Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية كتاب الصلاة ثوبًا سُبُلاَنِيًّا فِلَبِسَه، ولم يَغسلْه ، وصلَّى فيه . وروى أبو بكرِ الخَلاَّلُ بإسناده ، عن ابنِ سِيرِينَ ، قال : ذُكر عند عمرَ الثيابُ اليمانيةُ ، أنها تُصْبَغ بالبول؟ فقال : نهانا اللَّهُ عن التَّعَمُّقِ والتَّكَلُّف . وروى الإمام أحمدُ (١)، عن هُشَيْمٍ، عن يونسَ، عن الحَسَنِ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ أراد أن يَنهى عن حُلَل الحِبَرَةِ ؛ لأنها تُصبغ بالبول، فقال له أُبِيُّ: ليس ذاك لكَ، قد لَبِهِن النبيِِّ، ولَبِسْنَاهُنَّ في عَهده . وروى ابنُ أبي عاصمٍ في ((كتاب اللباس)) من طريق محمد بن عُبَيْد اللَّه العَرْزَمي - وفيه ضعف - عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَّيْرٍ ، عن قَبِيصَةَ بنِ جابرٍ ، قال : خَطَب عمرُ الناسَ ، فقال: إنه بَلَغنِي أن هذه البرود اليمانيةَ التي تَلْبَسُونها تُصبغ بالبول ؛ بول العجائز العُثْق ، فلو نَهَيْنا الناسَ عنها ؟ فقام عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَتَنْطَلِقُ إلى شَيْءٍ لَبِسَهَ رسولُ اللَّهِ وَ له وأصحابُه فَتُحَرِّمُه ؟! إنها تُغْسَل بالماء ، فكَفَّ عمرُ عن ذلك . وقد روي عن الحَسَن ، أنه كان إذا سُئل عن البرود إذا صُبغتْ بالبول ، فهل تَرَى بلْسها بأسًا؟ حَدَّث بحديث عمرَ مع أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ كما تقدم . وقال حَنْبَلٌ : كان أبو عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ - يَصبغ له يهوديٌّ جُبَّةٌ فيَلْبَسُها، ولا يُحْدث فيها حَدَثًا من غَسل ولا غيرِهِ . فقلتُ له ، فقال : ولمَ تَسأل عما لا تَعْلَم ؟! لم يَزَلَ الناسُ منذ أَدركناهم لا يُنكرون ذلك . قال حَنْبَلٌ : وسُئل أبو عبدِ اللَّه عن يهودٍ يَصبغون بالبول ؟ فقال : المسلم والكافر في هذا سواء ، ولا تَسألْ عن هذا ولا تَبحثْ عنه ، وقال : إذا علمتَ أنه لا محالةَ يُصبغ من البول وصَحَّ عندك فلا تُصَلِّ فيه حتى تَغسله. وقال يعقوبُ بنُ بختان : سُئل أحمدُ عن الثوب يَصبغه اليهودي ؟ قال : (١) (٥/ ١٤٣) . ١٦٢ ٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية كتاب الصلاة ويَستطيع غيرَ هذا ؟ ! - كأنه لم يَرَ به بأساً . وقال المَرُّوَذِيُّ : سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسأل عن الثوب يَعْمَلُه اليهودي والنصراني ، تصلي فيه ؟ قال : نَعَمْ ، القَصَّر يَقْصُر الثيابَ ، ونحن نصلي فيها . وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاةُ فيه من غير غَسل ، ما لم تُحَقَّق فيه نجاسةٌ ، ولا يُكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى يَصِحَّ، وأنه لا ينبغي البحثُ عن ذلك والسؤالُ عنه . وحكى ابنُ المنذر هذا القولَ عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، فلم يَحْكِ عن أَحَدٍ فيه خِلافًا ، وهو قول الثوري وإسحاق - : نقله عنه حَرْبٍ . ومن أصحابنا من قال : لا نعلم في هذا خلافًا . ومنهم من نفى الخلافَ فيه في المذهب . ومن الأصحاب من حكى فيه خلافًا عن أحمدَ . ونقل أبو داودَ (١) أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يُصَلَّى فيه قبل أن يُغْسَل ؟ قال : نَعَمْ ، إلا أن يَنْسِجَه مشرك أو مَجُوسِيٌّ . وقال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ هانئ (٢): قرأتُ على أبي عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمد - : ابنُ أَبِي عَدِيِّ ، عن ابنِ عَوْنِ ، قال : كان محمدُ بنُ سِيرِينَ يَختار إذا أَخَذ الثوب من النَّسَّاجِ [ أن لا] (٣) يَلْبَسَه حتى يَغْسِلَه. قال أبو عبدِ اللَّهِ : إليه أَذْهَب . أو قال: أَحَبُّ إلي أن لا يصلي فيه حتى يَغسله(٤). وحَمَل أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جَعْفَرِ هذه الروايةَ على أن الثوب نَسَجَه مُشْرِكٌ وَثَنِيٌّ أو مجوسي ، كما رواه أبو داودَ ، فإن كان كتابيًا صلى فيه بغير غَسل ، على (١) في ((مسائله)) (ص ٤١). (٢) في ((مسائله)) (١/ ٥٧). (٣) في الأصل: ((فلا))، وما أثبته من ((المسائل)) المطبوع، وهو أشبه. (٤) وفي ((المسائل)) زيادة، وهي: ((ثم قال أبو عبد الله: حديث غريب)). ١ ١٦٣ ٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية كتاب الصلاة ما رواه المرُّوذِيُّ . قال : وإن صلى فيما نَسَجَه وثني أو مجوسي من غير غَسل فلا يَتَبيَّنُ لي الإعادةُ ؛ لأن الأصلَ طهارتُه . وقال ابنُ أبي موسى : اختلف قولُ أحمدَ في الثوب يَنْسِجُه يهودي أو نصراني : هل يصلي فيه مسلم قبل أن يَغسله أم لا ؟ على روايتين ، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يُغسل قولاً واحداً . وهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب ، ولم يَلْبَسُوه ، فأما ما لَبِسوه من ثيابهم ، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله : فمنهم : من رخَّص في ذلك . قال الحَسَن : لا بأسَ بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري ، وأبي حنيفةً ، وروايةٌ عن أحمدَ . قال الثوري : وغَسلها أَحَبُّ إليَّ . ومنهم : من كَرِه ذلك ، من غير تحريم ، وهو قول الشافعي ، وروايةٌ عن أحمد . وكَرِهِ أبو حنيفةَ وأصحابُه ما وَلِيَ عَوراتِهم ، كالإزار والسَّراوِيلِ . وقال الشافعي : أنا لذلك أشدُّ كراهةً . وقالت طائفة : لا يُصلى في شيْءٍ من ثيابهم حتى يُغسل ، وهو قول إسحاقَ ، وحكي روايةً عن أحمدَ ، وهو قول مالك - أيضًا - ، وقال : إذا صلى فيه يُعِيد ما دام في الوقت . وفَرَّقَتْ طائفة بين من تُباح ذبيحتُهُ ومَن لا تباح : قال أحمدُ - في رواية حَتْبَلٍ - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني : إذا لم يَجِد غيرَهَ غَسَلَه وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يُصلى فيه، فإن غَسَلَه وبالغ في غَسْلِه فأرجو ؛ هؤلاء لا يَجْتَنِبُون البولَ ، واليهود والنصارى كأنهم أقربُ إلى الطهارة من المجوس . ١٦٤ حديث : ٣٦٣ كتاب الصلاة وفرَّقَت طائفةٌ بين ما يلي عَوراتِهم وما لا يلي العورات : قال أحمدُ - في رواية حَنْبَلٍ - : لا بأسَ بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني ، إلا ما يَلِي جلدَه ، فأما إذا كان فوقَ ثيابِه فلا بأسَ به . وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ : سمعتُ أبي قال : كل ثوب يَلْبَسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثلَ الإزار والسراويل فلا يُعْجِبُنِي أن يصلى فيه؛ وذلك أنهم لا يَتَتَزَّهُون من البول . ونقل بكرُ بنُ محمد ، عن أبيه ، عن أحمدَ ، فيمن صلى في سراويل يهوديٍّ أو نصراني أو مجوسي : أَحَبُّ إلي أن يُعِيدَ صلاتَه كلَّها . ونقل حَرْبٌ ، عن أحمدَ ، قال : لا يصلَّى في شيءٍ من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلْدَه : القميصِ والسراويلِ وغيرِ ذلك . قال ابنُ أبي موسى : لا تُستعمل ثيابُ المجوسي حتى تُغْسَل ، ولا ما سَفُلَ من ثياب أهلِ الكتابِ كالسراويلِ ، وما لَصَق بأبدانهم حتى يُغسل . والمسألة : تَرجع إلى قاعدة تَعارُضِ الأصل والظاهر ، فالأصل الطهارة ، والظاهر أنه لا يَسْلَم من النجاسة ، وقد يقوى ذلك الظاهر في حقٍّ من لا تُباح ذباتُحه ؛ فإن ذبائحهم مَيْنَةٌ ، وما ولي عوراتِهم ؛ فإن سلامتَه من النجاسة بعيدٌ جدًا ، خصوصًا في حق من يَتَدَيَّن بالنجاسة . خرَّج البخاري في هذا الباب : ٣٦٣ - حديثَ: الأَعْمَئِ، عن مُسْلِمٍ، عن مَسْرُوقٍ ، عن مُغِيرَةَ بنِ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع النبيِ وَ فِي سَفَرٍ، فقال: ((يا مُغِيرَةٌ، خُذِ الإداوَةَ»، فَأَخَذْتُها ، فانطلقَ رسولُ اللَّهِ وَهِ حتى تَوَارَى عَنِّي ، فقَضَى حَاجَتَه وعليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ، فذَهَبَ لُيُخْرِجَ يدَه من كُمِّها فضاقتْ، فَأَخْرَجِ يدَه من أَسْفَلِها، فَصَبَيْتُ عليه فتَوَضَّأَ وُضُوءَه الصَّلاةِ، وَمَسَح على خُقَّهِ، ثُمَّ صَلَّى. ١٦٥ ٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية كتاب الصلاة وقد سَبَقَ هذا الحديثُ في ((كتاب الطهارة)) (١) من وجوه أُخَرَ عن المُغِيرَةِ ، وخرَّجه في ((كتاب اللباس)) (٢) من طريق الشعبي ، عن عُرْوَةَ بنِ المغيرة ، عن أبيه ، وفي حديثه : ((وعليه جُبَّةٌ من صُوف)). وفيه من الفقه : جوازُ الصلاة فيما يُجْلَب من بلاد المشركين من ثيابهم . وجوازُ الصلاة في