Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب الصلاة ٣٢ - بابُ ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها وهو اجتهاده ، وعمل بما أدَّاه اجتهاده إليه ، فلا يكون عليه إعادة . كما أن أهل قباء صلَّوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، مُستصحبين ما أُمروا به من استقبال بيت المقدس ، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة . وهذا هو قول جمهور العلماء ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي ، والثوري ، وابن المبارك ، وأبو حنيفة ، والشافعي - في القديم - ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، حتى قال أبو بكر عبد العزيز : لا يختلف قوله في ذلك ، وهو قول إسحاق والمزني . وقال مالك والأوزاعي : يعيد في الوقت ، ولا يعيد بعده . قال ابن عبد البر : وهذا على الاستحباب دون الوجوب . وقال الشافعي - في الجديد - : يجب عليه أن يُعيد . وعليه عامة أصحابه ، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية ، وحكاه بعض أصحابنا روايةً عن أحمد . وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء ، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ ، بل على نصِّ تمسكوا به ، والناسخ له لم يبلغهم إلا في أثناء الصلاة . فإن قيل : إن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم ، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم ، فلذلك بَنَوْا على ما مضى منها . وإن قيل : يثبت في حقهم قبل ذلك ، فقد تمسكوا بنصٌّ لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه ، ولا يلزمهم البحث عن استمراره ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد المخطئ .. ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن أهل قباء قد صحَّ أنهم(١) بلغهم ذلك في (١) في ((هـ)): ((أنه)). ٣٢٢ حديث : ٤٠٤ كتاب الصلاة صلاة الصبح ، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر ، وبينهما زمان طويل ، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة ، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة ، فإذا لم ينسبوا بذلك إلى نوع تفريط ، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير ، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب ، فإن ذلك يقع في الأسفارِ كثيراً ، فالأمر بالإعادة يَشْقُّ ، بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة . هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ . فإن تعذر الاجتهاد الظلمة ونحوها أو فُقدَتِ الأماراتُ أو تعارضت ، وصلى بحسب حاله ، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا ، أصحهما : لا يعيد ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما ، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة ، وكذا الجاهل بأدلة القبلة ، إذا لم يجد من يسأله . ومن أصحابنا من قال : لا إعادة عليه ، وجهًا واحدًا . وهذا كله في السفر . فأما في الحَضَر فلو أخطأ فيه القبلةَ أعاد عند الثوري ، وأحمدَ في ظاهر مذهبه . الحديث الثالث : ٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْنَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ في الصَّلاَةِ ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْه، فَسَجَدَ سَجْدَتَیْنِ . قد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن السهوَ عن استقبال القبلة لا يبطلُ الصلاة، وهو أنَّ النبيَّ وَّهِ سلَّم من ركعتين ٣٢٣ كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها في الظهر وأقبلَ على الناس بوجهه ثم أتمَّ ما بقي ، وهذا إشارة منه إلى حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين . وقد خرجه البخاري(١) في ((أبواب سجود السهو)) ، لكن ليس عنده أنه أقبل على الناس بوجهه ، وإنما فيه : أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يده عليها . وفي ((صحيح مسلم))(٢) أنه أتى جِذْعًا في قبلة المسجد فاستندَ إليها . وهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبلَ الناس بوجهه ، إلا أن يكون استند إليها وَظَهْرُهُ إلى الناسِ ووجهُهُ إلى القبلة. وإنما يُعْرف لفظُ : ((ثمَّ أقبل على الناس بوجهه)) في حديث ابن مسعود الذي خرجه البخاري هَاهُنا . وقد خرَّجه النسائي(٣) من طريق شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة، عن عبد اللّه، ولفظه: إن رسول اللّه وَلّه صَلَى صَلاَةَ الظُّهْرِ، ثمَّ أقبلَ عليهم بوجهه ، فقالوا : أَحَدَثَ في الصلاة حَدَثٌ؟ قال: ((وما ذاك؟)) فأخبروه بصنيعه ، فثنى رجليه(٤)، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم . ولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو ، على تقدير أن يكون زاد في الصلاة ؛ فإن إبراهيم شكَّ: هل كان زاد فيها أو نقص ، كذا في ((صحيح مسلم)) (٥) التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم . وفي صحيح مسلم - أيضًا(٦) - ، عن عمران بن حصين ، قال : سلَّم (١) (١٢٢٦) . (٢) (٨٦/٢) من حديث أبي هريرة. (٣) (٢٩/٣) . (٤) في ((هـ) والنسائي: ((رجله)). (٥) (٨٦/٢)، وكذا عند البخاري فيما تقدم برقم (٤٠١). (٦) (٢/ ٨٧ - ٨٨) . ٣٢٤ حديث : ٤٠٤ كتاب الصلاة رسول اللّه وَّ ل في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ يا رسول اللّه ؟ فخرج مُغْضَبًا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم . ودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية ؛ لأن الحجرة كانت عن يساره . ومقصود البخاري : أن استدبارَ القبلة والانحراف عنها في الصلاة سهوًا عن غير تعمد لا تبطل به الصلاة ، كما دلَّ عليه حديث سجود السهو ، وقد نص عليه أحمد وغيره ، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا تبطل صلاته بذلك ، ولا إعادةَ عليه . والله أعلم . ورواية النسائي(١) لحديث ابن مسعود يُستدلُّ بها على أن من نسي سجود السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد ، وإن كان قد صرف وجهه عن قبلته ، وهو قول الجمهور ، خلافًا للحسن وابن سيرين في قولهما : لا يسجد حينئذ. وقصة ذي اليدين يُستدلُّ بها على أن كلام الناسي لا يُبطل ؛ كما هو قول الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايات عنه . وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانًا يُعفى عنه ، وهو روايةٌ عن أحمد ، وقولٌ للشافعي . واستدلَّ به بعضهم : على أن من سلم من نقصان فإنه يَبْنَي على ما مضى من صلاته ، وإن طالَ الفصل ، وهو قول الأوزاعي وغيره . وسيأتي ذكر ذلك مفصلاً في موضعه - إن شاء الله تعالى. (١) (٢٩/٣) . ٣٢٥ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة و ٣٣ -باب حَكِّ البُزَاق بالْيَدِ منَ المسْجد لما ذكر البخاري - رحمه الله - أبوابَ استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلةُ المصلي التي يصلى إليها ، من البصاق ونحوه . وخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : ٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُنَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّالنَّبِيَّ ﴿ رَأَى نُخَمَةً فِي الْقِيْلَةِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُبِي ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بَيَدَه، فَقَالَ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِ رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ -، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَ)) . وخرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) (١) من طريق زهير ، عن حميد. ولم يخرجه مسلم ؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة : أكثر ما رواه حميد، عن أنس لم يسمعه منه ، إنما سمعه من ثابت . وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه ، فذكر علي بن المديني ، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد عن أنس، أن النبي 90َّ بزق في ثوبه، ثم دلك بعضه ببعض، إنما رواه حميد، عن ثابت، عن أبي [حمزة] (٢). قال يحيى: ولم يَقُلْ شيئًا ؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس . (١) (٤١٧) . (٢) في الأصل ((هـ)) مشتبهة، فقد تقرأ ((بعرة)) أو ((نضرة))، ولعل الصواب ما أثبته ، وأبو حمزة هو أنس بن مالك ، ويؤيده ما سبق وما يأتي . والله أعلم ٣٢٦ حديث : ٤٠٥ كتاب الصلاة فجعل يحيى القطانُ روايةَ قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدةً لرواية حميد عن أنس ، وإن لم يصرحْ بسماعه منه ، واكتفى بذلك . وتبعه البخاريُّ على ذلك ، وقد خرج حديثَ قتادة عن أنس فيما بعد . وقد أشار البخاريّ في ((كتاب: الوضوء)) في ((باب : البصاق والمخاط يصيب الثوب)) أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد : سمعت أنسًا ، فذكره ، فصرح فيه بالسماع . وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب: ((ثنا)). وهذا الحديث دالٌّ على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها ، سواء كان في مسجد ، أو لا ، فإن كان في مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد خطيئة ، كما يأتي الحديث بذلك في بابه ، فإن كان في قبلة المسجد كان أشد كراهة . وقد أمر النبي وَلّ ببناء المساجد(١) في الدور: أن تُنَظَّفَ وتُطَّيَّبَ ، وسنذكره في موضع آخر - إن شاء الله . وقد فُسِّر قول اللّه عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن ترفع﴾ [النور: ٣٦] : بِيُنْيَانِهَا (٢) وَتَطْهِيرِهَا وَتَنْزِيهِهَا عَمَّا لا يليق بها. وفي الحديث : نَهيُ المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قِبَل قبلته بكل حال، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزق عن يمينه ، وورد التصريح به في أحاديث أخر ، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه . وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه ، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله ، فكان دليلاً على طهارة البزاق ، وهو رد على من قال بنجاسته ، كما سبق ذكره في ((أبواب: الوضوء))، ودليلاً على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس (١) في الأصل ((هـ)): ((المسجد)). (٢) في الأصل ((هـ)) مشتبهة. ٣٢٧ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة مما ينبغي استقذاره والتنزه منه ؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول . وفي هذا الحديث : أنه حكَّه بيده ، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك بنفسه ، ولم يوله غيره من أصحابه ، وبهذا فسره الإسماعيلي ، ويحتمل أنه أراد أنه باشرَ حکه بيده من غیر حائل حکه به . وتبويب البخاري يدلّ على هذا ؛ ولهذا بوب بعده : ((باب : حك المخاط بالحصى من المسجد)» . وقد روى عائذ بن حبيب، عن حميد، عن أنس، أنَّ النبي وَلِّ رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمرَّ وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار، فحكَّتْهَا، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللّه وَلِّ: ((ما أحسن هذا)). خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه))(١). وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - ذكر عائذ بن حبيب ، فأحسن الثناء عليه. قلت له: روى عن حميد عن أنس - فذكر له هذا الحديث - ؟ فقال : قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه . يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري ؛ فإنها مخالفة لرواية عائذ في حكِّه بيده ، وليس فيها ذكر الخَلُوقِ ، لكنها زيادة لم تنفِها رواية البخاريِّ ولم تثبتها . وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد ، وباستحباب تخليق موضعها . وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو في المسجد ، فأما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك . وقد سبق ذكره في ((باب : استقبال القبلة بالغائط والبول)). وقوله آل : «إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين (١) النسائي (٢/ ٥٢) وابن ماجه (٧٦٢) وابن خزيمة (١٢٩٦). ٣٢٨ حديث : ٤٠٥ كتاب الصلاة القبلة)) يدلُّ على قرب اللّه تعالى من المصلي في حال صلاته ، وقد تكاثرت C النصوص بذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩]. وفي ((صحيح مسلم))(١)، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر، قال: ((أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ)). وخرَّج الإمام أحمدُ والترمذيُّ وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) (٢) من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ◌َّة، قال: «إن الله أمر یحیی بن ز کریا بخمسٍ كلماتٍ ، أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ)) - فذكر الحديث - ، وفيه : ((وَآمُرُكُمْ بالصلاة ؛ فإن اللّه يَنصبُ وجهه لوجه عبده ما لم يلتفتْ ، فإذا صليتمْ فلا تلتفتوا)) . وصححه الترمذي . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣) من حديث أبي ذر، عن النبي ◌َ ◌ّه، قال: ((لا يزال اللهُ مُقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنه)) . وروى عبد الرزاق(٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفتْ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربّه أمامه، وإنه يناجيه. قال عطاء : وبلغنا أن الربَّ عز وجل يقول : ((يا بن آدم ، إلى من تلتفت ، أنا خيرٌ لك ممن تلتفتُ إليه)) . وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس ، عن عطاء ، عن أبي هريرة - (١) (٢ /٤٩ - ٠ ٥ ) . (٢) أحمد (٤/ ١٣٠ - ٢٠٢) والترمذي (٢٨٦٣) (٢٨٦٤) وابن خزيمة (٩٣٠) (١٨٩٥) وابن حبان (٦٢٣٣) . (٣) أحمد (١٧٢/٥) وأبو داود (٩٠٩) والنسائي (٨/٣) وابن خزيمة (٤٨٢). (٤) في ((مصنفه)) (٢٥٧/٢) . ٣٢٩ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة مرفوعًا كُلَّه . ورواية ابن جريج أصح - : قاله العقيلي (١) وغيره . وكأن مقصود النبي صَلّ بذكر هذا : أن يستشعر المصلي في صلاته قرب اللّه منه، وأنه بمرأى منه ومسمعٍ ، وأنه مناجٍ له ، وأنه يسمعُ كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له . كما في ((صحيح مسلم)) (٢)، عن أبي هريرة، عن النبي رَله: ((إنَّ العبدَ إذا قال : الحمد لله رب العالمين ، قال الله: حمدني عبدي)) - وذكر ردَّه عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها . فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه ، وخشوعه له ، وتأدبه في وقوفه بين يديه ، فلا يلتفتُ إلى غيره بقلبه ولا ببدنه ، ولا يعبثُ وهو واقف بين يديه ، ولا يبصقُ أمامه ، فيصير في عبادته في مقام الإحسان ، يعبد اللّه كأنه يراه، كما فسر النبي وَّ الإحسانَ بذلك في سؤال جبريل عليه السلام له ، وقد سبق حديثه في ((كتاب: الإيمان))(٣). وخرَّج النسائي(٤) من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي ◌َّ ببعض جسدي، فقال: ((أعبد اللهَ كأنَّك تراهُ)). وقد كان ابن عُمر قَبلَ هذه الوصية(٥) وامتثلها ، فكان يستحضرُ في جميع (١) في ((الضعفاء)) له (١ / ٧١) . (٢) (٩/٢). (٣) برقم (٥٠) . (٤) في ((الكبرى)) (تحفة الأشراف ٤٨١/٥) وكذا أحمد (١٣٢/٢) وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٥/٦) . وإسناده ضعيف . راجع: ما كتبته تعليقًا على ((جامع العلوم والحكم)) (٤١٣/٢). . (٥) كذا السياق بالأصلين . ٣٣٠ حديث : ٤٠٥ كتاب الصلاة أعماله وعباداته قربَ اللّه منه واطلاعَه عليه . وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة ، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئًا ، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم(١) المدينة ، فاعتذر له عن سكوته عنه ، بأنَّا كنا في الطواف نتخايل اللّه بين أعيننا. وقد أخبر اللّه تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقد رُوي في سبب نزولها : أن أعرابيًا قال : يا رسول اللّه ، أقريبٌ ربنا فنتاجيه ، أم بعيدٌ فنناديه ؟ فأنزل اللّه عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي ﴾ [البقرة: ١٨٦]. قریب خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم(٢). وروى عبد الرزاق (٣)، عن جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ، قال: سأل أصحاب رسول اللّه وَ ه [رسولَ اللّه وَلّو](٤): أين ربُّنا؟ فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾ [البقرة: ١٨٦]. وروى عبد بن حميد بإسناده ، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير ، قال : نزلت هذه الآية: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: كيف لنا به أن نلقاهُ و حتى ندعوه؟ فأنزل اللّه عز وجل على نبيه وَالِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فقالوا : صدق ربِّنا ، هو بكل مكان . (١) كذا، والأشبه : ((قَدِمَ)). (٢) ابن جرير (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١ - شاكر) وابن أبي حاتم في ((التفسير)) - كما في ((التفسير)) لابن کثیر (٣١٣/١) . (٣) ابن جرير (٤٨١/٣ - شاكر). (٤) سقط من الأصلين ، واستدركته من ((التفسير)) لابن جرير. ١ ٣٣١ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة وقد خرَّج البخاريُّ في ((الدعوات))(١) حديث أبي موسى ، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي وَّ: ((إِنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا قريبًا)) . وفي رواية(٢): «إنه أقرب إلیکم من أعناق رواحلكُمْ)) ولم يكن أصحاب النبي وَ لا يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة اللّه وجلاله ، واطلاعه على عباده وإحاطتِه بهم ، وقربِه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية للَّه وتعظيمًا وإجلالاً ومهابةً ومراقبةً واستحياءً ، ويعبدونه كأنهم يرونه. ثم حدث بعدهم من قلَّ ورعه، وساء فهمه وقصدهِ، وضعفتْ عظمة اللّه وهيبته في صدره ، وأراد أن يُري الناسَ امتيازَه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن اللّه بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم - ، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي وَلّ أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه(٣). وتعلقوا - أيضًا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب اللّه، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَعَكُمْ أَيْنَ مَا كَنْتَمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله : ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعَهَم﴾ [المجادلة: ٧] الآية ، فقال من قال من علماء السلف حينئذٍ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن . (١) (٦٣٨٤) (٦٤٠٩)، وكذا في ((الجهاد)» (٢٩٩٢) و((المغازي)) (٤٢٠٥). (٢) عند مسلم (٧٤/٨) وأحمد (٤٠٢/٤). (٣) البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٥٦/٨) . ٣٣٢ حديث : ٤٠٥ كتاب الصلاة وممن قال : إن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله الضحاك ، قال : اللّه فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان . وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف . وروى الإمام أحمد : ثنا عبد اللّه بن نافع، قال : قال مالك : اللّه في السماء ، وعلمه بكل مكان . وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضًا . وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال : علمه بالناس . وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّ المراد علمه . وكل هذا قصدوا به رد قول من قال : إنه تعالى بذاته في كل مكان . وزعم بعض من تَحَذْلَقَ أنَّ ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم اللّه صفة لا تفارق ذاته ، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام ؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنَّه بهم ، وإنما أرادوا أن علم اللّه متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمَا﴾ [طه: ٩٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمَا﴾ [غافر: ٧] وقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ و م السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتَمْ﴾ [الحديد: ٤]. وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، ٠ ٣٣٣ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة وهو بَائِنٌ من خلقه . وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مرَّ بقاصِّ (١) ، وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! إن ربكم أقربُ ممَّا ترفعون ، وهو أقرب إلى أحدکم من حبل الوريد . وخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المارَّ والقائل بذلك هو ابن عمر . وخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : إن اللّه أقرب إلى عباده من حبل الوريد . وكان مجاهد حاضرًا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر . وهذا كله يدل على أن قرب اللّه من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيَّتَهُ مع عباده عامَّة حتى ممن عصاه ؛ قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ (٢) مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَىْ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، ومعيَّتَهُ مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهو سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا ٥٠٠ أَسْمَعَ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِي سيهدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقال في حقِّ محمد وصاحبه ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: ٤٠] . ولهذا قال النبي رَّهِ لأبي بكر في الغار: ((ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثهما))(٣). فهذه معية خاصة غير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية ، فالمعيّة العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه . والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته ، فكذلك القرب . (١) لعل الأشبه : ((بناسٍ)). (٢) في الأصلين: ((ويستخفون))، والواو ليست في التلاوة. (٣) سيأتي برقم (٣٦٥٣). ٣٣٤ حديث : ٤٠٥ كتاب الصلاة وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا ، فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه . وقد سئل عنه حماد بن زيد ، فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء(١). ومراده أن نزوله ليس هو [انتقال](٢) من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين. وقال حنبل : سألت أبا عبد اللّه : ينزل اللّه إلى سماء الدنيا ؟ قال : نعم. قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالكَ ولِهَذَا ؟ أَمْضِ الحديثَ على ما رُوي بلا كيف ولا حَدِّ ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به الكتاب، قال اللّه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ينزل كيف شاء ، بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علماً ، لا يبلغ قَدْرَه واصف ، ولا ينأى عنه هربُ هاربٍ ، عزَّ وجل . ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا ، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله . فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرارِ هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وُكِل إلى عالمه . ١ ٠٠ .>>... (١) في (( هـ)): ((كيف يشاء)). (٢) من (( هـ)). ٣٣٥ ٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد كتاب الصلاة الحديث الثاني : ٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َ﴿ رَأَى بُصَافًا فِي جِدَارِ القِيْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قَبَلَ وَجْهه؛ فَإِنَّ اللَّهَ قبَلَ وَجْهه إذَا صَلَّى)). الحديث الثالث : ٤٠٧ - ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا (١) مَالِكٌّ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا - أَوْ بُصَاقًا، أو نُخَامَةً - نَحكَّهُ . قد ذكرنا في الكلام على حديث أنس(٢) ما يكون شرحًا لهذين الحديثين ، فلا حاجة إلى إعادته . (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٢) يعني : الذي قبله . ٣٣٦ ٣٤ - باب حك المخاط بالحصى من المسجد كتاب الصلاة ٣٤ ۔بابُ حَكِّ المُخَاطِ بِالْحَصَى(١) مِنَ الْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَّاسِ : إِنْ وَطِئْتَ عَلَى قَذَرِ رَطْبِ فَاغْسِلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَابِسَا فَلاَ . روى وكيع في ((كتابه))(٢) عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن يحيى بن وثَّاب ، قال : قلت لابن عباس : أتوضأ ثم أمشي إلى المسجد حافيًا ؟ قال : صلِّ ، لا بأس به ، إلا أن يصيبك نَتَنُ رَطْبٌ فتغسله . قال(٣): وثنا أصحابنا ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد اللّه ، قال : لقد رأيتُنَا وما نتوضأ من موطىء إلا أن يكون رطبًا فنغسل أثَرَه . ومعنى هذا : أن من كان حافيًا فوطىء على نجاسة يابسة لم تَعْلَقْ برجله فإنه يصلي ولا يغسل رجليه ، وإن أصابه نجاسة رطبة غسلها . وروي هذا المعنى عن كثير من التابعين ، منهم : الحسن والشعبي وعطاء والنخعي ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد ، ولا نعلم عن أحد من العلماء خلاف ذلك(٤). وأما إن كان ماشيًا في نعل أو خفِّ فأصاب أسفلَه نجاسةٌ ، فقد سبق ذكر الاختلاف في وجوب غسله والاكتفاء بمسحه ودلكه بالتراب . ولعل البخاري إنما أدخل هذه المسألة في هذا الباب ؛ ليستدل بها على طهارة المخاط والنخامة والبصاق ؛ فإنه لو كان نجسًا لوجب غسله من حائط المسجد ، ولم يكتفِ بمسحه بالحصى . (١) في نسخة: ((بالحصباء)). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٨/١) من حديث الأعمش ، عن يحيى بن وثاب ، به . (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٩/١) من حديث شريك وهشيم وابن إدريس ، عن الأعمش ، به . (٤) انظر: ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٨/١ - ٣٥) وابن أبي شيبة (٥٨/١ - ٥٩). ٣٣٧ ٣٤ - باب حك المخاط بالحصى من المسجد كتاب الصلاة قال البخاري - رحمه الله - : ٤٠٨، ٤٠٩ - ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : أَبَنَا ابْنُ شِهَاب، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّأَبَا هُرَيْرَةَ وَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِ﴾ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا ، فَقَالَ:(إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهَهُ ، وَلَاَ عَنْ يَمِينِه، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِه الْيُسْرَى)). والظاهر : أن مراد البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أنه يجوز حكّ النخامة بحصاة من المسجد ؛ فإن الظاهر يدل على أنه تناول من المسجد حصاة وحك بها ما في قبلته . وقد يكون ذكره لقول ابن عباس في اليابس أنه لا يغسله من رجله ، ثم يدخل ويصلي به ؛ ليبين به : أن ما يصيب تراب المسجد وحصاه من اليابسات المستقذرة لا تجب صيانتها عنه، كما أن النبي وَ *و حكَّ النخامة اليابسة بحصاة من حصى المسجد ، فكذلك ما يصيبُ الأرجلَ من اليابسات المستقذرة لا تصان المساجد عنه ، بل يدخل الحافي ، ويصلي بها في المساجد ، وكذلك المُتَنَعِّلُ يصلي في نعليه - كما تقدم - ، وقد يكون فيهما طين أو غير ذلك من الأعيان المستقذرة ، ولا تستحبَّ صيانة المساجد عن ذلك . ٣٣٨ حديث : ٤١٠ - ٤١٢ كتاب الصلاة ٣٥ ۔