقطع صلاة الملائكة .
وقد رخص في تعمد إخراج الحدث في المسجد الحسنُ وعطاءٌ وإسحاق .
وقد تقدم أن النوم في المسجد جائز للضرورة بغير خلاف ، ومنه نوم
المعتكف لضرورة صحة اعتكافه ، ولغير ضرورة عند الأكثرين ، والنوم مظنة
خروج (٣) الحدث ، فلو منع من خروج الريح في المسجد لمنع من النوم فيه بكل
حال ، وهو مخالف للنصوص والإجماع .
قال أصحاب الشافعي : والأولى اجتناب إخراج الريح فيه ، لقول النبي
(١) (١٧٦) .
(٢) في ((ق)): ((الحديث)) خطأ.
(٣) من ((هـ)).
.

٤٧٠
حديث : ٤٤٥
كتاب الصلاة
وَه: ((فإنَّ الملائكة تَتَأَذَّى مما يَتَأَذَّى منه بنو آدم))(١). قالوا : ولا يكره الجلوس
فيه للمحدث ، سواء كان له غرض شرعي أو لم يكن .
ومن أصحابهم من كرهه لغير غرض . وقيل : إنه لم يوافق على ذلك .
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٠) .

٤٧١
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
٦٢ -باب
بَنْيَان المَسْجد
وَقَالَ أَبُو سَعيد : كَانَ سَقْفُ المَسْجِد مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ .
وَأَمَرَ عُمَرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ ، وَقَالَ: أَكِنَّالنَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ
تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
وَقَالَ أَنَسٌ : يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إلاَّ قَليلاً .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَتُزَخْرِ فْتَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى.
أما حديث أبي سعيد فقد خرجه بتمامه في مواضع من ((كتابه)) في ((الصلاة))
و((الاعتكاف)) وغيرهما(١).
وفي الحديث: إن السماء مطرت فوَكَفَ المسجد، فانصرف النبيِ وَلّ من
صلاة الصبح وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين .
وهذا يدل على أن سقف المسجد لم يكن يكنَّ الناس من المطر ، ولا يمنع
من نزول ماء المطر إليه .
وقد ذكرنا فيما سبق من مراسيل الزهريَ أنَّ النبيّ وَّ جعل طولَ جداره
بسطه وعمده الجذوعَ وسقفه جريدًا . فقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : ((عريشًا
كعريش موسى، خَشَبَاتٍ وَثُمَامٌ ، الأمرُ أعجلُ من ذلك)»(٢) .
وقال المرُّوذيُّ في ((كتاب الورع))(٣): قرئ على أبي عبد اللّه - يعني:
أحمد -: سفيان، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: قيل للنبي وَلّ في
(١) هذه مواضعه : (٨١٣) (٨٣٦) (٢٠١٦) (٢٠١٨) (٢٠٢٧) (٢٠٣٦) (٢٠٤٠).
(٢) سبق - كما قال المؤلف - في شرح الحديث رقم (٤٢٨)، وقد ذكرت هناك أنه لا يصح إلا
مرسلاً من مراسيل الحسن .
(٣) (ص ١٠٧) .