الصوف ، وجواز الوضوءِ فيما هو ضَيِّقُ الكُمَّيْنِ وإن لم يَتَمَكَّنْ من إخراج يديه منه عند الوضوء ، إذا أُخرج يديه من أسفلِه . وخرَّج الإمام أحمدُ ، وأبو داودَ (٣)، من حديث عليٍّ بنِ زَيْدِ بنِ جُدْعَانَ ، عن أَنَسٍ ، أن ملِكَ الرومِ أَهْدَى للنبي ◌ِِّ مُسْتَقَةٌ مِن سُنْدُسٍ ، فَلَبِسها. وعليُّ بنُ زيدٍ ، مختَلَف في أَمْره ، وليس بالحافظ جداً . قال الأَصْمَعِيُّ: المَسائِقُ : فِراءٌ طُوالُ الأَكْمامِ، واحدتها: مُسْتَقَةٌ . والمستقة : بفتح القاف(٤). وتُضَمُّ - أيضًا . قال الخطابي(٥): يُشْبه أن تكون هذه المستقة مُكَفَّفَةٌ بالسُّنْدُس؛ لأن نَفْسَ الفروِ لا يكون سندسًا . قلتُ : بل الظاهر أن غشاءَ الفَرْوِ كان حريرًا ، ويدل عليه : ما رواه سالمُ بنُ نُوحٍ ، عن عمرَ بنِ عامرٍ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ : أن أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهدى إلى رسول الله وَُّ جُبَّةَ سُنْدُسٍ، فَبِها رسولُ اللّهِ وَه، فعَجِب الناسُ منها، ثم أهداها إلى عمرَ، فقال: يا رسولَ الله، تَكْرَهُها وأَلْبَسُها؟ قال: ((يا عمرَ، إنما أُرسلتُ بها إليك لتَبعث بها وَجْهًا فتصيبَ بها مالاً)). وذلك قبل أن يُنهى عن الحرير . (١) برقم (١٨٢) و (٢٠٣) . (٢) برقم (٥٧٩٩) . (٣) أحمد (٢٢٩/٣ - ٢٥١) وأبو داود (٤٠٧٤) . (٤) لعل الصواب: ((التاء)). (٥) في ((المعالم)) بهامش أبي داود ، وقول الأصمعي فيه - أيضًا . ١٦٦ حديث : ٣٦٣ كتاب الصلاة وخرَّجه البَزَّارُ وغيرُه، وخرَّجه مسلم مختصرً(١). وهذا - والله أعلم - هو فَرُّوُجِ الحرير الذي قال عُقْبَةُ بنُ عامرٍ : أُهْدِيَ لرسول اللّه وَ لَّ فَرَّوج حريرٍ فَلَبِسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف فَنَزَعه نزعًا شديدًا، كالكاره له ، ثم قال : ((لا ينبغي هذا للمتقين)). وقد خرَّجه البخاري في موضعٍ آخرَ (٧). ـزار وخرَّج مسلم (٣) من حديث أبي الزُّبِيْرِ ، عن جابرٍ ، قال: لَبِس النبي ؛ وَسَتَـ يومًا قَبَاءً من ديباجٍ أُهْدِي له، ثم أَوْشَكَ أنْ نَزَعه، ثم أَرْسَلَ به إلى عمرَ - وذَكَرَ بقيةَ الحدیثِ . (١) (١٣٩/٦) . (٢) برقم (٣٧٥) (٥٨٠١). (٣) (١٤١/٦) . ١٦٧ ٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها كتاب الصلاة ٨ - بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا ٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ: ثَنَا رَوْحٌ: نَا زَكَرِيًّا بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِبَ﴿ كَانَ يَنْقِلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: ياَ بْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ (١) عَلَى مَنْكَبِّكَ دُونَ الحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكَبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا . هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره ، وقد قيل : إنه من مراسيل الصحابة ؛ فإن جابرًا لم يحضر هذه القصة ، وإنما سمعها من غيره ، إمَّا من النبي ◌َّ أو من بعض أكابر أصحابه، فإن كان سمع ذلك من النبي بَلّ فهو متصل . وقد اختلفوا في قول الصحابي: ((إن النبي وَ لَ* فعل كذا))، هل يُحْمل على الاتصال ، أم لا ؟ والتحقيق : أنه إن حكى قصةً أدركها بِسِنِّه ، ويمكن أن يكون شهدها حُملت على الاتصال ، وإن حكى ما لم يدرك زَمَنَهُ فهو مرسل لذلك . والله أعلم(٢). (١) في نسخة : ((فجعلت)). (٢) قلت : هذا الإطلاق فيه نظر ؛ فإن إمكانية الإدراك بمجردها لا تكفي لإثبات السماع ، كما هو مذهب المتقدمين ، ورجحه ابن رجب نفسه في ((شرح علل الترمذي))، وهذه المسألة أخصُّ من تلك ، وهي من دقائق هذا الباب ، وقد توسع فيها المؤلف في الكتاب المذكور ، وكذا العراقي في ((التقييد والإيضاح)) وابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) . وانظر كتابي : ((حسم النزاع في مسألة السماع)). نعم ، الحكم بالاتصال متجه من حيث إن الصحابة كلهم عدول ، وفرقٌ بين تحقَّقِ الاتصال، وتحقُّقِ حكْمِه . والله أعلم . ١٦٨ حديث : ٣٦٤ كتاب الصلاة وبناء الكعبة حين نقل النبي وَ ل مع قريش الحجارة لم يدركه جابر، فإنَّ ذلك كان قبلَ البعثة بمدة، وقد