باب لاَ يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلاَةِ خرج فيه حديثين : الأول : ٤١٠، ٤١١ - حديث : أبي هريرة وأبي سعيد الذي خرجه في الباب الماضي ، خرجه من طريق عقيل ، عن الزهري ، ولفظه مثل لفظه ، إلا أنه قال : ((فِي حَائِطِ المَسْجد)) . والثاني : قال : ٤١٢ - ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنْسًا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ رِجْله))(١). وليس في لفظ الحديثين تخصيص ذلك بالصلاة ، كما بوب عليه ، ولكن هو في رواية أخرى لحديث أنس ذكرها في الباب الآتي(٣). وقد يفهم(٣) من تبويب البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين بحالٍ الصلاة ، وهو قول المالكية ، كما سنذكره فيما بعد - إن شاء اللّه. والأكثرونَ على خلاف ذلك . (١) في ((ق)): ((رجله اليسرى))، وليس ذكر ((اليسرى)) في ((هـ)) ولا في (( اليونينة)). (٢) (٤١٣) . (٣) في ((ق)): ((تقدم)). ٣٣٩ ٣٥ - باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة كتاب الصلاة قال معاذ : ما بصقت عن يميني منذ أسلمت . خرجه ابن سعد(١). وروي كراهته عن ابن مسعود وابن سيرين . قال أحمد في رواية مهنّاً : يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة ، وفي غير الصلاة ؛ لأنَّ عن يمينه ملكَ الحسنات . يشير إلى حديث أبي هريرة، عن النبي وَّ: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبزقْ عن يمينه ؛ فإنَّ عن يمينه ملكًا)) . وقد خرجه البخاري فيما بعد(٢). وخرج أبو داود(٣) هذه اللفظة من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلىالله وَمِيدُ، وخرج الطبراني(٤) بإسنادٍ ضعيف ، عن أبي أمامة ، قال : قام النبي فاستفتح الصلاة، فرأى نُخامة في القبلة ، فخلع نعلَه ، ثم مشى إليها فَحَتَّها ، يفعل ذلك ثلاث مرات ، فلما قضى صلاته أقبل على الناس ، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يقوم بين يدي الله عز وجل مستقبلَ ربِّه تبارك وتعالى ، وملكُه عن يمينه ، وقرينُهُ عن يساره ، فلا يَتْفِلَنَّ أحدكم بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره ، وتحت قدمه اليسرى ، ثم لَيَعْرُكْ فليشدد عركه ، فإنما يَعْرُكُ أذني الشيطان)) . وروى وكيع في ((كتابه))(٥) عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال: المصلي لا يبزق في القبلة ، ولا عن يمينه ؛ فإنَّ عن يمينه كاتب الحسنات، (١) (٣/ ٢ / ١٢٢) . (٢) (٤١٦) . (٣) (٤٨٠) . (٤) (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥) . (٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٢/١) من حديث الأعمش ، عن أبي وائل ، به . ٣٤٠ حديث : ٤١٠ - ٤١٢ كتاب الصلاة ولكن عن شماله ، أو خلفَ ظهره . وقد قال كثير من السلف في قول اللّه عز وجل: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقَيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] : إن الذي عن اليمين كاتبُ الحسنات ، والذي عن الشمال كاتبُ السيئات ، منهم : الحسن ، والأحنف بن قيس ، ومجاهد ، وابن جريج ، والإمام أحمد . وزاد ابن جريج ، قال : إن قعد فأحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه ، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه . وعلى هذا ، فقد يخلو اليمين عن الملك إذا مشى أو رقد . وحديث أبي أمامة فيه أن الذي على الشمال هو القرين . يريد به : الشيطان الموكل(١) بالعبد، كما في ((صحيح مسلم)) (٢) عن ابن مسعود ، عن النبي ◌َّل ، قال: «ما منکم من أحد إلا وقد و گِّل به قرینه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة)). قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : ((وإياي، ولكنَّ اللّه أعانني عليه ، فلا يأمُرُني إلا بخير)) . وقد ورد في حديث خرجه الطبراني(٣) من حديث أبي مالك الأشعري - مرفوعًا -: ((إنَّ القرين هو كاتب السيئات)). وإسناده شاميٌّ ضعيف . (١) في ((ق)): ((المتوكل)). (٢) (١٣٩/٨) . (٣) في ((الكبير)) (٢٩٦/٣) وفي ((مسند الشاميين)) (١٦٧٣). ولفظه : ((إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إيَّها ، فما وجد في صحيفته من حسنة مَحَى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان)) - الحديث .