٤٧٢
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
المسجد: هدْهُ، طدْهُ. قال: ((لا، عريش كعريش موسى)) ؟ قال أبو عبد اللّه:
قد سألوا النبي ◌َّر أن يكحِّل المسجد، فقال: ((لا، عريش كعريش موسى)).
قال أبو عبد الله: إنما هو شيء مثل الكُحْل يطلى، أي: فلم يرخص النبي وَّر.
وقال أبو عبيد : كان سفيان بن عيينة يقول : معنى قوله: ((هذه)»: أصلحه.
قال : وتأويله كما قال ، وأصلُهُ : أنه يراد به الإصلاح بعد الهدم ، وكل شيء
حركته فقد هدتَهُ ، فكأن المعنى أنه يهدم ثم يستأنف ويصلح .
قال المروذي(١): وقلت لأبي عبد اللّه: إن محمد بن أسلم الطوسي
لا يخصص مسجده ، ولا بِطُوسِ مسجدٌ مجصَّصٌ إلا قلع جَصَّه ؟ فقال
أبو عبد الله : هو من زينة الدنيا.
وروى ابن أبي الدنيا (٢) من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، قال :
لما بنى رسول اللّه وَ ي﴾ المسجدَ أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى
اغبر صدره ، فقال: ((ابنوه عريشًا كعريش موسى)). فقيل للحسن: وما عريشُ
موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريشَ - يعني : السقف .
ومن رواية ليث ، عن طاوس ، قال : لما قدم معاذ اليمن ، قالوا له : لو
أمرتَ بصخرٍ وشجرٍ فينقل فبنيتَ مسجدًا ؟ قال : إني أكره أن أنقله على ظهري
يوم القيامة - كأنه يخاف إذا أتقن بناءَه بالصخر والخشب.
وروى سفيان ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ،
قال: قال رسول اللّه وَل: ((ما أُمرت بتشييد المساجد)).
قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود(٣).
(١) في ((الورع)) (ص ١٠٦) .
(٢) وكذا البيهقي في ((الدلائل)) (٥٤٢/٢).
وانظر ((جامع العلوم والحكم)) (١٢٣/١ - ١٢٤) بتحقيقي .
(٣) أبو داود (٤٤٨)، ولم نجده في ((المسند)) وهو في ((كتاب الورع)) (ص ١٠٧) من حديث =

٤٧٣
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
كذا رواه ابن عيينة ، عن الثوري .
ورواه وكيع عن الثوري فجعل أوله مرسلاً عن يزيد بن الأصم ، لم يذكر
فيه : ((ابن عباس)) . وكذا رواه ابن مهدي عن سفيان.
وخرج ابن ماجه(١) كلام ابن عباس من وجه آخر - مرفوعًا - بإسناد ضعيف .
وخرج - أيضًا (٢) - بإسناد ضعيف عن عمر - مرفوعًا - : ((ما ساء عملُ قومٍ قطُ
إلا زخرفوا مساجدهم)) .
وروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي
وَلَه ، قال: ((لا تقومُ السَّاعة حتى يتباهى الناسُ في المساجد)).
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٣).
وروى المرَّوذي في ((كتاب الورع)) (٤) بإسناده عن أبي الدرداء ، قال : إذا
حليتم مصاحفكم ، وزخرفتمْ مساجدكم ؛ فعليكم الدمار .
وقال المروذي : ذكرت لأبي عبد اللّه مسجدًا قد بُني وأُنفق عليه مالٌ كثير،
فاسترجع وأنكر ما قلت .
قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فتخصيص المساجد ؟
قال : أشدُّ وأشدُّ ، المساجد لا ينبغي أن تزين ، إلا بالصلاة والبر .
وقال سفيان الثوري : يكره النقش والتزويق في المسجد ، وكل ما تزين به
المساجد .
يزيد الأصم مرفوعًا ، وهو مرسل .
=
(١) (٠ ٧٤) .
(٢) (٧٤١) .
(٣) أحمد (١٣٤/٣ - ١٤٥ - ١٥٢ - ٢٣٠ - ٢٨٣) وأبو داود (٤٤٩) والنسائي (٣٢/٢) وابن
ماجه (٧٣٩) .
(٤) (ص ١٠٦ - ١٠٧) .

٤٧٤
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
ويقال : إنما عمارته ذكر الله عز وجل .
وممن كره زخرفة المساجد وتزويقها : عمر بن عبد العزيز ، وكان قد أراد .
إزالة الزخرفة التي كان الوليد وضعها في مسجد دمشق الجامع فكبر ذلك على من
يستحسنه ممن تعجبُهُ زينةُ الحياةِ الدنيا ، واحتالوا عليه بأنواع الحيل ، وأوهموه
أنه يغيظُ الكفارَ ، حتى كفَّ عن ذلك .
وقد روي عن ابن جريج ، قال : أوَّل من زخرف المساجد الوليد بن
عبد الملك .
ذكره الأزرقي .
ولأصحابنا وأصحاب الشافعي في تحريم تحلية المساجد بالذهب والفضة
وجهان ، وكرهه المالكية وبعض الحنفية ، ومنهم من رخص فيه ، وقالوا : إن
فعل ذلك من مال الوقف فقد ضمنه من ماله .
وأما ما حكاه البخاري عن عمر وأنس [
... ](١) .
وقد روي عن أنس - مرفوعًا - ، رواه سعيد بن عامر : ثنا صالح بن رُسْتُم ،
قال : قال أبو قلابة : سمع أنس بن مالك يقول - وقد مروا بمسجد أُحْدث - ،
فذكر أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال : ((يأتي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يتباهَوْنَ فيه بالمساجد ولا يعمرونها
إلا قليلاً)) - أو قال: ((لا يعمرونها إلا قليلا))(٢).
خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣).
ثم خرج البخاري هاهنا حديثًا ، فقال :
(١) بياض بالأصلين.
(٢) في ((هـ)): ((أو قال: ثم لا يعمرونها .. )) وفي ((صحيح ابن خزيمة)): ((أو قال : يعمرونها
قليلاً».
(٣) (١٣٢١) .

٤٧٥
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
٤٤٦ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ: ثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِوَهُ
◌َيْنِيًا بِاللَِّنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا،
وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ، وَبَنَهُ عَلَى بُنْيَاتِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يََّ بِالَّلِنِ وَالْجَرِيدِ ، وَأَعَادَ
عَمَدَهُ خَشِبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً ، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ
المِنْقُوشَةِ(١) وَالقَصَّةِ، وَجَعَلَ عَمَدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَّقُوشَةٍ ، وَسَقَفَهُ بِالسََّجِ.
القَصَّةُ : الجَصُّ .
والساج : نوع من أرفع أنواع الخشب ، يجلب من بلاد الهند والزنج .
ويَسْتدل بما فعله عثمان من يرخص في تخصيص المساجد وتزويقها ونقشها.
وقد روي عن ابن عمر في هذا الباب روايات أخر :
فخرج أبو داود(٢) من طريق فِرَاس، عن عطية، عن ابن عمر، أن مسجد
النبي 18َّ كانت سواريه على عهد النبي بَّ من جذوع النخل، أعلاه مظلل
بجريد النخل ، ثم إنها تَخَرَّبت في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع النخل وبجريد
النخل، ثم إنها تخربت في خلافة عمر ، فبناها بجذوع النخلِ وجريد النخل ،
وتخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجُرِّ ، فلم تزل ثابتة حتى الآن .
وفي هذه الرواية زيادة تجديد أبي بكر له وإعادته على ما كان ، لكنه لم يزد
في بقعة المسجد شيئًا ، وإنما زاد فيه عمر .
وروى الإمام أحمد(٣): ثنا حماد الخيَّاط: ثنا عبد اللّه، عن نافع ، أن عمر
زاد في المسجد من الأُسطوانة إلى المقصورة ، وزاد عثمانُ ، فقال عمر: لولا
(١) في الأصلين: ((بحجارة منقوشة))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٢) (٤٥٢) .
(٣) (٤٧/١) .

