Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر كتاب الصلاة ومنهم من رخص فيما حُمرته خفيفة ، وكره الشديدَ الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمدَ ، ورجَّحه كثير من أصحابنا . وفي ((صحيح مسلم))(١)، عن عليٍّ، أنَّ النبي وَلِّ نهى عن لُبس المعصفر. وخرجه النسائي(٢)، وزاد فيه : المُغَدَّم . والمفدَّم : المشبَّع بالعُصفر . وفي ((صحيح مسلم))(٣) - أيضًا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال: رأى رسول اللّه وَّه عليَّ ثوبين مُعَصْفرين(٤)، فقال: ((إن هذه من ثيابِ الكفارِ، فلا تلبسها» . وقد اختلف في ◌ُبس المعصفر : فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد . ورخصوا فيه للنساء . وحكى ابن عبد البر الاجماعَ على جوازه لهنَّ . ٢٠ وفي الرخصة لهنَّ فيه حديثٌ مرفوع . خرجه أبو داود . وهذا قد يخالف رواية المرُّوذيِّ عن أحمد بكراهة الأحمر للنساءِ ، كما تقدم ، لكن تلك مقيدةٌ بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولةً على من لم يُرِدْ به الزينة . (١) (٦ / ١٤٤) . (٢) (٨/ ١٦٧) . (٣) (٦/ ١٤٤) . (٤) في الأصل: ((مصفرين))، والمثبت من ((الصحيح)). ٢٠ ٢٢٢ حديث : ٣٧٦ كتاب الصلاة وهذا القول روي عن ابن عباسٍ ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهنَ منه . ورخصت طائفة في المعصفر مطلقًا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائلٍ ، وعُروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرينَ ، والنَّخَعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي . وكرهت طائفة المشبّع منه - وهو المُقدَّم - دون الخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد . وحكي عن مالك وأحمدَ - أيضًا - ؛ فإنَّه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت حمرتُه تشبه المعصفرَ أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورَّد ، وما كان خفيفًا . وحكى الترمذي في ((كتابه)) هذا القولَ عن أهلِ الحديث : أنَّهم كرهوا لُبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صُبغ بالمدَر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفراً . وقد روي عن علي وابن عمر الرخصةُ في المصبوغ بالمِشْقِ - وهو المَغَرة - ، وقالا : إنما هو مَدَر أو تراب . وفي كراهة المصبوغ بالمَغَرَة : حديث خرجه أبو داود(١)، في إسناده مقال. ومن الناس من قَال : يُكْرِه المعصفرُ خاصةً ، دون سائرِ أَلوانِ الحمرةِ . وقال : لم يصح في غيره نهيٌ . ومنهم من حَمَل أحاديثَ الرخصةِ على الجوازِ ، وأحاديثَ النهي على كراهةٍ التنزيهِ ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري . وزعم الخطابي (٢) أن المكروهَ من الأحمرِ ما صُبغ من الثياب بعد نَسْجه، فأمَّا (١) (٠٧١ ٤ ) . (٢) في ((المعالم)) (٣٣٨/٤ - هامش أبي داود). ١ ٢٢٣ ١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر كتاب الصلاة ما صُبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخلٍ في النهي . وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صُبغ قبل نسجه وبعدَه ، واستحسن لُبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة . واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيءٌ من حمرة : هل يكره ، أم لا ؟ فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عِمَامةً واعتمَّ بها ، فَرأَى فيها خيطًا أحمر ، فردَّها . وكذلك روى المرُّوذيُّ عن أحمدَ ، أنه أمره أن يشتري له تكَّةً (١) لا تكون فيها حمرة . وخرج أبو داود (٢) من حديث رافع بن خديج، قال: خَرَجْنا مع رسول اللّهِ وَ﴿ل في سفرٍ، فرأى رسولُ اللّهِ وَ ◌ّهِ على رَوَاحِلِنَا وعلى إِبِنَا أكسيةً فيها خيوط عِهْنِ حمر(٣)، فقال رسول اللّه وَلَهُ: ((ألا أرى الحمرةَ قد علتكم؟)) فقمنا سراعًا ، فأخذنا الأكسيةَ ، فنزعناهَا عنها . وفي إسناده رجل لا يعرف . وخرج الطبراني(٤) وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قُرة : أذكر ابن جريجٍ ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد اللّه بن سَرْجِس، أن النبيَّ وَِّ صلَّى يومًا وعليه نَمِرة ، فقال لرجل من أصحابه : ((أعطني نَمِرتك، وخذ نَمرتي))، فقال: يا رسول اللّه، نمرتُك أجودُ من (١) هي : رباط السراويل. (٢) (٤٠٧٠) . (٣) في الأصل: ((أحمر)) والتصريب من أبي داود. و((العِهْن)): الصوف مطلقًا. وقيل: الملون منه خاصة . وقيل : الأحمر خاصة . (٤) في ((الأوسط)) (١٦٩٠). ٢٢٤ ١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر كتاب الصلاة نمرتي. قال: ((أجل؛ ولكن فيها خيطٌ أحمرُ ، فخشيت أن أنظر ، إليه فيفتنني)) - ؟ فأقرَّ به أبو قرة ، وقال نعم . وهذا غريب . ورخَّص فيه آخرون ، روي عن الحسن ، وقد سبق . ونصَّ عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسودَ عليه عَلَم أحمرُ ، قال: لا بأس به . ويستدل لهذا : بحديث لُبس النبي ◌َِّ حلة حمراء وبردًا أحمرَ ؛ فإن المرادَ بالحُلَّة البرْد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره . ٢٢٥ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة ١٨ - بابُ الصَّلاةِ فِي المِنْرِ والسُّطُوحِ وَالخَصَبِ ولم يَرَ الحَسَنُ بأسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ والقَنَاطر، وإنْ جَرَى تَحْتَها بَوْلٌ، أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ . وَصَلَّى أَبُو هُرِيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلاةِ الإِمَامِ . وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الفَّلْجِ . مقصودُ البخاري بهذا البابِ : أنَّه تجوز الصلاةُ على ما علا على وَجْهُ الأرضِ ، سواء كان موضوعًا عليها وَضْعًا ، كمِنْرِ وسَرِيرٍ منَ خشبٍ أو غيره ، أو كان مبنيًّا عليها ، كسطحِ المسجدِ وغرفةٍ مبنيةٍ عليه أو على غيره ، وكذلك مَا عَلا على وجهِ الأرضِ مما يذوب ، كالثلجِ والجليدِ . فهذه ثلاثة مسائل : الأولى : الصلاةُ على ما وُضع على الأرضِ مما يَتَأَبَّد فيها ، أو ينقلُ عنها كمنبرٍ وسريرٍ ونحوه ، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء . قال أبو طالب : سألتُ أحمدَ عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع ؟ قال : نعم ، إذا كان يمكنه مثل السطح . وقال حرب : سألت إسحاقَ عن الصلاة على السرير من الخشب ؟ قال: لا بأس به . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسًا بالصلاة على الأسرَّة وأشباهها . وليس في هذا اختلاف بين العلماء ، إلا خلاف شاذٌّ قديم . ٢٢٦ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة روى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن سُميع، عن علي بن كثير (١)، قال: رأى عمار رجلاً يصلي على رابية ، فمدَّه من خلفه ، فقال : هاهنا صلِّ في القَرارِ . ولعلَّ هذا المصلِي كان إمامًا لقومٍ يصلون تحته ، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء اللّه تعالى(٢). المَسْألة الثَّانية : الصلاة فيما بُني على وجهِ الأرضِ كغرفةٍ في المسجدِ ، أو فوق سطح المسجد ، وكلُّه جائز لا كراهة فيه بغير خلاف ، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها ؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها : فمنها : صلاة المأموم فوق سَطْحِ المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد ، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فَعَلَه . وحكى ابن المنذر فِعْلَ ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد اللّه . قال : وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكي عن مالك : أنه إن صلَّى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرًا . ومذهب مالك : أن الجمعةَ لا تصلَّى فوق ظَهْر المسجد بصلاة الإمام . وفي سائر الصلوات عنه روايتان : الجواز ، والكراهة ، وهي آخر الروايتين عنه . وممن يرى جواز ذلك : الثوري وأحمد وإسحاق . وروي سفيان ، عن يونسَ بن عبيدٍ ، عن عبد ربِّه ، قال : رأيتُ أنسَ بن مالكِ صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام . واحتج أحمد بهذا . (١) ويقال: ((ابن أبي كثير))، ترجمته في ((الجرح والتعديل)) (٣/ ١/ ٢٠٢). (٢) في شرح الحديث الآتي . ٢٢٧ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة وروى ابن أبي ذئبٍ ، عن صالحٍ مولى التوأمة ، قال : رأيت أبا هريرة يصلي على سَطْح المسجد بصلاة الإمامِ . واشترط الإمام أحمدُ أن يكون ذلك بقربِ الإمامِ ، أو يسمَعَ قراءَته - : نقله عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك . واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي - : إيصالَ الصفوفِ دون قرب الإمام . وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام : إن كان بينهما طريق أو نهر فلا . قيل له : فأنس صلَّى يوم الجمعة في سطح ؟ فقال : يوم جمعة لا يكون طريق الناس . يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئُ الطرقات بالمصلين ، فتتَّصل الصفوف . قال أبو طالب : فإن الناس يصلون خلفي في رمضانَ فوقَ سَطْح بيتهم ؟ فقال أحمد : ذاك تطوُّع . ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف . ونقل حرب ، عن أحمد خلافَ ذلك ، في امرأة تصلي فوق بيتٍ ، وبينها وبين الإمام طريق ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر أن أنس ابن مالك کان يفعل ذلك . ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، أن ذلك يجوز يوم الجمعة ، إذا ضاق المكان ، كما فعل آنس ٠ وظاهر هذه الرواية : أنه لا يجوز لغير ضرورة . والمذهب المشهور عنه : جوازه مطلقًا ، كما تقدم . وذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني : أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام ، والإمام على المأموم ، خلافًا =. ٢٢٨ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما . ومنها : إذا بني على قنطرة مسجدٌ أو غيره ، فإنه تجوز الصلاة إليه ، حكاه عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك . روى حرب بإسناده ، عن همام : سُئل قتادة عن المسجد يكون عَلى القنطرة ؟ فكرهه . قال همام : فذكرتُ ذلك لمَطَرِ ، فقال : كان الحسن لا یری به بأساً . قال حرب : وقلت لأحمدَ : المسجد يُبْنَى على القنطرة ؟ فكرهه ، وذكر: أُرَاهُ عن ابن مسعود كراهته . ونقل المرُّوذيُّ عن أحمد ، قال : كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بنى على القنطرةِ . قال : وقلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد - : ترى أن أصلي في مسجد بُني على ساباط ؟ قال : لا ؛ هذا طريق المسلمين . وأصل هذه المسألة : أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله ، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق ، ولا البناء عليه . والنهر الذي تجري فيه السَّفْن حكمه عنده كحكم الطريق ، لا يجوز البناء عليه . ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريقِ الواسعِ ، إذا لم يضرَّ بالمارَّةِ . ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام ، وحكي رواية عن أحمد - أيضًا . قال الشالنجي : سألت أحمدَ : هل يُبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامَّة ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يضيِّقُ الطريق . قال : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : لا بأس بذلك، إلا أن يكون في الثَّغْرِ مخافةَ العدوِّ . وبه قال أبو خيثمة . ٢٢٩ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة والبخاري يميل إلى الجواز ، وقد ذكره في ((أبواب : المساجد))، وفي ((البيوع))، واستدل بحديث الهجرة، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكةَ مسجدًا يقرأ فيه القرآن . وسيأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى. وأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيعٌ وحربٌ بإسنادهما ، عن ابن سيرين ، أنه رأى مسجدًا فوق قنطرة تحتها قَذَر ، فقال : كان ابن مسعود يكره الصلاةَ في مثل هذا . وهذه الكراهة: يحتمل أن تكون لكونِ القنطرةِ طريقًا للناسِ ، فلا يُبنى عليها ، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القَذَر تحت هذا المسجد ؛ فإن في جواز الصلاة في عُلُوِّ الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحَشِّ ونحوه لأصحابنا وجهين . ولو صلَّى على سريرِ قوائمه على نجاسةٍ صَحَّت صلاته ، وإن تحرك بحركته ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي . وحكي عن الحنفية ، أنه إن تحرك بحركته لم تصح ، وإلاَّ صحَّت . وقد حكى البخاري عن الحَسَن ، أنه يصلي على القناطر وإن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترةٌ . فأما إن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفًا ، وأما إن كان أمامها أو فوقها ، وبينهما سترة ، فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه . وعن أحمد في الصلاة إلى الحَشِّ من غير حائل روايتان: إحداهما : تصح مع الكراهة . والثانية : لا تصح ، وهي اختيار ابن حامد وغيره . ولا يكفي حائط المسجد ، ولا يكون حائلاً - : نَصَّ عليه أحمد . ومن الأصحاب من تأوَّل قولَه على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلى ، فإن لم يكن كذلك كفى حائطُ المسجد . ٢٣٠ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة ونقل حربٌ ، عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كَنِيفٌ ، إلا أن يكون للكنيفِ حائط من قَصَبٍ أو خَشَبٍ غير حائط المسجد ، وإن صلى فيه أعاد ، وإن كان للكنيف سترة من لُبُود ، فلا يصلي في المسجد من ورائه ، وإن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس . ونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفلَ من المسجدِ بذراعٍ ونصف فلا بأس . ورخَّصت طائفة في الصلاة إلى الحَشِّ إذا كان بينهما سترة . وقال الأوزاعي ، في رجل يصلي وبين يديه حَشَّ ، ودونه جدار من قصب، وهو يصلي نحوه : لا أعلم به بأسًا . وقال الليث بن سعد : كتب إليَّ عبد اللّه بن نافع مولى ابن عمر : أمَّا ما ذكرت من مصلّى قبلته إلى مرحاضٍ ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره ، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمرَ التي هي وراء جدار قبلة النبي ـلالله وَسام كانت مِرْبَدًا لأزواج النبي ◌َّو يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصه زوج النبيِّ صلى الله ـة وسيلة منهنَّ ، فاتخذته دارًاً . ولكن ؛ عبد اللّه بن نافع منكر الحديث - : قاله البخاري وغيره . والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، واستدل بما استدل به ، ولا دلالة فيه ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى . وعند الشافعي وأصحابه : تُكره الصلاة على مدفن النجاسة ، وتصح . ءِ ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة - أيضًا . وحكي عن ابن حبيب المالكي ، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بَطُلَتْ صلاته ، إلا أن تكون بعيدة جداً . ٢٣١ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة المَسْأَلة الثَّالثة : إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد ، فقد حكَى عن الحسن جوازَ الصلاة على الجليد . ومعناه : إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه . وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ؛ فإنه يصير قرارًاً متمكنًا كالأرضِ ، وليس بطريقٍ مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة . وحكى البخاري عن ابن عمرَ ، أنه صلى على الثَّلج . ونصَّ أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه . ونقل عنه حربٌ ، قال : يبسط عليه ثوبًا ويصلِّي . قلت : فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده ؟ قال : إن أمكنه السجود عليه سجد ، وإلا أَوْمَاً . قال : وإذا كان الثلج باردًا فإنه عُذْرٌ ، وسهَّل فيه . قال : وسمعت إسحاق - يعني : ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البَرَد أو الطين فآذاكَ فاسجد على ثوبك ، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك ، أو أدخلهما كُمَّكَ ، ثم اسجد كذلك . قال : وسمعته - مرةً أخرى - يقول : إن كنت في رَدْغَةٍ أو ماءٍ أو ثلجٍ ، لا تستطيع أن تسجد ، فأومىء إيماءً ، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما . انتهى . وأنس إنما صلى على راحلته في الطين ، لا على الأرض . وحاصل الأمر : أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه فيه ضرر لم يلزمه ، وأجزأه أن يومئَ . ولأصحابنا وجهٌ آخر: أنه يلزمه السجود عليه بكل حال ، ولا يجزئه الإيماء. ٢٣٢ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة والثلج نوعان : تارةً يكون متجددًا صلبًا ، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم ، وتارة يكون رخوًّا لا تستقر الأعضاء عليه ، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما . ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذرٍ ، صرح بذلك طائفة من أصحابنا ، وجعلوا استقرارَ الجبهةِ بالأرضِ شرطًا ، واستدلوا بأنه لو عَلَّق بساطًا في الهواء وصلَّى عليه لم يجزئه ، وكذا لو سجد على الهواءِ أو الماءِ . والشافعية في ذلك وجهان : أصحهما عندهم : أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته ، ولا تصح صلاة بدون ذلك . والثاني : لا يجب ذلك . ولهم - أيضًا - في الصلاة على الأُرْجُوحة ، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان ، أصحهما : الصحة . وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجلٌ النبيِّ وَّ عن شيءٍ من أمر الصلاة، فقال له رسول اللّه وَ له: ((إذا سجدتَ فَأَمْكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حَجْمَ الأرض)) . خرجه الإمام أحمد(١). وفي إسناده لين . وروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه - : ثنا سويد بن عبد العزيز ، عن أبي خبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أصاب الناسَ الثلجُ على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط (١) (١/ ٢٨٧) . ٢٣٣ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة بساطًا ثم صلَّى عليه ، وقال : إن الثلج لا يتيمم به ، ولا يصلى عليه . واحتج إسحاق بهذا الحديث . وإسناده ضعيف ؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان . وقد روى أبو عبيدٍ في ((كتاب الطهور)) بإسنادٍ آخر ، وفيه ضعف - أيضًا - : أن عمر أصابه الثلج بالجابيةِ لما قدم الشامَ ، فقال : إن الثّلج لا يتيمم به . ولم يذكر الصلاة . واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء : هَلْ يوميءُ بالسجودِ ، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء ؟ على روايتين عنه . وقال القاضي أبو يَعْلَى في بعض كُتُبه : لم يوجب أحمد السجود على الماء؛ لأنه ليس بقرار ، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومئ في الماء إلى قُرْب الأرض ، وإن غاصَ وجهه في الماء . وهذا الذي قاله بعيد جدًّاً . وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حالين : فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد ، وإلا أوماً . وقال أبو بكر الخلاَّل : قولُ أحمدَ : يومئ ، يريد بالركوع . وقولُه : يسجد على متن الماء ، في السجود . فلم يُثبت عن أحمدَ في الإيماء بالسجود خلافًا . ولو كان في وَحَلٍ وطينٍ لم يلزمه السجود عليه ، وإنما عليه أن يومئ ، ولم يَحْك أكثرُ الأصحاب فيه خلافًا ، بل قال ابن أبي موسى : لا يلزمه ذلك - قولاً واحدًاً . ومنهم من خَرَّج فيه وجهًا آخر : بوجوب السجود على الطين ، إذَا قُلْنَا : لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته ، بل تلزمه الصلاةُ بالأرضِ ، وهو رواية ٢٣٤ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة عن أحمد ، اختارها ابن أبي موسى . وفَرَّق ابن أبي موسى بين المسألتين ، ووَجْهُ الفرقِ : أن المانَع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار بالأرض دون امتناع السجود بالأرض ، ولأن في السجود على الطين ضرراً ؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفَمِه ، وربما غَاصَ فيه رأسه وشَقَّ عليه رفعه ، فلا يلزمه ، بخلاف السجود علي متن الماء . وممن قال : يومئُ بالسجود ولا يسجد على الطين : أبو الشَّعثاء وعمارة بن غَزِيَّةٍ . وفيه حديث مرفوع : خرجه الطبراني وابن عدي(١) من طريق محمد بن فَضَاء ، عن أبيه ، عن علقمة بن عبد اللّه، عن أبيه، عن النبي وَّر، قال: ((إذا لم يَقْدِرْ أحدكم على الأرضِ ، إذا كنتم في طينٍ أو قَصَب أومئوا إيماءً)) . وفي روايةٍ لابن عدي: ((أو في ماء أو في ثلجٍ)) . ومحمد بن فَصَاء ، ضعيف ؛ ضَعَّفْه يحيى والنسائي وغيرهما . ومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرضِ ، ولا يصلي على الراحلة . واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين : فروي عنه : أنه يسجد عليه . وروي عنه : أنه یومئُ . وحَمَل ذلكَ طائفةٌ من أصحابه على اختلاف حالين : فالحال التي يسجدُ عليه: إذا كان خَفيفًا، كما سجد النبيُّ وَّلَّ في اعتكافه في الماء والطين ، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطينِ (٢). والحال التي يومئُ: إذا كان كثيراً ، يَغْرق فيه المصلِّي . (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٠ - الجزء الذي حققته منه) وكذا في ((الأوسط)) (٧٩١٣) وابن عدي (٢١٧٩/٦) . (٢) أخرجه البخاري (٨١٣). ٢٣٥ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة ونصَّ أحمدُ على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجودِ على الطين أَوْمَاً ، ولم يسجد عليه . وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد . خرَّج البخاري في هذا الباب حديثين : الحديث الأول : قال : ٣٧٧ - ثَّا عليّ بن عبدِ اللّه: ثنا سُقْيَانُ: ثنا أَبُو حَازِمِ: سَأَلُوا سَهْلَ بِنَ سَعْدِ: مِنْ أَيِّ شيءٍ المِنْبَرُ؟ فَقَالَ : مَا بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ ، عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَى فُلاَنَةٍ لِرَسُولِ اللّه ◌َ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُول اللّه ◌َّرِ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ ، فَاسْتَقْبَ الِبْلَةَ، كَبِّ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ فَقَرأَ ، وَرَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَ عَادَ إلى المِنْرِ، ثُمَّ قَرَاً، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ . قال أبو عبد اللّه : قال عليّ بن عبد اللّه المَدِيني: سَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل عَنْ هَذَا الحَدِيثِ ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّالنَّبِّ:﴿ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ ، فَلا بَأْسَ بأن يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بهذا [ الحديث](١). قَالَ: فَقُلْتُ: إنَّ سُفْيَانَ بِنَ عُبَينَةَ كَانَ يُسألُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا ، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ : لاَ . هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد ، رواه عنه الشافعي وغيره ، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا : ((كان من أَثْل الغابة)) - يعني: منبرَ النبي و9َّ -، وقد خرج هذا القدرَ منه عن سفيان في («مسنده)»(٢). وكان سفيان يختصر الحديثَ أحيانًا . (١) زيادة من البخاري . (٢) (٣٣٠/٥) . ٢٣٦ حديث : ٣٧٧ كتاب الصلاة وإنما خرَّج أحمد بتمامه في «مسنده)) (١) من طريق عبد العزيز بن أبي حازمٍ ، عن أبيه ، عن سَهْل بن سَعْدٍ ، وقال في آخر الحديث : فلما انصرف قال : ((يا أيُّها الناس، إنما فعلتُ هذَا لَأَمُّوا بي، وتَعْلَموا صلاتي)) . وقد خرَّجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه))، ومسلمٌ - أيضًا (٢)- من حديث يَعْقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، بهذه الزيادة . ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا : الاستدلال على جواز الصلاة على ما يُوضع على الأرض من منبرٍ وما أشبهه كالسّرير وغيره . وما ذكره البخاري عن علي بن المديني ، أن أحمد بن حنبلٍ سأله عن هذا الحديث، وقال: إنما أردت أن النَّبِيَّ وَلّ كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . فهذا غريبٌ عن الإمام أحمد ، لا يُعرف عنه إلا من هذا الوجه ، وقد اعتمد عليه ابن حزمٍ وغيره ، فنقلوا عن أحمدَ : الرَّخصةَ في علوِّ الإمام على المأموم . وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه ، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم ، وذكره الخِرَقي ومَنْ بعده ، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان ، عن أحمدَ ، أنَّه قال : لا يكون الإمام موضعُهُ أرفعَ من موضعٍ مَنْ خَلْفه ، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه أرفع . وممَّن كره أن يكون موقفُ الإمامِ أعلى من المأموم : النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي . وقد روي ذلك عن ابن مسعودٍ من غير وجه أنه كرهه ، ونهى عنه . وخرج أبو داود (٣) من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، أن حذيفة (١) (٣٣٩/٥). (٢) البخاري (٩١٧) ومسلم (٢/ ٧٤). (٣) (٥٩٧) . ٢٣٧ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة أمَّ الناس بالمدائنِ على دُكَّانِ ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو يُنهى عن ذلك - ؟ قال : قد ذكرتُ حين مَدَدْتَني(١). ومن رواية(٢) ابن جُريج : أخبرني أبو خالد ، عن عدي بن ثابت ، قال : حدثني رجلٌ ، أنَّه كان مع عمار بن ياسر بالمدائنِ ، فأقيمت الصلاة ، فتقدَّم عمَّار بن ياسر ، وقام على دُكَّانِ يصلِّي، والناس أسفلَ ، فتقدم حذيفةُ ، فأخذ على يَدَيْهِ ، فاتبعه عمَّر حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمَّارٌ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسولَ اللّه ◌ِ وَلَه يقول: ((إذا أمَّ الرجل القوم فلا يَقُمْ في مقامٍ(٣) أرفع من مقامهم)) - أو نحو هذا؟ قال عمَّار: لذلك اتبعتكَ حين أخذت على = (٤) يدي ٠ ورخَّص طائفةٌ في ارتفاع الإمامِ على المأمومين . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنَّه أمَّ الناسَ فوقَ كنيسةٍ وَهُمْ تحتها . وروي نحوه عن سُحنُون . وأما مذهب الشافعي ، فإنَّه قال : أَخْتَار للإمامِ الذي يُعلِّم من خَلْفَه أن يصلّي على الشيءِ المرتفع ، ليراهُ مَنْ وراءه ، فيقتدوا بركوعه وسجوده . قال : وإذا كان الإمامُ عَلَّم الناسَ مرَّةً أحببت أن يصلِّي مستويًا مع المأمومين ؛ لأنَّه لم يَرِدْ عن النبيِ وَِّ أنه صلَّى على المنبرِ إلا مرةً . (١) في هامش الأصل ((ق)): ((رواه زياد البكائي، عن الأعمش فصرح برفعه - : قاله أبو حاتم. قال: ورواه زيد بن أبي أنيسة ، عن عدي بن ثابت ، عن رجلٍ من بني تميم ، عن أبي مسعود - مرفوعًا - ، وهو صالح - : كذا نقله عنه ابنه في ((علله)) (٢٠٠) ، وهذا حديث حذيفة لا حديث أبي مسعود)) انتهى . (٢) (٥٩٨) . (٣) في ((السنن)): ((في مكان)). (٤) راجع : ما تقدم في أول هذا الباب في آخر الكلام على المسألة الأولى . ٢٣٨ حديث : ٣٧٧ كتاب الصلاة وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازَه إذا أرادَ تعليمهم ، واختاره ابن المنذر ، وقال : إذا لم يُرد التعليمَ فهو مكروه ؛ لحديث ابن مسعودٍ . ومن أصحابنا من حكى روايةً عن أحمدَ كذلك . والذين كرهوا ذلك مطلقًا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبيّ ◌َّ على المنبرِ: فمنهم من قال: قد يفعل النبيّ وَّل38 ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه ، ولا يكون ذلك مكروهًا في حقِّه في تلك الحال ، ويكره لغيره بكلِّ حال . وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يَعْلى وغيره ، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه . ومنهم من قال : المكروه أن يقوم الإمامُ على مكان مرتفعٍ على المأمومين ارتفاعًا كذراعٍ ونحوه ، فإنّه يُحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به ، وهو مكروه ، فأمَّا الارتفاع اليسير فغير مكروه ، ويحتمل أن النبي ﴿ كانَ وقُوفُه على درجة المنبر الأولى ، فلا يكون ذلك ارتفاعًا كثيرًاً . وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا . وقياس المذهب : أنه يُرْجَعُ فيه إلى العرف . وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدَّر بما زاد على قامة الإنسان . واستغرب ذلك أبو بكر الرازي . واختلف القائلون بكراهة ذلك : هل تبطلُ به الصلاة ، أم لا ؟ فقال أكثرهم : تكره الصلاةُ ، ولا تبطلُ . وقد تقدم أن الصحابة بَنَوْا على الصلاة خلف من أمَّهم مرتفعًا عليهم ، ولم يستأنفوا الصلاةَ . وقالت طائفة : تبطل الصلاة بذلك ، وهو قول مالك وابن حامد من ٢٣٩ ١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة أصحابنا ، وحكي عن الأوزاعي نحوه . واختلف أصحابنا : هل النهي مُتُوجِّه إلى الإمامِ ، أن يَعْلُوَ على من خَلْفَه ، أم النهي مُتُوجِّهٌ إلى المأمومِ ، أن يقومَ أسفلَ من إمامه ؟ على وجهين : أحدهما : أن النهي للإمام . فإن قلنا : إن هذا النهي يُبطلُ الصلاة، بطلتْ صلاة الإمام. وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمامٍ ، صلاتُهُ فاسدة . والثاني : أن النهي متوجِّه إلى المأمومين خاصَّةً . فعلى هذا ؛ إن كان الإمامُ في العلوِّ وَحْدَه ، وقلنا : هذا النهي يُبطل الصلاةَ ، بطلتْ صلاةُ المأمومين وصلاةُ الإمامِ ؛ لأنَّه صار منفردًا ، وقد نوى الإمامةَ ، وهذا مُبطلٌ عند أصحابنا . وإن كان معه في العلوِّ أحدٌ صحت صلاته وصلاة مَنْ مَعَه ، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق . واعلم ؛ أنه لم يقع في ((صحيح البخاري)) حكايةُ قولٍ لأحمدَ في غير هذه المسألة ، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه ، ولم أعلم أحدًا منهم حكى ذلك عن أحمد ، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في ((كتاب الجامع الصغير)) له وجهًا . والله أعلم . وفي قول سَهْل بن سَعْدِ: ((لم يبقَ أعلمُ بالمنبرِ مِنِّي)): دليل على أن من اختصّ بعلم ، فإنه لا يكره له أن يُنَبِّه على اختصاصه به ؛ ليُؤخَذ عنه ، وتتوفر الهِمَم على حفظهِ وضبطهِ عنه ، وقد سبق في ((كتاب: العلم)) شيءٌ من ذلك . وبقية فوائد الحديث تُذكر في مواضع أخر - إن شاء اللّه تعالى. ٨٨ ٢٤٠ حديث : ٣٧٨ كتاب الصلاة الحديث الثاني : قال : ٣٧٨ - ثنا محمَّد بن عَبْد الرَّحيم: ثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ : أبنا حُميدٌ الطَّويلُ ، عن أَنَسِ بِنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُول اللّهِوَ سَقَطَ عن فَرَس فَجُحْشَتْ(١) سَاقُهُ - أَوْ كَتِفُهُ - وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًاً، فَجَلَسَ فِي مَشِرَبَةٍ له دَرَجُّهَا(٢) مِنْ جُدُوعِ النَّخْلِ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْثَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبِّرَ فَكَبِرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُوا قِيَامًا)). وَنَزَلَ لِتِسْعِ وَعِشْرِين، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللّه، إِنَّكَ آَلَيْتَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ). قال الخطابي(٣): ((الجحش)): الخدش، أو أكبر منه(٤). و((المَشْربة)): شبه الغرفة المرتفعة عَنْ وجهِ الأرضِ . وضبط غيره: ((رَاءَهَا))(٥) بالفتح والضم . ومقصود البخاري بتخريج الحديث هَاهُنا : أنَّه تَجوزُ الصلاةُ في الغُرَف والعَلالي . وقد كان النبي وَّ اعتزل في هذه المشربة شهرًا لِهَجْرِهِ لِنسائه ، ولم يَدْخل إلى نسائه حتى فرغ الشَّهر ، ولم يُنْقل : هل كان قد بَرِئَ مما أصابه قبل الشَّهرِ ، (١) في الأصل ((ق)): ((فجحش))، وما أثبته هو الصواب ، ليس فيه اختلاف بين روايات البخاري . (٢) في نسخة : ((درجتها)). (٣) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٦٢) . (٤) عنده : ((إذا كَثُرُ منه)). (٥) أي راء : ((مشرَبِة)).