قيل: إن عمرَ النبي وَّ كان حينئذ خمسَ عشرةَ سنة . قال معمر، عن الزهري : كان ذلك حين بلغ النبي وَّ الحُلُّمَ (١). وأما سقوطه مغشيًا عليه، فقيل: كان من شدة حيائه وَّله من تعرِّيه؛ فإنه كان مجبولاً على أجملِ الأخلاق وأكملها منذ نشأ ، ومن أعظمها شدةُ الحياءِ . وقيل : بل كان لأمرٍ شاهده وراءه ، أو لنداء سمعه نَهى عن التَّعري . وقد خرج البخاري هذا الحديث في ((باب: بنيان الكعبة)) من ((كتاب : بدء الخلق))(٢) من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، وفيه : قال . فَخَرَّ إلى الأرض، وَطَمَحَتْ عيناهُ إلى السماء ، ثم أفاقَ ، فقال: ((إزاري، إزاري)) ، فشدَّ عليه إزارهَ . وقد روى الأزرقيّ في ((كتاب: أخبار مكة)). ثنا جَدِّي : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : جلس رجال من قريش في المسجد الحرام ، فيهم حويطب بن عبد العزَّى ومخرمة بن نوفل ، فتذاكروا بنيانَ قريشِ الكعبةَ - فذكر حديثًا طويلاً في ذلك - ، وفيه : فنقلوا الحجارة ، ورسول اللّه وَّر يومئذٍ غلامٌ لم ينزلْ عليه الوحي، ينقلُ معهم الحجارةَ على رقبته ، فبينا هو ينقلها إذ انكشفتْ نَمِرةٌ كانت عليه ، فنودي : يا محمدُ ، عَوْرَتَكَ، وذلك أول ما نودي - والله أعلم -، فما رئيت لرسول اللّه وَل عورةٌ بعد ذلك، ولُبِجَ برسول اللّه وَّل من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت بعض نَمِرَتِكَ على عاتِقِكَ تقيك الحجارةَ، فقال: ((ما أصابني هذا إلا من التعري)) فشد رسول اللّه وَل إزاره، (١) في هامش الأصل: ((ق)): ((وقيل: كان ابن خمس وثلاثين وهذا بعيد جدًا)). (٢) برقم (٣٨٢٩) . ١٦٩ ٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها كتاب الصلاة وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث . وقال - أيضًا - : ثنا جَدِّي وإبراهيم بن محمد الشافعي ، قالا : ثنا مسلم ابن خالد ، عن ابن خثيم ، قال: كان رسول اللّهِ وَّ غلامًا حيث هدمت الكعبةُ ، فكان ينقل الحجارة ، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فَلُبِجَ به ، فأخذه العباس فضمه إليه، فقال رسول اللّه وَخل: ((إني نهيت أن أتعرَّى)). يقال : لُبِجَ بفلان ، ولُبِطَ به ، إذا صرع ، وهو معنى ما في حديث جابر : ((فسقط مغشيًا عليه)) . وروى الإمام أحمد(١): ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن ابن خُثيم ، عن أبي الطفيل ، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية ، قال : فهدمَتْهَا قريشٌ ، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي ، تحملها قريش على رقابها ، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا . فبينا النبي وَّ يحمل حجارة من أجيادٍ وعليه نَمِرَةٌ ، فضاقت عليه النَّمِرةُ ، فذهب يضع النَّمِرةَ على عاتِقِه فترى(٢) عورته من صِغَرِ النَّمِرَةِ ، فنودي : يا محمد ، خَمِّرْ عورتَك ، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك . وروى ابن سعد(٣) بإسنادٍ ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : أول شيءٍ رأى النبيُّ ◌َلّ من النبوة أن قيل له: اسْتَتِرْ، وهو غلام، فما رئيت عورتُه من يومئذٍ. ويروى بإسناد أجودَ منه ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبيه، أن النبيِ رَلهول قال: ((نُهيتُ أن أمشيَ عريانًا))، [قلت: اكتمها الناسَ مخافةَ أن يقولوا : مجنون](٤). وبعض رواته لم يذكر في إسناده: ((العباس)). (١) (٥ / ٤٥٤ - ٤٥٥) . (٢) في الأصل ((ق)): ((فبدا)) وفي هامشه: ((لعله: فبدت))، والمثبت من ((المسند)). (٣) (١/ ١/ ١٠٢) وكذا ابن عدى (٢٤٨٧/٧). (٤) مكانها بياض بالأصل، واستدركتها من ((مسند البزار)» (١٢٩٥) (١٢٩٦) حيث أخرجه من طريق سماك ، به . وانظر : تعليق محققه . ١٧٠ حديث : ٣٦٤ كتاب الصلاة وخرج البزار(١) من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف - ، عن مجاهد ، عن ابن عباس، قال: كان رسول اللّه وَ ل يغتسل من وراء الحجرات، وما رُئي عورتُه قط . وقال : لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا . وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن المِسْور بن مخرمة ، قال : أقبلت بحجر أحمله ثقيلٍ ، وعليَّ إزارٌ ، فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ ، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول اللّه وَّه: ((ارجع إلى ثوبكَ فخذه، ولا تمشوا عراة)» . وفي ((مسند الإمام أحمد))(٣) بإسناد جيد، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ، أنه مَرَّ وصاحب له بأيمن وفِتْيَةٌ من قريش قد خلعوا أُزُرَهُمْ، فَجَعَلُوهَا مخَارِيقَ يجْتَلِدُونَ بها وهم عُراة . قال : فلما مررنا بهم قالوا : إن هؤلاء لقِسِّيسُون ، فدعوهم ، ثم إن رسول اللّه وَله خرج عليهم، فلما أبصروه تبدَّدُوا ، فرجع رسول اللّه ◌َ ﴿ه مُغْضَبًا حتى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة، فأسمعه يقول: ((سبحان اللّه، لا من اللّه استَحْيَوْا، ولا من رسوله اسْتَتَرُوا))، وأمُّ أيمَن عنده تقول : استغفر لهم يا رسول اللّه، فَبِلأيٍ ما استغفر لهم. وقوله : فَبِلأْىٍ : أي بشدة ، ومنه الَّلَأْوَاءُ، والمعنى : أنه استغفر لهم بعد شدة امتناعه من ذلك . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي(4) - وحسنه - من (١) (٢٤٥٩ - كشف الأستار). (٢) (١/ ١٨٤) . (٣) (٤/ ١٩١). (٤) أحمد (٣/٥) وأبو داود (٤٠١٧) والنسائي في ((عشرة النساء)) (٨٦) والترمذي (٢٧٩٤) وابن ماجه (١٩٢٠) . ١٧١ ٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها كتاب الصلاة حديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ، قال : قلت : يا رسول اللّه ، عوراتُنا ما نأتي منهن وما نذرُ ؟ قال : ((احفظ عورتك إلا من زوجَتَكَ ، أو ما ملكتْ يمينُكَ) ، فقالَ : الرجلُ يكون مع الرجلِ ؟ قال : ((إن استطعت أن لا يراها أحدٌ فافعلْ))، قلت: فالرجل يكون خاليًا ؟ قال : ((فالله أحقُّ أن يُستحيا منه)) . وقد ذكره البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) هذا تعليقًا مختصرًا ، فقال: وقال بهزٌ ، عن أبيه ، عن جدِّ(١) [ ... ](٢). وقد أجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة لغير حاجة ، على قولين ، هما وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، ويجوز كشْفُها للحاجة إليه بقدْرها بغير خلاف ، وقد سبق في ((كتاب : الغسل)) ذكر بعض ذلك . (١) تقدم في ((كتاب: الغسل))، (باب: ٢٠ - من اغتسل عريانًا وحده)). (٢) بياض بمقدار كلمتين أو ثلاث . ١٧٢ حديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة ٩ - بَابُ الصَّلاَةِ فِي القَمِيصِ وَالسََّاوِلِ والنَّانِ والقَبَاءِ خرَّج فيه حديثين : الحديث الأول : ٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: فَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ ◌َ فَسَلَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: ((أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟)) ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءِ ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِذَارٍ وَقَبَاءِ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاء ، في تُبَّانِ وقَبَّاءٍ، في تَبَّانِ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسِهُ قَالَ: فِي تَبَّنِ وَرِدَاءٍ. قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه ، وذكرنا أن قوله : ((أو لكلكم ثوبان؟))، ((أو كلكم يجد ثوبين؟ )) إشارة إلى أنه لو لم تُشْرَعِ الصلاةُ في ثوب واحد لشق على كثير منهم ؛ فإنه كان فقيرًا لا يجد ثوبين . وفيه إشارة - أيضًا - إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب حينئذٍ ، فلما كثرت الثياب ، ووسع اللّه على المسلمين ، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر - رضي اللّه عنه - حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين ؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد . وكلُّ ما يلبس على البدن فهو ثوب ، سواء كان شاملاً له أو لبعضه ، وسواء كان مخيطًا أو غير مخيط ، فالإزار ثوب ، والرداء ثوب ، والقميص ثوب ، والقَبَاء ثوب ، والسراويل ثوب، والتَّبَّانُ ثوب، فلهذا قال عمر : إذا وسع اللّه ١٧٣ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء كتاب الصلاة عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء - والإِزَارُ : ما يشدُّه على وسطه ، والرداء : ما يلقيه على منكبيه - في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . وشك الراوي : هل قال : في تبان ورداء ؟ والتُّبَّان والرداء : بمنزلة السراويل والرداء . فكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر - رضي اللّه عنه - صلاة في ثوبين ثوبين . وقد روى الجُريري ، عن أبي نَضْرةَ، قال : قال أبي بن كعب : الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع النبي بَّهُ ولا يُعَابُ علينا - فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك إذْ كان في الثياب قلة ، فأما إِذْ وسع اللّه فالصلاةُ في الثوبين أزكى . خرَّجه عبد اللّه ابن الإمام أحمد في ((المسند))(١)، وفيه انقطاع. وخرجه الدارقطني في ((علله)) من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فصار متصلاً . وذكر أنه روي عن داود ، عن أبي نضرة ، عن جابر . وروى وكيع في ((كتابه))(٢) عن مبارك بن فَضَالة ، عن الحسن ، قال : اختلف عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال أبيٌّ : في ثوب ، وقال ابن مسعودٍ : في ثوبين ، فبلغ ذلك عمر ، فقال : القول ما قال أبيُّ ، ولم يَأْلُ ابن مسعودٍ عن الخير . وهذا منقطع - أيضًا . (١) (٥/ ١٤١) . (٢) وعبد الرزاق (٣٥٦/١) والبيهقى (٢٣٨/٢). ١٧٤ حديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة وروى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد ، قال : قال [ ... ] (١): كَّا نصلي في ثوب واحد، حتى جاء اللّه بالثياب ، فقال : صلوا في ثوبين ، فقال أُبيَّ بن كَعْبٍ : ليس هذا في شيءٍ ، قد كنا نصلي على عهد رسول اللّه وَّي في الثوب الواحد، ولنا ثوبان، قيل لعمر بن الخطاب: ألا تقضي بين هذين - وهو جالس - ؟ قل : أنا مع أُبيِّ . وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل ، وكذلك كان يفعله جابر بن عبد اللّه(٢) وغيره. ويحتمل : أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز الصلاة في ثوب واحد ، ويدل على هذا الاحتمال : أن عمر قد صحَّ عنه الأمر بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنه البخاري - ، فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز ، وتارة بيان الأفضل . وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين ، وقد تقدم عن ابن عمر وغيره ، وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : مالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد . ويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره ، وظاهرُ كلام أحمد : كراهته للإمام دون المنفرد ، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم في سفر أو في بيته ، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها ، والإمام هو المنظور إليه ، فيتأكدُ استحباب الزينةِ في حقِّه . ويدلُّ على هذا: أن صلاة النبي بَُّه في الثوب الواحد، إنما كان تارة في (١) بياض بالأصل ((ق))، وكتب في الحاشية: ((لعله ابن مسعود) قلت: لم يذكر المزي أن سعيدًا - وهو : ابن المسيب - له رواية عن ابن مسعود ، وإن كانت القصة مشهورة عن ابن مسعود . والله أعلم . (٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٣٧/٢). ١٧٥ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء کتاب الصلاة ١ بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة (١)، وتارة في السفر كما في حديث جابر (٢). وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين(٣) على بعض: فقال أبو مالك : الصلاة في الإزار والقَبَاء أحبُّ إلي من الصلاة في القميص والإزار . وعن النخعي ، قال : الصلاة في التَّبَّانِ والرداء أحب إلي من الصلاة في القميص والرداء . والظاهر: أنَّه فَضَّل التُّبَّانَّ والسراويلَ على الإزار ؛ لأنه يُوَاري العورةَ عن الأرضِ ، فقد روي عنه: أنه كره أن يُفْضِيَ بفَرْجِه إلى الأرض في الصلاة . وأما إن صلى في ثوب واحد ، فقال الشافعي وأصحابنا : أفضل ذلك القميص ، ثم الرداء ، ثم الإزار ، ثم السراويل . ومن أصحاب الشافعي [ من ] قال : السراويل أولى من الإزار ؛ لأنه أستر ، وهذا مقتضى كلام النخعي كما سبق . واستدل من رجح الإزار : بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف السراويل . وسئل الإمام أحمد : السراويل أحب إليك أم الميازِرُ ؟ فقال : السراويل محدث ، ولكنه أستر . وقال أيضًا - : الأُزُر كانت لباس القوم ، والسراويل أستر . قال : والحديث : ((من لم يجد الإزارَ فَلْيلَسِ السَّراويلَ)) (٤)، وهذا دليل أن (١) تقدم (٣٥٥)، (٣٥٦). (٢) تقدم (٣٦١) . (٣) كذا، والأشبه: ((الثياب)). (٤) أخرجه البخاري (١٨٤١) (١٨٤٣) ومسلم (٣/٤) وغيرهما من حديث ابن عباس. ومن حديث جابر عند مسلم (٣/٤) . ١٧٦ حديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة القوم قد لبسوا السَّرَاوِيلاَتِ . وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص ، وأنه يَزُرَّهُ ولو بشوكة . وفي ((سنن أبي داود))(١) عن جابر ، أنه أمَّ في قميصٍ لَيْس عليه رداء ، فلما انصرف قال: رأيت رسول اللّه وَ ال يصلّي في قميص. وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى : ثنا شيخ ، قال : أمَّنا الحسن - أو الحسين - بن علي - رضي الله عنهم - في قميص خفيف ، ليس عليه إزار ولا رداء ، فلما صلى قال : هذه السنة - أو من السنة - ، وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب . وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يَزَرَّهُ ، وقد تقدم قول من كره الصلاة في قميص غير مزرور استدلالاً بحديث سلمة بن الأكوع ، فإن لم يزر القميص فإنّ كان تحته إزار أو سراويل صحَّتْ صلاته لاستتارِ عورته . وقد رُوي ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو مُتَّزَر ، وربما اتَّزر تحتَ قميصه وفوقَه في السفر . وإنْ لم يكن عليه إزار ولا سراويل ، فإن كان له لحية كبيرة تسترُ جَيْبَه بحيث لا يُرَى منه عورته صحَّتْ صلاته - : نصَّ عليه أَحْمَدُ في رواية الأثرمٍ، وهو قول داود الطائي ، وأصحَّ الوجهين للشافعية . وإن لم يكن كذلك ، بل كان يَرَى عَوْرَةَ نفسِهِ من جيبهِ لم تصحّ صلاتُهُ، عند الشافعي وأحمد ، وتصحَّ عند مالك وأَبِي حَنِيفَةَ وأبي ثورٍ ، كما لو رِئِيت عَوْرته من أسفلِ ذَيْلِه . وقد رخَّصَ في الصلاة في قميص غير مُزَرَّرٍ : سالم بن عبد الله بن عمر وغيره من السلف . (١) (٦٣٣) . ١٧٧ كتاب الصلاة ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء وقال مالك : هو أستر من الذي يصلي متوشحًا بثوب . وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عمن صلى ولم يزرَّ عليه ، ولم يَحْتَزِمْ ؟ فقال : جائز ، فقلت له : إنه لو نظر إلى فرجه رآه ، فقال : لا يمكن أن يَرَى ذاك . وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يَزُرُّ عليه ، فإن لم يفعل وكان إذا ركع لا يستترُ فرجُه عن النّظرِ أعاد الصلاة . وقال أبو خيثمة : نأمره أن يَزُرَّ عليه ، ولا أرى عليه إعادةً ؛ لحديث النبي وَلَه حين قال للنساء: ((لا ترفعنْ رُءُوسكن قَبْلَ الرِّجَال)) من ضيق الأُزْرِ (١)، وحديث عمرو بن سلمة: ((غَطُّوا عَنَّا استَ قارِئُكُمْ))(٢). قال الجوزجاني : والقول في ذلك على ما قال أبو خيثمة لِمَا احتج به ، ثم قال: ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود : ثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد، أنه سمع رسول اللّه وَ له يقول: (يا معشرَ النساء، إذا سجد الرجال فاخْفِضْنَ أَبْصَارَكُنَّ، لاَ تَرَيْنَ عَوْرَات الرِّجَال)) مِن ضِيقِ الأُزُرِ . وروى الطبراني(٣) بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على رسول اللّه وَله وهو يصلّي مُحْتَبِيًّا، محلل الأَزْرَارِ. الحديث الثاني : ٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِوَهُ، فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لاَ يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانُ أَوْ (١) تقدم (٣٦٢) . (٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢) وأبو داود (٥٨٥). (٣) في ((الكبير)" (١١/ ١٥٢). ١٧٨ حديث : ٣٦٦ كتاب الصلاة وَرْسٌ(١)، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلَسِ الخُفَيْنِ ، وَلَيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الگَعْبَیْنِ)) . وَعَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّيِّ ◌َ - مِثْلَهُ. القائل: ((عن نافع)) هو ابن أبي ذئب ، وقد سبق الحديث عنه بالوجهين - أيضًا - في آخر ((كتاب العلم))(٢). والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أنه يدل على أن لبس ما ذكر فيه من اللباس كان متعارفًا بينهم، وقد عَدَّ النبيِ نَّهِ ونَهى المُحْرِمَ عَنْ لبسه ، فَفِيه ◌ِقْرَارٌ لغيرِ المحرم على لِباسِه ، وقد سبق من كلام الإمام أحمد : استدلاله به على لباس السراويلٍ . وإذا أقرَّ النبي ◌َّ أَمَّه على لبس هذه الثياب في غير الإحرام ، فهو إقرار لهم على الصلاة فيها ، ولو كان ينهى عن الصلاة في شيء منها لَبَيَّنَ لهمْ ذلك . وقد ورد النهي عن الصلاة في السراويل في حديث رواه الحسين بن وَرْدَان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : نهى رسول اللّه وَّر أن نصلي في السراويل. خرجه الطبراني والعقيلي(٣)، وقال: لا يُتَابع حسين عليه، ولا يُعْرف إلا به . ولو صحَّ لحُمَل على الاقتصار على السراويل في الصلاة مع تَجْرِيدِ المِنْكَبَيْنِ ، يدلُّ على ذلك : ما رواه أبو المنيب عبيد الله بن عبد اللّه العتكي، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: نهى رسول اللّه وَّل أن يُصلى في لحافٍ لا يَتَوَشَّحُ به ، والآخر أن تصلي في سراويلَ ليس عليك رِدَاءٌ . (١) في ((اليونينية)): ((ولا ورس)). (٢) برقم (١٣٤) . (٣) الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨٣٧) والعقيلي (٢٥١/١). ١٧٩ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء كتاب الصلاة خرجه أبو داود(١). وخرجه الطبراني والعقيلي(٢)، ولفظه: نهى أن يصلي الرجل في السراويل الواحد ، لَيْسَ عليه شيء غيره . وخرجه ابن عدي(٣)، ولفظه: نهى رسول اللّه وَّل عن مَلْبَسَيْنِ: أحدُهُمَا: المصلي في ثوبٍ واحد لا يَتَوَشَّحُ به ، وأما الآخر : أنْ يصلي في سراويلَ لَيْسَ عليه رِدَاءٌ . وأبو المنيب ، وثقه ابن معين وغيره . وقال البخاري : عنده مناكير . وقال ابن عدي : عندي أنه لا بأس به . وقال العقيلي في هذا الحديث - : لا يُتابع عليه ، ولا يُعرفُ إلا به . وقد رُوي عن عمر ، أنه كتب إلى بعض جنوده : إذا رجعتم من غَزَاتِكُمْ هَذِه فَأَلْقُوا السَّراويلَ والأَقْبِيَةَ، والْبَسُوا الأُرُرَ والأَرْدِيَةَ . وهو محمول على أن لباسَ العرب المعهود بينهم أفضلُ من لباس العجمِ ، فخشيَ على من رجع من بلاد العجمِ أن يستمروا على لباسِ العجم ، فربما هُجر لباسُ العرب بالكلية . ولهذا روي عنه أنه قال : إياكم وزيَّ الأعاجم ، ويدل على هذا : أنه قد رخَّصَ في الصلاة في السراويلِ والأقبية ، كما خرجه البخاريّ عنه . (١) (٦٣٦) . (٢) الطبراني في ((الأوسط)) (١٩٣٩) والعقيلي (١٢٢/٣). (٣) (٤/ ١٦٣٦ - ١٦٣٧) . ١٨٠ حديث : ٣٦٧ - ٣٦٨ كتاب الصلاة ١٠ - بَبُ مَا يُسْتَرُ مِنَ العَوْرَةِ خرج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : ٣٦٧ - من رواية: الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةً، عَنْ أَبِ سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِوَ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّعَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ. الحديث الثاني : ٣٦٨ - من رواية: أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ وَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللَّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَخْتِيَ الرَّجُلُ فِي نَوْب واحد . قد تضمن الحديثان - معًا - النهيَ عن لُبستين ، وسواء في ذلك حالُ الصلاة وغيرها . وقد روى سفيان الثوري، عن أبي الزناد - حديث أبي هريرةَ ، وقال فيه: نهى رسول اللّه وَله عن لُبْسَتَيْنِ في الصلاة - وذكر الحديث - إحداهما: اشتمال الصماء ، ولم يذكر تفسيرها . وقد خرجه في ((كتاب: اللباس))(١) من رواية الزهري ، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد بسياقٍ مُطَوَّل، وفيه: أن النبي ◌َّ نهى عن لُبستين: اشتمالِ الصَّمَّاء، والصَّمَّاءُ : أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحدُ شقَّيْهِ (١) (٥٨٢٠) وكذا في ((البيوع)) (٢١٤٤).