٤٧٦
حديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
أني سمعت رسول اللّه وَّل يقول: ((ينبغي أن نزيدَ في مسجدنا)) ما زدتُ.
وليس في هذه الرواية ذكر ابن عمر ، وهو منقطع .
وفيما فعله عمر وعثمان من تخريب المسجد والزيادة فيه : دليل على جواز
الزيادة في المساجد وتخريبها لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه أصلح من البناء
الأول ؛ فإن هذا فعله عمر وعثمان بمشهد من المهاجرين والأنصار وأقروا عليه .
فأما توسعة المساجد إذا احتيج إلى ذلك لضيقها وكثرة أهلها فقد صرَّح
بجوازه أكثر العلماء من المالكية والحنفية وغيرهم .
وأما هدم المسجد العامر ، وإعادة بنائه على وجه أصلح من الأول فقد نصّ
على جوازه الإمام أحمد .
قال أبو داود في ((مسائله))(١): سئل أحمد عن رجل بنى مسجدًا فَعَتَقَ ، فجاء
رجل فأراد أن يهدمه فيينيه بناءً أجودَ من ذلك ، فأبى عليه الباني الأول وأحبَّ
الجيران لو تركه يهدمه ؟ فقال : لو صار إلى رضا جيرانه لم يكن به بأس .
قال : وسمعت أحمد سئل عن مسجد يريدون أن يرفعوه من الأرض ،
فمنعهم من ذلك مشايخ يقولون : لا نقدر نصعد ؟ قال أحمد : ما تصنع بأسفله؟
قال : أَجْعلُه سقاية . قال : لا أعلم به بأسًا. قال أحمد: يُنظر إلى قول أكثرهم -
يعني : أهل المسجد .
وبوب عليه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)): ((باب :
المسجد یبنی بناء أجود من بنائه» .
وهو - أيضًا - قول أصحاب أبي حنيفة ، ومذهب سفيان الثوري ، حكى
أصحابه عنه في تصانيفهم على مذهبه أنه قال في المسجد يكون فيه ضيق ، فأراد
أهله أن يوسعوه من ملك رجل منهم ، فلهم ذلك ، وإن أرادوا أن يوسعوه من
الطريق والطريق واسع لا يضر بالمارة فيه ، فليس لهم ذلك ، إلا أن يأذن الإمام.
(١) (ص ٤٦) .

٤٧٧
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
قال : وللإمام أن يحول الجامع من موضع إلى غيره إذا كان فيه صلاح للرعيّة
ونوى الرشد فيه ؛ ذكروا أن ابن مسعود حوَّل مسجد الكوفة من موضع التمارين.
قال : وسئل سفيان عن بيع حصير المسجد الخَلِقِ فيجعل في ثمن الجديد ؟
فلم ير به بأسًا .
ومذهب الإمام أحمد أن ما خرب من الأوقاف كلها ولم يمكن عمارتها ،
فإنها تباع ويستبدل بها ما يقوم مقامها .
وعنه في المساجد روايتان : إحداهما كذلك . والثانية : لا تباع وتنقل آلاتها
إلى موضع آخر يبنى بها مثلها .
ونقل عنه حرب في مسجد خرب ، فنقلت آلاته وبُني بها مسجد في مكان
آخر : أن العتيق يُرمَّ ولا يُعطل ، ولا يُبنى في مكانه بيت ولا خانٌ للسبيل ،
وي
ولكن يُرمُّ ويُتعاهد .
ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه أنه أجاز للسلطان خاصة أن يبني مكان
المسجد الخراب خانًا للسبيل أو غيره ، مما يكون خيراً للمسلمين ، فيفعل ما هو
خير لهم .
وروى حرب بإسناده ، عن عبيد اللّه بن الحسن العنبري في مسجد خافض(١)
أراد أهله أن يستبدلوا به ؟ قال : إذا كان الخليفة هو [الذي](٢) يفعل ذلك أُراه
جائزًاً .
وروى وكيع بإسناده ، عن جابر ، عن الشعبي ، قال : لا بأس أن يُجعل
المسجدُ حَشًا والحَشُّ مَسْجدًا .
ومما يدل على جواز ذلك: أن النبي وَ لّ عزم على هدم بناء الكعبة،
(١) في ((ق)): ((غامض)).
(٢) من ((هـ).

٤٧٨
حديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
وإعادتها على قواعد إبراهيم ، فيدخل فيها غالب الحجر ، ويجعل لها بابين
لاصقين بالأرض(١).
وقد فعل ذلك ابن الزبير ، وزاد مع ذلك في طولها ، ثم أعادها الحجاج بأمر
عبد الملك إلى حالها الأول ، وأقر الزيادة في طولها .
فياللّه العجب !! كيف تقر زيادة لم يذكرها النبي وَّجله، وتُزال زيادة ذكرها
وعَزَمَ عليها ؛ ولهذا نَدِمَ عبدُ الملك على ما فَعَلَ لمَّا بلغه الحديثُ عن عائشةَ .
ومما يدلُّ على جوازِ ذلك : أنّ العبادات يجوز إبطالُها لإعادتها على وَجْهُ
ء
أكمل ممّا كانتْ، كما أمَرَ النبيُّ وََّ أصحابَه بفسخِ الحجِّ إلى العُمْرةِ ؛ ليعيدوا
الحجَّ على وَجْهِ أكمل مما كان ، وهو وَجْهُ التمتعِ ؛ فإنّه أفضلُ مِن الإفرادِ
والقِران بغير سَوْقِ هَدْيٍ ، كما دَلَّ عليه هذه النصوصُ بالأَمْرِ بالفسخِ .
وكما أن مَنْ دَخَلَ في صلاةٍ مكتوبةٍ منفردًا، ثم حَضَرَ جماعةٌ ، فإنّ له إبطالَ
صلاته أو قلْبَها نفلاً ؛ ليعيد فرضَه في جماعةٍ ، فإنّه أكملُ مِن صلاته منفردًا .
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، منهم : أحمد ، والشافعي في أحدٍ قوليه ،
وكذلك [قال] مالك وأبو حنيفة إذا لم يكن قد صلَّى أكثرَ صلاته .
وكذلك الهديُ المعينُ والأضحيةُ المعينةُ يجوزُ إبدالُهما بخير منهما عند
أبي حنيفة وأحمد وغيرِهما .
وإذا هُدِمَ المسجدُ ، ثم أَعيد بناؤُه أو وُسِّع، فالبناءُ المعادُ يقوم مقامَ
الأوّلِ ، ولا يحتاج إلى تجديدِ وَقْفِه .
وهذا على قول من يَرَى أنّ الوقفَ ينعقد بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه ، وأنّ
المسجدَ يصير مسجدًا بالأذانِ وصلاةِ الناسِ فيه ، كما هو قولُ مالكِ وأبي حنيفة
والثوري وأحمد - ظاهر ، وتصير الزيادة في المسجد مسجدًا بمجردٍ وصلها في
المسجد وصلاة الناس فيها .
(١) أخرجه البخاري (١٥٨٦) ومسلم (٤ /٩٨ - ٩٩).

٤٧٩
٦٢ - بابُ بنيان المسجد
كتاب الصلاة
وقد قال مجاهدٌ والأوزاعيُّ في الفَرَسِ الحبيسِ إذا عَطِبَ ، فاشْتُري بثمنه
فَرَسٌ آخر ، وزِيد في ثمنِه زيادة : إنّ الفرسَ كلَّه يكونُ حَبيسًا كالأول .
وحُكْمُ الزيادةِ حُكْمُ المزيد فيه في الفضل - أيضًا - ، فما زِيد في المسجد
الحرامِ ومسجدِ النبيِّ نَّهِ كلُّه مسجدٌ، والصلاة فيه كلِّه سواء في المضاعفةِ
والفضلِ .
وقد قيل : إنه لا يُعلم عن السلفِ في ذلك خِلافٌ ، إنّما خَلَفَ فيه بعضُ
المتأخرين من أصحابنا ، منهم : ابنُ عَقيل وابنُ الجَوزي ، [و] بعضُ
.(١)
الشافعية(١).
ولكن قد رُوي عن الإمامِ أحمد التوقفُ في ذلك :
٤٧٥
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبي عبد اللّه: الصَّفُّ الأولُ في مسجد النبيِّ وَّ: أيّ
صفّ هو ، فإني رأيتهم يتوخون دون المنبر ، ويَدَعُون الصّفَّ الأول ؟ قال :
ما أَدْري. قلت لأبي عبد اللّه: فما زيد في مسجد النبيِّ نَّ، فهو عندك
منه ؟ فقال : وما عندي ، إنما هم أعلم بهذا - يعني : أهل المدينة .
وقد رَوَى عُمَرُ بنُ شَبَّة في كتاب ((أَخْبَارِ المدينة)) بإسنادِ فيه نظر ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((لو بُني هذا المسجدُ إلى صنعاء لكان
مسجدي)). فكان أبو هريرة يقول : لو مُدَّ هذا المسجد إلى بابِ داري ما عَدَوَتُ
أَنْ أصلي فيه .
وبإسنادٍ فيه ضَعْف ، عن أبي عمرة ، قال : زاد عُمَرُ في المسجدِ في شَاميه،
ثم قال: لو زدنا فيه حتى نبلغ الجبانة كان مسجد النبي وَله.
وبإسنادِهِ، عن ابنِ أبي ذِئب، قال: قال عُمر: لو مُدَّ مسجدُ النبيِّ وَّ إلى
ذي الحليفة كان منه .
(١) ((بعض الشافعية)" ليس في ((هـ)).
(٢) في ((هـ)): ((ابن أبي عمر)) ..

٤٨٠
حديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
وكذلك الزيادةُ في المسجدِ الحرامِ :
روى مُثَنَّى بنُ الصبَّاح ، عن عطاء ، أنه قيل له في المضاعفة في المسجد
وحدَه ، أو في الحرمِ ؟ قال: في الحرمِ كلِّه ؛ فإنّ الحرمَ كلَّه مسجدٌ .
ورَوَى الأزرقي بإسنادِه ، عن أبي هريرة ، قال : إنا لنجد في كتابِ اللّه أنَّ
حَدَّ المسجدِ الحرامِ من الحَزْوَرَةِ إلى المَسْعَى .
وبإسنادِهِ ، عن عبد اللّه بن عَمْرو ، قال : أساسُ المسجد الحرام الذي
وَضعَه إبراهيمُ عليه السلام من الحَزْوَرَة إلى المَسْعِى .
وبإسناده ، عن عَطاء، قال : المسجدُ الحرامُ الحرمُ كلُّه .
ورَوَى عبد الرزاق في (كتابه))(١) من رواية ليث ، عن مجاهدٍ ، قال: الحَرَمُ
كلُّه مسجدٌ ، يعتكفُ في أيِّهِ شَاءَ ، وإنْ شَاءَ في منزِلِه ، إلا أنَّه لا يُصلِّي إلا في
جماعة .
وقد ذَكَرَ الشافعية : أنَّه لو حَلَفَ لا يدخل هذا المسجد ، فزيد فيه ، فدخل
موضع الزيادة لم يحنث ، فلو حلف لا يدخل مسجد بني فلان ، فزِيد فيه ،
فدخل موضع الزيادة حَنِث .
وهذا مما يشهدُ لأن حكمَ الزيادة حكم المزيد في المسجدِ الحرامِ ومسجدٍ
النبيِ وَّو؛ لأنه عَرَّفَ المسجد الحرامَ بالألف واللام، ومسجدَه بإضافته إليه ،
ولكنه جَمَع بين الإشارةِ إليه وتعريفه بالإضافة ، فقال: ((مسجدي هذا)). [واللّه
سبحانه وتعالى أعلم] (٢).
(١) (٤ / ٣٤٥) .
(٢) من ((هـ)).